وَأما تَفْضِيل بعض الْحَيَوَان على بعض فبالعقل وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام والأوصاف الْكَرِيمَة الجبلية كالرحمة والشفقة وَالْكَرم وَالْحيَاء والجود والسخاء والحلم والأناة
وَأفضل المعارف معرفَة مَا يجب للرب سُبْحَانَهُ من أَوْصَاف الْكَمَال ونعوت الْجلَال وسلب كل عيب ونقصان وَجَوَاز مآله أَن يَفْعَله وَأَن لَا يَفْعَله كإنزال الْكتب وإرسال الرُّسُل والبعث والحساب وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب
وَلكُل معرفَة من هَذِه المعارف حَال ينشأ عَنْهَا وَيُسْتَفَاد مِنْهَا
وَلكُل حَال من تِلْكَ الْأَحْوَال آثَار جميلَة وأحوال فَضِيلَة
وَاعْلَم أَن الْفضل يَقع بالمعارف وَالْأَحْوَال والطاعات وبكثرة إِحْسَان الْخَالِق إِلَى الْمَخْلُوق وَإِن لم يكن من المعارف وَالْأَحْوَال والطاعات
وَقد أحسن الله تَعَالَى إِلَى النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وأفاضل الْمُؤمنِينَ بالمعارف وَالْأَحْوَال والطاعات والإذعان ونعيم الْجنان ورضا الرَّحْمَن وَالنَّظَر إِلَى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
الديَّان سُبْحَانَهُ مَعَ سَماع تَسْلِيمه وَكَلَامه وتبشيره بتأبد الرضْوَان وَلم يثبت للْمَلَائكَة مثل ذَلِك
وَلَا شكّ أَن أجساد الْمَلَائِكَة أفضل من أجساد الْبشر
وَأما أَرْوَاحهم فَإِن كَانَت أعرف بِاللَّه تَعَالَى وأكمل أحوالا من أَحْوَال الْبشر فهم أفضل من الْبشر وَإِن اسْتَوَى الْأَرْوَاح فِي ذَلِك فقد فضلوا على الْبشر بالأجساد فَإِن أَجْسَادهم من نور وأجساد الْبشر من لحم وَدم
وَفضل الْبشر الْمَلَائِكَة بِمَا ذَكرْنَاهُ من نعيم الْجنان وَقرب الديَّان وَرضَاهُ وتسليمه وتقريبه وَالنَّظَر إِلَى وَجهه الْكَرِيم
وَإِن فَضلهمْ الْبشر فِي المعارف وَالْأَحْوَال والطاعات كَانُوا بذلك أفضل مِنْهُم وَبِمَا ذَكرْنَاهُ مِمَّا وعدوا بِهِ فِي الْجنان
وَلَا شكّ أَن للبشر طاعات لم يثبت مثلهَا للْمَلَائكَة كالجهاد وَالصَّبْر ومجاهدة الْهوى وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالصَّبْر على البلايا والمحن والرزايا وَتحمل مشاق الْعِبَادَات لأجل الله تَعَالَى وَقد ثَبت أَنهم يرَوْنَ رَبهم وَيسلم عَلَيْهِم ويبشرهم بإحلال رضوانه عَلَيْهِم أبدا وَلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
يثبت مثل هَذَا للْمَلَائكَة وَإِن كَانَ الْمَلَائِكَة يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون فَرب عمل قَلِيل يسير أفضل من تَسْبِيح كثير وَكم من نَائِم أفضل من قَائِم وَقد قَالَ الله تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة} الْبَيِّنَة 98 / 7 أَي خير الخليقة وَالْمَلَائِكَة من خير الخليقة لَا يُقَال الْمَلَائِكَة من الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لِأَن هَذَا اللَّفْظ مَخْصُوص فِي عرف الشَّرْع بِمن آمن من الْبشر فَلَا ينْدَرج فِيهِ الْمَلَائِكَة الْأَبْرَار لعرف الِاسْتِعْمَال
فَإِن قيل لَعَلَّ الْمَلَائِكَة يرَوْنَ رَبهم كَمَا يرَاهُ الْأَبْرَار قلت يمْنَع مِنْهُ عُمُوم قَوْله تَعَالَى {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} الْأَنْعَام 6 / 103 وَقد اسْتثْنِي مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ فَبَقيَ على عُمُومه فِي الْمَلَائِكَة الْأَبْرَار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
فصل فِي مَرَاتِب الْقرب
اعْلَم أَن دَرَجَات الْجنَّة مُخْتَلفَة باخْتلَاف الْأَعْمَال
فَلَيْسَ من عبد الله مُقَدرا أَنه يرى الله كمن عبد الله مُقَدرا أَن الله تَعَالَى يرَاهُ
وَلَيْسَ من عبد الله على خلاف ذَلِك كمن عبد الله كَأَن الله يرَاهُ
وَلِلْمُؤْمنِينَ دَرَجَات فِي الْإِيمَان عليات ودنيات ومتوسطات
وللمجاهدين مئة دَرَجَة فِي الْجنَّة مترتب أَعْلَاهَا على أَعلَى رتب الْجِهَاد وَأَدْنَاهَا على أدناها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
وَكَذَلِكَ رتب الْمُصَلِّين والصائمين والولاة المقسطين وَالشُّهُود الصَّادِقين وَالصَّابِرِينَ على الطَّاعَات والبليات وَعَن الْمعاصِي والمخالفات وعَلى بر الْآبَاء والأمهات والبنين وَالْبَنَات وعَلى هَذِه الدَّرَجَات يَتَرَتَّب سبقهمْ إِلَى الْجنان
فَإِذا تساوى اثْنَان فِي الْإِيمَان والعرفان فَإِن اسْتَويَا فِي مقادير الْإِيمَان الْحَقِيقِيّ أَو الْحكمِي فدرجتهما وَاحِدَة فِيمَا اسْتَويَا فِيهِ وَإِن تَفَاوتا فِي الْكَثْرَة والقلة كَانَت دَرَجَة ذِي الْكَثْرَة من دَرَجَة ذِي الْقلَّة
وَلَو اسْتَوَى اثْنَان فِي عدد الصَّلَاة فَإِن اسْتَويَا فِي كمالها بسننها وآدابها وخضوعها وخشوعها وَفهم أذكارها وقراءتها فهما فِي دَرَجَة وَاحِدَة وَإِن تَفَاوتا فِي ذَلِك كَانَ أكملهما أَعلَى دَرَجَة من أنقصهما
وَإِن اسْتَوَى اثْنَان فِي جِهَاد الدّفع فَإِن اسْتَويَا فِي الْإِخْلَاص وَإِرَادَة إعلاء كلمة الله تَعَالَى وَفِي الْمَدْفُوع عَنهُ فدرجتهما وَاحِدَة وَإِن تَفَاوتا فِي النِّيَّة وَكَثْرَة من قتل أَو فِي شرف الْمَدْفُوع عَنهُ كالدفع عَن الْأَنْبِيَاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
والأولياء كَانَ أشرفهما فِي الدرجَة الْعليا وَالْآخر فِي الدرجَة الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله عز وجل
وَمعنى تفَاوت الدَّرَجَات أَن يكون لكل وَاحِد من العاملين نصِيبه من الْجنَّة دَرَجَات مرتبات على رتب أَعماله عاليات ودانيات ومتوسطات يتَرَدَّد بَينهَا على مَا تشْتَهى نَفسه وتلتذ عينه وَقد صَحَّ أَن الله عز وجل أعد للمجاهدين فِي سَبيله مئة دَرَجَة بَين كل دَرَجَتَيْنِ مئة عَام
وَلَو آمن إِنْسَان قبل مَوته بلحظة لم يكن أجره كَأَجر إِيمَان من آمن قبل مَوته بِيَوْم وَلَا أجر من آمن قبل مَوته بِيَوْم كَأَجر من آمن قبل مَوته بِشَهْر وَلَا أجر من آمن قبل مَوته بِشَهْر كَأَجر من آمن قبل مَوته بعام فَلَيْسَ من طَال عمره فِي الطَّاعَات وَالْإِيمَان كمن قصر عمره وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم خَيركُمْ من طَال عمره وَحسن عمله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت لضر نزل بِهِ فَإِنَّهُ لَا يزِيد أحدكُم عمره إِلَّا خيرا إِمَّا محسن فَيَزْدَاد وَإِمَّا مسيء فيستعتب
ولمثل هَذَا شح الْأَوْلِيَاء على الْأَوْقَات أَن يصرفوها فِي غير الطَّاعَات
وَكَذَلِكَ يَتَرَتَّب عَذَاب جَهَنَّم على ترَتّب هَذِه الْمَفَاسِد وَكَثْرَتهَا وقلتها فالعذاب على الزِّنَا دون الْعَذَاب على الْقَتْل وَالْعَذَاب على أكبر الْكَبَائِر دون الْعَذَاب على الْكفْر وَلَيْسَ من كفر قبل مَوته بلحظة كمن أَقَامَ على الْكفْر يَوْمًا أَو شهرا أَو مئة عَام وَالله أعلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)