وبعد بيان العدالة الظاهرة والباطنة، فهل يُشترط في قبول الراوي العدالة الباطنة فقط، أم أنه قد تقبل العدالة الظاهرة في بعض الأحيان؟ الصواب: أنه مَنْ كان عدلاً في الظاهر قد نقبله في بعض الأحيان، وهذه الحالات هي:
1- مَنْ تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم؛ لتقادم العهد بهم، فكل من تعذرت الخبرة الباطنة بحاله نكتفي منه بالعدالة الظاهرة، وهذا هو الذي سار عليه أهل العلم بعامة.
2- المتأخرون من رواة النسخ الحديثية، فهؤلاء لا يشترط فيهم شئ كثير؛ لأنهم مجرد رواة لكتب ترويها الأمة كلها، كمن يروي (صحيح البخاري) ، وعنده إجازة بروايته بإسناده إلى مؤلفه، فكتاب البخاري تناقلته الأمة كلها، وليس هناك مزيّة في هذه الرواية إلا بقاء اتصال الإسناد، فيُقبل من أيّ شخصٍ مادام أن ظاهره الإسلام، ولم يكذب في دعواه، فيُقبل منه وإن كان في الباطن ليس عدلاً. المقصود أن المتأخرين يُتساهل فيهم، ونصّ على هذا التساهل الإمام الذهبي في مقدمة كتابه (ميزان الاعتدال) ، واعتبر الحدّ الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين من هذه الناحية -وهي: الاكتفاء بالظاهر، وعدم معرفة بواطن أحوالهم- سنة ثلاثمائة للهجرة، فمن جاء بعد سنة ثلاثمائة للهجرة يُتساهل فيما يتعلق بهم -وهم المتأخرون-، ومن أجل ذلك قال: لن أذكر كل من تُكُلِمَ فيه بعد سنة ثلاثمائة للهجرة، إلا من طُعن فيه بقادح شديد، أما من سواهم فيُتساهل معهم؛ لأنهم رواة نسخ. وعليه كلما تقادم العهد يتساهل في رواة النسخ، حيث لم يبق إلا مزية الإسناد، وهو شرفٌ مهم.
وتُعرف العدالة الباطنة -لنا الآن- من خلال:
1. الشهرة والاستفاضة، فمن كان مستفيض العدالة فليس هناك حاجةٌ في البحث عن عدالته، كالأئمة المشهورين: كالإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري ومسلم، فهؤلاء لا يُسأل ولا يُبحث عن مثلهم، بل هم يُسألون عن الناس.
2. التنصيص: بأن ينص الأئمة على توثيق فلان، أو على ضعفه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
3. التصحيح والتحسين: فإذا وقفت -مثلاً- على راوٍ أخرج له البخاري في صحيحه، ولم أقف على جرحٍ في هذا الراوي ولا تعديل، إلا أن البخاري أخرج له في صحيحه، فحكم هذا الراوي أنه ثقة؛ لأن أحد شروط الحديث الصحيح: أن يكون رواته عدولاً ضابطين. ويُحتمل أن يكون هذا الراوي ممن أخرج له البخاري في الشواهد والمتابعات، لكن حتى من أخرج له البخاري في الشواهد والمتابعات -على الصحيح- أنه لا ينزل عن مرتبة القبول عند من صحح له. ثم إن الذين أخرج لهم البخاري في المتابعات والشواهد قلة، والأصل أن يخرِّج للراوي استقلالاً. وكذلك من أخرج له الإمام مسلم فهو ثقة. وقد تكلم عن هذه القضية الإمام الذهبي في كتابه (الموقظة) ، وقسّم العلماء إلى ثلاث طبقات على حسب تشددهم وتساهلهم، فقال: من لم يُوثّق ولم يُجرح، وأخرج له البخاري ومسلم، فهو ثقة لا شك فيه، ومن صحح له الترمذي وابن خزيمة فحديثه: جيّد، ومن صحح له الدارقطني أو الحاكم فأقل أحواله حُسن حديثه. هذا كله فيمن لم يُجرح ولم يُعدّل، لكن هل تنحصر فائدة التصحيح السابق فيمن لم يجرح ولم يعدل فقط؟ الجواب: لا، يمكن أن يستفاد من ذلك أيضاً بضوابطٍ ليس هذا محل ذكرها.
وهناك أمرٌ يجعلنا نحتج بالتصحيح والتحسين مع وجود ما يخالفهما من العبارات الصريحة، وذلك في مثل ما لو صرّح الإمام أنه يُصحِّحُ الإسناد، فلو قال: هذا إسناد صحيح، فالأصل فيه أنه يقصد: أن هذا الإسناد تحققت فيه شروط الصحة، وأنه لم يصححه بالمتابعات والشواهد، وإنما صححه لاجتماع شروط الصحة فيه؛ لأن الوصف أصبح للإسناد، لا للحديث بمجمله حتى نقول بالمتابعات والشواهد. فإذا صُحح الإسناد -وهذا كثيراً ما يفعله الحاكم- فيمكن أن يحتج بذلك على توثيق رواة ذلك الإسناد، ويُعتبر أن الحاكم يوثقهم، وإن كان غيره يضعفهم، فتُعَدُّ هذه المسألة من مسائل تعارض الجرح والتعديل حينها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
أيضاً يمكن أن نحتج بالتصحيح فيما لو قال الإمام: حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث فلان، فهذا قد يكون أقوى من تصحيح الإسناد؛ لأن الغرابة لا تقبل إلا ممن اجتمعت فيهم صفات القبول، وصفات معيّنة قويّة تجعله حريّاً بأن يُعتمد عليه حتى عند تفرده، فالحكم على الحديث بالصحة مع الغرابة فيه دلالة قوية على توثيق رواته.
4. من ذَكَرَ العلماء أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإن روى عن رجلٍ يكون هذا توثيقاً له، كما ذكروا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه لايروي إلا عن ثقة، وكذلك عن مالك، وعن يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن البخاري، وعن يحيى بن سعيد القطان، وعن أحمد بن حنبل، وغالب النقاد الكبار هم من هذا القبيل، ولا يعترض على هذا الكلام بأنه قد يكون ثقة عنده، أو أن العلماء قد ضَعفوا هذا الراوي الذي روى عنه هذا الإمام، فيقال عن هذا: أن رواية الإمام عن الراوي مثل حكمه عليه تصريحاً، فلو حَكَمَ أحد الأئمة على راوٍ بأنه ضعيف أو ثقة، وكان الراجح والصواب خلافه، فهل هذا يعني أن نطرح قول الإمام ولا نعتبره في الجرح والتعديل؟ الجواب: لا، بل نعتبر قوله ونحكم به؛ لأن هذه الحالات نادرة، ولا نجعل النادر قاضياً على الغالب، وعليه فالأصل في رواية الإمام عن رجل أنه توثيق له، وهذا الأمر قد اعتمده العلماء قديماً، وعليه فيصح أن تقول عن الراوي المذكور في إسناد الإمام: وثقه فلان، أي الإمام الذي روى عنه، وهذا المُرجح يذكر في حالة عدم وجود جرح ولا تعديل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
وتُعرف العدالة الظاهرة:
1. برواية عدلين ثقتين.
2. أو برواية ثقة واحد، بشرط أن يكون من العلماء النُقّاد، فلو روى ناقدٌ عن أحد الرواة -الذين لا نعرف فيهم جرحاً ولا تعديلاً- فقد عُرفت عدالته الظاهرة.
ويعرف العلماء الضبط من خلال أمور:
1. النظر في روايات الراوي التي شارك فيها الرواة الآخرين الثقات، فإن وافقهم ولم يخالفهم في زيادة أو نقص أو تغيير، فهذا دليل ضبطه، وإن كان الغالب فيه عدم الموافقة وكثرة المخالفة، فهذا يدل على عدم ضبطه، وعلى حسب نسبة المخالفة يُعرف مقدار الضبط عند هذا الراوي.
2. أن لا يكثر التفرد، أمّا إن كان غالب أحاديثه مفاريد لا يشاركه فيها أحد في أصل الرواية، فهذا دليل على أنه ليس بصحيح الرواية، بل قد يُتهم بالكذب بكثرة تفرده، وعدم رواية غيره لها.
3. أن لا يتفرد بالمناكير، فقد لا يكون كثير التفرد، لكنه يتفرد فقط بالمناكير، وإن كانت معدودة. والنكارة قد تكون ظاهرة لا تخفى على أيّ طالب علم، كما يعبر عنها ابن حبان فيقول: هذا حديث لا يخفى على من ليس الحديث صناعته أنه ليس بصحيح، ومثل ما قيل لشعبة:" كيف تعرف أن الحديث كذب؟ قال: إذا كان في الحديث أنك لا تأكل القَرْعة حتى تذبحها، فهو كذب". لكن قد تخفى النكارة فلا يعرفها إلا المتمرس من الحفاظ الكبار، الذين يلهمهم الله -جل وعلا- اكتشاف ومعرفة الأحاديث التي يمكن أن تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والأحاديث التي لا يمكن أن تنسب إليه صلى الله عليه وسلم.
4. ملاحظة طبقة الراوي، ومقدار تفرده: فكلما تأخرت طبقة الراوي لا نقبل منه التفرد، فالتفرد في طبقة التابعين أسهل وممكن من طبقة أتباع التابعين، وفي هذه الطبقة أشد من التي قبلها، وإمكانية التفرد فيها أكبر من طبقة أتباع أتباع التابعين، أما طبقة أتباع أتباع أتباع التابعين فلا يكاد يُقبل تفرد أحد فيها، بل ولا يُتصور حديث صحيح يرويه ثقة لا يجد مَنْ ينقله عبر هذه السنين إلا واحد، فهذا أدعى لردّ تفرده، وتضعيف حديثه.
وبالنسبة للتفرّد تُلاحظ في الحكم على حديث الراوي المقبول (في أي درجة من درجات القبول) إذا تفرد بحديث أموراً أربعة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
درجة ضبط الراوي وموازنتها بدرجة التفرّد (والتي تزداد درجتها كلما كان الحديث المتفرَّد به الدواعي على نقله أوفر) .
ج. وموازنة ذلك بطبقة الراوي كما سبق.
د. وموازنة ذلك بطبقة الراوي في الشيخ الذي تفرّد عنه - كما ذكر ذلك مسلمٌ في مقدمة صحيحه، في طريقة معرفة المنكر من الحديث -.
واختلال الضبط يُقسمه العلماء إلى قسمين:
1. اختلال ضبط طارئ.
2. اختلال ضبط لازم.
أما اختلال الضبط اللازم: فهو سئ الحفظ من صغره، فمثل هذا له مراتب على حسب نسبة الخطأ عنده، وعلى هذا يُفرّق بين الرواة. وعموماً من لم يكن جَرْحُهُ إلا اختلال الضبط، فمهما فحش الغلط منه فهو في حيّز الاعتبار، وينفع في المتابعات والشواهد. قد يقول العلماء عمّن فحش غلطه: إنه متروك، لكن تأتي عبارة أخرى لعالم يقول: هو فاحش الغلط، لكنه لم يكن يكذب -أي عن الراوي المتروك في العبارة السابقة-. فبذلك نعرف أن قولهم متروك يعني: أن أحاديثه متروكٌ الاحتجاج بها، أي: ضعيفة، فلما قيل: لا يتهم بالكذب، عرفنا أنه برئ من الكذب، وإنما ضَعْفُه من خلال اختلال الضبط. وإنما قلنا باعتبار رواية فاحش الغلط غير المتهم بالكذب؛ لأنه قد يأتي راوٍ فاحش الغلط -غير متهم بالكذب- فيروي حديثاً بإسناده ومتنه، ويأتي آخر مثله يسوق نفس الحديث بإسناده ومتنه، فيتوافقان في الصفات والرواية، فمن النادر جداً أن يتوافق الاثنان على الخطأ بهذه الدقة، فهؤلاء يُعتبر بحديثهما ويتعاضدان.
لكن يُقَسَّمُ أصحاب اختلال الضبط إلى طبقات، فمن كان خطأه فاحشاً فلا بد من متابعة تامة قوية حتى تشدّ من روايته،أما من كان خطأه أقلّ من ذلك فيمكن أن يتقوى بأيّ متابعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
أما الخطأ الطارئ وهو في الرواة المختلطين، فهناك كتب تخدم الباحث عن الرواة المختلطين، مثل كتاب (الكواكب النيّرات فيما اختلط من الرواة الثقات) لابن كيّال، وكتاب (المختلطين) للعلائي، وكتاب (الاغتباط فيمن رُمي من الرواة بالاختلاط) لسبط ابن العجمي، وأجلُّ هذه الكتب هما الكتابان الأوّلان، خاصة أن كتاب (الكواكب النيّرات) قد ملأه محققه بالتعليقات المفيدة في هذا الباب، كذلك كتاب (المختلطين) خَدَمَهُ محققه خدمة جليلة.
*حكم الراوي المختلط: إذا لم يُميّز فحديثه مردود. والمقصود بالتمييز: أي تمييز من سمع منه قبل الاختلاط ممن سمع منه بعد الاختلاط.
أما إذا تميّز، فمن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه مقبول، ومن سمع منه بعد الاختلاط فحديثه مردود، إلا إذا توافق مع راوٍ سمع منه قبل الاختلاط، فلا يُتصور أن الراوي المختلط يُخطئ في جميع أحاديثه، فقد يكون هناك أحاديث يرويها على الصواب.
تنبيه: بعض العلماء قد يُغاير بين معنى التغيّر والاختلاط؛ لأنه بلا شك أن كل الرواة إذا كبر سنهم لا بد وأن يختل حفظهم، وهذا من طبيعة البشر، لكن من الرواة من يختل حفظهم إلى درجة أن يكثر هذا الاختلال فيكون مختلطاً، ومنهم من يحصل له الاختلال لكنه لا يزال متماسكاً، فكأنه نزل من تام الضبط إلى خفيف الضبط، فينزل حديثه من الصحة إلى الحسن، ومنهم من لا يختل إلا بدرجة يسيرة جداً، لا تؤثر في إنزاله عن مرتبة تمام الضبط. وقد يُنبه العلماء أحياناً على هذا الأمر، كما قال الذهبي في ترجمة أبي إسحاق السبيعي: (تغيّر تغيُرَ السن، ولم يختلط) ، فبيّن أن اختلاطه يسير؛ لكبر السن، وليس اختلاطاً فاحشاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
*مسألة الرواية عن أهل البدع: قد اختلف فيها أهل العلم كثيراً، فمنهم من منع الرواية عن المبتدعة مطلقاً، ومنهم من قبلها عنهم مطلقاً، ومنهم من فصّل، واختلفوا أيضاً في هيئة هذا التفصيل.
والراجح في رواية المبتدع أنها لا تقبل إلا بالشروط الآتية:
الشرط الأول: أن لا يكون مُكفراً ببدعته، فمن كفَّرَهُ أهل السنّة والجماعة بعينه، فهذا لا يستحق أن يذكر في زمرة المسلمين فضلاً عن أن يكون من الرواة المقبولين.
الشرط الثاني: أن لا يكون فيه سببٌ لردّ الحديث سوى البدعة، أي أن يكون معروفاً بالتقوى والورع، ومُعظماً لحرمات الدين، وضابطاً … إلخ، فالمقصود: أن لا يكون فيه طعنٌ سوى البدعة.
الشرط الثالث: أن يكون غير معاندٍ متبع للهوى، وهي التي يُعبر عنها العلماء بقولهم: أن لا يكون داعية، وقد عبّر عنها الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بقوله: أن لا يكون معانداً. فعبّر بالمعاند ولم يُعبر بمطلق الداعية.
ومَنْ نقل الإجماع كابن حبان والحاكم على عدم قبول الداعية، فيغلب على الظن أنهم يقصدون الداعية المعاند الذي يتبع الهوى، فيعرف الحق ويُصرّ على الباطل استكباراً وعناداً، فهذا غير متأول، فلا نقبل روايته مطلقاً، أما المتأول فيُتساهل مع روايته دون الأول.
الشرط الرابع: أن لا يروي حديثاً منكراً يؤيد بدعته. وينبغي التنبه لكون الحديث منكراً، فلا يكفي أنه يؤيد بدعته، فقد يروي المبتدع حديثاً يؤيد بدعته، لكن لا يكون منكراً، فحينها إذا اجتمع مع بقية الشروط قبلنا هذه الرواية، كما أخرج الإمام مسلم حديث عدي بن ثابت وهو من الرافضة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: ((لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)) ، فهذه روايةٌ في صحيح مسلم لأحد المبتدعة الدعاة، يؤيد فيها بدعته، لكن ليس فيها نكارة، فلا يشك أحدٌ أن علي بن أبي طالب لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، بل هذا نقوله في جميع الصحابة؛ فلذلك أخرج هذه الرواية الإمام مسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
*وهنا يرد سؤال، وهو أنه هل يحق لنا أن نردّ روايةً لمبتدع؛ لأنها منكرة تؤيد بدعته، ومع ذلك نقبل بقية مروياته؟ فهو إما أن يُتهم بالكذب؛ لروايته لذلك الحديث المنكر، وعليه فلا يُقبل له حديثٌ مطلقاً، وإما أن تقبل جميع أحاديثه، حتى الرواية التي نزعم أنها منكرة! فالجواب: أن هذا السؤال بهذا الاستثناء صحيح، وهذا الحكم مشابه لما يفعله القاضي في ردّ شهادة من له مصلحة أو قرابة للمشهود له، كشهادة الأب لابنه؛ لأنها مظنة أن يروي سوى الحق، وإن كان الشاهد عدلاً في نفسه، ومن أهل الديانة، مع أن القاضي قد يقبل شهادة الرجل نفسه، في قضية أخرى تنتفي فيها تلك المظنة. فمثل ذلك رواية الراوي المبتدع، فيما إذا روى ما يؤيد بدعته، إذا كان منكراً.
تنبيه: على طالب العلم أن يتنبه إلى أن كثيراً من ألفاظ العلماء حول المبتدعين تتعلق بهم في حياتهم -من حيث الرواية-، فيقول -مثلاً-: لا يُروي عن فلان. يقصد بذلك تحذير الناس من هذا الرجل مادام حيّاً، وهجره وتأديبه بذلك؛ ولكي لا يذهب إليه الناس فيروي لهم الروايات ويُدخل عليهم شُبه البدعة. فكثيراً من تلك العبارات كانت من باب الدعوة لهجر المبتدع، لا لبيان حكم روايته، ومن ذلك ماجاء عن الإمام أحمد أنه ذكر أحد المبتدعة وحذّر الناس منه، وكان لا يروي عنه في حياته، فلما مات روى الإمام أحمد عن رجل عنه؛ وذلك لانقطاع الخوف من فتنته، وكان رجلَ صدقٍ، ضابطاً للرواية، فبقيت مصلحة الرواية عنه، وذهبت مفسدة انتشار بدعته، وإشهار أمره.
*مسألة: مراتب الجرح والتعديل
أول من قسّم هذه المراتب تقسيماً واضحاً هو ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه (الجرح والتعديل) ثم تتابع بعد ذلك بعض أهل العلم في بيان هذه المراتب، مابين مختصر ومطوّل، فمن أكثر الكتب التي أطالت في بيان هذه المراتب كتاب (فتح المغيث) للسخاوي، وأكثَر من ذكر ألفاظ الجرح والتعديل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
لكن يمكننا أن نقسّم هذه المراتب إلى مراتب أربع أساسية، يدخل تحت كل مرتبة مراتب فرعية:
المرتبة الأولى: مراتب التصحيح بجميع ألفاظها، والمقصود الرواة الذين يُصحح حديثهم.
المرتبة الثانية: مراتب التحسين، وهم الرواة الذين يُحسن حديثهم لذاته.
المرتبة الثالثة: مراتب التضعيف، والمقصود خفيف الضعف لا الشديد.
المرتبة الرابعة: مراتب التضعيف الشديد.
ففي مراتب التصحيح تأتي عبارة: أمير المؤمنين، الحافظ الحجة، أوثق الناس، وبعدها بمرتبة تأتي عبارة:ثقة، ثبت، حجة.
ومراتب التحسين تأتي فيها مرتبة: صدوق، ثم مرتبة لا بأس به، وتحتها بقليل مرتبة أرجو أنه لا بأس به، وتحتها صالح، وتحتها شيخ، على خلاف فيهما.
ومراتب التضعيف: ليس بالقوي، ضعيف، ليّن، وما أشبهها.
ومراتب التضعيف الشديد: لفظ متروك، منكر الحديث، ساقط الحديث، ذاهب الحديث، واهٍ بمرة، ضعيف جداً، كذاب، ركن الكذب، دجّال الدجاجلة في آخر المراتب.
يلاحظ أننا لم نذكر مرتبة للوضع، فلم نقل مراتب الحكم بالوضع؛ وذلك لأن الوضع حكمٌ على الحديث، وليس حكماً على الراوي، ولذلك نبّه العلماء فقالوا: ربما صدق الكذوب.فلا يكفي للحكم على الحديث بأنه موضوع مجرد أن يكون فيه راوٍ كذاب، أو يكون فيه راوٍ من مراتب الضعف الشديد، بل أكتفي بالحكم على إسناد الحديث بأنه إسناد شديد الضعف أو ضعيف جداً، ولا أقول:موضوع حتى تكون هناك قرينة.
هناك كتب أُلّفت في قضايا الجرح والتعديل، ومراتبه. من أشهرها (الرفع والتكميل) للكنوي، وكتاب (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل) لأبي الحسن المصري، وكتاب (ضوابط الجرح والتعديل) للشيخ د/ عبد العزيز العبد الطيف، وهو كتاب جيّد على اختصاره، وكتب المصطلح عموماً تعتني ببيان مراتب الجرح والتعديل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
*تنبيهات حول قضايا الجرح والتعديل:
الأول: وجوب التنبه إلى الاصطلاحات الخاصة لبعض الأئمة، حيث إن الاصطلاحات قد يكون لها معنىً خاص عند إمام، يختلف هذا المعنى عند الجمهور، كما ذكروا عن البخاري أن عبارة "سكتوا عنه" عنده تدل على التضعيف الشديد، مع أن ظاهر العبارة أنهم ما تكلموا فيه، مع أن المراد العكس أي أنهم تكلموا فيه كلاما جارحاً شديداً، فقصد بتلك العبارة أنهم أصبحوا لا يعتبرونه شيئاً. وكما ذكروا أيضاً عن يحيى بن معين أنه إذا قال:"ليس بشئ"، فإنه يقصد: قليل الحديث، وإن كان هذا القول ليس على إطلاقه، وأن الصواب أن يحيى بن معين يقول هذه العبارة في الغالب، والأصل أنه يقصد بها التضعيف الشديد، إلا أنه أطلقها مرّات وأراد بها قلة الحديث.
وقد نبّه على أهمية قضية الاصطلاحات الخاصة الإمام الذهبي في كتابه (الموقظة) ، حيث قال:"ونحن نفتقر إلى معرفة عُرْف الإمام الجهبذ في اللفظ الذي يذكره حول الراوي". وهذا يقوله الإمام الذهبي، ويُظهر افتقاره إلى معرفة اصطلاحات الأئمة في ألفاظهم، وبهذا يُعلم مدى الحاجة إلى خدمة قضايا ومراتب وألفاظ الجرح والتعديل، فلم تُخدم بما فيه الكفاية، وكذلك قرّر الشيخ عبد الرحمن المعلّمي، في مقدمة (الفوائد المجموعة) ، حيث تكلّم فيها عن أن كثيراً من معاني ألفاظ الجرح والتعديل المقررة في كتب المصطلح، تخالف معانيها الحقيقية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
الثاني: التنبيه إلى مراتب العلماء تشدداً وتساهلاً واعتدالاً في الجرح والتعديل. وقد نبّه أهل العلم على ذلك، ومنهم الإمام الذهبي في كتابه (ذِكْرُ مَنْ يُعتمدُ قوله في الجرح والتعديل) ، حيث ذكر أن العلماء في كل طبقة تقريباً ينقسمون إلى متشدد ومتساهل ومتوسط، والأكثر المتشدد والمعتدل، فذكر مثلاً في طبقة أتباع التابعين: يحيى بن سعيد القطان، ووصفه بأنه متشدد، وعبد الرحمن بن مهدي، ووصفه بأنه معتدل، وأحمد بن حنبل، ووصفه بأنه معتدل، ويحيى بن معين، ووصفه بأنه متشدد، وقال عن أبي زرعة: يُعجبني كلامه في الجرح والتعديل، ووصفه بأنه معتدل، وقال عن ابن عدي: بأنه معتدل ومتوسط، ووصف ابن حبان بالتساهل في التعديل، والتشدد في الجرح، وهناك من العلماء من لم يوصف لا بتشدد ولا بتساهل.
فهذه القضية مهمة وعميقة أيضاً، ومما يدل على دقتها وعمقها أننا ينبغي أن نعرف منزلة الإمام الذي وصف الأئمة بالتشدد والتساهل، هل هو متشدد أو متساهل؟ فالمسألة دقيقة تحتاج إلى دراسة، فلا يُعتبر حكم فلان من الأئمة على فلان هو الحكم الفصْل الذي لا محيد عنه؛ فلعله لكونه متشدداً يصف غيره بالتساهل، فالمسائل هذه لا يمكن الجزم فيها، بل تحتاج إلى دراسةٍ وبحثٍ وتحري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وهنا تنبيه يتعلق بهذه المسألة: وهو أن بعض طلبة العلم يظن أن وصف العالم بالتشدد أو بالتساهل أو بالتوسط، أنه يعني أن لا يُقبل من إمام متشدد أن يحكم بالتضعيف، ونعتبر هذا من تشدده، كما أنه لا يقبل توثيق المتساهل مطلقاً، وهذا الظن غير صحيح، ولم يقلْ به أهل العلم، ولا الذهبي نفسه، الذي وصف العلماء بالتشدد والتساهل، فلم يفعل هذا الفعل. بل وُصِفَ العلماء والأئمة بهذه الأوصاف؛ لتنتفع بها عند تعارض أقوال الجرح والتعديل فقط، أما من يظن أنه يردّ قول المتشدد في التضعيف، والمتساهل في التوثيق، فهذا خطأ في المنهج؛ لذلك تجد بعضهم حينما يقف على حكم للحافظ ابن حجر يعتمد فيه على توثيق ابن حبان، تجدهم يتعجبون من صنيع الحافظ، مع أنه هو الذي وصف ابن حبان بالتساهل في التوثيق، وهذا خطأ فمن الذي قال: أن وصف الإمام بالتساهل يقتضي ردّ قوله في التوثيق، وكذا العكس؟!! ، وكذلك تجدُ أن أعرف الناس بـ (المستدرك) للحاكم هو الذهبي -الذي اختصره-، وهو الذي تعقب الحاكم في مرّات بألفاظ لاذعة وشديدة جداً، لمّا صحح بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، مع ذلك قال الذهبي في تصحيح الحاكم العبارة السابقة، وهي: "وإذا صحح الحديث الدارقطني والحاكم، فأقل أحواله حُسْن حديثه "، وكذلك الذهبي انتقد الترمذي بالتساهل، وقال فيه -كما سبق-:"إذا صحح الترمذي وابن خزيمة لرجل فهو جيّد الحديث". كما أن هذا المنهج الخاطئ يقتضي وصف الأئمة والعلماء بعدم العلم؛ لأنك لو قلت: فلان لا يقبل توثيقه، فمعنى ذلك أنك أهدرت أحكامه، والأحكام لا تهدر إلا لمن كان الغالب عليه الخطأ، أما من كان عالماً فتكون غالب أحكامه صواب، ويجب عليك قبول أحكامه، إلا إذا جاء ما يدلّ على أنه خالف الصواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
فائدة وصف العلماء بالتشدد والتساهل والاعتدال عند التعارض، فلو أن جارحاً متشدداً وصف راوياً بأنه ضعيف، ووصفه معتدل بأنه صدوق، ووثقه متساهل، فيصبح الصواب أنه صدوق.
الثالث: التنبيه إلى أن كثيراً من ألفاظ الجرح والتعديل غير محررة المعاني، فمثلاً: قول الإمام البخاري في الراوي "فيه نظر"، معناه: أنه شديد الضعف، وذكر ذلك الذهبي وابن كثير وغيرهم، وأثبتت الدراسة الاستقرائية لأحد الدارسين، الذي استقصى لفظ البخاري "فيه نظر"، وخرج بأنه يقصد بها: الضعف الخفيف، وأيّد هذه الدراسة بأقوال أئمة ثلاثة، أوّلهم الترمذي، فقد نقل عن شيخه البخاري قوله في راوٍ "فيه نظر" فقال الترمذي مُعبّراً عن ذلك: "فلم يجزم فيه بشئ"، ففهم الترمذي من عبارة "فيه نظر" أن البخاري متردد، والرواة الذين يستحقون التردد هم من كان في آخر مراتب الحسن، وأعلى مراتب الضعف. والثاني: ابن عدي، في كتابه (الكامل) -في أكثر من موضع- حيث يفهم من كلام البخاري "فيه نظر" أنه ضعف خفيف. وآخر هؤلاء هو الحافظ ابن حجر، حيث ذكر هذه القضية عَرَضاً في كتابه (بذل الماعون في فضل الطاعون) ، فقال:"قال البخاري: فيه نظر، وهذه عبارته فيمن يكون وسطاً"، أي بين القبول والردّ، وهذا هو الصحيح.
الرابع: التنبيه إلى أن عبارات الأئمة المتقدمين ليست دائماً متقيدة بالمراتب، ولكنهم يتوسعون في التعبير على الرواة، فقد يُسئل الإمام عن الراوي، فيهتم ببيان أنه مقبول الرواية أو لا، دون أن يعتني بتفصيل الحكم، ومما يدل على صحة هذا الكلام، أنه إذا سئل الإمام عن راويين أحدهما أوثق من الآخر تجده يقول: الحُجْةُ سفيان الثوري وفلان وفلان، وهذا -أي الآخر- ثقة. فهنا يبين الفرق بين لفظ حجة، ولفظ ثقة، لكن إذا سئل مُفرداً، فقد يجيب بجواب عام لا يقصد به التقيد بمرتبة معينة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
وهنا أمر آخر يدّل على أنه قد يحصل نوع من التوسع، أن الصحيح في أول من استخدم "الحسن" بالمعنى الاصطلاحي هو الإمام الترمذي، بل حتى استخدام الترمذي للحسن بالمعنى الاصطلاحي يحتاج إلى مزيد دراسة وبحث وتثبت من مُراد الترمذي بالحسن، الذي عرّفه في كتابه (العلل الصغير) ، إلا أن العلماء اختلفوا في تفسير تعريفه، وهنا يُلاحظ مدى بعدنا عن فهم كلام الأئمة المتقدمين، فهذا إمام عرّف المصطلح، ومع ذلك اختلف العلماء في فهم التعريف، فكيف بالمصطلحات التي لم تُعرّف أصلاً. فالمقصود أنه اختلف العلماء في تفسير الحديث الحسن، ولازال الاختلاف قائماً، وتجد تفسير ابن رجب مخالفٌ لتفسير ابن حجر، ومخالفٌ أيضاً للتفسير الذي ذكره ابن كثير، ومخالفٌ أيضاً للتفسير الذي ذكره الذهبي، حتى قال الذهبي في (الموقظة) : "أنا على إياسٍ أن أحدُّ تعريفاً مكتملاً للحديث الحسن". الذي يهمنا هنا أن أول من استخدم الحسن بالمعنى الاصطلاحي هو الترمذي -على الصحيح-، وكل الذين جاء عنهم أنهم استخدموا لفظ الحديث الحسن، كشعبة والشافعي والبخاري، فقد استخدموه بالمعنى اللغوي، وقد نصّ الحافظ ابن حجر في كتابه (النكت) ، على أن استخدام الشافعي للفظ الحسن هو بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الاصطلاحي؛ لأنه استعرض الأحاديث التي وصفها الشافعي بأنها حسان، فوجد بعضها في الصحيحين، ولم يقصد الشافعي أنها مرتبة وسطى، فبيّن أن مقصوده بالحُسْن هو الحسن اللغوي، أي أنه يريد أن يبيّن أنها مقبولة.
يتضح مما سبق أن العلماء حينما يقولون: ثقة، وصدوق، وما أشبهه، لم يكن عندهم شئ اسمه "حديث حسن" حتى يخصونه بمراتب خاصة بالتعديل، فإذا قال شعبة -مثلاً-:"فلان حسن الحديث"، فلا يصح أن أحمله على مرتبة الحديث الحسن؛ لأنه لم يكن عنده مرتبة وسطى بين الصحيح والضعيف،وهي مرتبة الحديث الحسن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
فيجب التنبه إلى تطور المصطلح، وعلى أيّ مصطلح كان الأئمة يتكلمون؛ لكي لا تحمل كلامهم على غير محمله الصحيح.
أمرٌ آخر قد يدل على معاني المصطلحات وألفاظ الجرح والتعديل وهو السياق، أي سياق العبارة، ومن هنا نتنبه إلى ضرورة الرجوع إلى الكتب الأصلية، التي ساقت ألفاظ الجرح والتعديل، فلا يصح أن نكتفي بـ (تهذيب التهذيب) فقط؛ لأن الحافظ ابن حجر يذكر العبارة الخاصة بالراوي فقط، مع أنك لو رجعت إلى الكتاب الأصلي، قد تجده ذكر هذه العبارة في سياقٍ معيّن يدلُّ على مُراد الإمام، كما لو قُرِنَ الراوي خفيف الضعف براوٍ كذاب، فسئل عنهما الإمام، فيقول: فلان صالح، ليس كفلان الكذاب. وهو لا يقصد بـ"صالح" أنه يُحسّنُ حديثه، لكن لما قُرِنَ بالكذاب، رأى أنه من الظلم أن يُقرن بينهما، وكأنهما في مرتبة واحدة، وأن الواجب التفريق بين هذين الراويين، فيأتي الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) فيقول:"قال يحيى بن معين: فلان صالح". فإذا رجعت إلى الكتاب الأصلي وجدت أن ابن معين ذكر هذا في سياق معيّن.وهناك سياق آخر، ويحصل كثيراً في مثل كتاب (تاريخ عثمان ابن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين) ، حيث ذكر في مقدمة الكتاب طبقات الرواة عن شيّخ معيّن، فيسأله عن أوثق الرواة عن شعبة، فيقول: أوثقهم فلان وفلان وفلان، فيقول: ثمَّ من؟ ، فيقول: ثم فلان وفلان، ثم يسأله عنهم، فيقول: فلان ثقة وفلان ضعيف، وهو من عبارته توثيق الراوي في هذا الشيخ، وتضعيفه في هذا الشيخ، أي أنه في روايته عن شعبة ضعيف. ثم يأتون في كتب المصطلح أو بعض كتب التراجم فيقولون:"قال يحيى بن معين: ضعيف"، وكأنه أطلق العبارة مع أنه ذكرها في سياق مراتب الرواة في هذا الشيخ المعيّن، فهذا يدل على أهمية الرجوع إلى الكتب الأصلية في الجرح والتعديل، ولا يُكتفى بالفرعية ما أمكن ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
الخامس: قضية كلام الأقران في بعضهم البعض، تكلم عن هذه القضية العلماء قديماً وحديثاً، لكنَّ المُلاحِظَ لكلام العلماء قديماً مع كلامهم حديثاً، يُلاحظ بَوْناً من ناحية زيادة تسليط الأضواء في العصر الحاضر على هذه القضية، وكأن علماء الجرح والتعديل كانوا يتكلمون بأهوائهم، حتى كأنه أيّ قرين لهم يجرحونه من باب الحسد، فيتصور طالب العلم أنه لا يُقبل كلام القرين في القرين بتاتاً، مع أن العكس هو الصواب؛ لأن الأقران هم أعرف الناس ببعض، وأئمة الجرح والتعديل كانوا أورع وأتقى لله عز وجل من أن يكون هذا الغالب من شأنهم، فإذا وجدنا مثالاً أو مثالين خالفت هذا المنطق، فلا نجعلها الصفة الغالبة. ويُنتبه إلى أن الذين أظهروا هذه القضية، أظهروها لغرضٍ مُعيّن في مثل كتاب (الرفع والتكميل) للكنوي، لا يخفى عن الطالب الحصيف، حيث إنها كانت دفاعاً عن شخصٍ معيّن فقط.
أما قاعدة "كلام الأقران في بعضهم لا يقبل"، فهي قاعدة صحيحة، لكن بقيّد تجاهله وتعامى عنه أولئك، حتى لكأنه لا عبرة به، وهذا القيد هو أن نقول: كلام القرين في القرين لا يقبل إذا كان المُتَكلّمُ فيه ثابت العدالة بكلام عامة أهل العلم، أي لا يقبل كلام الأقران فيمن ثبتت عدالته. مثاله: لما تكلم النسائي في أحمد بن صالح المصري، مع أن أحمد بن صالح إمامٌ في الجرح والتعديل مثل يحيى بن معين، فكلام النسائي فيه لا يقبل، خاصةً إذا عرفنا القضية التي جعلت النسائي يتكلم في أحمد بن صالح المصري، الإمام الذي أثنى عليه العلماء، ولم يجرحه إلا النسائي، فحينها تعلم أن جرح النسائي ليس في محله ولا يقبل منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
أيضاً الكلام بسبب اختلاف المذاهب، يقال فيه مثل ما قيل في كلام الأقران. وقد ورد عن بعض العلماء أنهم جرحوا أناساً؛ لمجرد اختلاف المذهب، مثل الجوزجاني ففيه تحامل على من فيه تشيّع؛ وذلك لأن الجوزجاني فيه نصب. وأيضاً كلام من فيه تشيّع على من فيه نصب، مثل ما سبق، وهذا وارد عن العلماء، لكنه ليس هو الأصل؛ وذلك لأن غالب أئمة السنّة عقائدهم صافية سليمة، وإن استثنينا البعض القليل، وأمرٌ آخر وهو أننا عرفنا من أهل السنّة والجماعة أنهم أكثر الناس إنصافاً واعتدالاً، فهذا البخاري يروي عن عمران بن حطّان -الخارجي الداعية-، لكن لما عرف صدقه روى عنه، ويروي عن من رُمي بالقدر، ويروي عن المُرجي، وعن الشيعي، بل حتى عن الرافضي، فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أن أكثر الناس اعتدالاً وإنصافاً هم أهل السنّة والجماعة؛ لأنهم هم الأمة الوسط بين الإفراط والتفريط. وأما قضية أن المحدثين يتكلمون في أهل الرأي، والعكس؛ لاختلاف المذاهب، فهذا غير صحيح.
السادس: أن الجرح والتعديل لا يقبلان إلا من ثقةٍ عارفٍ بأسبابهما، فلا يُقبل الجرح والتعديل من ضعيف، كما أنه لا يقبل من جاهلٍ بأسباب الجرح والتعديل، وإن كان ثقة في نفسه. وأسباب الجرح كثيرةٌ متعلقة بالعدالة والضبط، كما أن أسباب التعديل كثيرةٌ متعلقة بالعدالة والضبط، فمن كان لا يضبط حديثه، فلا يستطيع أن يحكم في أحاديث غيره، هل هي مضبوطة أم لا؟! ، ومن كان مجروحاً في عدالته، فلا يؤمن حكمه في الناس؛ ولأجل أهمية هذه القضية ألّف العلماء كتباً حولها، مثل كتاب (ذِكْرُ مَنْ يُعتمد قوله في الجرح والتعديل) للذهبي، وكتاب (المتكلمون في الرجال) للسخاوي، وهناك مُقدّمات لبعض الكتب، تتضمن ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وهناك رسالة علمية خرجت بعنوان (المُزكون لرواة الأخبار) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
السابع: مسألة تعارض الجرح والتعديل، وهذه المسألة مهمةٌ جداً؛ لأنها كثيرة الحصول واقعاً، فكثيراً هم الرواة الذين اختُلف فيهم جرحاً وتعديلاً.
والمسألة اختلف فيها اختلافاً طويلاً وكبيراً بين العلماء، والراجح فيها ضمن النقاط التالية:
1) تقديم الجرحِ المُفسّر بجارحٍ حقيقي، إلا إذا ردّ أحدُ العلماء بما يدلُّ على عدم صحة هذا الجرح.
والمقصود بالجرح المُفسّر الذي بُيّن سببه، والجارح الحقيقي هو الذي يستحق أن يُجْرَحَ به في عدالته أو في ضبطه، لا كما جرح أحدهم راوياً، فسُئل: لماذا؟ ، فقال:"رأيته يركب على برذون يجري به في السوق"، فهذا ليس بجارحٍ حقيقي، وكذا من جرح راوياً آخر، فسُئل لماذا؟ ، فقال:" سمعت في بيته طنبوراً". أي مزماراً، فهذا محتمل أن يكون من طفلٍ صغير أو غيره، بغير علم الشيخ، فتجريحه بهذا ليس بصحيح. كذلك يحصل في التعديل، كمن وثّق أحد الناس، فسُئل عن توثيقه، فقال:" لو رأيت لحيته وهيئته ". فهذا غير صحيح، فلا يصح الاكتفاء بالهيئة في التعديل.
المقصود: أنه إذا بيّن الجارحُ أو المُعدِّلُ سبباً لا يكفي للجرح أو للتعديل، فلا يُقبل في الجرح ولا في التعديل؛ لذا اشترطنا الجارح الحقيقي الذي يستحقُ أن يُقبل، فهذا مُقدّمُ إلا في حالةٍ واحدة، وهي أن يأتي إمامٌ آخر ويقول:" أنا أعرف أن فلاناً قد تكلم في فلان بكذا، والصواب ليس كذلك"، ويبيّن القضية. وهذا يحصل كثيراً، ونجده أيضاً في (ميزان الاعتدال) للذهبي، فهناك مِنْ الرواة مَنْ ضُعِفُوا بأسبابٍ جارحةٍ في ظاهرها، ودافع عنهم الذهبي، كمن ضُعف بأنه يشرب الخمر، فيأتي الذهبي ويقول:لم يكن يشرب الخمر، بل كان يشرب النبيذ، وهو من أهل الكوفة، حيث كان يشربه بناءً على مذهب أهل الكوفة في جواز شرب النبيذ، فالراوي ثقةٌ وعدلٌ وليس فيه شئ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وقد يجرحه في الضبط، فيقول مثلاً: روى حديث كذا، وتفرّد به، وهو منكر الحديث، فيأتي ابن عدي -مثلاً- فيقول: لم يتفرد به، بل تابعه فلان وفلان، فالحديث مقبول، ولا يدّل ذلك على جرح هذا الراوي. مع أننا لو لم نقف على هذه المتابعات، ولا على مثل هذا الدفاع، فالأصل أن يكون هذا الجرح مقبولاً. ثم إن الردّ والدفاع لا بد أن يكون في محله، فإذا لم يكن في محله، فإنه لا يقبل.
2) تقديم الجرح المبهم -غير المفسر- على التعديل: هذا هو الأصل؛ لأن مع الجارح زيادة علم. ويتضح هذا بأنك لو قدمت قول الجارح على قول المُعدِّل، فكأنك تقول: أنا لاأكذب المُعدِّل، لكن الجارح ظهر له من أمر المُعدِّل مالا يعرفه المُعدِّل، وكلاً منهما أخبر بحسب علمه. لكن إذا قدمت قول المُعدِّل على قول الجارح، فهذا يقتضي تكذيب الجارح بأنه ليس هناك سببٌ يقتضي الجرح، ولم يصدق الجارح في جرحه، أو أقل أحواله أنه مخطئ، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل حمل كلام العلماء على الأصوب، ومن أجل ذلك نقدّم الجرح المبهم على التعديل. ثم إنه ينبغي أن نتذكر أن كلامنا عن الجارح والمُعدِّل العارف بأسباب الجرح والتعديل، فالأصل فيه أن يجرح بسبب حقيقي.
ما سبق هو الحكم الأصلي، ونخرج عنه بقرائن، وهي كثيرة جداً، من أمثلتها:
أ) كثرة المُعدّلين: فإذا وثقه جماعة، وضعفه واحد بجارحٍ مبهم، فنقدم قول الأكثرين، ونحمل التضعيف على أنه ليس بجارح حقيقي.
ب) معاصرة المُعدّلين، وعدم معاصرة الجارح أو الجارحين؛ لأن المعاصر أعرف وأعلم بمن في عصره، فتعديله يُقدم على الجرح المبهم.
جـ) عِظَمُ علمِ المُعدّلين على علم الجارحين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
د) بلدية المُعدّلين: أي أن يكون من أهل بلد الراوي الذي تُكلّم فيه، فلو كان هناك راوٍ بصري، وعدّله البصريون، وجرحه عالمٌ من أهل خراسان، فيقدم من كان من أهل بلده وهم البصريون؛ لأنهم أعرف بأهل بلدهم. وكان من آداب الرحلة عند المحدثين، أن المحدث لا يرحل حتى يستوفي ويستوعب حديث بلده، ويكون عارفاً به.
هـ) قوة عبارة المُعدّلين على عبارة الجارحين، فلو جاءت عبارة تعديلٍ كقوله:"ثقة حجة" أمام عبارة جرح كقوله "أحسبه ليناً"، فعبارة الجرح تضعف عن عبارة التعديل التي هي الأقوى، فلا شك أننا نقدم العبارة القوية على الضعيفة.
و) هناك ألفاظ قد يتبادر إلى الذهن أنها جرح، وهي في الحقيقة تعديل، مثل ما قال شعبة عن أحد الرواة:"إنه شيطان"، فظاهر العبارة أنها ذم، مع ذلك فقد أراد شعبة أنه باقعة في الحفظ، وشئ عجيب فيه، حتى لكأنه ليس بأنسي في قوة حافظته، ومن المعروف أن من عادة العرب أنهم ينسبون الأشياء المستغربة إلى الجن. كذا ما قاله ابن وارة عن عبد الرحمن بن مهدي، لما رأى قوة حفظه، قال:" ماذا خرج من ظهر مهدي، كأنه جني ".
وهناك عبارات على الضد مما سبق، فقد يدل ظاهرها على التعديل، والصواب: أنها جرحٌ، كعبارة:"هو على يديْ عدل "، فهمها العراقي على أنها تعديل، ومعناها: أنه على يدِيْ عدلٌ، وتعقبه الحافظ ابن حجر وبيّن أنها عبارة جرح، وضبطها:"هو على يدَي عدلٍ"، و"عدل" هذا رجل كان من حُجاب أحد الحكام الظلمة في اليمن، وكان كلما أراد أن يقتل إنساناً، قال: يا عدل -ينادي حاجبه- تعال خذ هذا واقتله. حتى صار ذلك مثلاً عند العرب، فإذا قيل: فلان على يدي عدل، يعني: أنه هالك، فيقصد بها إذا أطلقت على الراوي أنه هالك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)