‌‌الفرع الأول نشأة الإسناد واعتماده
1 - الرواية في مراحلها الأولى: لقد كان الصحابة رضي الله عنهم في غاية الحرص على سماع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتلقيها، حتى وصل الحال ببعضهم -في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الحرص على الحديث إلى التناوب مع بعض إخوانه في تحمل أمور العيش؛ لتتاح الفرصة لكل منهم بشرف السماع ثم بالنقل لأخيه، واستمرت عادتهم تلك حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أو غيره حينها غير معهود لديهم، ولم يكن يتهم بعضهم بعضًا، فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن البراء بن عازب أنه قال: "ليس كلنا سمع حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ"(1)، وروى كذلك عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "ليس كل ما نحدثكم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سمعناه منه، ولكن حدثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضنا بعضًا"(2).
ورغم كون الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منتف عنهم؛ إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لديهم بعد وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لاحتمال وقوع الخطأ غير المتعمد من بعضهم، ولذلك استحدثوا من وسائل التحري والاحتياط لحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما لم يكن موجودًا في حياته صلى الله عليه وسلم، وكانت فاجعة وفاته صلى الله عليه وسلم هي الأساس في استحداث تلك الوسائل؛ وكان من وسائلهم:
أ- الإشهاد على الرواية: فكتب الصحاح والسنن تروي عن أبي بكر(3) وعمر(4) اشتراطهما على الراوي الإشهاد على ما ينسبه لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حتى عدَّ الذهبي(5) أبا بكر رضي الله عنه أول من احتاط في قبول الأخبار؛ بل نقل الذهبي عن ابن أبي مليكة(1) الكفاية 1/ 385.
(2) المرجع السابق.
(3) وذلك في ميراث الجدة، وطلبه من المغيرة شاهدًا معه على قضاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لها بالسدس. ينظر: جامع الترمذي 4/ 419، وسنن أبي داود 3/ 121.
(4) وذلك في حديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان ثلاثًا؛ كما في صحيح البخاري 5/ 2305، وصحيح مسلم 3/ 1694.
(5) تذكرة الحفاظ 1/ 9.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٦)