ز) اختلاف اجتهاد الناقد: فقد تأتي عبارة لأحد النقاد يُضعِفُ فيها الراوي، وآخرون يوثقونه، وتأتي عبارة أخرى لنفس الناقد يوثق فيها ذلك الراوي في رواية أخرى عنه، فهذه قرينة تجعلني أُقدّم التوثيق على الجرح.
ح) عداوة المُعدِّل للمُعدّل له، سواءً في المذهب أو في غيره، وهذه لا نجعلها قاعدة مطردة، ولكنها قد تكون قرينة من القرائن، فإذا علمت أن هناك عداوة قد تجعلني أقدم التعديل على الجرح.
كما أنني قد أردُّ التعديل -كما في الجرح- إذا كان صادراً من إنسانٍ غالٍ في محبة إنسان آخر. وهذه القرينة ليست دائماً، بل قد يُعمل بها على حسب الحال.
الثامن: من مسائل الجرح والتعديل المهمة، مسألة المجهول؛ لأن المجهول ليس مُعدّلاً ولا مجروحاً، فهو حالة وسط يُجهل حالها.
وقد قسّم العلماء المجهول إلى أقسام، أشهرها تقسيم ابن الصلاح إلى ثلاثة أقسام:
1- المستور: وهو من روى عنه عدلان، أو روى عنه إمام حافظ -نصّ على هذه الاضافة ابن رجب، في شرح العلل-. فالمستور عُلمت عدالته الظاهرة، وجُهلت عدالته الباطنة.
2- مجهول الحال: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة، لكن عُرفت عينه. وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد ليس من النقاد.
3- مجهول العين: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة، ولم تعرف عينه، وهو كالمبهم.
أما حكم مستور الحال: فمن ناحية العدالة يُكتفى بالعدالة الظاهرة، مع الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم؛ لتقادم العهد بهم. وأيضاً نكتفي بالعدالة الظاهرة للرواة المتأخرين، وهم رواة النسخ، أما سوى ذلك فلا يكتفي العلماء بالعدالة الظاهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
أما مجهول الحال والعين: فنتوقف عن قبول حديثهم، ومآل هذا التوقف عدم العمل بالحديث، لذلك تجد العلماء يقولون: حديث ضعيف، فيه فلان وهو مجهول، مع أن الأدق أن يقال: حديثه تُوُقِّفَ فيه؛ لأن فيه فلان وهو مجهول، لكن لما كان التوقف مآله عدم العمل، أصبح هو والتضعيف متقاربان، فأطلق العلماء الضعف عليه تجوّزاً، وهو في محله، وليس خطأ تضعيفه.
لكن الأمر الدقيق: ما هي مرتبة ضعف حديث المجهول؟ هل هو في مرتبة الاعتبار به، ويتقوى حديثه بالمتابعات والشواهد، أم لا يتقوى بنفسه، ولا يُقوّي غيره؟ فهل هو شديد الضعف أو خفيف الضعف؟ فالجواب: أننا لا نستطيع أن نحكم بحكم عام على جميع المجهولين حالاً أو عيناً، بل نقول هؤلاء حكمهم يختص بالحديث الذي يروونه، فإذا رووا حديثاً شديد النكارة، فهذا لا يتقوى أبداً، كأن تظهر فيه علامات الوضع وغيرها، ومجهول الحال أخفُّ حالاً من مجهول العين.
تنبيه: حكم الإمام على راوٍ بالجهالة لا يعتبر تعارضاً مع حكم إمامٍ آخر بالتوثيق لنفس الراوي؛ وذلك لأن الإمام الذي وصفه بالجهالة وصفه بذلك لأنه لا يعرفه وهو مجهول عنده، أما الإمام الآخر فإنه يعرفه ويحكم عليه. فهذه المسألة لا تعتبر من مسائل تعارض الجرح والتعديل، وللأسف أنّا نجد من يُقدّم الحكم بالجهالة على التعديل، وهذا خطأ؛ لأن الحكم بالجهالة هو إعلام من الناقد بعدم علمه بهذا الراوي، أما الحكم بالتوثيق فإخبارٌ من الإمام أنه يعرف هذا الراوي وأنه ثقة. فلا تعارض بين الحكم بالجهالة والحكم بالتعديل أو بالتجريح، ولا يُشَكُ في تقديم حكم المُعدّل أو المُجرّح على مَنْ حكم بالجهالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
المرحلة الرابعة -من مراحل دراسة الأسانيد-: الحكم على الإسناد المُفرد دون المجموع. فأنظر في كل إسناد منفرد عن بقية طرق الحديث، وأحكم على الإسناد بحسب ما يستحقه على الإنفراد، وهذا الحكم لن تكون له قيمة كبيرة إلا في الأخير، وذلك لأُميّز الإسناد الذي يقوي ويتقوى، أو لا يستطيع ذلك، كالإسناد الشديد الضعف.
تنبيه: الأقلُّ في هذا العلم يقضي على الأكثر -قاعدة مطردة-، فالإسناد الذي كل رواته ثقات إلا راوٍ واحد ضعيف، فحكم هذا الإسناد ضعيف، والإسناد الذي كل رواته أئمةٌ حفاظ كبار إلا راوٍ واحد دجّال، فحكمه شديد الضعف، فتنظر في أقل راوي في هذا الإسناد، فتحكم عليه باعتبار درجة هذا الراوي.
ويُنتبه إلى خطورة الاكتفاء بهذا الحكم المُفرد على الأسانيد، فلا يُظنّ أن العمل قد انتهى، بل لا بد من مراعاة المراحل الآتية، التي هي في غاية الأهمية، ويغفل عنها كثيرٌ من طلبة العلم.
المرحلة الخامسة: النظر في اختلاف الطرق -إن وجدت-
فأنظر هل الاختلاف في هذه الرواية من ناحية المتن أو الإسناد؟ كأن يُبدل راوٍ براوٍ آخر، أو يروى الحديثُ مرّة متصلاً وأخرى مرسلاً، ومرة مرفوعاً وأخرى موقوفاً، أو اختلافات في المتن من نقص أو زيادة أو تقديم أو تأخير يؤثر في المعنى مطلقاً.
فإن لم يوجد اختلاف لا في الإسناد ولا في المتن، عندها يُنظر هل حُكِّمَ على هذا الحديث بالتفرّد؟ ، فإن لم يحكم عليه بالتفرد، فعندها من الممكن أن أحكم حكماً مبدئياً على هذا الإسناد بما يستحقه من صحة أو ضعف، فإن ظهر لي أن الحديث تفرّد به الراوي، والتفرد يظهر بأحد أمرين:
1- إما بالنصّ من أحد الأئمة المُطلعين الحُفاظ، كأن يقول: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فلان، أو هذا حديث فرْدٌ، أو لا أعرفه إلا من هذا الوجه، وغيرها مما يدل على التفرّد والغرابة.
2- قد أحكم بالتفرد دون وجود هذا النصّ، وذلك حين اجتماع أمرين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
أ) عند الاستقصاء الواسع من الباحث في التخريج، ويكون من أهل الاستقصاء، وهو مَنْ يعرف المراجع والمصادر، بحيث أنّه في ظنّه لن يغيب عن علمه واطلاعه أمرٌ ذو بال.
ب) أن يوافق ذلك قرائن تدل على أن العلماء والحفّاظ لم يعرفوا هذا الحديث إلا من هذا الوجه، مثل: فيما لو جئت مثلاً إلى (العلل) للدارقطني فذكر هذا الحديث -ومن شأن الدارقطني أنه يبسط طرق الحديث-، فلم يذكر إلا طريقاً واحداً لهذا الحديث، فهذه قرينة؛ لأنه لو وجد الدارقطني طرقاً أو روايات أخرى لذكرها، ثم قد يوافق الدارقطني ابن أبي حاتم، فيذكر الحديث في علله، ويذكر ما حصل فيه من اتفاق واختلاف، وأيضاً يذكر أن مرجعه إلى راوٍ واحد. وبعض الأحيان تأتي عبارات، مثل أن يقول العالم:" هذا الحديث يُعرف بفلان "، فهذه ليست صريحة بالتفرد، لكنه اشتهر بروايته، حتى كأنه تفرّد به. ثم يوافق ذلك عدم وقوفي على الحديث من وجه آخر، فحينها يمكن أن أميل لترجيح أن هذا الراوي تفرّد بهذا الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
فإن ثبت أن هذا الحديث تفرّد به فلان، فأنظر هل هذا الحديث مما يُحتمل أن يتفرد به هذا الراوي أم لا؟ ؛ لأن العلماء نصّوا -وعلى رأسهم ابن الصلاح،وغيره- أن من أقسام الحديث الشاذ والمنكر المردودة: تفرّد من ليس فيه من الضبط والإتقان ما يقع جابراً لتفرده. فقد يكون الراوي ثقة أو صدوقاً فيتفرد بأصل، والمقصود بالأصل: هو الحكم أو الخبر الغريب الذي لا نكاد نجده بهذا الوضع إلا في هذا الحديث، ومسألة التفرد بأصل مسألةٌ شائكةٌ، ولا يمكن لأي إنسان أن يدخل فيها، ويحكم بأن هذا الحديث أصل، وتفرّد به- وقد سبق ذكر قرائن وملاحِظِ الحكم على التفرّد -، فإذا تفرّد الثقة أو الصدوق بأصل، وكان ممن لا يحتمل التفرّد، فهذا نردّه، ونقول: لعله من أوهامه، إذ لو كان صحيحاً لتصدّى الأئمة الكبار لحفظ هذا الأصل وضبطه. ومن أمثلة ذلك: حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، أخرجه أبو داود بسند صحيح، ثم قال عنه: هذا حديث منكر. وبيّن العلماء سبب نكارته: أنه تفرّد به راوٍ اسمه: همّام بن يحيى، وهو ثقة من رجال الشيخين، لكن رأى أبو داود أنه لا يحتمل التفرّد بهذا الحديث، وكذلك قال النسائي عن هذا الحديث:" هذا حديث غير محفوظ "؛ والسبب في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس خاتماً في آخر عمره، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم-يخلعه كلما أراد الخلاء؛ لكَثُر الناقلون عنه؛ لأنها قضية متكررة في اليوم والليلة، فتفرد همّام بن يحيى بهذا الحديث عن شيخه، وشيخه عن شيخه إلى الصحابي مثيرٌ للريبة، فكيف لا يرويه إلا همّام بن يحيى في طبقة أتباع التابعين؟! ألا يرويه من الأمة أحد غيره!! ، فجعل العلماء يستنكرون بذلك الحديث، وأنه لا يصح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
أما في حالة: إذا اختلف الرواة، فحينئذ ينبغي أن أُحدّد -أولاً- موطن الاختلاف، والراوي الذي اختلف عليه، فمثلاً أجد روايات حديث ما التقت عند الزهري، ثم اختلف في الراوية على الزهري على الأوجه المُختلف عليها، فمثلاً بعضهم يرويه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وبعضهم يرويه عن الزهري عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي-صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يرويه من كلام الزهري. من هذا المثال يتضح أن موطن الخلاف هو الزهري.
فإذا عينت الراوي المختلف فيه، انظر هل هو ثقة أو ليس بثقة، فإن كان ثقة، فأنظر في الرواة المختلفين عنه، لعل الرواة عنه فيهم ضعيف، فيكون هو الذي خالف، فإذا وقفت -مثلاً- على أن الرواة عنه: واحدٌ منهم ثقة، والبقية ضعفاء، فتكون الوجوه كلها خطأ من هؤلاء الضعفاء، والصحيح هو الوجه الذي رواه ذلك الثقة، وأعتبر رواية الصدوق شاذة. والمقصود هنا المخالفة الحقيقية، كاختلاف الوصل مع الإرسال. وإذا كان غالب الرواة على وجه، وجاء راوٍ أو اثنين وتفرّدا بوجه آخر، فعندها نرجح رواية الأكثر عدداً، خاصة إذا كان الراوي أو الراويين أقل درجة من الأكثرين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
قد تأتي حالة لا أستطيع أن أوهّم فيها الرواة عن الشيخ، كأن أجد أن كل وجه من الوجوه اتفق على روايته عددٌ من الثقات، فاتفاق هؤلاء الثقات على رواية هذا الوجه يُبعد احتمال أن يكونوا جميعاً أخطأوا على هذا الشيخ، وكذلك الثقات الآخرون الذين رووا الوجه الآخر وغيرهم على وجه ثالث، فعندها أنظر إن كان هذا الراوي المُختلف عليه إمامٌ واسع الرواية يُحتمل أن يكون هذا الحديث عنده من جميع هذه الوجوه؛ لأنه حافظ وشيوخه كثيرون، فتكون هذه الروايات عنه صحيحة، لكن إذا كان الراوي المُختلف عليه صدوق في ضبطه شئ، فيعتبر النقاد اختلاف الوجوه عنه دليل على اضطراب حفظه، فإما أن نجد قرينة من غير الروايات عنه تُرَجِحُ أحد هذه الوجوه أو يقول النقاد:" هذا حديث مضطرب، لم يُعرف الصواب فيه". فإذا وجدنا ما يدل على صحة أحد هذه الوجوه من دليل خارجي، غير روايات هذا الرجل حكمنا به، وإن لم نجد: نحكم بالإضطراب على هذه الرواية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
تنبيه: أهمية الاستعانة بكتب العلل، ولولا أن كتب العلل الموجودة الآن لا تستوعب كل الأحاديث لقلنا: بوجوب الرجوع إلى كتب العلل، والاستفادة منها في كل حديث. فينبغي أن تراجع كتب العلل، ويُنظر هل تكلّم العلماء عن هذه الرواية بشئ أو لا؟ ، فقد تكون هناك علة باطنة، أو تكون هناك روايات فاتت على الباحث، خاصةً إذا كان الحديث مشهوراً، أو كثير الاختلاف فيه بين العلماء، فمثل هذا بنسبة كبيره أن العلماء قد تعرضوا له في كتب العلل، ثم إن كتب العلل ليست قليلة كما يُظن، فـ (العلل) للدارقطني لوحده موسوعة عظيمة، حيث طُبع منه أحد عشر مجلداً، وبقي منه ما يوصله إلى العشرين مجلداً، ثم يُنتبه في أثناء البحث في كتاب (العلل) للدارقطني، فقد تكون الرواية التي تبحث عنها من رواية أبي هريرة، وتجد الدارقطني ذكرها في مسند ابن عمر؛ لأنه في أحد طرق هذا الحديث روي من طريق ابن عمر، فيذكر طرق ذلك الحديث في مسند ابن عمر، فعليه ينبغي أن تُقلب الحديث من جميع وجوهه، وتبحث عنه في كل مظنة له.
ثم إن بعض التعليلات تأتي متناثرة في بعض الكتب، ككتب السنن وغيرها، وأيضاً كتاب البزار، كتاب عظيم جداً، قال فيه ابن كثير:"ويوجد في (مسند البزار) من التعليلات ما لا يوجد في غيره". وكلامه صحيح حيث نجد فيه تعليلاتٍ، وأحكاماً خفيّة في تعليل الأحاديث لا نجدها في غيره، أيضاً اضافة إلى كتب العلل الأخرى، كـ (العلل الكبير) للترمذي، و (العلل) لابن أبي حاتم، و (العلل) لعلي ابن المديني.
أيضاً هناك كتب ينبغي أن تراجع بعد الانتهاء من التخريج وهي للعلماء السابقين:كـ (تلخيص الحبير) ووكل كتب التخريج الموجودة، تُراجع لعل عند أحدهم زيادة طريق، أو زيادة توضيح، إلى غير ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
المرحلة السادسة والأخيرة: هي الحكم على الحديث بناءً على المراحل السابقة بما يستحقه هذا الحديث.
تنبيه: ينبغي النظر في المعضدات، فقد أحكم على هذا الحديث بحكمٍ معين، لكن قد أجد ما يعضده ويقويه من طرق وشواهد أخرى.
وليس بصحيحٍ ما يقوله بعض المتأخرين بأن التقوية بالمعضدات ليس من منهج المتقدمين، بل الصحيح أنه منهج المتقدمين،والدليل عليه ما نصّ عليه الشافعي، من ذكر المعضدات التي تقوي الحديث المرسل -وهو من أقسام الضعيف عنده-، والشافعي رحمه الله من أئمة المتقدمين.
والمُعضد قد يكون متابعة من رواية نفس الصحابي، وقد يكون شاهداً من رواية صحابي آخر، على أن يكون المعنى منطبقاً بين الروايتين. وقد يكون فتوى عامة أهل العلم، أو العمل بمقتضى هذا الحديث، فهذه مُعضدات،ولا يلزم أن يكون كل مُعضد في كل مرة يقوي الحديث، ولكن قد يقوي الحديث في بعض الأحيان، من أجل ذلك نجد أن الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) -وهو الذي لا يقبل المرسل- قال مرة في حديث ((لا وصية لوارث)) :"لا نعرف له إسناداً صحيحاً، إلا أن عامة أهل السيّر لا يشكون أن النبي صلى الله عليه وسلم -قاله يوم فتح مكة". واحتج به الشافعي، ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة الشافعي هل هذا الحديث له أسانيد صحيحة أو لا؟ ، فالصحيح أن له أسانيد صحيحة، كما بيّن الشيخ: أحمد شاكر في تعليقه على كتاب (الرسالة) ، لكننا نناقش مذهب الشافعي في هذه القضية، ونبيّن لك أن من منهج العلماء أنهم يقوّون الحديث الضعيف إذا كان عامة أهل العلم يعملون به، ونصّ على هذه القضية الشافعي في كلامه على المرسل، ونصّ عليه ابن عبد البر وغيره.
فإذا كان الحديث في إسناده شئ من الضعف لكن اتفق أهل العلم على العمل به -وليس المقصود إجماعاً-، ولم يُعلم لهم مخالف فعندها نُعضّد الحديث، وندخله في حيّز القبول مادام أنه خفيف الضعف، وفي الإمكان أن يرتقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
وينتبه إلى أن الحديث الذي يُعضّد هو الحديث خفيف الضعف. أما الحديث شديد الضعف فلا يرتقي ولا يُعضّد، ولو روي من مائة وجه، فهذا هو الصحيح، وكم من حديث يرويه العلماء من طرق متعددة –كابن عدي- ويقول:"هذا الحديث تهافت عليه الكذابون، فرواه فلان وفلان … "، ويُفتضح الراوي عندهم برواية هذا الحديث، فقد يكون الراوي مستور الحال، فإذا روى هذا الحديث، قال:" هو كذّاب"، فلو كانوا يقولون بمطلق مجموع الطرق لأصبح هذا الراوي عندهم "ثقة"، بدلاً من أن يكون ضعيفاً أوكذّاباً.
وأخيراً: نرجع بالنصيحة في الاكتفاء بالحكم على الإسناد، وعدم التطرق بالحكم على الحديث بذاته، إلا إذا سُبقت من إمام مطلع، ووافق حكمي على الإسناد إطلاع ذلك الإمام، فعندها ممكن أن أحكم على الحديث.
وأخيراً أيضاً:إن هذا العلم دينٌ فانظروا عمّن تأخذون دينكم، فالقضية خطيرة، فلا يُظن أن الحكم على الراوي أمرٌ سهل وهيّن، أو أن الحكم على الأحاديث أمرٌ هيّن.
وينبغي أن يُعلم أن الجرح والتعديل في الأصل هو غيبة، ولولا ضرورة هذه الغيبة وأن مفسدتها أقلُّ من مفسدة عدم الغيبة، لما رضي العلماء بالجرح أبداً، والضرورة تُقدر بقدرها، فيجب عليّ أن لا أتجاوز موطن الضرورة، ومن المؤسف أن بعض طلبة العلم الذي قد يسمع-مثلاً- أن شريك بن عبد الله القاضي فيه ضعف، فإذا ذكره فإنه يذكره بسخرية، ولو كان حيّاً لما استطاع أن يواجهه بهذه الطريقة، مع أن شريك بن عبد الله القاضي كان عالماً من علماء السنّة، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، وكان من أشدِّ الناس في قمع أهل البدع، وفلان من الناس قد يكون عابداً من العباد أو زاهداً من الزهاد، ضُعّف لسوء حفظه، فيجب عليك أن تنتبه لألفاظك وعباراتك مع هؤلاء. وهذا يُبيّن ضرورة مراجعة كتب التراجم المطوّلة، حتى تتبيّن حال الرواة، وتُنزّل الناس منازلهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
لمّا كان ابن أبي حاتم يُحدّث بكتابه (الجرح والتعديل) ، أتاه أحد الزهاد فقال له:"يا أبا محمد لعلك تتكلم في أناس وضعوا رحالهم في الجنة من مائتي سنة"، فأوقف ابن أبي حاتم الدرس، وجعل يبكي، مع علمه بوجوب هذا الأمر وأهميته، إذ لولاه لذهب كثير من السنّة، وضاع كثير من الدين.
ثم اعلم أن حكمك على الراوي خطيرٌ جداً، من أجل ذلك يقول ابن دقيق العيد:" أعراض المسلمين حفرةٌ من حفر النار، وقف على شفيرها صنفان من الناس المُحدِّثون والحكام"، والمقصود أن الذي يتكلم في الحديث على شفير جهنم، إلا أن يوفقه الله عز وجل؛ وذلك لأن تضعيف راوٍ واحد، قد يكون ثقة، معناه أنك حكمت على جميع أحاديثه بأنها ليست سنةً، وليست ديناً، وليست وحياً من رب العالمين،ولانوراً يُهتدى به. وحكمك على راوٍ بأنه ثقةٌ، معناه أن أحاديثه يجب أن تلتزم بها، وأنها وحي وحقٌ وخير يجب أن تعتقده وتعمل به، وكذلك الحكم على الحديث خطيرٌ جداً.
وهذا العلم يحتاج إلى المُتفرّغ له، والمُشتغل به، فليس من حق أي إنسان أن يتكلم في الأحاديث، وليس من حق من لم يشتغل بعلم الحديث اشتغالاً كافياً أن يحكم عليه، فهذا العلم لا يقبل الشركة، بل يلزم أن تتخصص فيه وحده، وإذا انقطعت عنه فترة ضَعُفت معرفتك به؛ لأنه خبرة تتكون من خلالها حاسة يُتَمكن بها تذّوق الأحاديث، وتمييز صحيحها من سقيمها.
نسأل الله أن يعلمنا ماينفعنا، وينفعنا بما علمنا
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين
كشاف الموضوعات (ويتضمن دليلاً لأهم المسائل الواردة في المذكرة)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)