وعن هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله: «وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يُرد بأسُه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند.
قال الإمام أحمد رحمه الله … عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ عز وجل يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثم تلا قوله عز وجل: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]»(1).
وقال بعض السلف: «إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه، وأنت مقيم على معاصيه فاحذره؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به، وقد قال تَعَالَى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 33 - 35]. وقد رد سُبْحَانَهُ على من يظن هذا الظن بقوله: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا} [الفجر: 15 - 17] أي: ليس كل من أنعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته، وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته، بل ابتلي هذا بالنعم، وأكرم هذا بالابتلاء.--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد، رقم الحديث: (17584)، والطبراني في الأوسط، رقم الحديث (9272)، والبيهقي في الشعب، رقم الحديث: (4220) حكم الألباني: إسناده جيد، مشكاة المصابيح، رقم الحديث: (5201).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 28)