النازلة الأولى: المخالفات العقدية في القبور والأماكن؛ للتداوي من وباء كورونا.
من المعتقدات الشركية والمخالفات العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا: هو الاعتقاد أن زيارة قبور الأولياء والصالحين تمنع الإصابة بالوباء، وأن التمسح بالمراقد والمزارات سبب الشفاء من الأمراض والأوبئة، وأنها تدفع البلاء.
فمع وباء كورونا بادر بعض المخالفين إلى اقحام هذا الوباء ضمن الإنشاد الديني عندهم، ففي محافظة سوهاج بمصر ارتجل أحدهم خلال تواجده بمولد الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه، وكان من ضمن ما قاله عن فضل آل البيت: هم شفاء .. ، هم الأطباء من أي كورونا .. ، أتينا رحابك يا شيخ الرجال في ساحة جرجا شدينا الرحال.
وختم برسالة إلى أتباعه ومريدية، فقال: يا مريد لا تخاف من أي كورونا(1).
وفي العراق أصدر أحد مراجع الشيعة وهو قاسم الطائي فتوى دعا فيها إلى الاستمرار بزيارة الأماكن الدينية وإقامة صلوات الجماعة والجمعة، وفي رد على استفسار أرسل إليه من قبل أحد اتباعه بشأن غلق بعض المراقد؛ تحسبا من انتشار فايروس كورونا. فقال: إن الفيروس لا يصيب المؤمنين(2).
كما أبدى رجل الدين الشيعي علي الكوراني غضبه من إغلاق السلطات حرم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من أجل تعقيمه كإجراء احترازي؛ للوقاية من فيروس كورونا.
وجاء ذلك في تسجيل مصور له تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، وقال الكوراني غاضباً: من الأمور التي لا ينقضي تعجبي منها أن حرم أمير المؤمنين رضي الله عنه قد أغلقوا قسماً منه حتى يعقمونه من ميكروب كورونا، وأضاف: الذي مصاب بكورونا يأتي يتمسح بالحرم وسيطيب(3).--------------------------------------------
(1) ينظر: بوابة الوفد https:// rosaelyoussef.com utm_campaign=nabdapp.com&utm_medium=referral&utm_source=nabdapp.com&ocid=Nabd_App
(2) ينظر: موقع قناة الحرة الإخباري https:// www.alhurra.com/ iraq/
(3) ينظر: موقع أورينت نيوز الإخباري https:// orient-news.net/ ar/ news_show
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي:
أولاً: جاءت الآيات الدالة على تحريم دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم عند قبورهم؛ لطلب الشفاعة، أو طلب الشفاء من المرض، أو لرفع البلاء، أو لغير ذلك من الحاجات، وقد نصت الآيات على تحريم هذا العمل؛ لأن هذه الأمور من العبادة، والعبادة كلها لله وحده، كما قال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]، وقال سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)} [الجن: 19] وقال عز وجل: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)} [غافر: 14] وقال سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: 162 - 163]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
يقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن رحمه الله: وفي هذا من الحجج والبراهين ما يبين بطلان ما يعتقده عباد القبور في الأولياء والصالحين. بل في الطواغيت من أنهم ينفعون من دعاهم، ويمنعون من لاذ بحماهم. فسبحان من حال بينهم وبين فهم الكتاب؛ وذلك عدله سبحانه، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه، وبه الحول والقوة(1).
ثانياً: أن الله حذر من صرف شيء من العبادة للمخلوقين؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولو كانوا يملكون شيئاً لأنفسهم لما ماتوا، وما مرضوا، فإذا كانوا لا يملكون ذلك لأنفسهم فكيف يملكونه لغيرهم!!
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194)} [الأعراف: 194]، وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197)} [الأعراف: 197]، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56)} [الإسراء: 56]، وقال عز وجل: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا--------------------------------------------
(1) فتح المجيد، ص (188).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22)} [سبأ: 22]، وقال سبحانه: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)} [فاطر: 13].
ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من اتخاذ القبور وسيلة للشرك وصرف العبادة لغير الله، فعن معاذ رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عُفير، فقال: «يا معاذ، هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا(1)».
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: «فلولا ذاك أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً(2)».
وعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني(3)، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله، ورسوله(4)».
يقول ابن تيمية رحمه الله: فحرم صلى الله عليه وسلم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة، إلا أن--------------------------------------------
(1) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب اسم الفرس والحمار، ح (2856)، (4/ 29)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، ح (30)، (1/ 58).
(2) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ح (1330)، (2/ 88)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، ح (529)، (1/ 376).
(3) الإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، وقيل: أطرى فلان فلانا إذا مدحه بما ليس فيه؛ وذلك أنهم مدحوه بما ليس فيه فقالوا: هو ثالث ثلاثة وإنه ابن الله وما أشبهه من شركهم وكفرهم. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، (3/ 123)، وتهذيب اللغة، الأزهري، (14/ 8).
(4) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} [مريم: 16]، ح (3445)، (4/ 167).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله(1).
ويقول ابن عبدالهادي رحمه الله: فكل زيادة تتضمن فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به كالتي تتضمن الجزع وقول الهجرة، وترك الصبر، أو تتضمن الشرك أو دعاء وترك إخلاص الدين لله فهي منهي عنها(2).
ويقول الشيخ ابن باز رحمه الله: لا يجوز للمسلم أن يتقرب إلى القبور وأصحاب القبور بالذبح أو النذر، نذر الذبائح أو نذر الصدقات، أو ما أشبه ذلك، أو يستغيث بأهل القبور، أو يسألهم قضاء الحاجة، أو شفاء المريض، أو النصر على الأعداء أو حصول الولد، أو ما أشبه ذلك كل هذا لا يجوز، كله من عبادة غير الله، والله سبحانه أنكر ذلك، وأمر عباده أن يعبدوه، قال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، وقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)} [الجن: 19]، وقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} [الفاتحة: 5](3).
رابعاً: أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور أكمل الهدي وأحسنه، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أن دعا صاحب القبر أو توسل به أو استعان به من دون الله في: كشف الضر، أو جلب النفع.
يقول ابن القيم رحمه الله: كان صلى الله عليه وسلم إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته، وشرعها لهم، وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية(4)».
وكان هديه صلى الله عليه وسلم أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت، من الدعاء والترحم والاستغفار. فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجه إليه، بعكس هديه صلى الله عليه وسلم فإنه هدي توحيد وإحسان--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى، (1/ 164).
(2) الصارم المنكي في الرد على السبكي، ص (325).
(3) فتاوى نور على الدرب، (2/ 20).
(4) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، ح (975)، (2/ 671).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم، وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا الميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، تبين له الفرق بين الأمرين(1).--------------------------------------------
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد، (1/ 507 - 508).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
النازلة الثانية: التلفظ بالأدعية والأذكار المخالفة؛ للتداوي من وباء كورونا.
من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هي: الأدعية والأذكار المبتدعة، التي يزعم فيها بعضهم أنها تمنع من الإصابة بالأوبئة، وزعم بعضهم أن المداومة عليها تكون سبباً في رفع البلاء، ومعيناً في الشفاء من الأمراض والأوبئة.
ومن هذه الأدعية والأذكار: ما حدث في المغرب؛ حيث قام عدد من الشخصيات والنشطاء هناك بالخروج في مسيرات جابت شوارع عدد من المدن رافعة شعار «الله أكبر» و «لا إله إلا الله»، زاعمين أن تلك المسيرات يمكن أن تحمى الشعب المغربي من فيروس كورونا(1).
وفي عمان عاصمة الأردن كانت هناك ابتهالات دينية وأدعية على مكبرات مساجد العاصمة؛ لرفع وباء كورونا، وقد بثت مساجد العاصمة الأردنية عمان الأدعية والابتهالات عقب صلاتي المغرب والعشاء، تضرعًا الى الله تعالى؛ لتجاوز وباء فيروس كورونا المُستجد(2).
وانتشرت كذلك دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لإقامة صلاة جماعية بالعديد من دول العالم؛ لرفع بلاء كورونا المستجد، يشارك فيها المسلمين في كل أنحاء المعمورة للدعاء إلى الله؛ للتخلص من فيروس كورونا.
والصلاة ستكون جماعية ركعتين في توقيت موحد على مستوى العالم، يُدعى فيها سبحانه بأن يرفع وباء كورونا عن الأرض ويتضرع له بأن يرحم العالم برحمته(3).
كما نشرت بعض المواقع الإلكترونية أدعية لليلة الإسراء والمعراج لرفع البلاء والوباء من فيروس كورونا، ومن هذه الأدعية: اللهم في تلك اللية المباركة من الإسراء والمعراج تنزل الشفاء على كل مريض يتألم ولم يجد الدواء، وأصرف عنا فيروس كورونا يا أكرم الأكرمين، يا الله يا لطيف بالعباد عجز الأطباء والعلماء عن وجد الدواء فأنت بيدك ملكوت السموات والأرض اشف مرضنا ومرضى المسلمين(4).--------------------------------------------
(1) ينظر: موقع صحيفة اليوم السابع https:// www.youm 7.com/ story/ 2020/ 3/ 23/ %D 8%A 5%D 8%B 3%D 9
(2) ينظر: موقع النشرة الدولية الإخباري https:// alnashraaldawlia.com/
(3) ينظر: موقع صحيفة الوكالة نيوز https:// elwekalanews.net/ 402392
(4) ينظر: موقع دليل الوطن https:// elwatan 140.com/
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
ونشر بعض المواقع أدعية يزعم قائلوها بأنها محصنة من وباء كورونا، منها الدعاء التالي: اللهم سكن هيبة عظيمة قهرمان الجبروت باللطيفة النازلة الواردة من فيضان الملكوت؛ حتى نتشبث بأذيال لطفك وكرمك ونعتصم بك من إنزال قهرك يا ذا القوة الكاملة والقدرة الشاملة يا الله يا الله يا الله، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، اللهم إني أعوذ بك من الطعن والطاعون، والوباء والبلاء وسائر الأمراض والفجاءة، وسوء المنقلب في النفس والأهل والمال والولد(1).--------------------------------------------
(1) ينظر: موقع أهل المنتدى https:// saydatar.ahlamontada.com/ t 23 - topic
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي:
أولاً: أن طريقة فعل هذه الأدعية والأذكار مبتدعة في الدين وليس لها دليل يثبتها أو يؤيدها، والله سبحانه بين أنه قد أكمل الدين وأتم النعمة على المؤمنين كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، أي: أكملت لكم أيها المؤمنون، فرائضي عليكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيي، وحلالي وحرامي، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بيَّنت لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتُها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم(1).
وقد وردت أدلة دالة على وجوب الالتزام بالأذكار الواردة في الكتاب والسنة، كقوله سبحانه: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، أي ادعوا الله بأسمائه التي سمى بها نفسه، أو سماه بها رسوله، ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده: أنه يجوز أن يقال يا جواد، ولا يجوز أن يقال يا سخي، ويجوز أن يقال يا عالم، ولا يجوز أن يقال يا عاقل(2).
قال القاضي عياض رحمه الله: أذن الله في دعائه وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه صلى الله عليه وسلم، وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام؛ فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم(3).
وقال القرطبي رحمه الله: فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه، ولا يقول أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون(4).--------------------------------------------
(1) ينظر: تفسير الطبري، (9/ 518).
(2) ينظر: لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن، (2/ 276).
(3) الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية، ابن علان، (1/ 17).
(4) الجامع لأحكام القرآن، (4/ 231).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
ويقول ابن تيمية رحمه الله: وليس لأحد أن يسن للناس نوعاً من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به؛ بخلاف ما يدعو به المرء أحياناً من غير أن يجعله للناس سنة فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرما لم يجز الجزم بتحريمه؛ لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب، وأما اتخاذ ورد غير شرعي واستنان ذكر غير شرعي: فهذا مما ينهى عنه ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد(1). …
وقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن بعض الأذكار والأدعية التي تقال في غير محلها فقال رحمه الله: هذه الأذكار وإن كانت في أصلها شرعية، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، وقال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]، وقال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء مخ العبادة»(2)، إلا أنها بتحديدها وكيفيتها أخرجت الذكر المشروع إلى غير مشروع، فارتفع اعتبار المشروع الأصلي، وصارت هذه الأذكار من أنواع البدع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة»(3) فهي بدع إضافية(4).
ثانياً: أن الله قد أمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأن أي مخالفة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم هو مخالفة لأمر الله ومثل طريقة هذه الأدعية والأذكار هي من المبتدعات التي لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنها تخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (22/ 511).
(2) رواه الترمذي، ح (3371)، (5/ 316)، والطبراني في الأوسط، ح (3196)، (3/ 292)، وقال الأرناؤوط في حاشية المسند، (30/ 299): حسن لشواهده.
(3) رواه أحمد في المسند، ح (17144)، (28/ 373)، وأبو داود، (4607)، (7/ 16)، والترمذي، (2676)، (4/ 341)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(4) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، (9/ 42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59]، فطاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، واجتناب نهيه، وبعد مماته: اتباع سنته(1).
وقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)} [الأنفال: 20]، أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه(2).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله»(3).
ومعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الأنبياء، وخاتمهم، وأكملهم بلاغًا، ونصحًا لعباد الله، فلو كانت الطريقة في فعل هذه الأدعية والأذكار من الدين لبيَّنه صلى الله عليه وسلم لأمته، أو فعله في حياته، وقد حدث وباء في عهده صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عنه أو عن أصحابه فعل مثل هذه الطريقة في الأدعية، قال صلى الله عليه وسلم: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم»(4).
كما أن كثيراً من الأدعية السابقة خلاف السنة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخير جوامع الدعاء، وكان يغلب على بعضها التكلف في السجع؛ مما قد يحمل الداعي إلى الإتيان بأدعية مخترعة.
وقد كره السلف السجع في الدعاء ونهوا عنه، قال ابن عباس رضي الله عنهما لمولاه عكرمة رحمه الله: «انظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب»(5).
قال القرطبي رحمه الله: ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظاً مقفرة وكلمات مُسجَّعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها؛ فيجعلها شعاره ويترك ما--------------------------------------------
(1) ينظر: زاد المسير، ابن الجوزي، (1/ 423).
(2) ينظر: تفسير الطبري، (13/ 457).
(3) رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، ح (7137)، (9/ 61)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، ح (1835)، (3/ 1466).
(4) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول، ح (1844)، (3/ 1844).
(5) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب ما يكره من السجع في الدعاء ح (6337)، (8/ 74).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء(1).
وقال ابن حجر رحمه الله: في الاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة، أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعاً، أو بطلب معصية، أو يدعو بما لم يؤثر خصوصاً ما وردت كراهته كالسجع المتكلف وترك المأمور(2).
ثالثاً: أن الدعاء عبادة؛ ولذلك يجب أن يتأدب الداعي بأدب العبودية لله في دعائه، ومن الآداب: ألا تعبده بما لم يشرعه، وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه.
فعن أبي نعامة، عن ابن لسعد، أنه قال: سمعني أبي، وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وبهجتها، وكذا، وكذا، وأعوذ بك من النار، وسلاسلها، وأغلالها، وكذا، وكذا، فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها، وما فيها من الشر(3)».
قال ابن القيم رحمه الله: من الاعتداء أن تعبده بما لم يشرعه وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه؛ فإن هذا اعتداء في دعاء الثناء والعبادة، وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب(4).
رابعاً: من المخالفات البدعية في الدعاء: الدعاء الجماعي أو الصلاة الجماعية ثم الدعاء فيها بدعاء بصوتٍ واحد متفق عليه وبطريقة جماعية.
وهذا دعاء بدعي لم يثبت أن فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، ولا أنه كان يذكر ربه ويردد خلفه أصحابه رضي الله عنهم.
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع شيء منها إلا بدليل. وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة … ، ثم ذكر بعض البدع. وقال: ومنها الذكر الجماعي بعد الصلاة؛ لأن--------------------------------------------
(1) الجامع في أحكام القرآن، (7/ 226).
(2) فتح الباري، (8/ 298).
(3) رواه أحمد في مسنده، ح (1584)، (3/ 146)، وأبو داود في السنن، ح (1480)، (2/ 77)، والطبراني في الدعاء، (56)، ص (37)، وقال الألباني، في الصحيحة، (7/ 352): صحيح.
(4) بدائع الفوائد، (2/ 14).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردا(1).
وقال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: الذكر الجماعي بصوت واحد سراً أو جهراً لترديد ذكر معين وارد أو غير وارد، سواء كان من الكل، أو يتلقونه من أحدهم، مع رفع الأيدي أو بلا رفع لها، كل هذا وصف يحتاج إلى أصل شرعي يدل عليه من الكتاب والسنة؛ لأنه داخل في عبادة، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الإحداث والاختراع؛ ولهذا نظرنا في الأدلة في الكتاب والسنة: فلم نجد دليلاً يدل على هذه الهيئة المضافة، فتحقق أنه لا أصل له في الشرع المطهر، وما لا أصل له في الشرع فهو بدعة، إذاً فيكون الذكر، والدعاء الجماعي بدعة، يجب على كل مسلم مقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم تركها، والحذر منها، وأن يلتزم بالمشروع(2).--------------------------------------------
(1) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، ص (336).
(2) تصحيح الدعاء، ص (134).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
النازلة الثالثة: التوسل بغير الله؛ لرفع بلاء وباء كورونا.
من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هي: التوسل بغير الله، ومن ذلك التوسل ببعض الأعمال البدعية مثل قراءة كتب الحديث النبوي، والتي يزعم بعضهم أن فعلها يكون لرفع وباء كورونا، وسبباً في الشفاء من الأمراض والأوبئة الأخرى.
فقد قال أحد الأعضاء بدار الإفتاء المصرية عبر البث المباشر لدار الإفتاء على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: أن صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله وهو علامة على الرواية المتقنة والتوثيق السليم.
وذكر قول عبد الله بن أبي جمرة(1): ما قرأ هذا الكتاب في كرب إلا وفرجه الله، وما قرأ في مركب إلا ونجت من الغرق.
وبين أن هذه مجرد تجارب ناجحة مرجعها أن صحيح البخاري به كثير من الأحاديث، ومع كل قراءة لحديث منها يرافقها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي سبب في كل دفع كل بلاء ووباء ونصر.
وأضاف أن العديد من الأئمة يعتقد ذلك منذ قديم الأزل كالإمام تقي الدين السبكي، وابن الحافظ، وزيد الدين العراقي، وأئمة المسلمين عبر القرون من غير نكير لهم؛ فكان لرواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل كبير عند عامة الناس وعلمائهم.
وأشار إلى أن الإمام البخاري كان مستجاب الدعوة؛ فيحكي الحافظ ابن أبي علي الغساني أنه عندما أصاب سمرقند قحط شديد، ذهب الناس إلى ضريح الإمام البخاري وصلوا عنده صلاة استسقاء متضرعين إلى الله بالدعاء إلى أن نزل الماء منهمر لأيام طوال.
وأفاد بأن صحيح البخاري مما يستحب الاستعانة به في دفع البلاء، إضافة إلى صلاة الحاجة، وغيرها من الأعمال الصالحة(2).
ونشر أحد الباحثين في أحد المواقع مقال بعنوان: إتحاف النبلاء بحكم قراءة كتب الحديث؛ لرفع البلاء، ومما جاء في مقاله:--------------------------------------------
(1) عبد الله بن أبي جمرة المالكي أبو محمد خطيب غرناطة، روى عن أبي الربيع بن سالم بالإجازة، وأقام مدة بسبتة وولي خطابة غرناطة في أواخر عمره، خطب يوم الجمعة وخر من المنبر ميتا، وذلك سنة: (710 هـ). ينظر: الوافي بالوفيات، الصفدي، (17/ 62).
(2) ينظر: موقع صدى البلد https:// www.elbalad.news/ 4244051
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
كان من عمل العلماء فيما مضى، من أهل الحديث والنظر والتصوف أنهم يستجلبون البركات، ويستنزلون الرحمات، لدفع الكربات، وتفريج الشدائد والملمات، بقراءة كتب الحديث المباركات، فكانوا يجتمعون عند الشدائد للتبرك بقراءة كتب السنة المشرفة؛ بنية دفع الضر ورفع البلاء واستجلاب النصر(1).--------------------------------------------
(1) ينظر: موقع رابطة العلماء السوريين https:// islamsyria.com/ site/ show_articles/ 13696
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
التوجيه العقدي لهذه النازلة كالآتي:
أولاً: أن الله أرشد عباده في ضروراتهم وحاجاتهم إلى إخلاص الدعاء له وحده سبحانه دون غيره، كما قال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة: 186]، وقال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60]، وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)} [النمل: 62].
يقول ابن القيم رحمه الله: إن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه؛ لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله. بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد، ولا توسط سؤاله وطلبه.
بل قدر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد، ثم أمره بسؤاله والطلب منه؛ إظهارا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة، واعترافا بعز الربوبية وكمال غنى الرب، وتفرده بالفضل والإحسان، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئاً؛ لكن ربه تعالى يحب أن يسأل، ويرغب إليه، ويطلب منه(1).
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمر بتلاوة القرآن أو قراءة شيء من الحديث عند دفع الضر أو جلب النفع أو مقاومة العدو، وإنما كان يأمر بالدعاء، وكان يرشد إلى الدعاء بفعله وقوله، فقد قال صلى الله عليه وسلم في الاستنصار: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم(2)»، وقال صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا(3)».
ثالثاً: أن ذلك لم يكن من هدي الصحابة وهم أشد الناس تعظيمًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم يكونوا يتعبدون بتلاوة الحديث إلا للحفظ والتبليغ، بل لم يكونوا يأمرون الناس بتلاوة القرآن إذا نزلت--------------------------------------------
(1) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، (3/ 101 - 102).
(2) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب: لا تمنوا لقاء العدو، ح (3024)، (4/ 63)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، ح (1742)، (3/ 1362).
(3) رواه البخاري في أبواب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، ح (1014)، (2/ 28)، ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، ح (897)، (2/ 612).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
بهم ضرورة أو خافوا عدوًا، وقد نزلت بهم شدائد مِن: قحط، ومرض، وطاعون، وغزو عدو، فلم يلجأوا إلا إلى الله في مثل هذه الأحوال، وكذلك السلف الصالح من القرون المفضلة لم يؤثر على أحد منهم التعبد بتلاوة الحديث أو غيره من الكتب.
رابعاً: أن التوسل في أصله ينقسم إلى قسمين: التوسل المشروع: وهذا القسم يشمل أنواعاً منها: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، والتوسل إلى الله تعالى بذكر وعده جل وعلا، كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} [آل عمران: 194]، ومنه أن يقول الداعي: اللهم إنك وعدت من دعاك بالإجابة، فاستجب دعائي. وكذلك التوسل إلى الله تعالى بأفعاله جل وعلا، كأن يقول: اللهم يا من نصرت محمداً صلى الله عليه وسلم يوم بدر انصرنا على القوم الكافرين، أو أن يتوسل العبد إلى الله تعالى بعباداته القلبية، أو الفعلية، أو القولية، أو غيرها، كما في قصة الثلاثة أصحاب الغار، فأحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله تعالى بإعطاء الأجير أجره كاملاً بعد تنميته له، والثالث توسل إلى الله تعالى بتركه الفاحشة، وقال كل واحد منهم في آخر دعائه: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه»(1)، أو أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله، وأنه محتاج إلى رحمة الله وعونه، كما في دعاء موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)} [القصص: 24]، أو التوسل بدعاء الصالحين رجاء أن يستجيب الله دعاءهم. وذلك بأن يطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو له، كما طلب عمر رضي الله عنه ومعه الصحابة رضي الله عنهم من العباس رضي الله عنه أن «يستسقي لهم»(2)، أي أن يدعو الله أن يغيثهم بنزول المطر.
فهذه التوسلات كلها صحيحة؛ لأنه قد ثبت في النصوص ما يدل على مشروعيتها، وأجمع أهل العلم على ذلك.(3)--------------------------------------------
(1) رواه البخاري كتاب البيوع، باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي، ح (2215)، (2/ 97)، ومسلم في كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال ح (2743)، (4/ 2099).
(2) رواه البخاري في أبواب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، ح (1010)، (2/ 27).
(3) ينظر: مجموع الفتاوى، (27/ 131 - 133)، واقتضاء الصراط المستقيم، (2/ 318)، ومجموع فتاوى بن باز، (4/ 319 - 320)، ومجموع فتاوى بن عثيمين، (5/ 280 - 288).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
أما التوسلات المحرمة فهي: أن يتوسل إلى الله تعالى بذات نبي أو عبد صالح، أو الكعبة، أو غيرها من الأشياء الفاضلة، أو أن يتوسل بحق نبي أو عبد صالح أو الكعبة أو غيرها، أو أن يتوسل بجاه نبي أو عبد صالح أو بركته أو حرمته أو بحق قبره ونحو ذلك.
فلا يجوز للمسلم أن يدعو الله تعالى بشيء من هذه التوسلات؛ فلم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء .. ، ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية، والدعاء مخ العبادة. والعبادة مبناها على السنة والاتباع لا على الأهواء والابتداع، وإنما يعبد الله بما شرع لا يعبد بالأهواء والبدع(1).--------------------------------------------
(1) ينظر: مجموع الفتاوى، (27/ 83 - 87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
النازلة الرابعة: التنزيل الخاطئ للأدلة الشرعية عند حلول وباء كورونا.
من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هو: التنزيل الخاطئ للأدلة الشرعية؛ ليُستدل بها على وقائع أو أحداث، دون الاستناد على دليل صحيح من الكتاب والسنة، بل قد تكون مخالفة لمفهوم ومنطوق أدلة الكتاب والسنة، ومثال ذلك: الاستدلال على أن فيروس كورونا هو جند من جنود الله.
يقول أحد زعماء الأحزاب في المغرب: أن سبب انتشار فيروسات كورونا يعود إلى تخلي الإنسان عن وظيفته، فتغضب لله وتنتقم لله، فهي جند من جنود الله يسخرها الله سبحانه وتعالى ليؤدب بها الإنسان؛ ليرجع إلى مولاه(1).
ويقول أحد أعضاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر: إن فيروس كورونا من جنود الله غير المرئية؛ لكسر غرور العالم. لافتًا إلى أن ما يحدث من انتشار المرض هو نوع من التحذير وليس الإفناء، ولا داعي للفزع(2).
وقال أحد الوعاظ في المغرب: إن الفيروس هو بلاء ورسالة من الله للعباد. مضيفاً: أن الله عز وجل أراد بهذا المرض أن يذل الجبابرة والفراعنة بفيروس صغير، الذي يعتبر جنداً من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو، وفق تعبيره(3).
وقال أحد الباحثين في أحد المواقع: هذه الفيروسات على اختلاف أنواعها -ومنها فيروس كورونا المستجد- معدودةٌ من جند الله تعالى وإن لم تكن كائنات حية؛ لأنها جميعا من مخلوقات الله تعالى، يسلطها على من شاء متى شاء كيفما شاء، ويرفعها أو يدفعها أو يمنعهما عمن شاء وفق حكمته البالغة وإرادته النافذة، وما من شيء يقع في الكون إلا بإذن الله ومشيئته(4).--------------------------------------------
(1) ينظر: موقع الصباح https:// assabah.ma/ 453838.html
(2) ينظر: صحيفة الشروق https:// www.shorouknews.com/ news/ view.aspx? cdate=01042020&id=f 63 bc 3 cc-c 607 - 4 caf-8734 - 8 da 01 ffd 2690
(3) ينظر: موقع هبة برس https:// ar.hibapress.com/ details-214871.html
(4) ينظر: موقع هوية بريس http:// howiyapress.com/
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي:
أولاً: لا يصح وصف وباء كرونا بأنه جند من جنود الله؛ لأن الآية: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31]، جاءت في سياق وصف للملائكة بهذا الوصف، وليس هناك دليل أو مسوغ شرعي يدل على خلاف هذا الوصف، وهذا القول هو ما ذكره العلماء من أهل التفسير وغيرهم بأن الآية لا تأتي إلا في وصف الملائكة والاستدلال بهم.
ومن الأدلة التي توضح هذا الأمر ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم ليلة أسري به قال: «تصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا، فإذا أنا بملك، يقال له: إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف»، وتلا هذه الآية: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31](1).
قال عطاء رحمه الله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} من الملائكة الذين خلقهم؛ لتعذيب أهل النار، ولا يعلم عدتهم إلا الله(2).
وقال القرطبي رحمه الله: وهم الملائكة، يقوون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال(3).
وقال ابن عطيه رحمه الله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}: إعلاماً بأن الأمر فوق ما يتوهم وأن الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها، والسماء كلها عامرة بأنواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم وطاعة لا فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة(4).
وقال ابن تيمية رحمه الله في تفسير الآية: الذي في الكتاب والسنة من ذكر الملائكة وكثرتهم أمر لا يحصر(5).--------------------------------------------
(1) رواه الطبري في التفسير، (17/ 354)، والطبراني في الأوسط، ح (7097)، (7/ 138)، والآجري في الشريعة، ح (1027)، (3/ 1529).
(2) ينظر: معالم التنزيل، البغوي، (5/ 178)، وزاد المسير، ابن الجوزي، (4/ 364).
(3) الجامع لأحكام القرآن، (8/ 101).
(4) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، (5/ 397).
(5) مجموع الفتاوى، (4/ 120).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
وقال رحمه الله أيضاً: هم الملائكة الذين هم عباد الرحمن الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض، وأولئك لا يعلم عددهم إلا الله، ولا يعلم صفتهم غيره، ولا يعلم كيف يأمرهم يفعلون إلا هو، قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}(1).
وقال ابن كثير رحمه الله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}، أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى؛ لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة ومن الفلاسفة اليونانيين. ومن تابعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة، التي اخترعوا دعواها وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا صدر هذه الآية وقد كفروا بآخرها(2).
ثانياً: أن نسبة الجند إلى الله هي نسبة من جنس الإضافة التشريفية، وقد اختص الله الملائكة بهذه الإضافة الشريفة في القرآن الكريم فكان لها مزية وشرف على غيرهم من الجنود، مع أنهم من خلق الله؛ ولكن لأن الله أضافهم إلى نفسه فقد شرفوا بهذه الإضافة.
قال ابن القيم رحمه الله: فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه؛ لكنها تقتضي تخصيصاً أو تشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره .. ، وهذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه(3).
وقال ابن عثيمين رحمه الله: والمضاف إلى الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون أوصافاً؛ أو أعياناً؛ أو ما يتعلق بأعيان مخلوقة؛ فإذا كان المضاف إلى الله وصفاً فهو من صفاته غير مخلوق، مثل كلام الله، وعلم الله؛ وإذا كان المضاف إلى الله عيناً قائمة بنفسها فهو مخلوق وليس من صفاته، مثل مساجد الله، وناقة الله، وبيت الله؛ فهذه أعيان قائمة بنفسها إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق لخالقه على وجه التشريف؛ ولا شيء من المخلوقات يضاف إلى الله عز وجل إلا لسبب خاص به؛ ولولا هذا السبب ما خص بالإضافة؛ وإذا كان المضاف إلى الله ما يتعلق بأعيان مخلوقة فهو أيضاً مخلوق؛ وهذا مثل قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)} [الحجر: 29]؛ فإن الروح هنا مخلوقة؛ لأنها تتعلق بعين--------------------------------------------
(1) مرجع سابق، (5/ 234).
(2) تفسير القرآن العظيم، (8/ 270).
(3) ينظر: الروح، ابن القيم، ص (154)، بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)