يقبل منه لأنه كان مدلسا ولذلك ترى العلماء المحققين العارفين بهذا الشأن يعللون مئات الأحاديث بعنعنة ابن إسحاق وغيره من المدلسين فكيف يقبل حديثه إذا أعضله ولم يسق إسناده؟ ولست أدري إذا كان هذا مما خفي على الدكتور أم تجاهله لضرورة التأليف فقد رأيته أكثر من مثل هذا العزو الذي لا فائدة فيه وقد مضى بعض الأمثلة منه
نعم قد أخرج البخاري في (المناقب) من (صحيحه) من طريق أخرى عن عدي آخر الحديث بنحوه والذي يتلخص من هذا الفصل أن الدكتور لم يكن الصواب حليفه حين أطلق: (صحاح السنة) على غير الصحيحين من الكتب المتقدمة وأننا أثبتنا له ضعف أربعة أحاديث من أصل أحد عشر حديثا عزاها إليها فكيف يكون الحال لو أن عددها كان بلغ المائة أو المئات؟ لا شك أن نسبة الضعف فيها سيرتفع بنسبة الزيادة فيها
وإذا كان هذا حال أحاديثه التي نقلها من (الصحاح) بزعمه فكيف يكون حال الأحاديث الأخرى التي نقلها من كتب السيرة وقد أشار إلى أن في هذه الكتب ما لا يصح وصرح أنه إنما اعتمد على ما صح من الأخبار فيها؟ ذلك ما أريد تحقيقه في الفصل التالي إن شاء الله تعالى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
3 - وقال الدكتور فيما تقدم: (ثانيا: [اعتمدت] على ما صح من أخبار السيرة في كتبها وأهم ما اعتمدت عليه من ذلك سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد)
قلت: كم كنت مغتبطا لو أن الدكتور كان صادقا في قوله هذا وقبل أن أبين ما فيه أتوجه إلى فضيلته إن سمح بالسؤال الآتي: ما هي القواعد والأصول التي استندت إليها حين حكمت بالصحة على الأخبار التي أوردتها في الكتاب؟ فإن كانت هي أصولا أنت
[12]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
وحدك وضعتها واصطلحت عليها فتفضل ببيانها لننظر فيها ونبين لك بطلانها مع ما في ذلك من خروجك عن اتباع الأئمة الأمر الذي تنكر ما دونه على غيرك ممن يتبع الدليل عند اختلافهم فما بالك خالفتهم جميعا؟ وإن كانت هي القواعد المعروفة في علم الحديث الشريف فاسمح لي أن أقول لك بصراحة: إنك بين أمرين:
- إما أنك على علم بها ولكنك لم تلتزمها بل لم تلتفت إليها إطلاقا لتنظر هل تنطبق على الأخبار المشار إليها أم لا؟
- وإما أنك لا علم عندك بها أصلا واستميح القراء عذرا بهذا المصارحة لأنني تألمت على هذا العلم كل الألم أن يتعدى عليه مثل الدكتور تعديا لا أعرف له مثيلا فيما علمت عشرات الأخبار لا يمكن أن تكون صحيحة على وفق القواعد العلمية ومع ذلك يقدمها إلى الطلاب على أنها أخبار صحيحة فإلى الله المشتكى وإليك الأخبار التي عزاها إلى بعض المصادر التي ذكرها في كلمته السابقة صراحة وإشارة مما لا يصح إسناده وأما الأخبار التي أطلقها ولم يعزها إلى أحد فلم أجد فائدة كبرى في إضاعة الوقت باستقصائها وبيان ما لا يصح منها فأقول:
الخبر الأول: قال (1 / 36) : (قال عليه السلام فيما يرويه عن نفسه: (ما هممت بشيء مما كانوا في الجاهلية يعملونه غير مرتين كل ذلك يحول الله بيني وبينه ثم ما هممت به حتى أكرمني الله بالرسالة قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب فقال: أفعل فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفا فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فجلست أسمع فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس. . . ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ودخلت مكة مثل أول ليلة ثم ما همت بعده بسوء)
[13]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
رواه ابن الأثير ورواه الحاكم عن علي ابن أبي طالب وقال عنه صحيح على شرط مسلم ورواه الطبراني من حديث عمار بن ياسر)
قلت: هذا الحديث ضعيف واغترار الدكتور بتصحيح الحاكم له على شرط مسلم مما يدل على أنه لا علم عنده بتساهل الحاكم في التصحيح في كتابه (المستدرك) كما هو معلوم لدى المشتغلين بهذا العلم الشريف وكتب المصطلح طافحة بالتنبيه على ذلك قال السيوطي في ألفيته:
(وكم به تساهل حتى ورد فيه مناكر وموضوع يرد)
ولذلك وضع عليه الحافظ الذهبي كتابه (التلخيص) وتعقبه في مئات الأحاديث الموضوعة التي رواها الحاكم في (المستدرك) على أنه يشايعه أحيانا على تصحيح بعض الأحاديث ويكون قد نص في بعض كتبه الأخرى على ضعفها
ولهذا الإسناد علتان شرحتهما في (تخريج فقه السيرة للغزالي) (ص 32 - 33) ونقلت هناك عن الحافظ ابن كثير أنه قال: (وهذا حديث غريب جدا وقد يكون عن علي نفسه يعني موقوفا عليه) وأما حديث الطبراني عن عمار ففيه جماعة لا يعرفون كما قال الهيثمي في (المجمع) وذكرته في (التخريج) المذكور (1) والدكتور عافانا الله تعالى وإياه قد وقف عليه ومنه لخص تخريجه للحديث إلا قوله: (رواه ابن الأثير) فهو من عنده ويعني من تاريخه وأنا أترفع عن مثل هذا العزو لأنه ليس من شيمة المحققين الاعتماد على الأخبار المرسلة والمعضلة التي ترسل إرسالا بدون إسناد لا سيما إذا كان مثل هذا الحديث الذي لا يتفق مع كماله صلى الله عليه وسلم وعصمته على الرغم مما وجهه به--------------------------------------------
(1) وأزيد هنا فأقول: إن حديث عمار مخالف لحديث علي فإن فيه: (. . . على معاديه أما أحدهما فغلبتني عيني وأما الآخر فحال بيني وبينه سامر قومي)
[14]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
حضرة الدكتور (ص 39 - 40) وتأوله به فإن التأويل فرع التصحيح ونحن بحاجة أن نسد بعض الثغرات التي ينفذ منها المغرضون على اختلاف مذاهبهم بالنقد العلمي الحديثي الصحيح فإذا لم يصح الحديث فلا مبرر حينئذ للتأويل اتفاقا
الثاني: قال (1 / 60) : (ولذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد نزول الآية: لا أشك ولا أسأل. رواه ابن كثير عن قتادة)
كذا قال الدكتور المسكين: (رواه ابن كثير) ومتى كان ابن كثير راوية؟ فإن قول المرء: رواه فلان معناه عند العلماء بإسناده ولذلك لا يجوز عندهم أن يقال: (رواه البخاري) في حديث عنده لم يسق إسناده بل يقول إشارة إلى ذلك: (رواه البخاري معلقا) ففي قول الدكتور هذا إيهام للقارئ الذي لا علم عنده بطريقة ذكر ابن كثير للحديث أنه رواه بإسناده فالصواب أن يقال: (قال ابن كثير: قال قتادة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) . فذكره لأنه هو الذي قاله ابن كثير ولا إيهام فيه بل فيه التصريح بأن قتادة بلغه الحديث ولم يسمعه من أحد من الصحابة فهو مرسل فهو ضعيف
وقد أخرجه ابن جرير في (تفسيره) (11 / 116) من طريقين عن قتادة فهو ثابت عنه مرسلا
نعم قد روي موصولا فأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في (المختارة) عن ابن عباس رضي الله عن هما: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك} : لم يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسأل. ذكره في (الدر المنثور) (3 / 317)
قلت: وهذا مع كونه يختلف بعض الشيء عن مرسل قتادة فإن في هذا إخبارا من ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك ولم يسأل وفي المرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن نفسه: (لا أشك ولا أسأل) . أقول: مع هذا الاختلاف في اللفظ فإني
[15]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
لا أدري حال إسناد هذا الموصول وإن مما يؤسف له أن المصادر التي عزي الحديث إليها لا يوجد شيء منها مطبوعا ولا مخطوطا اللهم إلا (المختارة) للضياء المقدسي فيوجد منها مجلدات بخط المؤلف رحمه الله تعالى لا تزال محفوظة في المكتبة الظاهرية المحروسة وهي مرتبة على مسانيد الصحابة فرجعت إلى مسند ابن عباس منه البالغ عدد صفحاته نحو (460) فمررت عليها كلها باحثا عن هذا الحديث فلم أعثر عليه مع الأسف الشديد ولعله قد أودعه على هامش بعض الصفحات التي كان يستدرك عليها ما قد فاته ويكتبها بخط دقيق أو في بعض الورقات المستدركة والضائعة
نعم وجدت فيه (61 / 266 / 1) حديثا آخر يرويه من طريق أبي داود وهذا في (سننه) (2 / 331) بإسناد جيد عن ابن عباس من رواية أبي زميل قال: (سألت ابن عباس فقلت: ما شئ أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به قال: فقل لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك قال: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله عز وجل (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك. . . الآية) قال: فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئا فقل {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} ) وهذا كما ترى غير الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه وأستبعد جدا أن يكون السيوطي عناه فيما عزاه للضياء والله أعلم
الثالث: قال (1 / 97 - 98) : (وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول وفد من خارج مكة. . . وكانوا بضعة وثلاثين رجلا من نصارى الحبشة جاءوا مع جعفر بن أبي طالب. . . فنزل في حقهم قوله تعالى: {الذي آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. . .} رواه ابن إسحاق ومقاتل والطبراني عن سعيد بن جبير وانظر ابن كثير والقرطبي والنيسابوري)
[16]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
قلت: هذه مراسيل كلها وليس فيها شيء مسند وابن إسحاق لما رواه في السيرة (2 / 32 - ابن هشام) علقه تعليقا ولم يذكر له إسنادا والروايات على إرسالها مختلفة أشد الاختلاف في تعيين من نزلت الآيات المذكورة في حقهم وفي عددهم كما تراه في بعض المصادر التي أمر الدكتور بالرجوع إليها مثل تفسير القرطبي (13 / 296) وخير منه في هذا (الدر المنثور) للسيوطي (5 / 131 - 133) ورواية الطبراني عن سعيد بن جبير لم يذكرها الهيثمي في (المجمع) (7 / 88) فالله أعلم بصحة هذا العزو وقد رواها ابن أبي حاتم عن سعيد كما في (الدر) وهي مع كونها مرسلة فهي مغايرة لرواية الكتاب وهذه في الحقيقة لابن إسحاق لكن عنده أن عددهم عشرون رجلا ثم إن من الغريب أن يجزم الدكتور بأن الآيات المذكورة نزلت في حق أولئك الأحباش ويعزو ذلك لابن إسحاق مع أن هذا لم يجزم بذلك فقد قال قبل قوله: (فنزل في حقهم. . .) : (ويقال: إن النفر من النصارى من أهل نجران فالله أعلم أي ذلك كان)
ثم هو لم يجزم أيضا - خلافا للدكتور - بأن الآيات نزلت فيهم فقد أتبع قوله السابق بقوله:
(فيقال - والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات {الذين آتيناهم الكتاب. . .} ) وهكذا ذكره ابن كثير في (تفسيره) عن ابن إسحاق
فكيف استجاز الدكتور الجزم أولا بأن الآيات نزلت في أولئك الأشخاص وليس في ذلك إسناد صحيح؟ وثانيا كيف ينسب ذلك إلى ابن إسحاق وهو قد شك في ذلك ولم يجزم؟ أهكذا يكون صنيع من يقول: (اعتمدت على ما صح من أخبار السيرة) . أفهذا وذاك وما يأتي مما صح. . يا فضيلة الدكتور؟ فإلى
[17]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
الله المشتكى من هذا الجهل الفاضح بالأصل الثاني من الشرع ولا حول ولا قوة إلا بالله
الرابع: قال (1 / 101) بعد أن ذكر وفاة خديجة وعمه أبي طالب في العام العاشر من بعثته صلى الله عليه وسلم: (ولقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العام اسم (عام الحزن) لشدة ما كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة)
قلت: من أي مصدر من المصادر الموثوقة أخذ الدكتور هذا الخبر وهل إسناده - إن كان له إسناد - مما تقوم به الحجة؟ فإني بعد مزيد البحث عنه لم أقف عليه وإنما أورده الشيخ الغزالي في كتابه (فقه السيرة) بدون عزو ولعل الدكتور قلده في ذلك مع أن الغزالي حفظه الله تعالى لم يدع ما ادعاه الدكتور: (أنه اعتمد على (صحاح السنة) و (على ما صح من أخبار كتب السيرة) فلا يرد عليه ما يرد على الدكتور وإن كان من المنهج العلمي الصحيح يوجب الاعتماد على ما صح من الأخبار وإلا فعلى الأقل ذكر الخبر مع المصدر الذي يمكن الباحث من التحقق منه وهذا ما يصنعه المحققون من أهل العلم بطرق التخريج والنقد مثل الحافظ ابن كثير وغيره خلافا للدكتور وأمثاله من المؤلفين النقلة القماشين الجماعين فهو مع جزمه بصحة هذا الخبر بقوله: (ولقد أطلق. . .) لا يذكر على الأقل مصدره فمن أين عرف صحته؟ إذن هذه الصحة وغيرها مجرد دعوى أو هوى من الدكتور ليس إلا
ومما يدل على ذلك أن المصدر الوحيد الذي رأيته قد أورده إنما هو القسطلاني في (المواهب اللدنية) فلم يزد على قوله: (فيما ذكره صاعد) وصاعد هذا هو ابن عبيد العجلي كما قال الزرقاني في شرحه عليه (1 / 244) فما حال صاعد هذا؟ إنه مجهول لا يعرف ولم يوثقه أحد بل أشار الحافظ إلى أنه لين الحديث إذا لم يتابع كما هو حاله في هذا الخبر على أن قول القسطلاني: (ذكره
[18]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
صاعد) يشعر أنه ذكره معلقا بدون إسناد فيكون معضلا فيكون الخبر ضعيفا لا يصح حتى ولو كان صاعد معروفا بالثقة والحفظ وهيهات هيهات
الخامس: ذكر (1 / 105 - 107) قصة ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ودعوته لثقيف وشجهم رأسه الشريف بالحجارة ودعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. . .) وقصته مع عداس النصراني وانكباب عداس عليه صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه. وذكر مصدرا لها (طبقات ابن سعد وتهذيب السيرة لابن هشام)
قلت: أما (الطبقات) فلم يذكر من القصة كلها إلا أحرفا يسيرة ومع ذلك فهو عنده (1 / 211 - 212) من قول محمد بن عمر بغير إسناد وغالب الظن أن الدكتور لا يعلم أن ابن عمر هذا هو الواقدي المتروك كما يأتي
وأما (تهذيب السيرة) فقد ذكره (2 / 60) من طريق ابن إسحاق بإسناد له مرسل إلا الدعاء فلم يسق له سندا فقد قال: (فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما ذكر لي -: اللهم. . .)
وقد أخرج القصة باختصار - وفيه الدعاء - الطبراني بإسناده عن ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن جعفر وابن إسحاق مدلس وقد عنعنه ولذلك ضعفت الحديث في (تخريج الفقه) (ص 132) والدكتور على علم بذلك فلا هو يستفيد من مثل هذا التحقيق هناك ولا هو يأتي بما ينافيه لينظر فيه وإنما يكتفي بمجرد العزو للمصدرين السابقين وهو يعلم أن فيهما ما لا يصح ثم هو يزعم أنه اعتمد على ما صح فيهما
السادس: قال (1 / 101) : (يقول ابن هشام: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك)
[19]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
قلت: أخرجه ابن هشام في (السيرة) (2 / 58) من طريق ابن إسحاق بسنده الصحيح عن عروة بن الزبير قال: فذكره وعروة تابعي لم يدرك الحادثة فهو مرسل والمرسل من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين ولعل الدكتور يعلم ذلك فلا يكون الخبر حينئذ مما صح عنده فلماذا أورده وليس على شرطه؟ أو لعله يظن أن عروة صحابي كأخيه عبد الله بن الزبير وما ذلك ببعيد عن معرفته بهذا العلم الشريف ومنه تصديره إياه بقوله: (يقول ابن هشام) فإن هذا إنما يقال عند أهل العلم فيما كان معلقا بدون إسناد كما سأبينه في الحديث الآتي والواقع هنا أن ابن هشام قد ذكر إسناده كما رأيت فالتصدير المذكور خطأ واضح والصواب: (روى ابن هشام) وروى ابن سعد وهكذا
الحديث السابع: قال (1 / 124) : (يقول ابن سعد في طبقاته ج 1 ص 200 و 201: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج. . . ويقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه. . .)
قلت:
فيه أولا: أن تصديره لهذا الحديث بقوله (يقول ابن سعد) يشعر في اصطلاح المحدثين أنه حديث معلق عند ابن سعد يعني أنه لم يسق إسناده وليس الأمر كذلك كما يأتي ومن المعروف عند أهل العلم أن في صحيح البخاري كثيرا من الأحاديث المعلقة عن النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض أصحابه فإذا أراد طالب العلم أن ينقل شيئا من هذه الأحاديث فلا يقول فيها: (روى البخاري) لأن هذا التعبير خاص بالأحاديث المسندة وإنما يقول: (قال البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . أو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. . .) ولا يقول في هذا الجنس (روى البخاري) كما ذكرنا إلا أن يقيد ذلك بقوله (روى البخاري معلقا) كما أنه لا يقول في الجنس المسند من الأحاديث قال البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يوهم أنه من المعلقات عنده وهذا ما وقع فيه حضرة الدكتور بتصديره
[20]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
للحديث بالقول المذكور فأوهم خلاف الواقع إما لعدم علمه بالفرق بين التعبيرين (قال) و (روى) أو لتساهله في التعبير والأول أليق بحاله الذي يدل عليه أسلوبه في كتابه وكثرة أخطائه فيه من ذلك قوله فيما علقه ابن كثير: (رواه ابن كثير) كما تقدم التنبيه عليه في الحديث الثاني (ص 15)
ثانيا: أن الحديث عند ابن سعد من طريق شيخه محمد بن عمر فقال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أيوب بن النعمان. . . فذكر له عدة أسانيد وكلها مرسلة ومع إرسالها فشيخه المذكور متهم بالكذب وهو الواقدي المشهور صاحب كتاب (المغازي) المطبوع في الهند ثم في مصر وظني أن الدكتور لا يعلم أن محمد بن عمر هذا هو الواقدي وإن كان يعلم ذلك فظني أنه لا يعرف شيئا من ترجمته عند أهل الحديث ولذلك أنقل شهادة حافظين من حفاظ المحدثين المشهورين فقال الإمام الذهبي في كتابه (الضعفاء والمتروكين) :
(محمد بن عمر بن واقد الواقدي قال النسائي: يضع الحديث وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة والبلاء منه)
وقال الحافظ ابن حجر في (التقريب) : (متروك مع سعة علمه) يعني أنه شديد الضعف في الرواية (1)
وإنما ظننت أن الدكتور لا يعلم ذلك للأمر بحسن الظن بالمسلم وإلا فهل يعقل أن يعرف الدكتور حال الواقدي هذه وسقوط روايته ويعلم--------------------------------------------
(1) قلت: ولذلك لا ينبغي أن يغتر أحد بما ذهب إليه ابن سيد الناس في مقدمة كتابه (عيون الأثر) من توثيق الواقدي فإنه خالف ما عليه المحققون من الأئمة قديما وحديثا ولمنافاته علم المصطلح على وجوي تقديم الجرح المفسر على التعديل وأي جرح أقوى من الوضع؟ وقد اتهمه به أيضا الإمام الشافعي الذي يزعم البوطي أنه يقلده وأبو داود وأبو حاتم وقال أحمد: كذاب
[21]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
مع ذلك أن محمد بن عمر المذكور في سند هذا الحديث هو الواقدي هذا المتهم ثم هو مع ذلك يتجاهل هذه الحقيقة ويروي له عدة أحاديث من رواية ابن سعد عنه هذا بعيد جدا عن مقتضى حسن الظن به أيضا في أمانته العلمية لا سيما وهو قد صرح في مقدمة كتابه أنه اعتمد على ما صح من الأخبار في كتب السيرة فإيراده مثل هذه الأحاديث الواهية يضطرنا إلى افتراض أحد أمرين إما أنه لا يعلم أو إنه يعلم ولا يعمل بما يعلم ولما كان من المقرر عند أهل العلم أن الإنسان إذا وقع بين شرين اختار أقلهما شرا فلذلك قلنا في الدكتور: إنه لا يعلم وما أظنه يفضل هو الأمر الآخر عليه ولا بد من أحدهما وأحلاهما مر
ويشهد لما أقول: أن هذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد في (المسند) (3 / 492 و 4 / 63 و 341 و 5 / 376) والبيهقي بأسانيد عن غير واحد من الصحابة وأحدهما عند ابن إسحاق في (السيرة) (2 / 64 - 65) بنحوه وأحد إسنادي أحمد صحيح وأخرجه البيهقي أيضا كما في (البداية) (3 / 139) وطرفه الأول له شاهد في (المستدرك) (2 / 624) من حديث جابر مطولا وصححه ووافقه الذهبي
قلت: فلو أن الدكتور كان يعلم هذه الطرق ويعلم ذلك الضعف الشديد الذي في طريق ابن سعد بسبب الواقدي المتهم أفتظن أيها القاريء أنه يؤثر هذا الطريق على تلك الطرق وهو يعلم؟ أما أنا فلا أظن إلا خيرا
ومما يؤيد ما ذكرت الحديث الآتي وهو:
الحديث الثامن: قال (1 / 147) : (قال ابن سعد في طبقاته يروي عن عائشة رضي الله عن ها: لما صدر السبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طابت نفسه. . .)
قلت: في إسناده عند ابن سعد (1 / 225 - طبع بيروت) محمد بن عمر الأسلمي وهو الواقدي وقد عرفت من الحديث السابق أنه متهم بالكذب والوضع وأن الدكتور لا يعرف ذلك
[22]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
على أن قوله: (قال ابن سعد يروي. . .) ليس تعبيرا علميا فإنه غير ظاهر المراد منه هل هو رواه مسندا أم معلقا؟ راجع الكلام على الحديث السابع ص (20 - 21) والحديث الثاني الذي سبقت الإشارة إليه هناك
الحديث التاسع: قال (1 / 153) في قصة الهجرة: (فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالهجرة وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة. سيرة ابن هشام (1 / 155) وطبقات ابن سعد (1 / 212)
قلت: هو عند ابن سعد من رواية الواقدي الكذاب المتقدم وفي إسناد ابن هشام من لم يسم وقد رواه من طريق ابن إسحاق وكذلك أخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة) (ص 63) ثم أخرجه من طريق الفضل بن غانم قال ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر المكي عن عبد الله بن عباس وهذا إسناد متصل لكن الفضل وشيخه سلمة ضعيفان وهو في (السيرة) هكذا: قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح. . . فقد أسقط أحد هذين الضعيفين من السند شيخ ابن إسحاق المجهول الذي لم يسم فظهر السند متصلا لا جهالة فيه وذلك من بلايا الضعفاء وتضليلاتهم التي قد لا تكون مقصودة من بعضهم فمن لم يكن على علم بأحوالهم ولم يأخذ حذره من رواياتهم ضل بهم وهو لا يشعر
الحديث العاشر: قال (1 / 157) : (وخرجت ولائد من بني النجار - فيما يرويه ابن هشام - فرحات بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وجواره لهن وهن ينشدن:
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال عليه السلام لهن أتحببنني؟ فقلن نعم فقال اللهم يعلم أن قلبي يحبكن)
قلت: هذا لم أره عند ابن هشام في (السيرة) وقد ذكره الحافظ ابن كثير
[23]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
نحوه في (البداية) (3 / 199 -. .) من رواية البيهقي في (دلائل النبوة) بإسناده عن إبراهيم بن صرمة بسنده عن أنس قال: فذكره بلفظ: (فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن. . .) فذكره وقال الحافظ: (هذا حديث غريب من هذا الوجه)
قلت: وعلته ابن صرمة هذا فقد قال ابن معين فيه: كذاب خبيث وضعفه غيره وقد أخرجه ابن ماجه في (سننه) (1 / 587) والبيهقي من طريق أخرى عن أنس به وليس فيه أن ذلك كان عند قدومه المدينة وسنده صحيح بل في (صحيح البخاري) وغيره من طريق ثالثة عن أنس أن ذلك كان في عرس ولكنه لم يذكر الرجز
الحادي عشر: قال (2 / 8) : (وقيل له: ألا نسقفه - يعني مسجد المدينة - فقال: (عريش كعريش موسى: خشيبات وثمام - نبت ضعيف قصير - الشأن أعجل من ذلك) طبقات ابن سعد 2 / 5)
قلت: فيه عنده الواقدي وهو كذاب كما تقدم غير مرة ومع ذلك فإن إسناده ينتهي إلى الزهري (1 / 239 - 240 طبع بيروت) فهو مرسل ولو أن الدكتور كلف نفسه قليلا من البحث لوجد من الطرق ما يغنيه عن الاعتماد على رواية الكذاب المذكور ولكنه قنع بما لديه من مصادر قليلة ثم لا عليه بعد ذلك أن لا يحقق وعده الذي قطعه على نفسه من الاعتماد على الأخبار الصحيحة فقد جاء الحديث من طرق عديدة يرتقي بها إلى درجة الحسن في أقل المراتب فأخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) وابن أبي الدنيا في (قصر الأمل) (مخطوطان) عن الحسن البصري مرسلا والسند إليه صحيح وأبو سعيد المفضل الجندي في (كتاب فضائل المدينة) (مخطوط) عن راشد بن سعد مرسلا وإسناده صحيح أيضا وأبو حامد الحضرمي في (حديثه) والمخلص في (الفوائد المنتقاة)
[24]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
(9 / 193 / 1) والضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة) (مخطوطات) عن أبي الدرداء مرفوعا وابن أبي الدنيا أيضا عن عبادة بن الصامت وقد خرجت أسانيدها في كتابي: (سلسلة الأحاديث الصحيحة) في المجلد الثاني رقم (616) وعسى أن يطبع قريبا إن شاء الله (1)
أقول: كل هذه الطرق التي بها يتقوى الحديث أهملها الدكتور البوطي ولم يعزها إلى أحد من أولئك المخرجين - مع كثرتهم - فحط بذلك من قوة الحديث وهذا مما لا يجوز عند أهل العلم بالحديث اتفاقا وليس هذا لجهل البوطي بها فقط كما هو شأنه في غيره بل هو أيضا لعجزه وقصر باعه في التخريج وإلا فهو القائل كما سيأتي:
(ولا ينبغي عند التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف والسكوت عن الطريق الصحيح أو المتفق عليه لما في ذلك من الإيهام الواضح الذي يتحاشاه علماء الحديث) . انظر الحديث (الرابع والعشرون) الآتي وتعليقنا عليه تر العجب العجاب من هذا الدكتور المتعالم
الحديث الثاني عشر قال: (2 / 18) : (روى ابن هشام أن النبي عليه الصلاة والسلام. . . كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم)
قلت: هذا مما لا يعرف صحته فإن ابن هشام رواه في (السيرة) (2 / 147) قال: ابن إسحاق. . . فذكره هكذا بدون إسناد فهو معضل وقد نقله ابن كثير (3 / 224 - 225) عن ابن إسحاق ولم يزد عليه--------------------------------------------
(1) ثم طبع والحمد لله في المكتب الإسلامي
[25]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
في تخريجه شيئا على خلاف عادته مما يدل على أنه ليس مشهورا عند أهل العلم والمعرفة بالسيرة والأسانيد
الحديث الثالث عشر: قال (3 / 29) : (فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم. . .)
قلت: هو عند ابن هشام في (السيرة) (2 / 272) قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب
وهذا إسناد مرسل مجهول فهو ضعيف وقد وصله بعضهم وفيه من لا يعرف وآخر كذاب كما كنت خرجته في كتاب الغزالي ص (240) وقال الذهبي فيه: (حديث منكر) فأين الصحة التي وعدت بها يا دكتور؟ لا سيما وقد بنيت عليه فصلا عقدته (2 / 37) بعنوان (أقسام تصرفاته صلى الله عليه وسلم
الحديث الرابع عشر: قال (2 / 44) : (روى ابن هشام عن محمد بن إسحاق أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع. . . فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت. . .)
قلت: إسناده مرسل معلق فإن ابن هشام قال (3 / 51) : (وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال. . .) فذكره. وأبو عون اسمه محمد بن عبد الله الثقفي الكوفي الأعور مات سنة (116) فهو تابعي صغير فلم يدرك الحادثة وعبد الله بن جعفر المخرمي من شيوخ الإمام أحمد مات سنة (170) فبينه وبين ابن هشام
[26]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
مفاوز فهو إسناد ضعيف ظاهر الضعف فمن الغرائب أن يستدل الدكتور بمثله على وجوب ستر المرأة لوجهها وهو لو صح لم يدل على أكثر من مشروعية ذلك أما الوجوب فمن أين؟ وقد ذكرت في كتابي (حجاب المرأة المسلمة) اختلاف الفقهاء في ذلك وأن الجمهور على استحباب الستر لا الوجوب وحققت أنه هو الذي يقتضيه الدليل فليراجعه من شاء
ثم إن بعض إخواننا هنا من طلاب كلية الشريعة لما اطلع على هذا تساءل عن تاريخ غزوة بني قينقاع التي وقعت فيها هذه الحادثة؟ فقلت له: وما وراء ذلك؟ قال: إن آية الحجاب نزلت في غزوة الأحزاب كما هو معلوم فإذا كانت الغزوة الأولى قبل هذه كان دليلا على أن حجاب المرأة في الحادثة لم يكن عن أمر به في الآية. فقلت: صدقت. فنظرنا فإذا الغزوة الأولى قد ذكرت في كتب السيرة قبل الأحزاب وعلى ذلك جرى الدكتور نفسه وقال: إنها كانت في السنة الثالثة للهجرة وكانت الأحزاب سنة خمس وقيل سنة أربع منها. فهذا مما يدل على أن الدكتور لما درس الحادثة لم يكن قد استحضر في ذهنه أنها كانت قبل نزول الآية وأن ستر المرأة لوجهها إن صح لم يكن دينيا لا بد من التزامه وإنما كان تعففا منها وإن مما يؤيد ذلك ما في البخاري أن عائشة وأم سلمة رئيت خلاخيل سوقهما يوم أحد وهما يحملان القرب على متونهما فقال الحافظ ابن حجر: (كانت هذه الواقعة قبل الحجاب) (1)
قلت: وغزوة أحد كانت بعد غزوة بني قينقاع أيضا
الحديث الخامس عشر قال: (2 / 49) : (ولبيان هذه القاعدة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)--------------------------------------------
(1) أنظر كتابي (حجاب المرأة المسلمة) (ص 18) طبع المكتب الإسلامي
[27]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
قلت: القاعدة المشار إليها صحيحة لكن الحديث المذكور غير صحيح بل هو مما لا أصل له كما نص على ذلك علماء الحديث كالحافظ العراقي والعسقلاني والسخاوي والسيوطي وغيرهم. قال في (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة) (ص 91 رقم 178) : (ولا وجود له في كتب الحديث المشهورة ولا الأجزاء المنثورة وجزم العراقي بأنه لا أصل له (1) وكذا أنكره المزي وغيره)
وكذا في (كشف الخفاء) للعجلوني (1 / 192 / 585) وغيره من الكتب التي وضعت لتمييز ما صح مما لم يصح من الحديث فهل لم يقرأ الدكتور شيئا منها أصلا حتى وقع في هذا التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أن له رأيا خاصا يخالف به حكم أئمة الحديث وأهل العلم به؟ ولقد كان باستطاعته لو اهتدى بهديهم وكان على علم بالحديث أن يستدل على القاعدة المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا) . زاد في رواية: (فإنما أقطع له به قطعة من النار) . أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أم سلمة رضي الله عن ها وترجم له النسائي ثم النووي في (صحيح مسلم ب (باب الحكم بالظاهر) وهو مخرج عندي في (إرواء الغليل) (2702) و (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (1192) (2)--------------------------------------------
(1) كذا في (تخريج الإحياء) (4 / 283) له وقال: (وكذا قال المزي لما سئل عنه) ولا شك ان البوطي قرأ 0 الإحياء) ولو مرة واحدة فهل لم يقرأ تخريج الحافظ العراقي عليه ليعلم منه الحديث الضعيف ومما لا أصل له أم هذا علم لا قيمة له عنده لأنه صار علما لمن ينبزهم الدكتور ب (الوهابية) فهو لا يريد أن يتشبه بهم
(2) ثم وقفت على الطبعة الثالثة من كتاب الدكتور فإذا به قد أقام هذا الحديث الصحيح مقام ذاك الحديث الباطل ولكنه أساء أيضا حين لم يذكر صاحب الفضل عليه في ذلك وهو الأستاذ الفاضل عيد عباسي فقد كان انتقده في كتابه (بدعة التعصب) وبين له بإيجاز أنه حديث لا أصل له فكان على الدكتور أن يبين ذلك ويشكره عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) ومع ذلك وقع هناك في طامة أخرى لم يسبق إليها حيث رفع حديثا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية البخاري وهو عنده موقوف من قول عمر كما سيأتي في الفصل السابع من (التذييل) بإذن الله تعالى
[28]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
الحديث السادس عشر (2 / 68) : (روى ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء أو الأموات؟ . . .)
قلت: قال في (السيرة) (3 / 100) : قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني أخو بني النجار. . .) فذكره
قلت: وهذا إسناد معضل وقد روي موصولا كما بينته في (تخريج فقه السيرة للغزالي) (289 - 290)
الحديث السابع عشر قال (2 / 174) : (وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمير الناس زيد بن حارثة فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون رجلا فليجعلوه عليهم. رواه البخاري وأحمد وابن سعد في (طبقاته) ولكن ليس في البخاري: (فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا)
قلت: فيه أمور:
أولا: قوله مستدركا: (لكن ليس في البخاري. . .) له مفهوم والدكتور يعلم إن شاء الله تعالى أن مفاهيم الكتب معتبرة وهو أن الإمام أحمد أخرج هذه الزيادة التي ليست في البخاري وليس الأمر كذلك فإن روايته خالية أيضا من هذه الزيادة وقد أخرج الحديث في مواطن من (مسنده) كما كنت
[29]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
أشرت إليها بالأرقام في تخريجي ل (فقه السيرة للغزالي) (ص 396) . والدكتور مطلع عليه وقد استفاد منه ومن أصله كما سبقت الإشارة إليه فقد كان باستطاعته أن يستعين بتلك الأرقام لمراجعة رواية أحمد لكي لا يقع في مثل هذا الخطأ فما الذي صده عن ذلك أهو ضيق الوقت أم ظنه أن لا أحد من القراء سيرجع إلى (المسند) فيكشف مثل هذا الخطأ أو غيره مما قد لا يخطر في بال أحد إلا في بال المتهاون بالتحقيق العلمي أو العاجز عنه؟
ثانيا: كيف استجاز الدكتور إيثار رواية ابن سعد على رواية البخاري وهو يعلم أن ليس كل ما فيه صحيح ثابت بخلاف ما في البخاري؟
ثالثا: إن قيل لعلة آثرها لما فيها من الزيادة وهي صحيحة الإسناد عنده؟
فأقول: هيهات هيهات فقد ثبت لدينا من دراستنا لكتابه هذا أنه لا علم عنده أصلا بطريقة تصحيح الأحاديث ونقد الأسانيد ولذا نرى أنه يجب على الدكتور وأمثاله تقليد أهل الاختصاص والمعرفة بذلك من علماء الحديث وأن يقتصروا على نقل أقوالهم تصحيحا وتضعيفا فإن لم يفعلوا ضلوا وأضلوا وقد مضت الأمثلة الكثيرة التي تشهد لما قلنا. هذا شيء وشيء آخر وهو أن الحديث عن ابن سعد (2 / 128 طبع بيروت) بدون إسناد فكيف يمكن الحكم على المعدوم بالصحة؟ نعم قد عرفت مستند ابن سعد في ذلك ألا وهو شيخه الواقدي فقد قال ابن كثير في (البداية) (4 / 241) : (وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان. . .) فذكره
قلت: والواقدي متهم بالوضع كما سبق (ص 21) فلو أن الدكتور يبحث بحث العلماء لا سيما وقد قدم تلك المقدمة الضخمة: (اعتمدت على ما صح من أخبار السيرة في كتبها) وكان قادرا وحريصا على الوفاء بما قال لم يبادر إلى الاعتماد على رواية ابن سعد المعلقة بدون إسناد ولا سيما وفي آخرها ما ينبه--------------------------------------------
صفحة 30]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)