فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عز وجل، أَطْلَقَ لَهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّ يَحْظُرَ وَأَنْ يُطْلِقَ بَعْدَ أَنْ حَظَرَ، لِمَنْ شَاءَ.
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ، لَتَوَقَّفَ عَنْهَا، كَمَا تَوَقَّفَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْكَلَالَةِ، وَقَالَ لِلسَّائِلِ "هَذَا مَا أُوتِيتُ، وَلَسْتُ أَزِيدُكَ حَتَّى أُزَادَ"1.
وَكَمَا تَوَقَّفَ حِينَ أَتَتْهُ الْمُجَادِلَةُ2 فِي زَوْجِهَا، تَسْأَلُهُ عَنِ الظِّهَارِ، فَلَمْ يُرْجِعْ إِلَيْهَا قَوْلًا، وَقَالَ: "يَقْضِي اللَّهُ عز وجل فِي ذَلِكَ".
وَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، وَبِهِ أَثَرُ طِيبٍ فَاسْتَفْتَاهُ، فَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ قَوْلًا، حَتَّى تَغَشَّى ثَوْبَهُ وَغَطَّ غَطِيطَ الْفَحْلِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَفْتَاهُ،
"وَالسُّنَّةُ الثَّالِثَةُ" مَا سَنَّهُ لَنَا تَأْدِيبًا، فَإِنْ نَحْنُ فَعَلْنَاهُ، كَانَتِ الْفَضِيلَةُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ نَحْنُ تَرَكْنَاهُ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَأَمْرِهِ فِي الْعِمَّةِ بِالتَّلَحِّي، وَكَنَهْيِهِ عَنْ لُحُومِ الْجَلَالَةِ، وَكَسْبِ الْحَجَّامِ3.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي تَحْرِيمِهِ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، مَعَ قَوْلِ اللَّهِ عز: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} 4.--------------------------------------------
1 أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ: فَرَائض 7، والدارمي: فَرَائض 26، وَأحمد: 1/ 26، 38، 4/ 293. وَقد وَجَدْنَاهُ بِلَفْظ.
عَن مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَن عمر بن الْخطاب سَأَلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَن الْكَلَالَة؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَكْفِيك من ذَلِك الْآيَة الَّتِي أنزلت فِي الصَّيف آخر سُورَة النِّسَاء ".
2 هِيَ خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة: اشتكت زَوجهَا أَوْس بن الصَّامِت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم واستفتته فِي ظِهَاره لَهَا، وجادلته فِي ذَلِك فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهَا قَوْله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} سُورَة المجادلة.
3 الْحجام: المصاص، وحرفته الْحجامَة كالكتابة، وَكَانَ النَّاس قَدِيما يتداوون بهَا لإِخْرَاج الدِّمَاء الْفَاسِدَة من ظُهُورهمْ.
4 الْآيَة 145 من سُورَة الْأَنْعَام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)