فإذا نُقل عن جماعة من أهل القرون الأولى قول ولم يُنقل خلافه عن أحد منهم، ثم وجدت أنت دليلًا يدل على خلافه، فهذا الدليل لن يكون إلا ظنيًّا في نفسه، والدليل الظني في نفسه تُوهنه الأمارات والقرائن الدالة على خلافه.
فإذا وجد طالب الحق دليلًا من تلك الدلائل، ثم نظر في أدلة الإجماع، ما أراه إلا سيرتاب في صحة ذلك الدليل. فإذا كان الأمر كذلك دل هذا على بطلان ذلك الدليل في نفسه؛ لأنه لو كان من الحق [ص 36] لحفظه الله تبارك وتعالى حفظًا تقوم به الحجة، وتطمئن إليه النفس.
وعلى كل حال، فليس مقصودي هنا البتّ في هذه القضية، وإنما نبهت على ما قد يخفى. وعلى العالم أن ينظر لنفسه، ويحتاط لدينه، متضرعًا إلى مقلب القلوب سبحانه أن يثبِّت قلبه على دينه، ويهديه لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه، والله المستعان، لا رب غيره.
السادس مما ذكروا أنه يفيد العلم من الأخبار: أن يخبر إنسان بخبر بحضرة قومٍ لو صدَّقوه حصل العلم بصحة الخبر، ولكنهم سكتوا، ولا حاملَ لهم على السكوت عن تكذبيه لو كان كاذبًا.
أقول: الشأن في قولهم "ولا حاملَ لهم"؛ فإذا فُرِض انتفاء كل حامل من الحوامل الممكنة قطعًا فذاك، ولكن هذا مما لا يكاد يتفق؛ فإن الحوامل كثيرة، منها: أن لا يكونوا علموا ــ أو جماعة منهم ــ صدقه ولا كذبه.
ومنها: أن يكون لهم ــ أو لمن عرف كذبه منهم ــ هوًى في إيهام صدقه.
ومنها: أن يخافوا ــ أو العارفون بكذبه منهم ــ من شره.
ومنها: أن يتهاونوا به؛ لأنهم يرون أن كذبه واضح.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 43)
إلى غير ذلك.
فلا بد أن يحصل القطع بأنه لو كان كاذبًا ــ عمدًا أو خطأً ــ لرد عليه بعضهم.
السابع: نقلوا عن الزيدية أن مما يفيد القطع: بقاء الخبر مع توفر الدواعي على إبطاله. ويمثّلون بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنه لا نبيَّ بعدي".
أقول: أما الحديث ففي الصحيحين(1) وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص. وفي رواية لهما واللفظ للبخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا، فقال: أتُخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي".
وقد رواه عدد عن سعد، منهم: أبناؤه إبراهيم(2) وعامر(3) ومصعب(4). ورواه عنهم جماعة، وسمعه سعيد بن المسيب من عامر بن سعد، قال ابن المسيب(5): "فأحببتُ أن أشافِهَ بها سعدًا، فلقيتُ سعدًا فحدَّثتُه بما حدثني عامر، فقال: أنا سمعته، فقلت: آنت سمعته؟ فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم، وإلا فاستكَّتا".--------------------------------------------
(1) البخاري (3706، 4416) ومسلم (2404).
(2) من طريقه أخرجه البخاري (3706) ومسلم (2404/ 32) وغيرهما.
(3) من طريقه أخرجه مسلم (2404/ 30).
(4) من طريقه أخرجه البخاري (4416) ومسلم (2404/ 31) وغيرهما.
(5) كما رواه النسائي في "خصائص علي" (50).
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 44)
وذكر ابن حجر في "الفتح"(1) أنه جاء من غير حديث سعد بن أبي وقاص: عن عمر، وعلي نفسه، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، والبراء، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد، وأنس، وجابر بن سمرة، وحُبشي بن جُنادة، ومعاوية، وأسماء بنت عميس، وغيرهم.
أقول: لو قيل إنه من حديث سعد وحده يفيد العلم لم يبعد، فكيف مع ما انضمَّ إليه؟
وأما أن يكون كل حديث روي في فضائل علي مقطوعًا به فلا يقوله عاقل:
أولًا: لأن القاعدة واهية، كما يأتي.
وثانيًا: لأنه إن كان الحديث في فضيلة ليس فيها تعرضٌ للخلافة؛ فلم تتوفر الدواعي على نقله(2) مطلقًا.
نعم، كان بعض ولاة بني أمية يكرهون أن تُروى فضائله، ولكن أهل العلم لم يكونوا يبالون بهم، بل كانوا يروونها، وربما جَبَهوهم بها، على أن زمانهم لم يطل، وفوق ذلك فقد كان جماعة كثيرون من أهل العلم شديدو المحبة لعلي رضي الله عنه، ومنهم من يبالغ في ذلك، وكان أهل الكوفة كلهم شيعة له، ومنهم من يفرط في ذلك.
وإن كان في الخلافة فأئمة الزيدية أنفسهم يعترفون أن النص المدَّعى--------------------------------------------
(1) (7/ 74) وقال: وقد استوعب طرقه ابن عساكر في ترجمة علي.
(2) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "على إبطاله".
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 45)
لعلي رضي الله عنه غير صريح. هذا وهم من أهل البيت، فلو كان هناك نص صريح لحفظه عامة أهل البيت، وأخبروا به أبناءهم والثقات من شيعتهم.
وأما القاعدة فواهية؛ لأن توفر الدواعي على الإبطال وإن اقتضى أن تَعِزَّ رواية الخبر، فلا يقتضي أن كل خبر يُروى صحيح، فضلًا عن أن يكون مقطوعًا به. وها نحن نجد الدول تحرِصُ على إخفاء الأخبار التي تخشى أن تبلغ أعداءها، أو أن تُوقِع الاضطراب في رعاياها، ومع ذلك نجد الرعايا يتناجَون بكثير من الأخبار التي من شأنها ما ذُكِر، ولا أصل لها، وقد تَشِيع كثير من هذه التي لا أصلَ لها حتى يسمع به جميع الرعايا.
[ص 37] فصل
قال جماعة من المتأخرين(1): إن أحاديث الصحيحين تفيد العلم لأنها تُلقِّيت بالقبول، عدا أحاديث انتقدها عليهما بعض الحفاظ الذين جاءوا بعدهما.
أقول: في "مقدمة الفتح" (ص 491)(2):
"قال أبو جعفر العقيلي: لما صنّف البخاري كتابه الصحيح عرضه على ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث. قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري. وهي صحيحة".--------------------------------------------
(1) انظر "علوم الحديث" لابن الصلاح (ص 25) و"فتح المغيث" (1/ 58 - 61) و"تدريب الراوي" (1/ 131 وما بعدها).
(2) (489) ط. السلفية ..
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 46)
وفي مقدمة "شرح مسلم"(1) للنووي: "بلغنا عن مكي بن عبدان ــ أحد حفاظ نيسابور ــ أنه قال: سمعت مسلم بن الحجاج … ، قال: وسمعت مسلمًا يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علةً تركته، وكل ما قال: إنه صحيح وليس له علة خرَّجتُه".
وقد يقال: إذا استُثنِيَت الأحاديث التي انتُقِدت عليهما، فإنهما ــ أو أحدهما ــ قد أخرجا لجماعة ممن طُعِن فيهم والطعن في بعضهم مؤثر، فينبغي أن تُستثنى الأحاديث التي ينفرد بها هؤلاء، ولاسيما إذا كان الطعن من بعض أئمة عصرهما أو ممن بعدهما.
ويوضح ذلك: أن الأحاديث التي انتقدها الدارقطني عامتها إنما انتقدها بعللٍ أبداها، وهو نفسه يضعِّف جماعة ممن أخرج لهم في الصحيحين، فالظاهر أنه اكتفى بالقدح في الراوي عن انتقاد الأحاديث التي انفرد بها في الصحيحين.
والذي يتحرر لي في "صحيح البخاري" أن أحاديثه على أضرب:
الضرب الأول: ما يحتج به على قول يجزم به في العقائد أو الأحكام على أنه أصل في ذلك. فهذا يحتاط له البخاري جدًّا، وكذلك ينبغي أن يكون احتاط له الأئمة الذين أقروه على تصحيحه.
الضرب الثاني: ما يورده على أنه شاهد أو متابع للضرب الأول. فهذا مما يتسامح فيه، فقوته إنما هي فيما وافق فيه الأصل، فإن كان فيه زيادة عما عقد عليه البخاري الباب فهي نازلة عن الضرب الأول.--------------------------------------------
(1) (1/ 15).
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 47)
الضرب الثالث: ما هو في الترغيب أو الترهيب أو فضائل الأعمال، ونحوها. فهذا أيضًا مما يتسامح فيه، فإذا أورده البخاري لهذا القصد وكان فيه ما يستدل به على عقيدة أو حكم فليس في قوة الضرب الأول.
الضرب الرابع: المعلقات.
فإن كان قد أسند المعلق في موضع آخر من "الصحيح" فحكمه حكم الضرب الذي أسند فيه. وإن لم يسنده البتة فالذي يتحرر لي أنه يصلح أن يكون عاضدًا، أو في ترغيب أو ترهيب، أو فضيلة عمل، أو نحو ذلك. فأما أن يُحتجَّ به وحده فلا، حتى يعرف سنده.
والحاصل أن الضرب الأول هو الذي احتاط له البخاري رحمه الله، ويظهر أن الذين أقروه على صحة الكتاب احتاطوا أيضًا، فهو الذي يصح أن يقال: إن أئمة الحديث الذين اطلعوا على الكتاب أجمعوا على صحته، إلا ما انتقده بعضهم.
وأما الباقي فغاية ما هناك أنهم أجمعوا على أنه صالح لموضعه الذي ذكر فيه. أعني المتابعات والشواهد وفضائل الأعمال والعواضد، ونحوها.
[ص 38] ويقاس عليه "صحيح مسلم" فيما يتبيَّن منه.
تنبيهات
الأول: قد يورد البخاري رحمه الله الحديث على أنه أصل في بابه، ويكون عنده موافقًا لظاهر القرآن، أو في حكم لا يُعلَم فيه مخالفٌ، أو موافقًا للنظر الجلي، أو نحو ذلك؛ فقد لا يشدد البخاري في هذا كما يشدد في الحديث الذي هو وحده الحجة، فينبغي التنبّه لذلك.
الثاني: قد يصحح الأئمة الحديث بالنظر إلى المعنى الذي فهموه، ثم يحمله بعض الناس على معنى لو فهموه من الحديث لم يصححوه، لأنه
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 48)
يكون عندهم منكرًا. فينبغي التيقظ لهذا.
الثالث: إذا صححوا الحديث في باب، وكان فيه زيادة، فتصحيحهم قد لا يتجه إلى تلك الزيادة؛ لاحتمال أن تكون منكرة، ولاسيَّما إذا لم يذكروا تلك الزيادة فيما التزموا فيه الصحة.
الرابع: قد يتبين في هذا العصر في حديث مما في أحد الصحيحين علة تدل القرائن أن صاحب "الصحيح" لم يطلع عليها. فينبغي التأمل في هذا.
[ص 39] فصل
وأعمُّ من هذا كله ما نُقل عن الإمام أحمد، وداود إمام أهل الظاهر، والحسين الكرابيسي، والحارث المحاسبي: أن خبر الثقة يفيد العلم مطلقًا.
ونصره ابن حزم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، واختاره وجنح إليه بعض من جاء بعد هؤلاء(1).
وردّ الأكثرون هذا القول، وشنّع بعضهم على من قاله. وقال الغزالي(2) ما معناه: لعلهم أرادوا أنه يجب العمل به قطعًا، أو أطلقوا العلم وأرادوا الظن.
أقول: كل من مارس الحديث يعلم أن العالم قد يرى أن هذا الراوي ثقة، ثم يتبين له أو لغيره جرحه، وقد يحكم بصحة الحديث، ثم يتبين له أو لغيره أن له علة قادحة، وقد يخبر كل من الثقتين بخبر يناقض خبر صاحبه،--------------------------------------------
(1) انظر "إرشاد الفحول" (ص 43) و"الإحكام" لابن حزم (1/ 119).
(2) "المستصفى" (1/ 145).
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 49)
والثقة غير معصوم عن الخطأ إجماعًا، والنقل عن الإمام أحمد نفسِه كثير لبيان أغلاط المحدثين الثقات.
وظنُّ الغزالي قوي؛ فإن العلم كثيرًا ما يطلق في اللغة على ما يعمُّ اليقين القاطع، والظنَّ الغالب الناشئ عن دليل من شأنه إفادة الظن الجازم، ولذلك قال تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 5]. وسيأتي لهذا مزيدٌ إن شاء الله تعالى.
والإمام أحمد وداود والكرابيسي والمحاسبي بغداديون، وكان في عصرهم ببغداد طائفتان كانوا معهما في نزاع مستمر:
الأولى: الجهمية ونحوهم. وكانت تطعن في الأحاديث الواردة في صفات الله عز وجل، وأحوال يوم القيامة، ونحوها، قائلةً: هذه أخبار آحادٍ غاية ما تفيده الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، والعقائد إنما تستمدُّ من البراهين القطعية.
الثانية: بعض الغلاة في الرأي، كبشر المريسي. وكانوا يردون الأحاديث، تارةً بدعوى أنها مخالفة لظاهر القرآن، وتارة بأنها مخالفة للقياس.
فإذا قيل لهم: دلالة تلك الظواهر ظنية، والأحاديث تفيد الظن، فالصواب إنما هو العمل بهما بحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، ونحو ذلك.
قالوا: من الظواهر عندنا ما يفيد العلم، والقياس عندنا قد يفيد العلم.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 50)
قيل لهم: كيف ذلك مع احتمال أن هذا الظاهر غير مراد، وأن هذا القياس خطأ؟
قالوا: ذاك احتمال غير ناشئ عن دليل صحيح، فهو كالعدم، وقد قرر متأخرو الحنفية هذا، وقالوا: إن العلم علمان: علم يقين، وعلم طمأنينة، ثم أطلقوا في كل منهما القطع.
والحاصل أنهم أطلقوا العلم والقطع على الظن الحاصل ببعض الدلالات، وإطلاق العلم على ذلك قريب لما مرَّ ويأتي، وأما القطع فاصطلاح لهم.
فيمكن أن يكون الإمام أحمد وداود والكرابيسي والمحاسبي أرادوا الرد على الطائفتين، فقالوا: إن خبر الثقة يفيد العلم. وأرادوا أن الأخذ به واجب؛ لحجج تفيد العلم اليقيني. وقالوا للجهمية: من تلك الحجج إجماع سلف الأمة، وكان معروفًا عنهم الأخذ بخبر الثقة، حتى في صفات الله عز وجل، وأحوال المحشر.
أقول: والسر في ذلك أنهم يطلقون من الصفات ما ثبت إطلاقه عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يكيّفون ذلك ولا يبتغون تأويله، فصار الإطلاق قريبًا من الأحكام الفرعية، كالأذان والتشهد وأذكار الصلاة ونحوها. وما يقع في النفوس من ذلك لا يزيد عما يقع فيها من سماع آيات الصفات وتلاوتها.
وإذا رجع المنصف إلى عقله ودينه علمَ أنه لا ضرر من ذلك البتة. ولتوضيح هذا موضع آخر.
على أن ما يسميه الجهمية "براهين قطعية" ليست إلا شبهات مُضِلّة،
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 51)
تُمرِض الصحيح وتزيد المريض مرضًا، فهي في الحقيقة أضعف من أن تفيد ظنًّا سليمًا، فكيف تفيد اليقين؟
[ص 40] وقالوا لأهل الرأي: إذا وجب الأخذ بخبر الثقة قطعًا، فما بقي إلا أننا إذا نظرنا في خبر بعينه بقي عندنا احتمال أن يكون وقع في روايته شيء من الخلل لو بان لنا لسقط ذلك الخبر، ولكن هذا احتمال ناشئ من غير دليل، كما قلتم في ظواهر القرآن سواء ، فأما القياس فهو أهون من ذلك.
أقول: ولعله يأتي استيفاء هذه الحجة وما لها وما عليها إن شاء الله تعالى، والمقصود هنا غير ذلك كما لا يخفى.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 52)
أخبار الآحاد
تقدَّم تقسيمُ الأخبار إلى مقطوع بكذبه، ومقطوع بصدقه، وما لا ولا.
وتقدم تفصيل القسمين الأولين، وبقي الثالث، وهو المشهور بأخبار الآحاد. وقد قسمها أهل الحديث إلى: صحيح وحسن وضعيف، وحدودها معروفة في كتبهم، وإنما أنبه هنا على ما أراه مهمًّا. وسأسرد ذلك في فصول.
فصل
كان الثنوية من المجوس يعلمون وجود الله عز وجل وعظمته وجلاله، ثم أخذوا يثبتون له ما يرونه كمالًا، وينفون عنه ما يرونه نقصًا، إلى أن قالوا: هو سبحانه خير محض. فوسوس لهم الشيطان قائلًا: فمن أين جاءت هذه الشرور المشاهدة في العالم؟ فكانوا قد سمعوا عن الأنبياء إثبات وجود الشيطان وسعيه في إضلال العباد، فقالوا: من الشيطان. فقال لهم: والشيطان من أوجده؟
فلم يرجعوا إلى الأنبياء وسننهم، بل اغتروا بعقولهم، فتفكروا قائلين: إن قلنا: أوجده الله عز وجل، لزِمَنا أن يكون الله سبحانه خلق جرثومة الشر، وكيف يكون سبحانه مع ذلك خيرًا محضًا؟ وإن قلنا: أوجده غيره، أثبتنا ربًّا غير الله عز وجل، وذلك أشد. وإن قلنا: وُجِد بغير موجدٍ أوجده، فذاك محال. فتخرَّصوا فقالوا: أوجده الله بغير قصد، وذلك أنه سبحانه فكَّر فكرةً رديئة فكان منها الشيطان. فقال لهم: إذا جاز أن يفكر فكرة رديئة لم يكن خيرًا محضًا.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 53)
فوقعوا في المهواة. قالوا: الشيطان قديم. ولم يقنع منهم الشيطان بذلك، بل قال لهم: فقد كان ينبغي أن يُهلِكه الله عز وجل ويقطع دابر الشر. فوقعوا في المهواة الأخرى. قالوا: للشيطان قدرة ذاتية عظيمة، والله عز وجل جادٌّ مجدٌّ في إهلاكه، والحرب بينهما مستمرة.
ثم خادعوا أنفسهم فقالوا: في آخر الأمر يتمُّ انتصار الله عز وجل على الشيطان، ويلقيه وحزبه في جهنم، ويتخلص العالم من الشر.
كان قدماء المصريين موحدين، ثم طال بهم العهد، فاستغنوا عن هدي الأنبياء، وأخذوا يعظمون الله عز وجل بما تقتضيه عقولهم.
فقالوا: إن الرب عز وجل بغاية العظمة والكبرياء، والبشر في غاية من الجهل والفساد والحقارة، ومن شأن ملوك الدنيا أن يأنفوا من مقابلة سقط الناس، ويُعدُّ تعرُّض سقط الناس لمقابلة الملك ومباشرة تعظيمه تحقيرًا له. كما لو اجتمع نفرٌ من كنَّاسي المراحيض وقالوا: نحب مقابلة الملك، لِنُحيِّيه ونُهنِّئه مثلًا؛ لاستحقوا العقوبة. فنسبة البشر إلى الرب عز وجل أبعد بما لا نهاية له من نسبة سقط الناس إلى ملوكهم.
فقيل لهم: لكن البشر محتاجون إلى عبادة ربهم وسؤال حوائجهم. وكان قد بلغهم عن الأنبياء إثبات الملائكة.
فقالوا: كما أن سقط الناس يجعلون تعظيمهم وسؤال حوائجهم إلى أناس أعلى منهم قليلًا، ثم تكون لهم درجات، إلى أن ينتهي الأمر إلى الوزراء. فمَن دون الوزراء يعظِّم الوزراء ويسألهم، وهم بدورهم يعظِّمون الملك ويسألونه. فكذلك ينبغي للبشر أن يوجِّهوا عبادتهم إلى الملائكة؛
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 54)
لأنهم فوقهم ودون الرب عز وجل، ثم الملائكة يعبدون الله عز وجل؛ لأنهم مقربون عنده.
فجَرَوا على ذلك مدة، ثم نشأ فيهم فرعون، فقال: درجة الملائكة عالية، وبينهم وبين البشر بون بعيد، فعبادة عامة البشر للملائكة فيها توهين للملائكة. فقال قومه: وكيف نصنع؟ قال: إن بين عامة الناس وبين الملائكة واسطة، وهي ملوكهم، فإن المَلِك ما نال المُلكَ إلا بعناية من الملائكة تدل أنه محبوب عندهم مرضي لديهم مقرب إليهم، وعلى كل حال فدرجته فوق درجة العامة. فعلى العامة أن يعبدوا السلطان، [ص 41] والسلطان يعبد الملائكة، والملائكة يعبدون الرب عز وجل.
وقد أوضحتُ هذا بأدلته من القرآن والتاريخ في رسالة "العبادة".
ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127].
أي: أن موسى لم يقنع بأن يذر عبادتك ويساويك فيعبد آلهتك الملائكة، بل ترقَّى عن ذلك فترك عبادة آلهتك الملائكة، وادَّعى مساواتهم في أنه يعبد الرب مباشرة.
وقد قصَّ الله عز وجل عن فرعون قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] فتدبر.
وتمام هذا والجواب عما يورد عليه في رسالة "العبادة".
هذا، ولعامة أمم الشرك أشياء من هذا القبيل. أعني أنهم يكونون على هدى، ثم يقصِّرون في الاهتداء بهدي الأنبياء والتمسك بآثارهم، ويستغنون بعقولهم وأفكارهم؛ فيهلكون.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 55)
وفي "الصحيحين"(1) وغيرهما أنه بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقسم مالًا إذ قام رجل … بين عينيه أثر السجود، فقال: يا رسول الله، اتقِ الله. وفي روايةٍ: اعدِلْ يا رسول الله. وهناك روايات أخرى قريبة من ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ويلك! أوَ لستُ أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله؟ ". وفي رواية: "ويحك! ومن يَعدِل إذا لم أعدل؟ ". وهناك روايات أخرى قريبة من ذلك. فاستأذن عمر وخالد بن الوليد في قتله، فلم يأذن لهما صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: "إن له أصحابًا يَحْقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يَمرُقون من الدين كما يمرق السهمُ من الرميَّة" الحديث.
فهذا الرجل أسلم وقرأ القرآن، وأكثر من الصلاة، فتوهَّم أنه قد عرف كل شيء ولم تبق له حاجة في دينه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل يمكن عنده أن يقع الجور من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون له أن ينكر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ذاك الرجل أصل الخوارج، وصدق صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن هذه النزغة هي التي استولت على الخوارج، فإنهم قرأوا القرآن، وأكثروا من الصلاة والصيام، فتوهموا(2) أنهم قد عرفوا كل شيء، وأنه لا حاجة بهم إلى عرض ما يفهمونه من القرآن على هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وذلك أنه وقع في أنفسهم أن القرآن كلام الله عز وجل، وهو بلسان عربي مبين، وهم عربٌ خلَّص، فاستهواهم هذا حتى وقعوا فيما وقعوا فيه.
فمن ذلك: أنهم لما رأوا أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه رضي بأن--------------------------------------------
(1) البخاري (3610، 6163، 6933) ومسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري.
(2) في الأصل: "فتوهم".
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 56)
يعرض ما نشب بينه وبين أهل الشام من الخلاف على رجلين يعرضان ذلك على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله، ويبينان ذلك، وقيل للتفويض إلى الرجلين "تحكيم"، وقيل لهما "حكمان" = ذكر الخوارج أن الله عز وجل قد قال في كتابه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57، يوسف: 40، 67]. وقال سبحانه: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ} [الأنعام: 62]. وقال تعالى: {لَهُ الْحُكْمُ} [القصص: 70، 88]، وقال تعالى: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12]. فتوهموا أن ذلك الحكم الذي رضي علي رضي الله عنه بجعله للرجلين هو من قبيل الحكم الذي أخبر الله عز وجل في كتابه أنه له وحده.
[ص 42] ولو كانوا مؤمنين بقدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما جعل له من المنزلة، وما جعل لسنته من المنزلة في دينه= لرجعوا إلى من يعلم ذلك، وهو علي رضي الله عنه ومن بقي من الصحابة.
ولو رجعوا إليهم لأرشدوهم إلى تدبر سياق الآيات المذكورة، وذكَّروهم بغيرها، كقوله عز وجل: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95]، وقوله: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35]، وقوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]. ولبينوا لهم أن لفظ "الحكم" يجيء لمعانٍ، أذكر منها ثلاثة:
الأول: القضاء المحكم بالوجود أو العدم. أعني الإرادة التي يستحيل أن يتخلف عنها المراد. وهذا هو المعنيُّ في الآيتين الأوليين بدلالة سياقهما:
قال الله عز وجل: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 57)
مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]. يعني ــ والله أعلم ــ أنني وإن أردت ما تستعجلون به فليس إرادتي بالإرادة التي يستحيل أن يتخلف عنها المراد، وإنما ذاك لله عز وجل.
وقال سبحانه في شأن يعقوب: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67]. المعنى ــ والله أعلم ــ أنني وإن أردت بما أرشدتكم إليه دفعَ الضرر عنكم، فليس إرادتي بالإرادة التي يستحيل أن يتخلف عنها المراد، وإنما ذلك لله عز وجل.
الثاني: الحكم الشرعي، بمعنى جعل الشيء حرامًا أو حلالًا، أو نحو ذلك.
وهذا أيضَا خاص بالله عز وجل. فأما ما حكي عن المعتزلة من قولهم: "إن للعقل حكمًا"، ففي العبارة تسامح يمكن أن يكون من الناقلين بقصد زيادة التشنيع.
وإنما الذي يقوله المعتزلة: أنه يمكن للعقل أن يدرك من غير طريق الشرع بأن حكم الله في هذا الشيء أنه حرام مثلًا.
وذلك أنهم يقولون: ما دامت أحكام الله عز وجل لا بد أن تطابق الحكمة فلا بد أن تلازمها، فكلما وجدت الحكمة وجد الحكم الذي تقتضيه. فإذا أدرك العقل الحكمة في شيء وأنها تقتضي التحريم، أدرك أن حكم الله تعالى في ذلك الشيء هو التحريم، وذلك كقتل النفس. فهم موافقون على أن الحكم بهذا المعنى لله وحده، وإنما الخلاف في أمور:
الأول: في أحكام الله عز وجل، أهي بمقتضى الحكمة؟
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 58)
الثاني: في الحكمة، أتستلزم الحكم ولا بد؟
الثالث: في العقل، أيستقل بإدراك أن الحكمة في هذا الشيء تقتضي هذا الحكم حتمًا؟
وللكلام معهم موضع آخر.
الثالث: الفصل المحكم فيما يشتبه أو يختلف فيه ببيان أن الحق كذا.
وهذا جعله الله عز وجل للناس، كما تقدم بعض الآيات في ذلك، وهو الذي رضي به أمير المؤمنين علي عليه السلام.
وزعم بعض من فهم هذه الحجة ممن ينتحل نحلة الخوارج من المتأخرين أن ما رضي به علي من تحكيم الحكمين ليس من الضرب الثالث، بل هو من الثاني، وذلك أن حكم الله عز وجل في أهل الشام منصوص في كتاب الله عز وجل بقوله: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9]، فتركُ عليٍّ لتنفيذ هذا الحكم وعدولُه إلى جعل الحكم للرجال معناه أنه جعل للرجال أن يحكموا بغير حكم الله.
وحل هذه الشبهة أن أهل الشام لم يكونوا يعترفون بأنهم بغاة، وقد تركوا القتال، ورفعوا المصاحف، ودعَوا إلى تحكيم القرآن، ووعدوا بالرضا بما يتبين أنه حكم الله. [ص 43] وهذا داخل في الفيئة إلى أمر الله. فكأنهم [قالوا: ] إننا نفيء إلى أمر الله، ولكن لا نعرفه بعينه، ونحسبه معنا، ونحن تاركون القتالَ وطالبون البيان.
ولا شك أن حكم الله عز وجل بقتالهم إنما هو ما داموا ممتنعين لا يُرجى رجوعهم إلا بالقتال.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 59)
ألا ترى أنه أمر بالإصلاح أولًا وآخرًا، فقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)} [الحجرات: 9 - 10].
والبغي لا بد أن يكون متحققًا من أول الأمر؛ فإنه لا يمكن أن تقتتل طائفتان إلا وإحداهما باغية. فعلم أنه إنما أمر بالقتال إذا أصرَّت الباغية على بغيها وأبت الصلح، فإذا وقع منها ذلك ثم بعد شيء من القتال رجعت إلى طلب الصلح زالت علة الأمر بقتالنا إياها في الحال. ويوضح هذا قوله في الآية: {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ}.
وقريب من القصة أن يرفع رجل رجلًا إلى قاض ويُثبت عليه أنه قذفه، ويكون بين القاضي والقاذف عداوة، فيريد القاضي أن يحدَّه حد القذف، فيقول القاذف للقاضي: أنت عدوي، ولا آمن أن تكون جُرْتَ علي، فارفعني إلى قاضٍ أخر. فإذا توقف القاضي عن حده ورفعه إلى قاضٍ آخر، عالمًا أنه إن قضى بالحق فإنما يقضي بحده؛ لم يكن في هذا رائحة مما تقدم في الشبهة. فكذلك كانت القصة، بل القصة أولى من هذا؛ لأن القتال ليس حكمًا حتمًا كالحد، وإنما هو وسيلة للإرجاع إلى ترك البغي.
ومن ذلك أن الخوارج [لمَّا] سمعوا قول الله عز وجل: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، وقوله
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 60)
تعالى: {يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: 60]، ونحوها = توهموا أن كل طاعة للشيطان فهي عبادة له وشرك بالله عز وجل، فقالوا: من ارتكب كبيرة فقد أطاع الشيطان، ومن أطاعه فقد عبده وأشرك بالله، فكل مرتكب كبيرة مشرك.
وأحسبهم إنما اقتصروا على الكبائر لأنهم رأوا أن الصغائر لا يخلو منها أحد، أو لقول الله عز وجل: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31].
ولو رجعوا إلى من يعلم هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويستضيء به في فهم القرآن، لقال لهم: أين يُذهَب بكم؟ إنكم تعلمون من العربية والقرآن أنه ليس كل طاعة عبادة؛ فقد أمر الله عز وجل بطاعة رسوله وأولي الأمر والوالدين، وعلم أن الناس يطيع بعضهم بعضًا في أشياء كثيرة تقع منكم ومن غيركم، وليس ذلك بعبادة ولا شرك.
وتعلمون ثانيًا: أن طاعة الشيطان في الصغائر ليست شركًا، وإذا تدبرتم سياق الآية التي تمسكتم بها عرفتم الحقيقة. قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ … وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 118 - 121].
والمعنى الذي يدل عليه السياق هو ما يوضحه ما ورد في أسباب
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 61)
النزول(1) أن المشركين قالوا للمسلمين: أما ما ذبحتم بأيديكم فتأكلون، وأما ما ذبح الله بيده ــ يعنون: الميتة ــ فتحرّمون! يعنون: إن كانت الميتة حرامًا وهي من ذبح الله فما ذبح الإنسان بيده أولى بالتحريم، وإن كان ما ذبح الإنسان بيده حلالًا فما ذبح الله ــ أي الميتة ــ أولى بالحل.
وكان محتملًا أن تؤثر هذه الشبهة في قلب بعض حديثي العهد بالإسلام، فيستحل الميتة أو يمتنع من أكلها ومن أكل المذكَّاة أيضًا، فيكون بذلك مطيعًا للشيطان في شرع الدين. أعني أنه يتدين بما وسوس به الشيطان. فحِلُّ الميتة من وسوسة الشيطان، فمن استحلها فقد أطاعه متدينًا بطاعته. [ص 44] وتحريم المذكّاة من وسوسة الشيطان، فمن امتنع عنها تدينًا فقد أطاعة متدينًا بطاعته.
إذن، فطاعة الشيطان المذكورة في هذه الآية طاعة خاصة، وهي طاعته في شرع الدين، بأن يتخذ ما يوسوس به دينًا. وهذا موافق للعربية؛ فإن العبادة في اللغة هي ما يفعله الإنسان من خضوع ونحوه طلبًا لنفع غيبي.
والطاعة المذكورة تنطبق على هذا، بخلاف طاعة الشيطان في ارتكاب المعصية، مع العلم والاعتراف بأنها معصية، وتألُّم القلب منها، واستحيائه من ربه عز وجل، وخوفه من عقابه؛ فإن من كان هذا حاله فلم يتدين بتلك الطاعة ولم يطلب بها نفعًا غيبيًّا.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (2819) وابن ماجه (3173) والطبراني في "الكبير" (12295) والحاكم في "المستدرك" (4/ 233) والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 240) من حديث ابن عباس. وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 62)