محاضرة في علم الرجال وأهميته - ضمن «آثار المعلمي» (عبد الرحمن المعلمي اليماني)القسم: علوم الحديث
الكتاب: محاضرة في علم الرجال وأهميته
[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (15)]
المؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (1313 - 1386 هـ)
المحقق: علي بن محمد العمران
راجعه: محمد أجمل الإصلاحي - عادل بن عبد الشكور الزرقي
الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1434 هـ
قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 10 شوّال 1442
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
الرسالة التاسعة
محاضرة في علم الرجال وأهميته
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 215)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
إنه قد استقر في الأذهان، واستغنى عن إقامة البرهان، ما للعلم من الشرف والفضيلة، وأنه هو الوسيلة لرفع الإنسان في المعنى عما ارتفع عنه في الصورة من البهائم.
وممّا لا نزاع فيه أنّ العلوم تتفاوت في مقدار ذلك الشرف؛ منها الشريف والأشرف، والمهمّ والأهمّ.
ومهما يتصور لعلوم الفلسفة والطبيعيات والرياضيات والأدبيات والصناعيات وغيرها من العلوم الكونيات ــ مهما يُتَصوّر لها من الشرف والفضيلة، والمرتبة الرفيعة ــ فإنها لا تُداني في ذلك العلمَ الذي مع مشاركته لها في ترقية المدارك، وتنوير العقول، ينفرد عنها بإصلاح الأخلاق، وتحصيل السعادة الأبديَّة، وهو علم الدين.
ومهما ترقّى الإنسان في الصنائع والمعارف الكونية، وتسهيل أسباب الراحة؛ فإن ذلك إن رفعه عن البهمية من جهة، فإنه ينزل به عنها من جهة أخرى، ما لم تتطهّر أخلاقُه، فيتخلَّق بالرأفة والرحمة، والإيثار والعفة والتواضع، والصدق والأمانة، والعدل والإحسان، وغيرها من الأخلاق الكريمة.
كل من كان له وقوفٌ على أحوال الأمم والأفراد في هذا العصر، عَلِم أنه بحق يسمى عصر العلم، ولكنه يرى أنه مع ذلك يجب أن يسمى ــ بالنظر
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 217)
إلى تدهور الأخلاق ــ اسما آخر!
النفوس الأرضية تربة، من شأنها أن تنبت الأخلاق الذميمة ما لم تُسْقَ بماء الإيمان الطاهر، وتشرق عليها شمسُ العلم الديني الصحيح، وتهبّ عليها رياح التذكير الحكيم.
فأيّ أرضٍ أَمْحَلت من ذلك الماء، وحُجِب عنها شعاع تلك الشمس، وسُدَّتْ عنها طرق تلك الرياح؛ كان نباتها كما قال الملائكة عليهم السلام: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30].
للدين ــ وهو الإسلام ــ ينبوعان عظيمان: كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
السنة عبارة عما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأقوال والأفعال وغيرها مما هو تبيينٌ للقرآن، وتفصيل للأحكام، وتعليم للآداب، وغير ذلك من مصالح المعاش والمعاد.
أوّل من تلقّى السنّة هم الصحابة الكرام، فحفظوها وفهموها، وعلموا جملتها وتفصيلها، وبلّغوها كما أُمِروا إلى من بعدهم.
ثمّ تلقّاها التابعون، وبلّغوها إلى من يليهم وهكذا! فكان الصحابيّ يقول: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كيت وكيت، ويقول التابعي: سمعت فلانًا الصحابي يقول: سمعت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول الذي يليه: سمعتُ فلانًا يقول: سمعت فلانًا الصحابي يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 218)
كلُّ من علم أنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، وأنّ شريعتَه خاتمة الشرائع، وأنّ سعادة المعاش والمعاد والحياة الأبدية في اتّباعه= يعلم أنّ النّاس أحوج إلى حفظ السنة منهم إلى الطعام والشراب.
قد وقعت الروايةُ ممّن يجب قبولُ خبرِه، وممّن يجب ردُّه، وممّن يجب التوقف فيه. وهيهات أن يعرف ما هو من الحقّ الذي بلَّغه خاتمُ الأنبياء عن ربّه عز وجل، وما هو من الباطل الذي يُبرَّأ عنه الله ورسوله؛ إلاّ بمعرفة أحوال الرواة.
وهكذا الوقائع التاريخية، بل حاجتها إلى معرفة أحوال رواتها أشدُّ؛ لغلبة التساهل في نَقْلها. على أنّ معرفة أحوال الرجال هي نفسها من أهمّ فروع التاريخ.
وإذ كان لا بدّ من معرفة أحوال الرواة؛ فلا بدّ من بيانها؛ بأن يخبر كلُّ مَن عَرَف حالَ راوٍ بحاله ليعْلَمَه الناسُ. وقد قامت الأمّة بهذا الفرض كما ينبغي.
أوّل من تكلّم في أحوال الرجال القرآن، ثمّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أصحابه.
والآيات كثيرة في الثناء على الصحابة إجمالًا، وذم المنافقين إجمالًا، ووردت آياتٌ في الثناء على أفراد مُعَيَّنين من الصحابة ــ كما يُعلم من كتب الفضائل ــ وآيات في التنبيه على نفاق أفراد مُعَيَّنين، وعلى جرح أفراد آخرين.
وأشهر ما جاء في هذا قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 219)
[الحجرات: 6]. نزلت في رجل بِعَينه، كما هو معروف في موضعه(1)، وهي مع ذلك قاعدة عامّة.
وثبتت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحاديثُ كثيرة في الثناء على أصحابه جملةً، وعلى أفراد منهم معينين؛ معروفة في كتب الفضائل. وأخبارٌ أُخَر في ذمّ بعض الفِرَق إجمالًا؛ كالخوارج، وفي تعيين المنافقين وذم أفراد معينين؛ كعيينة بن حصن(2)، والحَكَم بن أبي العاص(3).
وثبتت آثار كثيرة عن الصحابة في الثناء على بعض التابعين، وآثار في جرح أفراد منهم.
وأمّا التابعون؛ فكلامهم في التعديل كثير، ولا يُروى عنهم من الجرح إلا القليل، وذلك لقرب العهد بالسراج المنير، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم، فلم يكن أحدٌ من المسلمين يجترئ على الكذب على الله ورسوله.
وعامّة المُضَعَّفين من التابعين إنّما ضُعّفوا للمذهب؛ كالخوارج أو لسوء الحفظ، أو للجهالة.
ثمّ جاء عصر أتباع التابعين فما بعده، فكَثُر الضعفاء والمغَفَّلون،--------------------------------------------
(1) نزلت في الوليد بن عقبة في قصة بعثه لأخذ الزكاة من الحارث بن أبي ضرار. أخرجه عنه أحمد (18459) والطبراني في "الكبير" (3395). وأخرجه الطبري في "تفسيره": (21/ 349) من حديث أم سلمة، والبيهقي في "الكبرى": (9/ 54) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) صحيح البخاري طبع المصطفائي بالهند ــ ص 894. [المؤلف].
(3) الإصابة ــ وفتح الباري في تفسير سورة الأحقاف. [المؤلف].
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 220)
والكذّابون والزنادقة، فنهض الأئمة لتبيين أحوال الرواة وتزييف ما لا يثبت، فلم يكن مِصْرٌ من أمصار المسلمين إلَّا وفيه جماعة من الأئمة يمتحنون الرواة، ويختبرون أحوالهم وأحوال رواياتهم، ويتتبَّعون حركاتهم وسكناتهم، ويُعلنون للناس حكمهم عليهم.
واستمرّ ذلك إلى القرن العاشر، فلا تجد في كتب الحديث اسمَ راوٍ إلّا وجدت في كتب الرجال تحقيقَ حاله. وهذا مصداق الوعد الإلهي؛ قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟! قال: تعيش لها الجهابذة، وتلا قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(1) [الحجر: 9].
وكان نشاط الأئمة في ذلك آيةً من الآيات؛ فمن أمثلة ذلك: قال العراقي في "شرح مقدمة ابن الصلاح"(2): "رُوّينا عن مؤمّل(3) أنّه قال: حدّثني شيخ بهذا الحديث ــ يعني حديث فضائل القرآن سورة سورة ــ فقلت للشيخ: من حدّثك؟ فقال: حدّثني رجلٌ بالمدائن، وهو حيٌّ، فصرت إليه، فقلت: من حدّثك؟ قال: حدثني شيخٌ بواسط، وهو حيٌّ، فصرت إليه، فقال: حدّثني شيخٌ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: حدّثني شيخٌ بعبّادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي، فأدخلني بيتًا، فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخٌ، فقال: هذا الشيخ حدّثني، فقلت: يا شيخ من حدّثك؟ فقال: لم يحدّثني أحد، ولكننا--------------------------------------------
(1) فتح المغيث للسخاوي ص 109. [المؤلف]. وهو في "تقدمة الجرح والتعديل": (1/ 3 و 2/ 18).
(2) "التقييد والإيضاح": (1/ 547 ــ ت خياط).
(3) هو ابن إسماعيل توفي سنة 206. [المؤلف].
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 221)
رأينا النّاس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن!! "(1).
لعلّ هذا الرجل قطع نحو ثلاثة أشهر مسافرًا لتحقيق رواية هذا الحديث الواحد.
وللأئمة طرق في اختبار الرواة؛ منها: النظر إلى حال الراوي في المحافظة على الطاعات واجتناب المعاصي، وسؤال أهل المعرفة به.
قال الحسن بن صالح بن حَيّ: "كنّا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه، حتّى يقال: أتريدون أن تزوجوه؟! "(2).
ومنها: أن يحدث أحاديث عن شيخ حيٍّ، فيسأل ذلك الشيخ عنها.
مثاله: قول شعبة: قال الحسن بن عمارة: "حدّثني الحكم، عن يحيى بن الجزّار، عن علي: سبعةَ أحاديث، فسألتُ الحَكَم عنها، فقال: ما سمعتُ منها شيئًا! "(3).
ومنها: أن يحدّث عن شيخ قد مات، فيقال للرّاوي: متى ولدت؟ ومتى لقيت هذا الشيخ؟ وأين لقيته؟ ثم يقابل بين ما يجيب به وبين ما حفظ من وفاة الشيخ الذي روى عنه ومحل إقامته وتواريخ تنقله.
مثاله: ما جاء عن عُفَير بن مَعْدان أنّ عمر بن موسى بن وجيه حدّث عن--------------------------------------------
(1) "التقييد والإيضاح" ص 112 - 113. [المؤلف].
(2) "الكفاية" ص 93. [المؤلف].
(3) "تهذيب التهذيب" ترجمة الحسن. [المؤلف]. وأخرجه في "الجرح والتعديل": (1/ 138).
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 222)
خالد بن مَعْدان، قال عُفير: فقلت له: في أيّ سنة لقيته؟ قال: في سنة ثمان وخمسين ومائة، في غزاة إرْمِينِيَّة. قلت: اتق الله يا شيخ، لا تكذب! مات خالد سنة أربع وخمسين ومائة، أزيدك أنّه لم يغز إرْمِينية! !(1).
ومنها: أن يسمع من الراوي أحاديث عن مشايخ قد ماتوا، فتُعْرَض هذه الأحاديث على ما رواه الثقات عن أولئك المشايخ، فينظر: هل انفرد هذا الراوي بشيء أو خالف أو زاد أو نقص؟ فتجدهم يقولون في الجرح: "ينفرد عن الثقات بما لا يتابع عليه"، "في حديثه مناكير" "يخطئ ويُخالف"، ونحو ذلك.
ومنها: أن يسمع من الراوي عدّة أحاديث، فتُحْفَظ أو تُكْتَب، ثم يَسأل عنها بعد مدة، وربّما كَرَّر السؤال مرارًا لينظر أيُغيّر أو يُبدّل أو يزيد أو ينقص؟
دعا بعض الأمراء أبا هريرة، وسأله أن يحدّث، وقد خبَّأ الأمير كاتبًا حيث لا يراه أبو هريرة، فجعل أبو هريرة يحدّث، والكاتب يكتب، ثم بعد سنة دعا الأمير أبا هريرة، ودسّ رجلًا ينظر في تلك الصحيفة، وسأل أبا هريرة عن تلك الأحاديث، فجعل يُحدِّث والرجل ينظر في الصحيفة، فما زاد ولا نقص، ولا قدّم ولا أخّر(2).
وسأل بعضُ الخلفاء ابنَ شهاب الزُّهري أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب، فأملى عليه أربع مائة حديث، ثمّ إنّ الخليفة قال للزهري بعد--------------------------------------------
(1) "لسان الميزان" ترجمة عمر. [المؤلف]. وأخرجه في "الجرح والتعديل": (6/ 133)، و"الكفاية" (ص 119).
(2) انظر "المستدرك" ج 3 ص 510. [المؤلف]. وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير": (9/ 33)، والحاكم: (3/ 510) وقال: صحيح الإسناد.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 223)
مدّة: إنّ ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب فأملاها عليه، ثمّ قابلوا الكتابَ الثاني على الكتاب الأوّل، فما غادر حرفًا(1).
وكانوا كثيرًا ما يبالغون في الاحتياط، حتّى قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على بِرْذَون(2).
وقال جرير: رأيت سِماك بن حرب يبول قائمًا، فلم أكتب عنه(3).
وقيل للحكم بن عُتَيبة: لِمَ لَمْ تروِ عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام(4).
وكانوا يطعنون فيمن خالط الأمراء، أو قبل عطاياهم، أو عظَّمهم، بل ربّما بالغوا في ذلك، كما وقع لمحمد بن بشر الزَّنْبَري المصري مع سعة علمه، كان يملي الحديث على أهل بلده، فاتفق أن خرج الملك غازيًا، فخرج الزَّنْبري يشيّعه، فلمّا انصرف وجلس يوم الجمعة في مجلسه، قام إليه أصحاب الحديث فنزعوه من موضعه، وسبّوه وهمُّوا به، ومزّقوا رواياتهم عنه.
ثمّ ذكره ابن يونس في "تاريخ مصر" فقال: "لم يكن يشبه أهل العلم"(5).--------------------------------------------
(1) انظر ترجمة الزهري في "تهذيب التهذيب". [المؤلف]. وهو في "المحدّث الفاصل" (ص 397).
(2) "الكفاية" (ص 112).
(3) "الضّعَفاء": (2/ 178)، و"الكامل": (3/ 460).
(4) هذه الآثار من "الكفاية" وغيرها. [المؤلف]. وانظر "شرح الألفية" للعراقي (ص 146).
(5) انظر ترجمة الزنبري في "لسان الميزان" [7/ 13 - 14]. [المؤلف]. وانظر "تاريخ ابن يونس ــ المجموع": (1/ 436 - 437).
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 224)
وإنّما كانوا يتسامحون فيمن بلغ من الجلالة بحيث يُعلَم أنّه إنّما يُخالط الأمراء ليأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويكفَّهم عن الباطل ما استطاع؛ كالزُّهري، ورجاء بن حَيْوة.
روى الشافعيّ قال: حدّثنا عمّي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان! الذي تولّى كِبْره من هو؟ يعني في قول الله تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 24]. قال: عبد الله بن أُبيّ، قال: كذبت؛ هو فلانٌ! قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول. فدخل الزُّهريّ، فقال: يا ابن شهاب! من الّذي تولى كِبْره؟ قال: ابنُ أُبَيّ، قال: كذبت، هو فلان! فقال الزُّهريّ لهشام: أنا أكذب لا أبا لك؟ ! والله لو نادى منادٍ من السماء: إنّ الله أحلَّ الكذب ما كذبت! حدّثني عروة وسعيدٌ وعبيد الله وعلقمة، عن عائشة: أنّ الذي تولّى كِبْره عبد الله بن أُبيّ(1).
وذكر تمام القصة، وفيها خضوع هشام للزُّهري واسترضاؤه له(2).
وقد وقعت للزُّهري قصة تشبه هذه مع الوليد بن عبد الملك، وفيها: أنّ الوليد قال له: يا أبا بكر، من تولّى كِبْره، أليس فلانًا؟ قال الزهري: قلت: لا! فضرب الوليد بقضيبه على السرير: فمن؟ فمن؟ حتّى ردّد ذلك مرارًا، قال الزهري: لكن عبد الله بن أُبيّ(3).--------------------------------------------
(1) القصة في "سير النبلاء": (5/ 339).
(2) انظر "فتح الباري" في باب حديث الإفك في المغازي، وانظر ترجمة ابن شهاب في "تهذيب الكمال". [المؤلف].
(3) انظر "فتح الباري". [المؤلف]. وهو في "فوائد ابن أخي ميمي الدقاق" (ص 113 - ت نبيل جرار).
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 225)
وفي جواب سليمان لهشام لطيفة، حيث لم يقل: "أمير المؤمنين أعلم" ويسكت، بل قال: "أعلم بما يقول" أي: أعْلمُ بقول نفسه، لا أعلم بحقيقة الحال، ولكنّ المقام لم يكن لتُغني فيه مثل هذه الإشارة، فلذلك قيّض الله تعالى الزُّهريّ ووفّقه فقال ما قال. وقوله لهشام ــ وهو الملك ــ: "لا أبا لك" جرأةٌ عظيمة.
وكانوا من الورع وعدم المحاباة على جانب عظيم، حتى قال زيد بن أبي أُنَيسة: أخي يحيى يكذب(1).
وسُئل جرير بن عبد الحميد عن أخيه أنس، فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنّه يكذب في حديث الناس فلا يكتب عنه(2).
وروى عليُّ بن المديني عن أبيه، ثم قال: "وفي حديث الشيخ ما فيه"(3)! وأشار إلى تضعيفه غير مرّة.
وقال أبو داود: ابني عبد الله كذّاب(4).
وكان الإمام أبو بكر الصِّبْغي ينهى عن السماع من أخيه محمد بن إسحاق(5).--------------------------------------------
(1) "تهذيب التهذيب" [11/ 184] ترجمة يحيى. [المؤلف].
(2) "لسان الميزان" ترجمة أنس. [المؤلف]. وهو في "الجرح والتعديل": (2/ 289).
(3) "تهذيب التهذيب" [5/ 175] ترجمة عبد الله بن نجيح. [المؤلف].
(4) "لسان الميزان" ترجمة عبد الله. [المؤلف]. وانظر "الكامل": (5/ 436).
(5) انظر ترجمة محمد في "لسان الميزان". [المؤلف]. وهو في "الميزان": (4/ 398) ذكره الحاكم عنه.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 226)
حفظ علماء السلف لتراجم الرجال
كان الرجل لا يسمى عالمًا حتى يكون عارفًا بأحوال رجال الحديث؛ ففي "تدريب الراوي"(1): "قال الرافعي وغيره: إذا أُوصيَ للعلماء لم يدخل الذين يسمعون الحديث، ولا عِلْم لهم بطرقه، ولا بأسماء الرواة … وقال الزركشي: أما الفقهاء؛ فاسم المحدِّث عندهم لا يُطلق إلا على من حفظ متن الحديث، وعَلِم عدالةَ رواته وجرحها … وقال التاج السبكي: … إنما المحدِّث مَن عَرَف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال … ".
وذَكَر عن المِزِّي أنه سُئل عمن يستحق اسم الحافظ، فقال: "أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم؛ ليكون الحكم للغالب"(2).
فكان العالم يعرف أحوال من أدركهم؛ إما باختباره لأحوالهم بنفسه، وإما بإخبار الثقات له، ويعلم أحوال من تقدمه بإخبار الثقات، أو بإخبار الثقات عن الثقات، وهكذا، ويحفظ ذلك كله، كما يحفظ الحديث بأسانيده، حتى كان منهم من يحفظ الألوف، ومنهم من يحفظ عشرات الألوف، ومنهم من يحفظ مئات الألوف بأسانيدها(3).
فكذلك كانوا يحفظون تراجم الرواة بأسانيدها، فيقول أحدهم: أخبرني فلان أنه سمع فلانًا قال: قال فلان: لا تكتبوا عن فلان فإنه كذاب، وهكذا.--------------------------------------------
(1) (1/ 30 - 35).
(2) المصدر نفسه (1/ 37).
(3) انظر مقدمة "تدريب الراوي". [المؤلف].
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 227)
طائفة من مشاهير المكثرين من الجرح والتعديل
1 - شُعبة بن الحجَّاج. ولد سنة (82)، وتوفي سنة (160)، وهو أول من تجرَّد لذلك وشدَّد فيه. جاء عنه أنه قال: سمعت من طلحة بن مُصَرِّف حديثًا واحدًا، وكنتُ كلما مررتُ به سألته عنه، فقيل له: لِمَ يا أبا بسطام؟! قال: أردت أن أنظر إلى حفظه، فإن غيَّر فيه شيئًا تركته(1).
2 - سفيان الثوري (97 ــ 161). وله في ذلك نوادر؛ قال في ثور بن يزيد: "خذوا عن ثور، واتقوا قَرْنَيْه"(2). وكان ثور قدريًّا، يميل إلى النَّصْب، فهذان قرناه.
3 - الإمام مالك بن أنس (93 ــ 179). وكان لا يروي إلا عن ثقة.
4 - ابن المبارك (118 ــ 181). وكان ربما جعل كلامه في الرجال شعرًا ليشتهر، فمنه قوله(3):
أيها الطالبُ علمًا … ائتِ حمادَ بن زيد
فاطلبنَّ العلمَ منه … ثم قيده بقيد
لا كثورٍ وكجَهْم … وكعَمْرو بن عُبيد
وفي ترجمة أبي إسحاق الفَزَاري من "تهذيب التهذيب"(4) وغيره: أن هارون الرشيد أخذ زنديقًا فأراد قتله، فقال: أين أنت من ألف حديث--------------------------------------------
(1) "الكفاية" 133. [المؤلف].
(2) "تهذيب التهذيب": (2/ 34).
(3) المصدر نفسه: (2/ 35).
(4) (1/ 152) وانظر "سير النبلاء": (8/ 542).
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 228)
وضعتها؟ ! فقال له: أين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا؟ !
5 - يحيى بن سعيد القطان (120 ــ 198). من المُشدِّدين.
6 - عبد الرحمن بن مهدي (133 ــ 198). من المعتدلين.
7 - محمد بن سعد صاحب "الطبقات" (168 ــ 230).
8 - يحيى بن معين (158 ــ 233). وهو أكثر الأئمة كلامًا في الجرح والتعديل، وله "كتاب الضعفاء" و"كتاب الكنى". وجمع تلميذه عباس الدُّوري من كلامه "تاريخًا"، وكذلك فعل غير واحد من تلامذته.
9 - علي بن المديني (161 ــ 234). ومن مؤلفاته: "كتاب الضعفاء"، "العلل"، "المدلّسون"، "الأسماء والكنى"، "المسند بعلله"(1).
10 - أبو خيثمة (160 ــ 234). وله كلام كثير في الرجال، نقله ابنه أحمد في "تاريخه".
11 - الإمام أحمد بن حنبل (164 ــ 241). وكلامه كثير، يرويه عنه ابنه عبد الله وغيره من تلامذته، وله كتاب "العلل"(2).
12 - البخاري (194 ــ 256). وله من التصانيف: "التواريخ الثلاثة"، "الكنى المجرَّدة"، "الضعفاء".
13 - مسلم (204 ــ 261). له "التاريخ"، "الطبقات"، "الأسماء والكنى"، "المفاريد والواحدان".--------------------------------------------
(1) في "فهرست ابن النديم" ص 322. [المؤلف].
(2) في "فهرست ابن النديم" ص 320. [المؤلف].
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 229)
14 - أحمد بن عبد الله بن صالح العِجْلي (182 ــ 261). وهو أكبر من البخاري ومسلم، ولكن تأخرت وفاته، له "كتاب الثقات".
15 - أبو زُرْعة الرازي (200 ــ 264). وله كلام كثير، غالبه في كتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم.
16 - أبو داود صاحب "السنن" (202 ــ 275). سأله عن الرجال تلميذه أبو عُبيد الآجُرِّي، وجمع من ذلك كتابًا.
17 - أبو حاتم الرازي (195 ــ 277). له كلام كثير، غالبه في كتاب "الجرح والتعديل" لابنه.
18 - صالح بن محمد جزرة (205 ــ 293). له "تاريخ الري"، وغيره.
19 - النسائي (215 ــ 303). له كتاب "الضعفاء"، وغيره.
20 - زكريا الساجي (تقريبًا 220 ــ 307). له كتاب "العلل"، وغيره.
21 - أبو بشر الدّولابي (224 ــ 310). له كتاب "الكنى" وغيره.
22 - أبوجعفر العُقَيلي (؟ ــ 322). له كتاب "الضعفاء".
23 - ابن أبي حاتم (240 ــ 327). له كتاب "الجرح والتعديل" وغيره.
24 - أبو سعيد بن يونس (281 ــ 347). له "تاريخ مصر".
25 - ابن حبّان (تقريبًا 275 ــ 354). له كتاب "الثقات"، وكتاب "الضعفاء" وغيرهما.
26 - أبو أحمد بن عدي (277 ــ 365). له كتاب "الكامل في الضعفاء وغيرهم ممن تُكلِّم فيه".
27 - أبو أحمد الحاكم (284 ــ 378). له كتاب "الكنى".
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 230)
28 - الدارقطني (306 ــ 385). له كتاب "العلل" وغيره.
29 - ابن شاهين (298 ــ 385). له كتاب "الثقات".
30 - أبو عبد الله الحاكم (321 ــ 405). له "تاريخ نيسابور" وغيره.
31 - حمزة السَّهمي (تقريبًا 340 ــ 427). قال الذهبي: صنّف التصانيف، وجرّح وعدّل وصحّح وعلّل(1)، وله "تاريخ جرجان"(2).
32 - ابن حزم الأندلسي (384 ــ 456). له كلامٌ كثيرٌ في الرجال في كتابه "المحلّى" وغيره.
33 - الخطيب البغدادي (392 ــ 463). له "تاريخ بغداد" وغيره.
34 - ابن ماكولا (422 ــ 475 وقيل بعدها). له كتاب "الإكمال" وغيره.
35 - شجاع الذُّهلي (430 ــ 507). سأله السِّلَفي عن المشايخ، وجمع من ذلك كتابًا.
36 - الشَّنْتَريني (443 ــ 522). له كتابٌ في "رجال مسلم" وغيره.
37 - أبو سعد ابن السَّمعاني (506 ــ 562). له كتاب "الأنساب" وغيره.
38 - ابن عساكر (499 ــ 571). له "تاريخ دمشق" وغيره.
39 - ابن بَشْكُوال الأندلسي (494 ــ 578). له كتاب "الصلة" وغيره.
40 - ابن الجوزي (510 ــ 597). له "التاريخ المنتظم"(3)، وكتاب--------------------------------------------
(1) تذكرة الحفاظ - ج 3 ص 273. [المؤلف].
(2) ستطبعه الدائرة إن شاء الله تعالى قريبًا. [المؤلف]. وقد طُبع بتحقيق المؤلف رحمه الله في مجلد واحد.
(3) قد طبعت الدائرة جزئين منه، والباقي تحت الطبع. [المؤلف].
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 231)
"الضعفاء" وغيرهما.
41 - عبد الغني المقدسي (541 ــ 600). له كتاب "الكمال" وغيره.
42 - أبو الحسن ابن القطّان (لعله قبل 570 ــ 628). له كتاب "الوهم والإيهام" يتضمّن كلامًا كثيرًا في الرجال.
43 - ابن الدُّبَيْثي (558 ــ 637). له "تاريخ واسط"، وذيل لـ "تاريخ السمعاني لبغداد" وغيرهما.
44 - ابن النّجّار (578 ــ 643). له "ذيل تاريخ بغداد" في ستة عشر مجلدًا.
45 - الزَّكي المُنْذري (581 ــ 656). له "معجم" في مجلّدين، وغيره(1).
46 - الدِّمْياطي (613 ــ 705). له "المعجم" وغيره. وشهد له المِزّيُّ أنّه أعلم من أدركه من الحفّاظ بالرّجال.
47 - المِزِّيّ (654 ــ 742). له "تهذيب الكمال"، وغيره.
48 - الذّهبيّ (673 ــ 748). له "تاريخ الإسلام"، و"الميزان"، و"تذكرة الحفاظ"، و"الكاشف"، و"المغني"، و"تذهيب التهذيب"، وغيرها(2).
49 - مُغُلْطاي (689 ــ 761). له "إكمال تهذيب الكمال" وغيره.
50 - العراقي (725 ــ 806). له معجم جماعة من رجال القرن الثامن(3).--------------------------------------------
(1) وله "التكملة في وفيات النقلة" طبع في أربعة مجلدات.
(2) ومن أهمّها "سير أعلام النبلاء" مطبوع في خمسة وعشرين مجلدًا.
(3) وله "ذيل ميزان الاعتدال" طبع في مجلد.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 232)
51 - ابن حجر (773 ــ 852). له "تهذيب التهذيب"، و"لسان الميزان"، و"تعجيل المنفعة"، و"الدرر الكامنة" وغيرها.
52 - السّخاوي (830 ــ 901). له "الضوء اللامع" وغيره.
قال في كتابه "فتح المغيث"(1) بعد أن سرد أسماء جماعة من أئمة الجرح والتعديل، وختم بذكر شيخه ابن حجر ما لفظه: "وطُوِيَ البِساط بعده إلاّ لمن شاء الله، ختم الله لنا بخير".
* * * *--------------------------------------------
(1) (4/ 360).
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 233)
تدوينُ العلم وحَظُّ علم الرجال منه
ذكروا أنّ تدوين العلم في الكتب في العهد الإسلامي شُرِعَ فيه حوالي نصف القرن الثاني؛ فألّف ابنُ جُريج (80 ــ 150)، وابن أبي عَرُوبة (؟ ــ 156)، والربيع بن صُبَيح (؟ ــ 160).
ويتوهّم بعض الناس أنّه قبل ذلك لم يكن عند أحدٍ من المسلمين كتابٌ ما، يتضمّن علمًا غير كتاب الله عز وجل.
وهذا خطأ؛ فقد كان عند جماعةٍ من الصحابة صحائف(1) في كلٍّ منها طائفة من الأحاديث النبوية، منها: صحيفةٌ كانت عند أمير المؤمنين عليٍّ ــ عليه السلام. ذكرها البخاري(2) وغيره، وجمع ابن حجر في "فتح الباري"(3) قِطَعًا منها.
وكان عند عَمرو بن حزم كتابٌ كتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن، فيه أحكامٌ كثيرة(4).
وكان عند أنس كتابٌ في أحكام الزكاة كتبه أبو بكر الصديق، قال في--------------------------------------------
(1) جمع الأستاذ أحمد الصويان كتابًا جيدًا سماه "صحائف الصحابة" طبع سنة 1410، جمع فيه نماذج منها، وتكلم على طرقها وأسانيدها ومظان وجودها.
(2) ص 251. [المؤلف]. "صحيح البخاري" (111 و 1870 و 3047 وغيرها).
(3) (4/ 85).
(4) "المستدرك" ج 1 ص 295 - 296. [المؤلف]. وأخرجه النسائي (4855) وفي "الكبرى" (7031) من مرسل الزهري، وأخرجه البيهقي في الكبرى: (4/ 91 و 92 و 94) من طُرق عدة.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 234)