قال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها. ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة يقرأ في الأولى سورة السجدة وفي الثانية {هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ} . وصلاة العيد في الأولى {ق} وفي الثانية {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} . وركعتي الفجر في الأولى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثانية {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . وركعات الوتر في الأولى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وفي الثانية {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثالثة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين.
ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلي الأولى أو خالف الترتيب فقرأ سورة قبلها جاز فقد جاءت بذلك آثار كثيرة. وقد قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الركعة الأولى من الصبح بالكهف وفي الثانية بيوسف.
وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف. وروى ابن أبي داود عن الحسن أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه في المصحف. وبإسناده الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له: إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال: ذلك منكوس القلب.
وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعا متأكدا لأنه يذهب بعض ضروب الإعجاز ويزيل حكمة ترتيب الآيات. وقد روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي الجليل وعن الإمام مالك بن أنس أنهما كرها ذلك وأن مالكا كان يعيبه ويقول: هذا عظيم. وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن وليس هذا من الباب فإن ذلك قراءة متفاضلة في أيام متعددة على ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم والله أعلم اهـ رحمه الله.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٥٩)
شبهتان خفيفتان:
الشبهة الأولى يقولون: كيف كان ترتيب القرآن توقيفيا مع أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة؟.
والجواب أن هذه الشبهة لا ترد على القائلين بأن ترتيب السور كلها اجتهادي أما القائلون بأن منه اجتهاديا ومنه توقيفيا فمن السهل الجواب عنهم بأن الاختلاف بين الصحابة وقع في القسم الاجتهادي لا التوقيفي. وأما القائلون بأن ترتيب السور كله توقيفي فيمكن الجواب عنهم بأنهم اختلفوا فيما اختلفوا قبل أن يعلموا التوقيف فيه. ولما جمع عثمان القرآن على هذا الترتيب علموا ما لم يكونوا يعلمونه ولذلك تركوا ترتيب مصاحفهم وأخذوا بترتيب عثمان. ويهون الأمر في اختلاف مصاحفهم أنها كانت مصاحف فردية لم يكونوا يكتبونها للناس إنما كانوا يكتبونها لأنفسهم فبدهي أن الواحد منها لم يثبت فيها إلا ما وصل إليه بمجهوده الفردي وقد يفوته ما لم يفت سواه من تحقيق أدق أو علم أوسع. ولهذا كان يوجد بتلك المصاحف الفردية بعض آيات قد تكون منسوخة وربما لم يبلغ صاحب ذاك المصحف نسخها. وقد يهمل صاحب المصحف إثبات صورة لشهرتها وغناها بهذه الشهرة عن الإثبات كما ورد أن مصحف ابن مسعود لم تكن به الفاتحة. وقد يكتب صاحب المصحف ما يرى أنه بحاجة إليه من غير القرآن في نفس المصحف كما تقدم ذلك في قنوت الحنفية الذي روى أن بعض الصحابة كان قد كتبه بمصحفه وسماه سورة الخلع والحفد.
الشبهة الثانية يقولون: كيف يكون ترتيب القرآن توقيفيا على حين أن رواية ابن عباس السابقة تصرح بأن عثمان لم يسمع في شأن ترتيب الأنفال مع براءة شيئا إنما هو اجتهاد ونظر منه؟.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٠)
والجواب: أن هذه الشبهة لا ترد على القول بأن الترتيب اجتهادي ولا على القول بأن منه اجتهاديا ومنه توقيفيا. أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن اجتهاد عثمان كان فيما لم يرد فيه توقيف من الشارع.
أما القول بأن ترتيب السور كله توقيفي فقد أجابوا على هذه الشبهة بجوابين:
أولهما: أن حديث ابن عباس هذا غير صحيح لأن الترمذي وهو راويه قال في تخريجه: إنه حسن غريب لا يعرف إلا من طريق يزيد الفارسي عن ابن عباس. ويزيد هذا مجهول الحال فلا يصح الاعتماد على حديثه الذي انفرد به في ترتيب القرآن.
ثانيهما: أنه على فرض صحته يجوز أن جواب عثمان لابن عباس كان قبل أن يعلم بالتوقيف ثم علمه بعد ذلك. لكن يرد على هذا الجواب ان الرواية تفيد أن جواب عثمان هذا كان بعد جمع القرآن وترتيب سوره فكيف كان توقيفيا وعثمان هو الجامع والمرتب ولا يعلم دليل التوقيف؟.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦١)
المبحث العاشر: في كتابة القرآن ورسمه ومصاحفه وما يتعلق بذلك
1- الكتابة
معروف أن الأمة العربية كانت موسومة بالأمية مشهورة بها لا تدري ما الكتابة ولا الخط. وجاء القرآن يتحدث عن أميتها هذه فقال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} .
ولن يشذ عن هذه القاعدة إلا أفراد قلائل في قريش تعلموا الخط ودرسوه قبيل الإسلام
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦١)
وكأن ذلك كان إرهاصا من الله وتمهيدا لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وتقرير دين الإسلام وتسجيل الوحي المنزل عليه بالقرآن لأن الكتابة أدعى إلى حفظ التنزيل وضبطه وأبعد عن ضياعه ونسيانه.
وكادت تتفق كلمة المؤرخين على أن قريشا في مكة لم تأخذ الخط إلا عن طريق حرب بن أمية بن عبد شمس. لكنهم اختلفوا فيمن أخذ عنه حرب. فرواية أبي عمرو الداني تذكر أنه تعلم الخط من عبد الله بن جدعان وفيها يقول زياد بن أنعم قلت لابن عباس معاشر قريش هل كنتم تكتبون في الجاهلية بهذا الكتاب العربي تجمعون فيه ما اجتمع وتفرقون فيه ما افترق هجاء بالألف واللام والميم والشكل والقطع وما يكتب به اليوم؟ قال ابن عباس: نعم. قلت: فمن علمكم الكتابة؟ قال حرب بن أمية قلت: فمن علم حرب بن أمية؟ قال عبد الله بن جدعان قلت: فمن علم عبد الله بن جدعان؟ قال: أهل الأنبار قلت: فمن علم أهل الأنبار؟ قال: طارئ طرأ عليهم من أهل اليمن من كندة قلت: فمن علم ذلك الطارئ؟ قال: الخلجان بن الموهم كان كاتب هود نبي الله عز وجل.
أما رواية الكلبي فتقص علينا أن حربا تعلم الكتابة من بشر بن عبد الملك وفيها يقول عوانة: أول من كتب بخطنا هذا وهو الجزم مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة وكذا عامر بن جدرة وهم من عرب طيىء تعلموه من كاتب الوحي لسيدنا هود عليه السلام ثم علموه أهل الأنبار ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرهما. فتعلمها بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل وكان له صحبة بحرب بن أمية لتجارته عندهم في بلاد العراق فتعلم حرب منه الكتابة ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان فتعلم منه جماعة من أهل مكة اهـ.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٢)
ومن هنا وجد عدد يحذق الخط والكتابة قبيل الإسلام ولكنهم نزر يسير بجانب تلك الكثرة الغامرة من الأميين. وفي ذلك يمتن رجل من أهل دومة الجندل على قريش فيقول:
لا تجحدوا نعماء بشر عليكمو … فقد كان ميمون النقيبة أزهرا
أتاكم بخط الجزم1 حتى حفظتمو … من المال ما قد كان شتى مبعثرا
فأجريتم الأقلام عودا وبدأة … وضاهيتمو كتاب كسرى وقيصرا
وأغنيتمو عن مسند الحي حمير … وما زبرت في الصحف أقلام حميرا
أولئك أهل مكة. أما أهل المدينة فكان بينهم أهل الكتاب من اليهود وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها يهودي يعلم الصبيان الكتابة وكان فيها بضعة عشر رجلا يحذقون الكتابة منهم المنذر بن عمرو وأبي بن وهب وعمرو بن سعيد وزيد بن ثابت الذي تعلم كتابة اليهود بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم.
شأن الكتابة في الإسلام:
ثم جاء الإسلام فحارب فيما حارب أمية العرب وعمل على محوها وطفق يرفع من شأن الكتابة ويعلي من مقامها. وإن كنت في شك فهذه أوائل آيات نزلن من القرآن الكريم يشيد الحق فيها بالقلم وما يعلم الله عباده بوساطة القلم إذ يقول جلت حكمته: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى أن قال: {وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .
وهذه سورة ن يحلف العلي الأعلى فيها بالقلم وما يسطرون إذ يقول: {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} . وهذا من أروع ألوان التنبيه إلى جلال الخط والكتابة ومزاياهما.1 سمي بالجزم لأنه جزم- أي قطع- من الخط المسمى بالمسند، وهو خط حمير.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٣)
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع أصحابه دفعا إلى أن يتعلموا الخط ويحذقوا الكتابة ويهيىء لهم السبل بكل ما يستطيع من وسيلة مشروعة.
حتى لقد ورد أن المسلمين في غزوة بدر أسروا ستين مشركا فكان مما يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم في فداء الواحد منهم أن يعلم عشرة من أصحابه الكتابة والخط. وهكذا أعلن الرسول بعمله هذا أن القراءة والكتابة عديلان للحرية وهذا منتهى ما تصل إليه الهمم في تحرير شعب أمي من رق الأمية.
وبمثل هذه الطريقة أخذت ظلمات الأمية تتبدد بأنوار الإسلام شيئا فشيئا وحل محلها العلم والكتابة والقراءة.
وهذا من أدل الأدلة على أن الإسلام دين العلم والحضارة والمدنية.
النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ويكتب:
حتى لقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم عرف القراءة والكتابة في آخر أمره بعد أن قامت حجته. وعلت كلمته وعجز العرب في مقام التحدي عن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الذي جاء به وكأن الحكمة في ذلك هي الإشارة إلى شرف الخط والكتابة. وأن أمية الرسول صلى الله عليه وسلم في أول أمره إنما كانت حالا وقتية اقتضاها إقامة الدليل والإعجاز واضحا على صدق محمد في نبوته ورسالته وأنه مبعوث الحق إلى خليقته ولو كان وقتئذ كاتبا قارئا وهم أميون لراجت شبهتهم في أن ما جاء به نتيجة اطلاع ودرس وأثر نظر في الكتب وبحث.
وفي هذا المعنى يقول سبحانه: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٤)
الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} .
قال العلامة الألوسي بعد تفسيره لهذه الآية ما نصه: واختلف في أنه صلى الله عليه وسلم أكان بعد النبوة يقرأ ويكتب أم لا فقيل إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة واختاره البغوي في التهذيب وقال: إنه الأصح. وادعى بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب1 تعرف الكتابة حينئذ. وروى ابن أبي شيبة وغيره: ما مات صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ ونقل هذا للشعبي فصدقه وقال: سمعت أقواما يقولونه وليس في الآية ما ينافيه. وروى ابن ماجه عن أنس قال: قال صلى الله عليه وسلم: "رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر".
ثم قال: ويشهد للكتابة أحاديث في صحيح البخاري وغيره كما ورد في صلح الحديبية: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث.
وممن ذهب إلى ذلك أبو ذر عبد بن أحمد الهروي وأبو الفتح النيسابوري وأبو الوليد الباجي من المغاربة وحكاه عن السمناني. وصنف فيه كتابا وسبقه إليه ابن منية. ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب به إلى علماء الأطراف فأجابوا بما يوافقه ومعرفة الكتاب بعد أميته صلى الله عليه وسلم لا تنافي المعجزة بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم.1 لعل مراده بهذه الكلمة، ظهور فساد الارتياب وأنه لا قيمة له.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٥)
وقد رد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله كتب فمعناه أمر بالكتابة كما يقال: كتب السلطان بكذا لفلان. وتقديم قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِهِ} على قوله سبحانه: {وَلا تَخُطُّهُ} كالصريح في أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتب مطلقا.
وكون القيد المتوسط راجعا لما بعده غير مطرد. وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده فقال: يفهم من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان قادرا على التلاوة والخط بعد إنزال الكتاب ولولا هذا الاعتبار لكان الكلام خلوا عن الفائدة. وأنت تعلم أنه لو سلم ما ذكره من الرجوع لا يتم أمر الإفادة إلا إذا قيل بحجية المفهوم والظان ممن لا يقول بحجيته.
ثم قال الألوسي في تفنيد هذه الردود ما نصه:
ولا يخفى أن قوله عليه الصلاة والسلام: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" ليس نصا في استمرار نفي الكتابة عنه عليه الصلاة والسلام. ولعل ذلك باعتبار أنه بعث عليه الصلاة والسلام وهو وأكثر من بعث إليهم وهو بين ظهرانيهم من العرب أميون لا يكتبون ولا يحسبون فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد. وأما ما ذكر من تأويل كتب بأمر بالمكاتبة فخلاف الظاهر. وفي شرح صحيح مسلم للنووي عليه الرحمة نقلا عن القاضي عياض إن قوله في الرواية التي ذكرناها: ولا يحسن يكتب فكتب كالنص في أنه صلى الله عليه وسلم كتب بنفسه فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه ثم قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا. فالله تعالى أعلم اهـ.
وأقول إن التشنيع ليس من دأب العلماء ولا من أدب الباحثين. والمسألة التي نحن بصددها مسألة نظرية. والحكم في أمثالها يجب أن يكون لما رجح من الأدلة لا للهوى
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٦)
والشهوة. ونحن إذا استعرضنا حجج هؤلاء وهؤلاء نلاحظ أن أدلة أميته صلى الله عليه وسلم قطعية يقينية.
وأن أدلة كونه كتب وخط بيمينه ظنية غير يقينية ولم يدع أحد أنها قطعية يقينية. ثم إن التعارض ظاهر فيما بين هذه وتلك. غير أنه تعارض ظاهري يمكن دفعه بأن نحمل أدلة الأمية على أولى حالاته صلى الله عليه وسلم وأن نحمل أدلة كتابته على أخريات حالاته وذلك جمعا بين الأدلة. ولا ريب أن الجمع بينها أهدى سبيلا من إعمال البعض وإهمال البعض ما دام في كل منها قوة الاستدلال وما دام الجمع ممكنا على أية حال. أما لو لم يمكن الجمع فلا مشاحة حينئذ في قبول القطعي ورد الظني لأن الأول أقوى من الثاني {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} . هذا هو الميزان الصحيح لدفع التعارض والترجيح فاحكم به عند الاختلاف والاشتباه {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} .
كتابة القرآن:
بعد ما قصصنا عليك من تلك الفذلكة التاريخية في الخطوط والكتابة العربية نلفت نظرك إلى أن كتابة القرآن وفيناها بحثها في مبحث جمع القرآن من ص 232 إلى ص 256 وذكرنا هناك كيف كتب القرآن؟ وفيم كتب؟ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم على عهد عثمان رضي الله عنهما.
ومنه تعلم أن عناية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكتابة القرآن كانت عناية فائقة يدلك على هذه العناية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كتاب يكتبون الوحي منهم الأربعة الخلفاء ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وأرقم بن أبي وحنظلة بن الربيع وغيرهم. فكان صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه شيء يدعو أحد كتابه هؤلاء ويأمره بكتابة ما نزل عليه ولو كان كلمة كما روي أنه
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٧)
لما نزل عليه قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} قال ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش: يا رسول الله إنا أعميان فهل لنا رخصة؟ فأنزل الله {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ائتوني بالكتف والدواة" وأمر زيدا أن يكتبها. فكتبها فقال زيد كأني أنظر إلى موضعها عند صدع الكتف. ورواية البخاري اقتصرت هنا على عبد الله بن أم مكتوم وليس فيها ابن جحش.
ولعلك لم تنس حديث ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: "ضعوا هذه في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا". وقوله صلى الله عليه وسلم: "من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه" وقول أبي بكر لزيد بن ثابت: إنك رجل شاب لا نتهمك. وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
أضف إلى ذلك أن الصحابة كانوا يكتبون القرآن فيما يتيسر لهم حتى في العظام والرقاع وجريد النخل ورقيق الحجارة ونحو ذلك مما يدل على عظيم بلائهم في هذا الأمر الجلل رضي الله عنهم أجمعين.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٨)
ب - رسم المصحف
رسم المصحف يراد به الوضع الذي ارتضاه عثمان رضي الله عنه في كتابة كلمات القرآن وحروفه. والأصل في المكتوب أن يكون موافقا تمام الموافقة للمنطوق من غير زيادة ولا نقص ولا تبديل ولا تغيير. لكن المصاحف العثمانية قد أهمل فيها هذا الأصل فوجدت بها حروف كثيرة جاء رسمها مخالفا لأداء النطق وذلك لأغراض شريفة ظهرت وتظهر لك فيما بعد.
وقد عني العلماء بالكلام على رسم القرآن وحصر تلك الكلمات التي جاء خطها على غير مقياس لفظها. وقد أفرده بعضهم بالتأليف منهم الإمام أبو عمرو الداني إذ ألف فيه كتابه المسمى المقنع. ومنهم العلامة أبو عباس المراكشي إذ ألف كتابا أسماه: عنوان الدليل في رسوم خط التنزيل. ومنهم العلامة الشيخ محمد بن أحمد الشهير بالمتولي إذ نظم أرجوزة سماها اللؤلؤ المنظوم في ذكر جملة من المرسوم ثم جاء العلامة المرحوم الشيخ محمد خلف الحسيني شيخ المقارىء بالديار المصرية فشرح تلك المنظومة وذيل الشرح بكتاب سماه مرشد الحيران إلى معرفة ما يجب اتباعه في رسم القرآن.
قواعد رسم المصحف:
وللمصحف العثماني قواعد في خطه ورسمه حصرها علماء الفن في ست قواعد وهي الحذف والزيادة والهمز والبدل والفصل والوصل وما فيه قراءتان فقرئ على إحداهما. وهاك شيئا عنها بالإجمال ليكون الفرق بينها وبين مصطلح الخطوط في عصرنا على بال منك:-
قاعدة الحذف: خلاصتها أن الألف تحذف من ياء النداء نحو {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٩)
ومن ها التنبيه نحو {هَا أَنْتُمْ} ومن كلمة نا إذا وليها ضمير نحو {أَنْجَيْنَاكُمْ} 1 ومن لفظ الجلالة {اللَّهِ} ومن كلمة {إِلَهَ} ومن لفظي {الرَّحْمَنِ وَسُبْحَانَ} وبعد لام نحو كلمة {خَلائِفَ} وبين اللامين في نحو {الْكَلالَةِ} ومن كل مثنى نحو {رَجُلانِ} ومن كل جمع تصحيح لمذكر أو لمؤنت نحو {سَمَّاعُونَ} {الْمُؤْمِنَاتِ} ومن كل جمع على وزن مفاعل وشبهه نحو {الْمَسَاجِدِ} {وَالنَّصَارَى} ومن كل عدد نحو {ثَلاثَ} . ومن البسملة ومن أول الأمر من سأل وغير ذلك إلا ما استثني من هذا كله.
وتحذف الياء من كل منقوص منون رفعا وجرا نحو {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} .
ومن هذه الكلمات {وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُونِ، وَخَافُونِ، فَارْهَبُونِ، فَأَرْسِلُونِ، فَاعْبُدُونِ} إلا ما استثني.
وتحذف الواو: إذا وقعت مع واو أخرى في نحو: {لا يَسْتَوُونَ، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} .
وتحذف اللام: إذا كانت مدغمة في مثلها نحو: الليل والذي إلا ما استثني.
وهناك حذف لا يدخل تحت قاعدة كحذف الألف من كلمة مالك وكحذف الياء من إبراهيم وكحذف الواو من هذه الأفعال الأربعة: ويدعو الإنسان ويمحو الله الباطل يوم يدعو الداع سندعو الزبانية.
قاعدة الزيادة. خلاصتها أن الألف تزاد بعد الواو في آخر كل اسم مجموع أو في حكم المجموع نحو: ملاقوا ربهم بنوا إسرائيل أولوا الألباب وبعد الهمزة المرسومة واوا نحو {تَاللَّهِ تَفْتَأُ} فإنها ترسم هكذا: تالله تفتؤا. وفي كلمات مائة ومائتين والظنون والرسول والسبيل في قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} . {وَأَطَعْنَا الرَّسُولا} . {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} .1 كل هذه الأمثلة ترسم بدون ألف هكذا: أنجينكم. الله. إله. الرحمن. الخ.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٠)
وتزاد الياء في هذه الكلمات: {نَبَأَ، آنَاءَ، مِنْ تِلْقَاءِ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ، بِأَيْدٍ} من قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} .
وتزاد الواو في نحو {أُولُو، أُولَئِكَ، أُولاءِ، أُولاتِ} .
قاعدة الهمز خلاصتها أن الهمزة إذا كانت ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها نحو {ائْذَنْ، اؤْتُمِنَ، الْبَأْسَاءِ} إلا ما استثني. أما الهمزة المتحركة فإن كانت أول الكلمة واتصل بها حرف زائد كتبت بالألف مطلقا سواء أكانت مفتوحة أم مكسورة نحو {أَيُّوبَ، أُولُو، إِذَا، سَأَصْرِفُ، سَأُنْزِلُ، فَبِأَيِّ} إلا ما استثني.
وإن كانت الهمزة وسطا فإنها تكتب بحرف من جنس حركتها نحو {سَأَلَ، سُئِلَ، تَقْرَأَهُ} إلا ما استثني. وإن كانت متطرفة كتبت بحرف من جنس حركة ما قبلها نحو {سَبَأٍ، شَاطِئِ، لُؤْلُؤٌ} إلا ما استثني وإن سكن ما قبلها حذفت1 نحو {مِلءُ الْأَرْضِ، يُخْرِجُ الْخَبْءَ} إلا ما استثني. والمستثنيات كثيرة في الكل.
قاعدة البدل: خلاصتها أن الألف تكتب واوا للتفخيم في مثل الصلاة والزكاة والحياة إلا ما استثني وترسم ياء إذا كانت منقلبة عن ياء نحو {يَتَوَفَّاكُمْ يَا حَسْرَتَى يَا أَسَفَىْ} . وكذلك ترسم الألف ياء في هذه الكلمات: {إِلَى، عَلَى، أَنَّى -بمعنى كيف- مَتَى، بَلَى، حَتَّى، لَدَى} ما عدا {لَدَى الْبَابِ} في سورة يوسف فإنها ترسم ألفا.
وترسم النون ألفا في نون التوكيد الخفيفة وفي كلمة إذن.
وترسم هاء التأنيث تاء مفتوحة في كلمة {رَحْمَتَ} بالبقرة والأعراف وهود ومريم والروم والزخرف. وفي كلمة {نِعْمَةَ} بالبقرة وآل عمران والمائدة وإبراهيم والنحل ولقمان وفاطر والطور. وفي كلمة {لَعْنَةُ اللَّهِ} . وفي كلمة1 أي حذفت من الحرف ورسمت مفردة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧١)
معصية بسورة قد سمع. وفي هذه الكلمات: إن شجرة الزقوم قرة عين جنة نعيم بقية الله وفي كلمة امرأة أضيفت إلى زوجها نحو امرأة عمران امرأة نوح وفي غير ذلك.
قاعدة الوصل والفصل: خلاصتها أن كلمة أن بفتح الهمزة توصل بكلمة لا إذا وقعت بعدها. ويستثنى من ذلك عشرة مواضع. منها: أن لا تقولوا أن لا تعبدوا إلا الله.
وكلمة من توصل بكلمة ما إذا وقعت بعدها. ويستثنى {مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} في النساء والروم و {مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} في سورة المنافقين.
وكلمة من توصل بكلمة من مطلقا.
وكلمة عن توصل بكلمة ما. إلا قوله سبحانه {عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ} .
وكلمة إن بالكسر توصل بكلمة ما التي بعدها إلا قوله سبحانه: {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ} .
وكلمة أن بالفتح توصل بكلمة ما مطلقا من غير استثناء.
وكلمة كل توصل بكلمة ما التي بعدها إلا قوله سبحانه {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ} ، {مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} .
وتوصل كلمات {نِعِمَّا، ورُبَمَا، وكَأَنَّمَا، وَيْكَأَنَّهُ} ونحوها.
قاعدة ما فيه قراءتان: خلاصتها أن الكلمة إذا قرئت على وجهين تكتب برسم أحدهما كما رسمت الكلمات الآتية بلا ألف في المصحف وهي: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ، وَوَاعَدْنَا مُوسَى، تُفَادُوهُمْ} ونحوها وكلها مقروءة بإثبات الألف وحذفها. وكذلك رسمت الكلمات الآتية بالتاء المفتوحة وهي غيابة الجب أنزل عليه آية في العنكبوت ثمرة من أكمامها في فصلت وهم في الغرفة آمنون
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٢)
في سبأ. وذلك لأنها جمعاء مقروءة بالجمع والإفراد. وغير هذا كثير وحسبنا ما ذكرناه للتمثيل والتنوير.
مزايا الرسم العثماني:
لهذا الرسم مزايا وفوائد:
الفائدة الأولى: الدلالة في القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة بقدر الإمكان وذلك أن قاعدة الرسم لوحظ فيها أن الكلمة إذا كان فيها قراءتان أو أكثر كتبت بصورة تحتمل هاتين القراءتين أو الأكثر. فإن كان الحرف الواحد لا يحتمل ذلك بأن كانت صورة الحرف تختلف باختلاف القراءات جاء الرسم على الحرف الذي هو خلاف الأصل وذلك ليعلم جواز القراءة به وبالحرف الذي هو الأصل. وإذا لم يكن في الكلمة إلا قراءة واحدة بحرف الأصل رسمت به. مثال الكلمة تكتب بصورة واحدة وتقرأ بوجوه متعددة قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} رسمت في المصحف العثماني هكذا: إن هدان لساحران من غير نقط ولا شكل ولا تشديد ولا تخفيف في نوني إن وهذان ومن غير ألف ولا ياء بعد الذال من هذان.
ومجيء الرسم كما ترى كان صالحا عندهم لأن يقرأ بالوجوه الأربعة التي وردت كلها بأسانيد صحيحة.
أولها: قراءة نافع ومن معه إذ يشددون نون إن ويخففون هذان بالألف.
ثانيها: قراءة ابن كثير وحده إذ يخفف النون في إن ويشدد النون في هذان.
ثالثها: قراءة حفص إذ يخفف النون في إن وهذان بالألف.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٣)
رابعها: قراءة أبي عمرو بتشديد إن وبالياء وتخفيف النون في هذين فتدبر هذه الطريقة المثلى الضابطة لوجوه القراءة لتعلم أن سلفنا الصالح كان في قواعد رسمه للمصحف أبعد منا نظرا وأهدى سبيلا.
الفائدة الثانية:
إفادة المعاني المختلفة بطريقة تكاد تكون ظاهرة وذلك نحو قطع كلمة أم في قوله تعالى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} ووصلها في قوله تعالى: {أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} إذ كتبت هكذا أمن بإدغام الميم الأولى في الثانية وكتابتهما ميما واحدة مشددة فقط أم الأولى في الكتابة للدلالة على أنها أم المنقطعة التي بمعنى بل ووصل أم الثانية للدلالة على أنها ليست كتلك.
الفائدة الثالثة:
الدلالة على معنى خفي دقيق كزيادة الياء في كتابة كلمة أيد من قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} إذ كتبت هكذا {بِأَيْدٍ} وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
ومن هذا القبيل كتابة هذه الأفعال الأربعة بحذف الواو وهي:
ويدعو الإنسان ويمحو الله الباطل يوم يدعو الداع سندعوا الزبانية فإنها كتبت في المصحف العثماني هكذا: {وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ، وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ، يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} ولكن من غير نقط ولا شكل في الجميع.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٤)
قالوا: والسر في حذفها من {وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ} هو الدلالة على أن هذا الدعاء سهل على الإنسان يسارع فيه كما يسارع إلى الخير بل إثبات الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير. والسر في حذفها من {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} الإشارة إلى سرعة ذهابه واضمحلاله.
والسر في حذفها من {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} الإشارة إلى سرعة الدعاء وسرعة إجابة الداعين. والسر في حذفها من {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} الإشارة إلى سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش ويجمع هذه الأسرار قول المراكشي:
والسر في حذفها من هذه الأربعة سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود اهـ.
الفائدة الرابعة:
الدلالة على أصل الحركة مثل كتابة الكسرة ياء في قوله سبحانه {وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} إذ تكتب هكذا وإيتاءى ذي القربى ومثل كتابة الضمة واوا في قوله سبحانه: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} إذ كتبت هكذا سأوريكم ومثل ذلك الدلالة على أصل الحرف نحو الصلاة والزكاة إذ كتبا هكذا: الصلوة الزكوة ليفهم أن الألف فيهما منقلبة عن واو. من غير نقط ولا شكل كما سبق.
الفائدة الخامسة:
إفادة بعض اللغات الفصيحة مثل كتابة هاء التأنيث تاء مفتوحة دلالة على لغة طيىء وقد تقدمت الأمثلة لهذا النوع. ومثل قوله سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} كتبت بحذف الياء هكذا يأت للدلالة على لغة هذيل.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٥)
الفائدة السادسة:
حمل الناس على أن يتلقوا القرآن من صدور ثقات الرجال ولا يتكلوا على هذا الرسم العثماني الذي جاء غير مطابق للنطق الصحيح في الجملة. وينضوي تحت هذه الفائدة مزيتان إحداهما التوثق من ألفاظ القرآن وطريقة أدائه وحسن ترتيله وتجويده. فإن ذلك لا يمكن أن يعرف على وجه اليقين من المصحف مهما تكن قاعدة رسمه واصطلاح كتابته. فقد تخطئ المطبعة في الطبع وقد يخفى على القارئ بعض أحكام تجويده كالقلقلة والإظهار والإخفاء والإدغام والروم والإشمام ونحوها فضلا عن خفاء تطبيقها.
ولهذا قرر العلماء أنه لا يجوز التعويل على المصاحف وحدها. بل لا بد من التثبت في الأداء والقراءة بالأخذ عن حافظ ثقة. وإن كنت في شك فقل لي بربك: هل يستطيع المصحف وحده بأي رسم يكون أن يدل قارئا أيا كان على النطق الصحيح بفواتح السور الكريمة؟ مثل {كهيعص، حم، عسق طسم} ؟ ومن هذا الباب الروم والإشمام في قوله سبحانه {مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} من كلمة {لا تَأْمَنَّا} .
المزية الثانية اتصال السند برسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك خاصة من خواص هذه الأمة الإسلامية امتازت بها على سائر الأمم.
قال ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل. وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من كتب اليهود ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد صلى الله عليه وسلم. بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا. إنما يبلغون إلى شمعون ونحوه. ثم قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق. وأما
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٦)
النقل المشتمل على طريق فيه كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى. وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا صاحب نبي أو تابعي ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص. اهـ.
هل رسم المصحف توقيفي؟
للعلماء في رسم المصحف آراء ثلاثة:
الرأي الأول: أنه توقيفي لا تجوز مخالفته. وذلك مذهب الجمهور. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كتاب يكتبون الوحي وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم وأقرهم الرسول على كتابتهم ومضى عهده صلى الله عليه وسلم والقرآن على هذه الكتبة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل. بل ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يضع الدستور لكتاب الوحي في رسم القرآن وكتابته. ومن ذلك قوله لمعاوية وهو من كتبة الوحي: "ألق الدواة وحرف القلم وأنصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك".
ثم جاء أبو بكر فكتب القرآن بهذا الرسم في صحف ثم حذا حذوه عثمان في خلافته فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف على تلك الكتبة وأقر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمل أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين وانتهى الأمر بعد ذلك إلى التابعين وتابعي التابعين فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم ولم ينقل أن أحدا منهم فكر أن يستبدل به رسما آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف ونشاط التدوين وتقدم العلوم. بل بقي الرسم العثماني محترما متبعا في كتابة المصاحف لا يمس استقلاله ولا يباح حماه.
وملخص هذا الدليل أن رسم المصاحف العثمانية ظفر بأمور كل واحد منها يجعله
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٧)