* المسألة الثانية* معنى القاعدة
قررت القاعدة أن التوجه والاستقبال إذا كان مقصودًا به القربة ونيل الأجر والثواب فهو في نفسه عبادة من العبادات، فيجب فيها الإخلاص لله تعالى، ومتابعة صاحب الشرع المطهر.
والمقصود: أنه لا يشرع التوجه والاستقبال بنية التقرب والتعبد والتعظيم والخضوع إلى أي شيء سوى ما شرع الله تعالى التوجه إليه، وتعبدنا بقصد استقباله، وهذا يشمل حال كثير من العبادات، فمن العبادات ما يكون التوجه والاستقبال فيه مخصوصًا بالكعبة، ومنها ما خص بغيرها، وكل بحسبه من حيث الوجوب والاستحباب، فالتوجه والاستقبال بنية التقرب مخصوص بالكعبة خاصة، وكما بينا ليس في الإسلام إلا قبلة واحدة(1).
يقول الإمام ابن عبد البر: "فإن القبلة على كل حال يستحب استقبالها بالأعمال التي يراد بها الله عز وجل؛ تبركًا بذلك، واتباعًا للسُّنَّة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا … " الحديث"(2).
ثم إن سائر الجهات قد خص منها جهة القبلة بالتشريف، فالعدل أن يستقبل في الذكر، والعبادة، والوضوء، وأن ينحرف عنها حال قضاء الحاجة، وكشف العورة، إظهارًا لفضل ما ظهر فضله(3).
وقال المناوي(4): "فاستقبال القبلة مطلقًا مطلوب؛ لكنه في الصلاة--------------------------------------------
(1) المشاهدات المعصومية لمحمد سلطان المعصومي، وهو ضمن المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد، للأستاذ الدكتور محمد الخميس- حفظه الله- (ص 257 - 261).
(2) الاستذكار (4/ 246).
(3) انظر: فيض القدير (1/ 523).
(4) هو: محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
واجب، وخارجها مندوب"(1).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
يمكن الاستدلال على هذه القاعدة بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، وقال سبحانه: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)} [البقرة: 149].
وليس بخاف أنّ أوّل ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة(2)؛ وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلّون بمكّة إلى الكعبة، فلمّا هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، أمره تعالى أن يصلي نحو الصخرة ببيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة، وهذا قول عامّة المفسّرين(3).
وأما وجه دلالة الآيات على معنى القاعدة فمن وجوه:
الأول: دلَّ قوله تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} على أن استقبال القبلة عبادة لله تعالى؛ لأن العبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه، وبيان--------------------------------------------
= المناوي القاهري الشافعي. له مصنفات كثيرة منها: فيض القدير شرح الجامع الصغير، وشرح الشمائل للترمذي، توفي سنة 1031 هـ. [انظر ترجمته في: البدر الطالع (1/ 357)].
(1) فيض القدير (1/ 523).
(2) ذكر ذلك الإمام الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: تفسير الطبري (1/ 502).
(3) انظر: تفسير الثعلبي (2/ 10)، ومال إليه جملة من المحققين منهم الإمام ابن عبد البر، وفي المسألة قول آخر. [انظر: الاستذكار (1/ 19)].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
ذلك أن الله تعالى أثبت للرسول صلى الله عليه وسلم رضاه وميله ومحبته للتوجه إلى جهة الكعبة، ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يرضى ولا يحب إلا ما أحبه الله ورضيه سبحانه وتعالى، إذ إن جميع محابه صلى الله عليه وسلم تابعة في الأصل لمحبة معبوده سبحانه وتعالى(1).
ولذا ذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {قِبْلَةً تَرْضَاهَا}؛ أي: تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية والغايات الشرعية(2).
يقول الإمام البغوي في معنى الآية: "فلنحولنك إلى قبلة ترضاها؛ أي: تحبها وتهواها"(3).
ويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي: تحبها؛ وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه"(4).
ويقول الإمام ابن كثير في معنى قوله تعالى في شأن تحويل القبلة: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)}: "فبيَّن أنه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه"(5).
الثاني: كما أفاد قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} الأمر باستقبال الكعبة حال الصلاة، والله تعالى لا يأمر إلا بما هو محبوب لديه مرضي عنده، وعليه يكون الاستقبال عبادة لله تبارك وتعالى.--------------------------------------------
(1) سيأتي تقرير هذه المسألة الهامة في قاعدة المحبة (ص 558).
(2) التفسير الكبير للرازي (4/ 102)، وليس نسخ قبلة بيت المقدس بقبلة الكعبة لمجرد ميل النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته لذلك فحسب، بل إن ذلك هو عين ما يحبه الله ويرضاه لعباده، وهو مقتضى الحكمة الربانية؛ التي تؤول إلى غايات حميدة، ونتائج محبوبة للرب تبارك وتعالى، ولذا بين سبحانه في الآية الأخرى بأن ذلك هو الحق الذي لا حق غيره، ولا محيد عنه، الآتي من عنده سبحانه وتعالى. [وانظر: التفسير الكبير (4/ 125)].
(3) تفسير البغوي (1/ 124).
(4) تفسير السعدي (ص 71).
(5) تفسير ابن كثير (1/ 196).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
يقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية: "أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض؛ شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنَّه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها"(1).
وقد جاء في السُّنَّة الأمر باستقبال القبلة حال الصلاة، ففي حديث المسيء صلاته عند البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن"(2).
فدل الأمر باستقبال على كونه محبوبًا مرضيًا عند الرب تبارك وتعالى، وبذلك يكون داخلًا في العبادة التي يحبها الله ويرضاها.
كذلك ما جاء في النصوص من تعظيم شأن القبلة، وبيان مكانتها، وقرنها بالصلاة، بل هي شرط من شروط صحتها، فعن أنس بن مالك(3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله"(4).--------------------------------------------
(1) المرجع السابق (1/ 194).
(2) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: من رد فقال عليك السلام .. (5/ 2307)، رقم (5897)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (1/ 298)، رقم (397)، وانظر: مصنف عبد الرزاق (2/ 172).
(3) هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الإمام أبو حمزة الأنصاري النجاري المدني، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله صحبة طويلة، وحديث كثير، وملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم منذ هاجر إلى أن مات، ثم أخذ عن أبي بكر وعمر وعثمان، وعُمِّرَ دهرًا، وكان آخر الصحابة موتًا، توفي سنة ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. [أخرجه في: الإصابة في تمييز الصحابة (1/ 126)].
(4) تقدم تخريجه في أول القاعدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: "وفي الحديث تعظيم شأن القبلة، وذكر الاستقبال بعد الصلاة للتنويه به، وإلا فهو داخل في الصلاة لكونه من شروطها"(1).
فالقبلة شعار الملة التي تتميز به الأديان، ولذا يعبر أهل العلم بقولهم أهل القبلة يعنون أهل الإسلام، وإن كان لكل ديانة من الديانات قبلة يعظمونها ويستقبلونها في عباداتهم. ثم إن الشعائر دليل الإيمان الباطن كالشهادتين(2).
ولذا توعد النبي صلى الله عليه وسلم من لم يستقبل قبلة أهل الإسلام بأنه ليس له ذمة عند الله ولا عند رسوله، فكل هذه الأمور تبين أن استقبال القبلة عبادة لله تبارك وتعالى يثيب عليها ويعاقب على تركها.
* المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة
فيما يلي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء في اعتماد هذه القاعدة إما بلفظها أو بمعناه وما دلت عليه:
يقول الشيخ محمد سلطان المعصومي(3): "ولا شك أن التوجه إلى--------------------------------------------
(1) فتح الباري (1/ 496).
(2) انظر: الذخيرة (2/ 238).
(3) هو: محمد بن سلطان المعصومي الخُجَنْدِي، ولد في خُجَنْدَة سنة 1297 هـ، تعلم في بلده، ثم سافر إلى الحجاز، سنة 1323 هـ، ودرَسَ على كبار المشايخ، ثم رجع إلى بلاده، فعين فيها مُفتيًا للمحاكم الشرعية وذلك سنة 1342 هـ، ثم عاود الرجوع إلى مكة المشرفة سنة 1353 هـ، وعمل مدرسًا في المسجد الحرام ودار الحديث المكية، ودار الحديث المدنية. من مؤلفاته: المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية، رفع الالتباس في أمر الخضر وإلياس، ومفتاح الجنة لا إله إلا الله، البرهان الساطع في تبرؤ المتبوع من التابع، وغيرها من المؤلفات، توفي سنة 1379 هـ. [انظر: مقدمة كتاب: أجوبة المسائل الثمان في السُّنَّة والبدعة والكفر والإيمان للمعصومي -ضبط وتعليق وتخريج الشيخ علي الحلبي].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
شيء أو إلى جهة بقصد التقرب وحصول الثواب عبادة، والعبادة حق الله خاصة دون غيره، وهذا لا يكون إلا للكعبة فقط(1)، فمن توجه إلى غير الكعبة بقصد القربة(2) فقد أشرك بعبادة الله غيره، وهذا مناف للإسلام، وما جاء به محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام"(3).
ويقول رحمه الله أيضًا: "فقبلة العبادة وقبلة التوجه، وقبلة الفيض(4) والبركة، وقبلة الدعاء: إنما هي الكعبة لا غير في دين الإسلام: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] "(5).
هذا فيما يتعلق بالاستقبال الشرعي إلى جهة القبلة، الذي منه ما هو واجب أو مستحب، فالواجب يكون في الصلاة، والمستحب يكون فيها وفي غيرها من أنواع العبادة من الدعاء والذكر وانتظار الصلاة وغير ذلك.--------------------------------------------
(1) أي: في غير ما ورد النص باستثنائه كاستقبال الخطيب للناس، وكاستقبال الإمام للمصلين بعد الانتهاء من الصلاة المكتوبة، وغير ذلك.
(2) تقدم الكلام فيما سبق على مسألة استقبال غير الكعبة، وهو على أقسام؛ شرعي، وبدعي، وشركي، والذي قصده الشيخ هنا إنما هو التوجه والاستقبال الشركي الذي يكون فيه تعظيم المتوجه إليه أو صرف شيء من العبادة له.
(3) المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية، ضمن المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد، للأستاذ الدكتور محمد الخميس (ص 257 - 258).
(4) الفيض: مصطلح صوفي فلسفي، يقصد به آثار التجلي الإلهي على العبد، وهو نوع من الكشف عندهم، وقد اعتمد عليه غلاة أهل التصوف، كطريق لمعرفة الحقائق الدينية، بل جعلوه نوعًا من الوحي الذي يحصل للقلوب الزكية، وممن تولى كبر هذه الدعوة أبو حامد الغزالي حيث قرره سبيلًا لمعرفة الحقائق وأن النفوس إذا قطعت علائقها بالدنيا، واشتغلت بالزهد والرياضة فإنها تنكشف لها أسرار الملكوت، فتنزل عليها الفيوضات الربانية ونكشف لها الحقائق. [انظر: إحياء علوم الدين (2/ 424)، ومعجم مصطلحات الصوفية، لأنور فؤاد (ص 138)، والأمثال القرآنية القياسية، د. عبد الله الجربوع (2/ 424)].
(5) المرجع السابق (ص 258).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
ويقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في استحباب استقبال القبلة حال الدعاء: "وهذا أصل مستمر، فإنَّه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه؛ ألا ترى أن المسلم لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها، فإنَّه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء"(1).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يمكن الاستفادة من هذه القاعدة في نواحٍ عدة
أولًا: أن الاستقبال بقصد التقرب عبادة لله تعالى، وذلك لأمر الله تعالى به فيما سبق من الآيات، كما أن الاستقبال داخل في حد الصلاة وهيئتها.
يقول الإمام ابن تيمية: "ولأن الصلاة إلى الشيء استقبال له وتوجه إليه، وجعل له قبلة؛ فإن ما يستقبله المصلي قبلة له كما أن البيت قبلة له، يبين هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النخامة في القبلة، والاستقبال داخل في حدود الصلاة، ولهذا أمرنا أن نستقبل في صلاتنا أشرف البقاع وأحبها إلى الله وهو بيته العتيق"(2).
وقال رحمه الله: "فإن اختصاص بعض الجهات والأمكنة بأنه يستقبل دون غيرها هو أمر شرعي، ولهذا افترقت أهل الملل كما قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148] "(3).
ثانيًا: استقبال القبلة عبادة مشروعة، وعليه فلا يجوز استقبال غير القبلة في الصلاة، ومن صلى إلى غير جهة القبلة فقد عارض نصوص الكتاب والسُّنَّة وناقضها، وهو من أضل الناس، وأبعدهم عن الله تعالى.--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (ص 365).
(2) شرح العمدة (4/ 481).
(3) بيان تلبيس الجهمية (2/ 460).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
يقول الإمام ابن تيمية: "فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلى إليها فهو كافر مرتد(1) يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكاناً يطاف به كما يطاف بالكعبة؟! والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال، وكذلك من قصد أن يسوق إليها غنمًا أو بقرًا ليذبحها هناك، ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل، وأن يحلق فيها شعره في العيد، أو أن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة.
فهذه الأمور التي يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق من البدع والضلالات، ومن فعل شيئًا من ذلك معتقدًا أن هذا قربة إلى الله فإنَّه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما لو صلى إلى الصخرة معتقدًا أن استقبالها في الصلاة قربة كاستقبال الكعبة؛ ولهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين في مقدم المسجد الأقصى"(2).
ويقول رحمه الله: "فمن قصد أن يصلي إلى غير تلك الجهة لم يكن على دين الإسلام؛ لأنَّه يريد أن يعبد الله بما لم يأمره، وهكذا كل بدعة تخالف أمر الرسول؛ إما أن تكون من الدين المبدل الذي ما شرعه الله قط، أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد شرعه كالتوجه إلى بيت المقدس"(3).
ثالثًا: الاستقبال المقصود في القاعدة هو الاستقبالى بقصد القربة وحصول الثواب من الله تعالى، وإفراد العبودية له عز وجل، أما الاستقبال والتوجه بدون نية التعبد والتقرب لشيء وإنما كان لغرض آخر فلا يدخل ضمن القاعدة.--------------------------------------------
(1) التوجه إلى القبلة حال الصلاة مما قطعت به النصوص، وأجمعت عليه الأمة، وعرفه الصغير والكبير، والعالم والجاهل، فصار من المعلوم من الدين بالضرورة، فالمخالف لذلك يكفر لتكذيبه بالنصوص.
(2) مجموع الفتاوى (27/ 11).
(3) النبوات (ص 94).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
رابعًا: إطلاق لفظ القبلة خاص بالكعبة عرفًا وشرعًا، وعليه فليس للمسلمين إلا قبلة واحدة يستقبلونها في صلاتهم بنية القربة وحصول الثواب.
يقول الإمام ابن تيمية: "فليس للمسلمين بل ولا لغيرهم قبلتان أصلاً في العبادات التي هي من جنسين؛ كالصلاة والنسك فضلاً عن العبادات التي هي من جنس واحد وبعضها متصل ببعض"(1).
وقال رحمه الله أيضًا: "وأنه ليس لنا إلا قبلة واحدة، وأن محمدًا لا نبي بعده"(2).
ويقول الإمام ابن القيم: "بل ومن خصائصها كونها قبلة لأهل الأرض كلهم، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها"(3).
يقول ابن الحاج: "وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يتعمدون الصلاة خلف الصخرة، حتى يجمعوا في صلاتهم بنياتهم بين استقبال القبلتين الكعبة والصمخرة، واستقبال الصخرة منسوخ باستقبال الكعبة، فمن نوى ذلك فهو بدعة، بل ينوي استقبال الكعبة فقط دون أن يخلط معها ما ذكر"(4).
فتعظيمها واستقبالها بهذه النية بدعة؛ لأنها منسوخة بالكعبة، وعليه فلا تتعلق بها عبادة من العبادات من حيث التوجه أبدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ويقول الإمام ابن تيمية: "وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة؛ فإنَّها قبلة منسوخة، كما أن يوم السبت كان عيدًا في شريعة موسى عليه السلام، ثم نسخ في شريعة محمد بيوم الجمعة، فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة،--------------------------------------------
(1) بيان تلبيس الجهمية (2/ 452).
(2) مجموع الفتاوى (21/ 543).
(3) زاد المعاد (1/ 49).
(4) المدخل (4/ 243).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
كما تفعل اليهود والنصارى، وكذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى"(1).
ومن ثم تعقَّب بعض أهل العلم من يعبر عن المسجد الأقصى بأنه: (أُوْلَى القبلتين)، وجزم بأنها عبارة موهمة؛ إذ قد يفهم من هذا التعبير بأن للمسلمين قبلتين معظمتين من حيث التوجه إليهما؛ المسجد الأقصى ومسجد الكعبة، وهذا لا يصح كما سبق، فإن قبلة المسجد الأقصى منسوخة(2)، ولا يصح تعظيمها بهذا الاعتبار.
يقول الشيخ ابن عثيمين: "المسألة السابعة: أن للأمة الإسلامية قبلة سابقة، وقبلة لاحقة؛ نسمع تعبيراً عن المسجد الأقصى: (إنه ثالث الحرمين وأولى القبلتين)، وهذا التعبير يحتاج إلى فهم؛ إذا قلنا: ثالث الحرمين فإنَّه ربما يفهم السامع أن المسجد الأقصى له حرم، أو أنه حرم، وليس كذلك فإن المسلمين أجمعوا على أنه لا حرم إلا في مكة والمدينة، واختلفوا في وادي وج، وهو واد في الطائف، والصحيح أنه ليس بحرم، أما المسجد الأقصى فليس بحرم، لكنه مسجد معظم تشد--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (27/ 12 - 13).
(2) ومع كونها منسوخة من حيث استقبالها في صلاة الفريضة إلا أن فضلها وبعض أحكامها لا زالت باقية، كما هي سُنّة الله تعالى فيما قضى بنسخه، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "فتأمل الأحكام المنسوخة؛ حكمًا حكمًا كيف تجد المنسوخ لم يبطل بالكلية، بل له بقاء بوجه؛ فمن ذلك نسخ القبلة، وبقاء بيت المقدس معظمًا محترمًا تشد إليه الرحال، ويُقْصد بالسفر إليه، وحط الأوزار عنده، واستقباله مع غيره من الجهات في السفر، فلم يبطل تعظيمه واحترامه بالكلية، وإن بطل خصوص استقباله بالصلوات، فالقصد إليه ليصلى فيه باق، وهو نوع من تعظيمه وتشريفه بالصلاة فيه، والتوجه إليه قصدًا لفضيلته، وشرعه له نسبة من التوجه إليه بالاستقبال بالصلوات، فقدم البيت الحرام عليه في الاستقبال؛ لأن مصلحته أعظم وأكمل، وبقي قصده وشد الرحال إليه والصلاة فيه منشأ للمصلحة، فتمت للأمة المحمدية المصلحتان المتعلقتان بهذين البيتين، وهذا نهاية ما يكون من اللطف وتحصيل المصالح وتكميلها". [مفتاح دار السعادة (2/ 32 - 33)].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
الرحال إليه، وأما أولى القبلتين فإنَّه قد يفهم السامع أن هناك قبلتين باقيتين، وأن أولاهما المسجد الأقصى، فيظن السامع أن الاتجاه إلى المسجد الأقصى ليس بمنسوخ مع أنه منسوخ، والذي ينبغي أن يتجنب الإنسان كل عبارة فيها إبهام، ونقول في المسجد الأقصى إنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها، وكفى به شرفًا أن تشد الرحال إليه"(1).
وكلامه رحمه الله هو باعتبار ما يؤدي إليه من الوهم وسوء الفهم عند بعض الناس، وإن كانت العبارة من الناحية اللغوية الشرعية مستقيمة لا إشكال فيها على أحد القولين في المسألة؛ فإن قبلة بيت المقدس هي القبلة الأولى في الإسلام التي أمر صلى الله عليه وسلم باستقبالها والتوجه إليها؛ وأما على القول الآخر وهو أن قبلة بيت المقدس إنما شرعت في المدينة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان بمكة يستقبل البيت الحرام فتكون العبارة غير صحيحة من حيث الواقع وحقيقة الأمر، وعليه تكون قبلة الكعبة هي القبلة الأولى والأخيرة.
خامسًا: تضمنت القاعدة الرد على بعض الغلاة الذين يستقبلون قبور شيوخهم في الصلاة أو غيرها ويعتبرون هذه القبور هي قبلة الخواص منهم، أما الكعبة فهي قبلة العوام من المسلمين.
يقول الإمام ابن تيمية: "مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة ويصلون إلى قبر الشيخ، ويقولون هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة"(2).
ويقول رحمه الله: "ومنهم من يستقبل قبر شيخه وقت الصلاة ويستدبر الكعبة، ويقول: هذا قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة، وهذا كفر صريح--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (12/ 430).
(2) تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 166).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
يوجب استتابة قائله مع أنه يفعله طائفة من الزهاد والعباد، وبعضهم يسجد لقبورهم"(1).
ويقول رحمه الله أيضًا: "ومنهم من يجعل استقبالها -أي: القبور- في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول: هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة. ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به الرسول، ومن الشرك برب العالمين لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه، وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يسوغ خلافه، بل إنما يفعل هذا من كان جاهلاً بسُنّة الرسول، أو من يجعل له طريقًا إلى الله غير متابعة الرسول، مثل من يجعل الرسول مبعوثًا إلى العامة، وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن لهم طريقًا أفضل من طريقة الرسول، ونحو ذلك وهؤلاء كلهم كفار وإن عظموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم"(2).
ومن هؤلاء الضلال من يتقصد الجهة التي فيها شيخه، أو من يعظمه، وقت الدعاء، ولا شك أنه لم يصدر منهم هذا الاستقبال إلا لاعتقادهم في شيوخهم، وانتفاعهم بذلك التوجه، وهذا أمر من الخطورة بمكان؛ وهو من البدع الشنيعة، ومن أقصر الطرق المؤدية إلى الوقوع في الشرك بالله العظيم.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه الصالح، … وهذا ضلال بيِّن وشرك واضح .. وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى"(3).
سادساً: تضمنت القاعدة إبطال فعل من يقف مستقبلًا القبر النبوي أو الحجرة النبوية من أي مكان في المسجد بعيدًا عن مكان القبر؛ وذلك--------------------------------------------
(1) تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 88).
(2) الرد على الإخنائي (ص 22).
(3) اقتضاء الصراط المستقيم (ص 365).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
من أجل السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الواقف لا يخلو من حالتين: إما أن يقصد باستقباله السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يجوز؛ إذ لم يثبت فعل هذه الهيئة عن السلف لا من الصحابة ولا من بعدهم من أهل القرون المفضلة، ولا عن أهل العلم الموثوق بدينهم وعلمهم، وإنما كانوا يسلمون عليه في الصلاة أو عند القبر، كما أن هذه هي سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ما كان يسلم على الأموات من بعيد، وإنما كان هديه السلام عليهم في المقبرة، أو عند قبورهم، كما هو معلوم من سيرته عليه الصلاة والسلام؛ ولذا جاء في حديث بريدة(1) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: … السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية)(2).
فإن قصد السلام والدعاء لنفسه أو لغيره متحريًا الإجابة باستقباله للقبر أو للحجرة، فإن ذلك من البدع التي تؤدي وتقود إلى الشرك بالله العظيم، إذ الأصل في من دعا لنفسه استقبال القبلة، ولا يقصد بدعائه لنفسه استقبال غير القبلة، كما أن في ذلك ذريعة إلى تعظيم القبور وعبادتها من دون الله تعالى.
أما الدعاء للميت نفسه فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الدعاء للميت في حال استقباله للقبر، فقد روي أنه كان: (إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه--------------------------------------------
(1) هو: بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، من المهاجرين الأولين ممن هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل قدومه المدينة ولحق به، ثم حمل عمامته وشدها في رمح ومشى بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم قدومه المدينة، كنيته أبو سهل، سكن البصرة ثم سجستان ثم مرو فاستوطنها إلى أن مات، وبها عقبه، وقبره بمرو معروف. [ترجمته في: مشاهير علماء الأمصار (ص 60)].
(2) رواه مسلم في صحيحه، باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (2/ 671)، رقم (975).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
فقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنَّه الآن يسأل")(1).
يقول الإمام ابن تيمية: "ولو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا هم أعلم بذلك، وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم، والداعي يدعو الله وحده، وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى كما نهى عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى"(2).
وقال الشيخ محمد المعصومي في شأن من يتوجهون إلى القبر النبوي من جميع نواحي المسجد للسلام والدعاء: "وأما التوجه إلى قبره صلى الله عليه وسلم من كل نواحي المسجد كلما دخل المسجد أو كلما فرغ من الصلاة، فليس من دين الإسلام أصلًا، بل من شعار عباد الأوثان والمشركين قطعًا"(3).
ولم يكتف هؤلاء الواقفون المستقبلون للحجرة النبوية بالسلام أو الدعاء البدعي، بل زادوا على ذلك الوقوف بخشوع وخضوع وتواضع ووضع لليد اليمنى على اليسرى كالهيئة التي يقفون بها أمام الله تعالى، بل قد يكون وقوفهم واستقبالهم للقبر أشد طمأنينة وأعظم خشوعًا، وأكمل خضوعًا، ومن المعلوم أن الوقوف والاستقبال بخشوع وخضوع وطمأنينة عبادة عظيمة لا تصرف إلا لله تبارك وتعالى، فهي من هيئات التعظيم الخاصة برب العالمين، وصرفها لغيره سبحانه من الشرك الواضح والكفر المستبين.
يقول الشيخ المعصومي: "والعمل الذي- أنتم أيها المدعون---------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في سننه (3/ 215) برقم (3221)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 56) برقم (6856)، وحكم الإمام النووي على إسناده بأنه: جيد. [المجموع (5/ 252)].
(2) مجموع الفتاوى (1/ 353).
(3) المشاهدات المعصومية لمحمد سلطان المعصومي، وهو ضمن المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد للأستاذ الدكتور/ محمد الخميس (ص 257).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
تعملونه من التوجه إلى القبر النبوي بالتواضع والتذلل هو بعينه ما يفعله عباد الأوثان لأوثانهم، رجاء البركة والفيض، فإذن لا فرق بين ما تعملونه أنتم أيها المدعون، وما تعمله عبدة الأوثان!! اللات والعزَّى وودّ وسواع ويعوق ويغوث ونسرًا.
واحذروا مما أنتم عليه من التوجه إلى القبر؛ لأنَّه وثنية وشرك وضلالة، وصلوا وسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم حيثما كنتم، فإن صلاتكم تصل إليه، والعمدة على صدق النية، والتوجه بقصد القربة مخصوص شرعًا بالكعبة خاصة، فمن توجه إلى غيرها بقصد القربة فقد أشرك في عبادة الله تعالى غيره"(1).
ويبين العلامة الأمين الشنقيطي بأن وضع اليد اليمنى على اليسرى من الهيئات الداخلة في الصلاة فلا يجوز أن تصرف لغيره سبحانه وتعالى، فيقول: "اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة، وهي تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات؛ فيخلص تقربه بذلك إلى الله ولا يصرف شيئًا منه لغير الله كائنًا ما كان.
والظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة فلا ينبغي للمُسَلِّم عليه صلى الله عليه وسلم أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيأة المصلي؛ لأن هيأة الصلاة داخلة في جملتها فينبغي أن تكون خالصة لله، كما كان صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها لله وحده"(2).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في بيان هذه البدعة الشنيعة المنكرة: "وهكذا ما يفعله بعض الزوار عند السلام عليه صلى الله عليه وسلم من وضع يمينه على شماله فوق صدره، أو تحته كهيئة المصلي؛ فهذه الهيئة لا تجوز عند السلام عليه صلى الله عليه وسلم، ولا عند السلام على غيره من الملوك والزعماء وغيرهم؛--------------------------------------------
(1) المشاهدات المعصومية (ص 260 - 261).
(2) أضواء البيان (7/ 410).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
لأنَّها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله، كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح عن العلماء، والأمر في ذلك جلي واضح لمن تأمل المقام، وكان هدفه اتباع هدي السلف الصالح.
وكذا ما يفعله بعض الناس من استقبال القبر الشريف من بعيد، وتحريك شفتيه بالسلام أو الدعاء، فكل هذا من جنس ما قبله من المحدثات، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله، وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة والصفاء"(1).
ويقول الشيخ العثيمين في جواب سؤال عن شرعية استقبال قبر النبي صلى الله عليه وسلم من أي مكان في المسجد: "إذا كان يريد بذلك أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فنقول له: ادن من القبر، فإن زيارة القبر لا بد فيها من الدنو، وإذا كنت تريد أن تدعوه فهو شرك أكبر يخرجك من ملة الرسول- عليه الصلاة والسلام، أو أن تدعو الله متوجهًا إلى القبر فهذا بدعية ووسيلة للشرك، وليس من المعقول أن تنصرف من بيت الله إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن بيت الله الذي يجب على كل مسلم أن يتجه إليه في صلاته أفضل من قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فأفضل بقعة على وجه الأرض هو بيت الله عز وجل الكعبة، فلا يليق بك وأنت تدعي أنك تعبد الله أن تتوجه بدعائك إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام دون أن تتوجه إلى بيت الله، هذا من تسفيه ومن إضلال الشيطان لبني آدم وإغوائه إياهم، وإلا فبمجرد أن يفكر الإنسان بقطع النظر عن الدليل الشرعي يعلم أن هذا ضلال وسفه، حينئذٍ نقول للواقف على هذا الوجه يريد التسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول له: ادن من القبر، والذي يدعو الله متوجهًا إلى القبر، نقول: هذا بدعة ووسيلة للشرك وضلال في الدين وسفه في العقل؛ لأن توجهك إلى بيت الله أولى من توجهك إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (16/ 110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
وإذا كان يتوجه هذا التوجه يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مشرك شركًا أكبر يخرجه عن ملة رسول الله- عليه الصلاة والسلام"(1).
وقد جعل العلامة المحدث عبد المحسن بن حمد العباد -حفظه الله- هذا الاستقبال بهذه الكيفية من الزيارة البدعية، فقال: "الثاني: أن يضَعَ يدَيْهِ على صدرِه كهيئَةِ الصلاةِ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ، لأنَّ هذه هيئةُ خضوعٍ وذلٍّ لله عز وجل شُرعت في الصلاةِ حيث يكون المسلمُ قائمًا في صلاتِه يُناجِي ربَّه، وقد كان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتِهِ إذا وَصَلُوا إليه لا يَضَعُون أيدِيهم على صدورِهم عندَ سلامِهم عليه، ولو كان خيرًا لَسبَقُوا إليه"(2).
وقد قرر الإمام ابن تيمية بأن العبادات بجميع أجزائها وهيآتها لا يجوز أن يصرف منها شيء لغيره سبحانه، فقال: "وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود، والركوع، والتسبيح، والدعاء، والقراءة، والقيام، لا يصلح إلا لله وحده، ولا يجوز أن يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده؛ لا لشمس، ولا لقمر، ولا لملك، ولا لنبي، ولا صالح، ولا لقبر نبي، ولا صالح، هذا في جميع ملل الأنبياء.
وقد ذكر ذلك في شريعتنا حتى نهى أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات؛ ولهذا نهى النبي معاذًا أن يسجد له، وقال: "ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها"(3)،--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى ورسائل محمد بن صالح العثيمين (17/ 302)، برقم (267).
(2) فضل المدينة وآداب سكناها وزيارتها، للشيخ عبد المحسن العباد البدر (ص 40).
(3) أخرجه أبو داود في سننه (2/ 244)، برقم (2140)، وابن ماجه (1/ 595) برقم (1852)، والحديث صححه الشيخ الألباني: [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (3/ 201 - 202) تحت حديث (1203).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
ونهى عن الانحناء في التحية(1)، ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد"(2) "(3).--------------------------------------------
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 198) برقم (13067)، والترمذي في جامعه (5/ 75) برقم (2728)، وحسنه، كما حسنه الشيخ الألباني. [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 298 - 299) تحت حديث رقم (160)، قال في الإحياء: (والانحناء عند السلام منهي عنه … والالتزام والتقبيل قد ورد به الخير عند القدوم من السفر". [إحياء علوم الدين (2/ 204)].
(2) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1/ 309) برقم (309) برقم (413)، وابن حبان في صحيحه (5/ 491) بر قم (2122)، وابن ماجه في سننه (1/ 393) برقم (1240).
(3) مجموع الفتاوى (1/ 74 - 75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
الفصل الثاني
القواعد المتعلقة
بحقيقة العبادة وضابطها
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة العبادة لا تسمى عباده إلا مع التوحيد.
المبحث الثاني: مناط العبادة غاية الحب مع غاية الذل.
المبحث الثالث: صلاح الأعمال بصلاح النيات وكل عمل تابع لنية عامله وقصده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
المبحث الأول
قاعدة العبادة لا تسمى عيادة في حكم الشرع إلا مع التوحيد
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* معنى القاعدة
سبق معنا في دراسة القواعد السابقة تفصيل الكلام على معنى العبادة الشرعية، بشمولها للاعتقادات والأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها متضمنة للمحبة والذل للمبعود بحق سبحانه وتعالى، وإلا لم تكن عبادة شرعية ولا نافعة، وهذه القاعدة متعلقة بأعظم ما يجب أن تتضمنه العبادة المعتبرة شرعًا عند الله تبارك وتعالى، فإنَّها دلت على أنه لا تكون ولا تحصل عبادة بدون التوحيد فهو الركن الأعظم لأي عبادة يتقرب بها إلى المولى سبحانه وتعالى، وبدونه تخرج العبادة عن حدّ العبادة الشرعية المقبولة عند اللّه.
فالتوحيد في حد نفسه عبادة، بل هو من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، كما أنه ركن في جميع العبادات الباقية لا تنفك عنه عبادة من العبادات وإلا خرجت عن كونها عبادة لله، وخرج فاعلها عن كونه عَبَدَ الله، أو عَبْدُهُ المستقيم على عبادته؛ فإن من لم يفرد الله بالعبادة فإنَّه لم يعبده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)