التعجل مَذْمُوم مُطلقًا، حَتَّى وَلَو كَانَ فِي أُمُور الدّين، فَكيف إِذا كَانَ فِي أُمُور الدُّنْيَا؟!
وَثَالِثهَا: أَن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم كَانَ يُظهر التعجُّل فِي الْقِرَاءَة مَعَ جِبْرِيل، وَأَنه كَانَ يَجْعَل الْعذر فِيهِ خوف النسْيَان، فَقدم لَهُ الله تَعَالَى بقوله: {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} ، حَيْثُ أَفَادَ أَن الْإِنْسَان وَإِن اعتذر عَن نَفسه، وجادل عَنْهَا، وأتى بِكُل عذرٍ وَحجَّة، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعهُ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ شَاهد على نَفسه، وَهَاهُنَا قيل للنَّبِي صلى الله عليه وسلم: إِنَّك إِذا أتيت بِهَذَا الْعذر، فَإنَّك تعلم أَن الْحِفْظ لَا يحصل إِلَّا بِتَوْفِيق الله وإعانته، فاترك هَذَا التعجل، وَاعْتمد على هِدَايَة الله تَعَالَى.
وَرَابِعهَا: مُرْتَبِط أَيْضا بقوله: {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} كَأَنَّهُ قَالَ: يَا مُحَمَّد: إِن غرضك من هَذَا التعجل أَن تحفظ الْوَحْي وتبلغه إِلَيْهِم، لَكِن لَا حَاجَة إِلَى هَذَا، فَإِن الْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة، وهم بقلوبهم يعلمُونَ أَن الَّذِي هم عَلَيْهِ من الْكفْر وإنكار الْبَعْث بَاطِل، فَإِذا كَانَ غرضك من التعجل أَن تعرفهم قبح مَا هم عَلَيْهِ _ وَهَذِه معرفَة حَاصِلَة عِنْدهم فِي قرارة نُفُوسهم _ فَإِن فِعْلَك هَذَا من التعجُّل لَا فَائِدَة مِنْهُ.
وخامسها: أَنه - تَعَالَى - حكى عَن الْكَافِر أَنه يَقُول: {أَيْنَ الْمَفَرُّ} ثمَّ قَالَ تَعَالَى: {كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} .. فالكافر كَأَنَّهُ يفرُّ من الله إِلَى غَيره، فَقيل للنَّبِي صلى الله عليه وسلم: يَا مُحَمَّد، إِنَّك فِي طلب حفظ الْقُرْآن تستعين بالتكرار، وَهَذَا استعانةٌ مِنْك بِغَيْر الله، فاترك هَذِه الطَّرِيقَة، واستعِنْ فِي هَذَا الْأَمر بِاللَّه، وفرَّ إِلَيْهِ؛ لتَكون مضاداً لذَلِك الْكَافِر الفار مِنْهُ سبحانه وتعالى.
وسادسها: نَقله الرَّازِيّ عَن القفّال وَلم يُعقِّب عَلَيْهِ.. وَهُوَ أَن الْخطاب فِي: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} لَيْسَ للرسول صلى الله عليه وسلم، بل هُوَ خطاب للْإنْسَان الْمَذْكُور فِي قَوْله

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)