Arabic source text

📘 আস-সারিমুল মাসলূল আলা শাতিমির রাসূল (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

📘 الصارم المسلول على شاتم الرسول (ابن تيمية - ت 728 هـ)

📘 আস-সারিমুল মাসলূল আলা শাতিমির রাসূল (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وقد ظن من سلكه أنه خلص بذلك من سؤالهم وليس الأمر كما اعتقده فإن الأدلة التي ذكرناها من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كلها تدل على السب بما يعتقده فيه دينا وما لا يعتقده فيه دينا وأن مطلق السب موجب للقتل ومن تأمل كل دليل بانفراده لم يخف عليه أنها جميعا تدل على السب المعتقد دينا كما تدل على السب الذي لا يعتقده دينا ومنها ما هو نص في السب الذي يعتقد دينا بل أكثرها كذلك فإن الذين كانوا يهجونه من الكفار الذين أهدر دماءهم لم يكونوا يهجونه إلا بما يعتقدونه دينا مثل نسبته إلى الكذب والسحر وذم دينه ومن اتبعه وتنفير الناس عنه إلى غير ذلك من الأمور فأما الطعن في نسبه أو خلقه أو أمانته أو وفائه أو صدقه في غير دعوى الرسالة فلم يكن أحدا يتعرض لذلك في غالب الأمر ولا يتمكن من ذلك ولا يصدقه أحد في ذلك لا مسلم ولا كافر لظهور كذبه وقد تقدم ذلك فلا حاجة إلى إعادته.
ثم نقول: هنا هذا الفرق متهافت من وجوه:
أحدها: أن الذمي لو أظهر لعنة الرسول أو تقبيحه أو الدعاء عليه بالسخط وجهنم والعذاب أو نحو ذلك فإن قيل: "ليس من السب الذي ينتقض به العهد" كان هذا قولا مردودا سمجا فإنه من لعن شخصا وقبحه لم يبق من سبه غاية وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن المؤمن كقتله" ومعلوم أن هذا أشد من الطعن في خلقه وأمانته أو وفائه وإن قيل: "هو سب له" فقد علم أن من الكفار من يعتقد ذلك دينا ويرى أنه من قرباته كتقريب المسلم بلعن مسيلمة والأسود العنسي.
الوجه الثاني: أنه على القول بالفرق المذكور إذا سبه بما لا يعتقده دينا مثل الطعن في نسبه أو خلقه أو خلقه ونحو ذلك فمن أين ينتقض عهده ويحل دمه؟ ومعلوم أنه قد أقر على ما هو أعظم من ذلك من الطعن في دينه الذي هو أعظم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)

من الطعن في نسبه ومن الكفر بربه الذي هو أعظم الذنوب ومن سب الله بقوله: إن له صاحبة وولدا وأنه ثالث ثلاثة فإنه لا ضرر يلحق الأمة في دينها بإظهار ما لا يعتقد صحته من السب إلا ويلحقهم بإظهار ما كفر به أعظم من ذلك فإذا أقر على أعظم السببين ضررا فإقراره على أدناهما ضررا أولى نعم بينهما من الفرق أنه إذا طعن في نسبه أو خلقه فإنه يقر لنا بأنه كاذب أو أهل دينه يعتقدون أنه كاذب آثم بخلاف السب الذي يعتقده دينا فإنه وأهل دينه متفقون على أنه ليس بكاذب فيه ولا آثم فيعود الأمر إلى أنه قال كلمة أثم بها عندهم وعندنا لكن في حق من لا حرمة له عنده بل مثاله عنده أن يقذف الرجل مسيلمة أو العنسي أو ينسبه إلى أنه كان أسود أو أنه كان دعيا أو كان يسرق أو كان قومه يستخفون به ونحو ذلك من الوقيعة في عرضه بغير حق ومعلوم أن هذا لا يوجب القتل بل ولا يوجب الجلد أيضا فإن العرض يتبع الدم فمن لم يعصم دمه لم يصن عرضه فلو لم يجب قتل الذمي إذا سب الرسول لكونه قد قدح في ديننا لم يجب قتله بشيء من السب أيضا فإن خطب ذلك يسير.
يبين ذلك أن المسلم إنما قتل إذا سبه بالقذف ونحوه لأن القدح في نسبه قدح في نبوته فإذا كنا بإظهار القدح في النبوة لا نقتل الذمي فأن لا نقتله بإظهار القدح فيما لا يقدح في النبوة أولى إذ الوسائل أضعف من المقاصد.
وهذا البحث إذا حقق اضطر المنازع إلى أحد الأمرين: إما موافقة من قال من أهل الرأي إن العهد لا ينقض من السب وإما موافقة الدهماء في أن العهد ينتقض بكل سب وأما الفرق بين سب وسب في انتقاض العهد واستحلال الدم فمتهافت.
ثم إنه إذا فرق لم يمكنه إيجاب القتل ولا نقض العهد بذلك أصلا ومن ادعى وجوب القتل بذلك وحده لم يمكنه أن يقيم عليه دليلا.
الثالث: أنا إذا لم نقتلهم بإظهار ما يعتقدونه دينا لم يمكنا أن نقتلهم بإظهار

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 537)

شيء من السب فإنه ما من أحد منهم يظهر شيئا من ذلك إلا ويمكنه أن يقول: إني معتقد لذلك متدين به وإن كان طعنا في النسب كما يتدينون بالقدح في عيسى وأمه عليهما السلام ويقولون على مريم بهتانا عظيما ثم إنهم فيما بينهم قد يختلفون في أشياء من أنواع السب: هل هي صحيحة عندهم أو باطلة؟ وهم قوم بهت ضالون فلا يشاءون أن يأتوا ببهتان ونوع من الضلال الذي لا راد للقلوب منه ثم يقولون "هو معتقدنا" إلا فعلوه فحينئذ لا يقتلون حتى يثبت أنهم لا يعتقدونه دينا وهذا القدر هو محل اختلاف وبعضه لا يعلم إلا من جهتهم وقول بعضهم في بعض غير مقبول ونحن وإن كنا نعرف أكثر عقائدهم فيما تخفي صدورهم أكبر وتجدد الكفر والبدع منهم غير مستنكر فهذا الفرق مفضاة إلى حتم القتل بسب الرسول وهو لعمري قول أهل الرأي ومستندهم ما أبداه هؤلاء وقد قدمنا الجواب عن ذلك وبينا أنا إنما أقررناهم على إخفاء دينهم لا على إظهار باطل قولهم والمجاهرة بالطعن في ديننا وإن كانوا يستحلون ذلك فإن المعاهدة على تركه صيرته حراما في دينهم كالمعاهدة على الكف عن دمائنا وأموالنا وبينا أن المجاهرة بكلمة الكفر في دار الإسلام كالمجاهرة بضرب السيف بل أشد على أن الكفر أعم من السب فقد يكون الرجل كافرا ولا يسب وهذا هو سر المسألة فلا بد من بسطه فنقول:
التكلم في تمثيل سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر صفته ذلك مما يثقل على القلب واللسان ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين لكن الاحتياج إلى الكلام في حكم ذلك نحن نفرض الكلام في أنواع السب مطلقا من غير تعيين والفقيه يأخذ حظه من ذلك فنقول: السب نوعان دعاء وخبر أما الدعاء فمثل أن يقول القائل لغيره: لعنه الله أو قبحه الله أو أخزاه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 538)

الله أو لا رحمه الله أو لا رضي الله عنه أو قطع الله دابره فهذا وأمثاله سب للأنبياء ولغيرهم وكذلك لو قال عن نبي: لا صلى الله عليه أو لا سلم أو لا رفع الله ذكره أو محا الله اسمه ونحو ذلك من الدعاء عليه بما فيه ضرر عليه في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة.
فهذا كله إذا صدر من مسلم أو معاهد فهو سب فأما المسلم فيقتل به بكل حال وأما الذمي فيقتل بذلك إذا أظهره.
فأما إن أظهر الدعاء للنبي وأبطن الدعاء عليه إبطانا يعرف من لحن القول بحيث يفهمه بعض الناس دون البعض مثل قوله: السام عليكم إذا أخرجه مخرج التحية وأظهر أنه يقول السلام ففيه قولان:
أحدهما: أنه من السب الذي يقتل به وإنما كان عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن اليهود الذين حيوه بذلك حال ضعف الإسلام بالبقاء عليه لما كان مأمورا بالعفو عنهم والصبر على أذاهم وهذا قول طائفة من المالكية والشافعية والحنبلية مثل القاضي عبد الوهاب والقاضي أبي يعلي وأبي إسحاق الشيرازي وأبي الوفاء بن عقيل وغيرهم وممن ذهب إلى أن هذا سب من قال قال لم يعلم أن هؤلاء كانوا أهل عهد وهذا قول ساقط لأنا قد بينا فيما تقدم أن اليهود الذين بالمدينة كانوا معاهدين وقال آخرون: كان الحق له وله أن يعفو عنهم فأما بعده فلا عفو.
والقول الثاني: أنه ليس من السب الذي ينتقض العهد لأنهم لم يظهروا السب ولم يجهروا به وإنما أظهروا التحية والسلام لفظا وحالا وحذفوا اللام حذفا خفيا يفطن له بعض السامعين وقد لا يفطن له الأكثرون ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود إذا سلموا فإنما يقول أحدهم: السام عليكم فقولوا: وعليكم" فجعل هذا شرعا باقيا في حياته وبعد موته حتى صارت السنة أن يقال للذمي إذا سلم: وعليكم وكذلك لما سلم عليهم اليهودي قال: "أتدرون ما قال؟ إنما قال: السام عليكم" ولو كان هذا من السب الذي هو سب لوجب أن يشرع عقوبة اليهودي إذا سمع منه ذلك ولو بالجلد فلما لم يشرع ذلك علم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 539)

أنه لا يجوز مؤاخذتهم بذلك وقد أخبر الله عنهم بقوله تعالى {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فجعل عذاب الآخرة حسبهم يدل على أنه لم يشرع على ذلك عذابا في الدنيا وهذا لو أنهم قد قرروا على ذلك لقالوا إنما قلنا السلام وإنما السمع يخطئ وأنتم تتقولون علينا فكانوا في هذا مثل المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويعرفون في لحن القول ويعرفون بسيماهم فإنه لا يمكن عقوبتهم باللحن والسيما فإن موجبات العقوبات لا بد أن تكون ظاهرة الظهور الذي يشترك فيه الناس وهذا القدر وإن كان كفرا من المسلم فإنما يكون نقضا للعهد إذا أظهره الذمي وإتيانه به على هذا الوجه غاية ما يكون من الكتمان والإخفاء ونحن لا نعاقبهم على ما يسرونه ويخفونه من السب وغيره وهذا قول جماعات من العلماء من المتقدمين ومن أصحابنا والمالكيين وغيرهم وممن أجاز هذا القول ممن زعم أن هذا دعاء بالسام وهو الموت على أصح القولين أو دعاء بالسامة وأما الذين قالوا إن الموت محتوم على الخليقة قالوا: وهذا تعريض بالأذى لا بالسب وهذا القول ضعيف فإن الدعاء على الرسول والمؤمنين بالموت وترك الدين من أبلغ السب كما أن الدعاء بالحياة والعافية والصحة والثبات على الدين من أبلغ الكرامة.
النوع الثاني: الخبر فكل ما عده الناس شتما أو سبا أو تنقصا فإنه يجب به القتل كما تقدم فإن الكفر ليس مستلزما للسب وقد يكون الرجل كافرا ليس بساب والناس يعلمون علما عاما أن الرجل قد يبغض الرجل ويعتقد فيه العقيدة القبيحة ولا يسبه وقد يضم إلى ذلك مسبة وإن كانت المسبة مطابقة للمعتقد فليس كل ما يحتمل عقدا يحتمل قولا ولا ما يحتمل أن يقال سرا يحتمل أن يقال جهرا والكلمة الواحدة تكون في حال سبا وفي حال ليست بسب فعلم أن هذا يختلف باختلاف الأقوال والأحوال وإذا لم يكن للسب حد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 540)

معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس فما كان في العرف سبا للنبي فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء وما لا فلا ونحن نذكر من ذلك أقساما فنقول:
لا شك أن إظهار التنقص والاستهانة عند المسلمين سب كالتسمية باسم الحمار أو الكلب أو وصفه بالمسكنة والخزي والمهانة أو الإخبار بأنه في العذاب وأن عليه آثام الخلائق ونحو ذلك وكذلك إظهار التكذيب على وجه الطعن في المكذب مثل وصفه بأنه ساحر خادع محتال وأنه يضر من اتبعه وأن ما جاء به كله زور وباطل ونحو ذلك فإن نظم ذلك شعرا كان أبلغ في الشتم فإن الشعر يحفظ ويروى وهو الهجاء وربما يؤثر في نفوس كثيرة مع العلم ببطلانه أكثر من تأثير البراهين فإن غني به بين ملأ من الناس فهو الذي قد تفاقم أمره وأما من أخبر عن معتقده بغير طعن فيه مثل أن يقول: أنا لست متبعه أو لست مصدقه أو لا أحبه أو لا أرضى دينه ونحو ذلك فإنما أخبر عن اعتقاد أو إرادة لم يتضمن انتقاصا لأن عدم التصديق والمحبة قد يصدر عن الجهل والعناد والحسد والكبر وتقليد الأسلاف وإلف الدين أكثر مما يصدر عن العلم بصفات النبي خلاف ما إذا قال من كان ومن هو رأى كذا وكذا هو ونحو ذلك وإذا قال: لم يكن رسولا ولا نبيا ولم ينزل عليه شيء ونحو ذلك فهو تكذيب صريح وكل تكذيب فقد تضمن نسبته إلى الكذب ووصفه بأنه كذاب لكن بين قوله: "ليس بنبي" وقوله: "هو كذاب" فرق من حيث إن هذا إنما تضمن التكذيب بواسطة علمنا أنه كان يقول: إني رسول الله وليس من نفى عن غيره بعض صفاته نفيا مجردا كمن نفاها عنه ناسبا له إلى الكذب في دعواها والمعنى الواحد قد يؤدى بعبارات بعضها يعد سبا وبعضها لا يعد سبا وقد ذكرنا أن الإمام أحمد نص على أن من قال للمؤذن "كذبت" فهو شاتم وذلك لأن ابتداءه بذلك للمؤذن معلنا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 541)

بذلك بحيث يسمعه المسلمون طاعنا في دينهم مكذبا للأمة في تصديقها بالوحدانية والرسالة لا ريب أنه شتم.
فإن قيل: ففي الحديث الصحيح الذي يرويه الرسول عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني" فقد قرن بين التكذيب والشتم.
فيقال قوله: "لن يعيدني كما بدأني" يفارق قول اليهودي للمؤذن "كذبت" من وجهين:
أحدهما: أنه لم يصرح بنسبته إلى الكذب ونحن لم نقل: إن كل تكذيب شتم إذ لو قيل ذلك لكان كل كافر شاتما وإنما قيل: إن الإعلان بمقابلة داعي الحق بقوله: "كذبت" سب للأمة وشتم لها في اعتقاد النبوة وهو سب للنبوة كما أن الذين هجوا من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على إتباعهم إياه كانوا سابين للنبي صلى الله عليه وسلم مثل شعر بنت مروان وشعر كعب بن زهير وغيرهما وأما قول الكافر: "لن يعيدني كما بدأني" فإنه نفي لمضمون خبر الله بمنزلة سائر أنواع الكفر.
الثاني: أن الكافر المكذب بالبعث لا يقول: إن الله أخبر أنه سيعيدني ولا يقول: إن هذا الكلام تكذيب لله وإن كان تكذيبا بخلاف القائل للرسول أو لمن صدق الرسول "كذبت" فإنه مقر بأن هذا طعن على المكذب وعيب له وانتقاص به وهذا ظاهر وكل كلام تقدم ذكره في المسألة الأولى من نظم ونحوه عده النبي صلى الله عليه وسلم سبا حتى رتب على قائله حكم الساب فإنه سب أيضا وكذلك ما كان في معناه وقد تقدم ذكر ذلك والكلام على أعيان الكلمات لا ينحصر وإنما جماع ذلك أن ما يعرف

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 542)

الناس أنه سب فهو سب وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والاصطلاحات والعادات وكيفية الكلام ونحو ذلك وما اشتبه فيه الأمر ألحق بنظيره وشبهه والله سبحانه أعلم.
فصل.
وكل ما كان من الذمي سبا ينقض عهده ويوجب قتله فإن التوبة توبته منه لا تقبل على ما تقدم هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم من أصحابنا وغيرهم.
وقد تقدم عن الشيخ أبي محمد المقدسي رضي الله عنه أنه قال: إن الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم سقط عنه القتل وإنه إذا قذفه ثم أسلم ففي سقوط القتل عنه روايتان وينبغي أن يبنى كلامه على أنه إن سبه بما يعتقده فيه دينا سقط عنه القتل بإسلامه كاللعن والتقبيح ونحوه وإن سبه بما لا يعتقده فيه كالقذف لم يسقط عنه لأن ما يعتقده فيه كفر محض سقط حده بالإسلام باطنا فيجب أن يسقط ظاهرا أيضا لأن سقوط الأصل الذي هو الاعتقاد يستتبع سقوط فروعه وأما ما لا يعتقده فهو فرية يعلم هو أنها فرية فهي بمنزلة سائر حقوق الآدميين وإن حمل الكلام على ظاهره في أنه يستثنى القذف فقط من بين سائر أنواع السب فيمكن أن يوجه بأن قذف غيره لما تغلظ بأن جعل على صاحبه الحد المؤقت وهو ثمانون بخلاف غيره من أنواع السب فإن عقوبته التعزير المفوض إلى اجتهاد ذي السلطان كذلك يفرق في حقه بين القذف وغيره فيجعل على قاذفه الحد مطلقا وهو القتل وإن أسلم ويدرأ عن الساب الحد إذا تاب لكن هذا الفرق ليس بمرضي فإن قذفه إنما أوجب القتل ونقض العهد لما قدح في نسبه وكان ذلك قدحا في نبوته وهذا معنى يستوي فيه السب بالقذف وبغيره من أنواع الأكاذيب بل قد توصف من الأفعال أو الأقوال المنكرة بما يلحق بالموصوف شيئا وغضاضة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 543)

أعظم من هذا وإنما فرق في حق غيره بين القذف وغيره لأنه لا يمكن تكذيب القاذف به كما يمكن تكذيب غيره فصار العار به أشد.
وهنا كلمات السب القادحة في النبوة سواء في العلم ببطلانها ظهورا وخفاء فإن العلم بكذب القاذف كالعلم بكذب الناسب له إلى منكر من القول وزور لا فرق بينهما.
وبالجملة فالمنصوص عن الإمام أحمد وعامة أصحابه وسائر أهل العلم أنه لا فرق في هذا الباب بين السب بالقذف وغيره بل من قال: "إنه ينتقض عهده ويتحتم قتله" لم يفرق بين القذف وغيره ومن قال: "يسقط عنه القتل بإسلامه" لم يفرق بين القذف وغيره ومن فرق من الفقهاء بين ما يعتقده وما لا يعتقده فإنما فرق في انتقاض العهد لا في سقوط القتل عنه بالإسلام لكن هو يصلح أن يكون معاضدا لقول الشيخ أبي محمد لأنه فرق بين النوعين في الجملة وأما الإمام أحمد وسائر العلماء المتقدمين فإنما خلافهم في السب مطلقا وليس في شيء من كلام الإمام أحمد رضي الله عنه تعرض للقذف لخصوصه وإنما ذكره أصحابه في القذف لأنهم تكلموا في أحكام القذف مطلقا فذكروا هذا النوع من القذف أنه موجب للقتل وأنه لا يسقط القتل بالتوبة لنص الإمام على أن السب الذي هو أعم من القذف موجب للقتل لا يستتاب صاحبه ثم منهم من ذكر المسألة بلفظ السب كما هي في لفظ أحمد وغيره ومنهم من ذكرها بلفظ القذف لأن الباب باب القذف فكان ذكرها بالاسم الخاص أظهر تأثيرا في الفرق بين هذا القذف وغيره ثم علل الجميع وأدلتهم تعم أنواع السب بل هي في غير القذف أنص منها في القذف وإنما تدل على القذف بطريق العموم أو بطريق القياس والدليل يوافق ما ذكره الجمهور من التسوية كما تقدم ذكره نفيا وإثباتا ولا حاجة إلى الإطناب هنا فإن من سلم أن جميع أنواع السب من القذف وغيره ينقض العهد ويوجب القتل ثم فرق بين بعضهما وبعض في السقوط بالإسلام فقد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 544)

أبعد جدا لأن السب لو كان بمنزلة الكفر عنده لم ينقض العهد ولوجب قتل الذمي وإذا لم يكن بمنزلة الكفر فإسلامه إما أن يسقط الكفر فقط أو يسقط الكفر وغيره من الجناية على عرض الرسول فأما إسقاطه لبعض الجنايات دون بعض مع استوائهما في مقدار العقوبة فلا يتبين له وجه محقق.
والاحتجاج بأن الإسلام يسقط عقوبة من سب الله فإسقاطه عقوبة من سب النبي أولى إن صح فإنما يدل على أن الإسلام يسقط عقوبة الساب مطلقا قذفا كان السب أو غير قذف ونحن في هذا المقام لا نتكلم إلا في التسوية بين أنواع السب لا في صحة هذه الحجة وفسادها إذ قد تقدم التنبيه على ضعفها وذلك لأن سب النبي إن جعل بمنزلة سب الله مطلقا وقيل بالسقوط في الأصل فيجب أن يقال بالسقوط في الفرع وإن جعل بمنزلة سب الخلق أو جعل موجبا للقتل حدا لله أو سوي بين السبين في عدم السقوط ونحو ذلك من المآخذ التي تقدم ذكرها فلا فرق في هذا الباب بين القذف وغيره في السقوط بالإسلام فإن الذمي لو قذف مسلما أو ذميا أو شتمه بغير القذف ثم أسلم لم يسقط عنه التعزير المستحق بالسب كما لا يسقط الحد المستحق بالقذف فعلم أنهما سواء في الثبوت والسقوط وإنما يختلفان في مقدار العقوبة بالنسبة إلى غير النبي أما بالنسبة إلى النبي فعقوبتهما سواء فلا فرق بينهما بالنسبة إليه البتة.
وإذ قد ذكرنا حكم الساب للرسول عليه الصلاة والسلام فنردفه بما هو من جنسه مما قد تقدم في الأدلة المذكورة بأصل حكمه فإن ذلك من تمام الكلام في هذه المسألة على ما لا يخفى ونفصله فصولا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)

فصل: فيمن سب الله تعالى.
فإن كان مسلما وجب قتله بالإجماع لأنه بذلك كافر مرتد وأسوأ من الكافر فإن الكافر يعظم الرب ويعتقد أن ما هو عليه من الدين الباطل ليس باستهزاء بالله ولا مسبة له.
ثم اختلف أصحابنا وغيرهم في قبول توبته بمعنى أنه هل يستتاب كالمرتد ويسقط عنه القتل إذا أظهر التوبة من ذلك بعد رفعه إلى السلطان وثبوت الحد عليه؟ على قولين:
أحدهما: أنه بمنزلة ساب الرسول فيه الروايتان في ساب الرسول هذه طريقة أبي الخطاب وأكثر من احتذى حذوه من المتأخرين وهو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد حيث قال: كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تبارك وتعالى فعليه القتل مسلما كان أو كافرا وهذا مذهب أهل المدينة فأطلق وجوب القتل عليه ولم يذكر استتابته وذكر أنه قول أهل المدينة ومن وجب عليه القتل يسقط بالتوبة وقول أهل المدينة المشهور أنه لا يسقط القتل بتوبته ولو لم يرد هذا لم يخصه بأهل المدينة فإن الناس مجمعون على أن من سب الله تعالى من المسلمين يقتل وإنما اختلفوا في توبته فلما أخذ بقول أهل المدينة في المسلم كما أخذ بقولهم في الذمي علم أنه قصد محل الخلاف بإظهار التوبة بعد القدرة عليه كما ذكرناه في ساب الرسول.
وأما الرواية الثانية فإن عبد الله قال: سئل أبي عن رجل قال: "يا ابن كذا وكذا أنت ومن خلقك" قال أبي: "هذا مرتد عن الإسلام" قلت لأبي: تضرب عنقه؟ قال: "نعم نضرب عنقه" فجعله من المرتدين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 546)

والرواية الأولى قول الليث بن سعد وقول مالك روى ابن القاسم عنه قال: "من سب الله تعالى من المسلمين قتل ولم يستتب إلا أن يكون افترى على الله بارتداده إلى دين دان به وأظهره فيستتاب وإن لم يظهره لم يستتب وهذا قول ابن القاسم ومطرف وعبد الملك وجماهير المالكية.
والثاني: أنه يستتاب وتقبل توبته بمنزلة المرتد المحض وهذا قول القاضي أبي يعلى والشريف أبي جعفر وأبي علي بن البناء وابن عقيل مع قولهم: "إن من سب الرسول لا يستتاب" وهذا قول طائفة من المدنيين: منهم محمد بن مسلمة والمخزومي وابن أبي حازم قالوا: "لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب وكذلك اليهودي والنصراني فإن تابوا قبل منهم وإن لم يتوبوا قتلوا ولا بد من الاستتابة" وذلك كله كالردة وهو الذي ذكره العراقيون من المالكية.
وكذلك ذكر أصحاب الشافعي رضي الله عنه قالوا: سب الله ردة فإذا تاب قبلت توبته وفرقوا بينه وبين سب الرسول على أحد الوجهين وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة أيضا.
وأما من استتاب الساب لله ولرسوله فمأخذه أن ذلك من أنواع الردة ومن فرق بين سب الله وسب الرسول قالوا: سب الله تعالى كفر محض وهو حق لله وتوبة من لم يصدر منه إلا مجرد الكفر الأصلي أو الطارئ مقبولة مسقطة للقتل بالإجماع ويدل على ذلك أن النصارى يسبون الله بقولهم: هو ثالث ثلاثة وبقولهم: إن له ولدا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدا وأنا الأحد الصمد" وقال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 547)

ثَلاثَة} إلى قوله: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} وهو سبحانه قد علم منه أنه يسقط حقه عن التائب فإن الرجل لو أتى من الكفر والمعاصي بملء الأرض ثم تاب تاب الله عليه وهو سبحانه لا تلحقه بالسب غضاضة ولا معرة وإنما يعود ضرر السب على قائله وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن يهتكها جرأة الساب وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول فإن السب هناك قد تعلق به حق آدمي والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة والرسول تلحقه المعرة والغضاضة بالسب فلا تقوم حرمته وتثبت في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه لما أن هجوه وشتمه ينقص من حرمته عند كثير من الناس ويقدح في مكانه في قلوب كثيرة فإن لم يحفظ هذا الحمى بعقوبة المنتهك وإلا أفضى الأمر إلى فساد.
وهذا الفرق يتوجه بالنظر إلى أن حد سب الرسول حقا لآدمي كما يذكره كثير من الأصحاب وبالنظر إلى أنه حق الله أيضا فإن ما انتهكه من حرمة الله لا ينجبر إلا بإقامة الحد فأشبه الزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد القدرة عليهم.
وأيضا فإن سب الله ليس له داع عقلي في الغالب وأكثر ما هو سب في نفس الأمر إنما يصدر عن اعتقاد وتدين يراد به التعظيم لا السب ولا يقصد الساب حقيقة الإهانة لعلمه أن ذلك لا يؤثر بخلاف سب الرسول فإنه في الغالب إنما يقصد به الإهانة والاستخفاف والدواعي إلى ذلك متوفرة من كل كافر ومنافق وصار من جنس الجرائم التي تدعوا إليها الطباع فإن حدودها لا تسقط بالتوبة بخلاف الجرائم التي لا داعي إليها.
ونكتة هذا الفرق أن خصوص سب الله تعالى ليس إليه داع غالب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 548)

الأوقات فيندرج في عموم الكفر بخلاف سب الرسول فإن لخصوصه دواعي متوفرة فناسب أن يشرع لخصوصه حد والحد المشروع لخصوصه لا يسقط بالتوبة كسائر الحدود فلما اشتمل سب الرسول على خصائص من جهة توفر الدواعي إليه وحرص أعداء الله عليه وأن الحرمة تنتهك به انتهاك الحرمات بانتهاكها وأن فيه حق لمخلوق تحتمت عقوبته لا لأنه أغلظ إثما من سب الله بل لأن مفسدته لا تنحسم إلا بتحتم القتل.
ألا ترى أنه لا ريب أن الكفر والردة أعظم إثما من الزنا والسرقة وقطع الطريق وشرب الخمر ثم الكافر والمرتد إذا تابا بعد القدرة عليهما سقطت عقوبتهما ولو تاب أولئك الفساق بعد القدرة لم تسقط عقوبتهم مع أن الكفر أعظم من الفسق ولم يدل ذلك على أن الفاسق أعظم إثما من الكافر؟ فمن أخذ تحتم العقوبة سقوطها من كبر الذنب وصغره فقد نأى عن مسالك الفقه والحكمة.
ويوضح ذلك أنا نقر الكفار بالذمة على أعظم الذنوب ولا نقر واحدا منهم ولا من غيرهم على زنى ولا سرقة ولا كبير من المعاصي الموجبة للحدود وقد عاقب الله قوم لوط من العقوبة بما لم يعاقبه بشرا في زمنهم لأجل الفاحشة والأرض مملوءة من المشركين وهم في عافية وقد دفن رجل قتل رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرات والأرض تلفظه في كل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراكم هذا لتعتبروا" ولهذا يعاقب الفاسق الملي من الهجر والإعراض والجلد وغير ذلك بما لا يعاقب به الكافر الذمي مع أن ذلك أحسن حالا عند الله وعندنا من الكافر.
فقد رأيت العقوبات المقدورة المشروعة تتحتم حيث تؤخر عقوبة ما هو أشد منها وسبب ذلك أن الدنيا في الأصل ليست دار الجزاء وإنما الجزاء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 549)

يوم الدين يجزي الله العباد بأعمالهم: إن خبرا فخير وإن شرا فشر لكن ينزل الله سبحانه من العقاب ويشرع من الحدود بمقدار ما يزجر النفوس عما فيه فساد عام لا يخص فاعله أو ما يطهر الفاعل من خطيئته أو لتغلظ الجرم أو لما يشاء سبحانه فالخطيئة إذا خيف أن يتعدى ضررها فاعلها لم تنحسم مادتها إلا بعقوبة فاعلها فلما كان الكفر والردة إذا قبلت التوبة منه بعد القدرة لم تترتب على ذلك مفسدة تتعدى التائب وجب قبول التوبة لأن أحدا لا يريد أن يكفر أو يرتد ثم إذا أخذ أظهر التوبة لعلمه أن ذلك لا يحصل مقصوده بخلاف أهل الفسوق فإنه إذا أسقطت العقوبة عنهم بالتوبة كان ذلك فتحا لباب الفسوق فإن الرجل يعمل ما اشتهى ثم إذا أخذ قال: إني تائب وقد حصل مقصوده من الشهوة التي اقتضاها فكذلك سب الله هو أعظم من سب الرسول لكن لا يخاف أن النفوس تتسرع إلى ذلك إذا استتيب فاعله وعرض على السيف فإنه لا يصدر غالبا إلا عن اعتقاد وليس للخلق اعتقاد يبعثهم على إظهار السب لله تعالى وأكثر ما يكون ضجرا وبرما وسفها وروعه بالسيف والاستتابة تكف عن ذلك بخلاف إظهار سب الرسول فإن هناك دواعي متعددة تبعث عليه متى علم صاحبها أنه إذا أظهر التوبة كف عنه لم يزعه ذلك عن مقصوده.
ومما يدل على الفرق من جهة السنة أن المشركين كانوا يسبون الله بأنواع السب ثم لم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في قبول إسلام أحد منهم ولا عهد بقتل واحد منهم بعينه وقد توقف في قبول توبة من سبه مثل أبي سفيان وابن أبي أمية وعهد بقتل من كان يسبه من الرجال والنساء مثل الحويرث بن نقيد والقينتين وجارية لبني عبد المطلب ومثل الرجال والنساء الذين أمر بقتلهم بعد الهجرة وقد تقدم الكلام على تحقيق الفرق عند من يقول به بما هو أبسط من هذا في المسألة الثالثة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 550)

وأما من قال: "لا تقبل توبة من سب الله سبحانه وتعالى كما لا تقبل توبة من سب الرسول" فوجهه ما تقدم من عمر رضي الله تعالى عنه من التسوية بين سب الله وسب الأنبياء في إيجاب القتل ولم يأمر بالاستتابة مع شهرة مذهبه في استتابة المرتد لكن قد ذكرنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يستتاب لأنه كذب النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل ذلك على السب الذي يتدين به.
وأيضا فإن السب ذنب منفرد عن الكفر الذي يطابق الاعتقاد فإن الكافر يتدين بكفره ويقول: إنه حق ويدعوا إليه وله عليه موافقون وليس من الكفار من يتدين بما يعتقده استخفافا واستهزاء وسبا لله وإن كان في الحقيقة سبا كما أنهم لا يقولون: إنهم ضلال جهال معذبون أعداء الله وإن كانوا كذلك وأما الساب فإنه مظهر للتنقص والاستخفاف والاستهانة بالله منتهك لحرمته انتهاكا يعلم من نفسه أنه منتهك مستخف مستهزئ ويعلم من نفسه أنه قد قال عظيما وأن السماوات والأرض تكاد تنفطر من مقالته وتخر الجبال وأن ذلك أعظم من كل كفر وهو يعلم أن ذلك كذلك ولو قال بلسانه: "إني كنت لا أعتقد وجود الصانع ولا عظمته والآن فقد رجعت عن ذلك" علمنا أنه كاذب فإن فطرة الخلائق كلها مجبولة على الاعتراف بوجود الصانع وتعظيمه فلا شبهة تدعوه إلى هذا السب ولا شهوة له في ذلك بل هو مجرد سخرية واستهزاء واستهانة وتمرد على رب العالمين تنبعث عن نفس شيطانية ممتلئة من الغضب أو من سفيه لا وقار لله عنده كصدور قطع الطريق والزنى عن الغضب والشهوة وإذا كان كذلك وجب أن يكون للسب عقوبة تخصه حدا من الحدود وحينئذ فلا تسقط تلك العقوبة بإظهار التوبة كسائر الحدود.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 551)

ومما يبين أن السب قدر زائد على الكفر قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} .
ومن المعلوم أنهم كانوا مشركين مكذبين معادين لرسوله ثم نهى المسلمون أن يفعلوا ما يكون ذريعة إلى سبهم لله فعلم أن سب الله أعظم عنده من أن يشرك به ويكذب رسوله ويعادي فلا بد له من عقوبة تختصه لما انتهكه من حرمة الله كسائر الحرمات التي تنتهكها بالفعل وأولى فلا يجوز أن يعاقب على ذلك بدون القتل لأن ذلك أعظم الجرائم فلا يقابل إلا بأبلغ العقوبات.
ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً} فإنها تدل على قتل من يؤذي الله كما تدل على قتل من يؤذي رسوله والأذى المطلق إنما هو باللسان وقد تقدم تقرير هذا.
وأيضا فإن إسقاط القتل عنه بإظهار التوبة لا يرفع مفسدة السب لله تعالى فإنه لا يشاء شاء أن يفعل ذلك ثم إذا أخذ أظهر التوبة إلا فعل كما في سائر الجرائم الفعلية.
وأيضا فإنه لم ينتقل إلى دين يريد المقام عليه حتى يكون الانتقال عنه تركا له وإنما فعل جريمة لا تستدام بل هي مثل الأفعال الموجبة للعقوبات فتكون العقوبة على نفس تلك الجريمة الماضية ومثل هذا لا يستتاب عند من يعاقب على ذنب مستمر من كفر أو ردة.
وأيضا فإن استتابة مثل هذا توجب أن لا يقام حد على ساب لله فإنا نعلم أن ليس أحد من الناس مصرا على السب لله الذي يرى أنه سب فإن ذلك لا يدعو إليه عقل ولا طبع وكل ما أفضى إلى تعطيل الحدود بالكلية كان باطلا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 552)

ولما كان استتابة الفساق بالأفعال يفضي إلى تعطيل الحدود لم يشرع مع أن أحدهم قد لا يتوب من ذلك لما يدعوه إليه طبعه وكذلك المستتاب من سب الرسول فلا يتوب لما يستحله من سبه فاستتابة الساب لله الذي يسارع إلى إظهار التوبة منه كل أحد أولى أن لا يشرع إذا تضمن تعطيل الحد وأوجب أن تمضمض الأفواه بهتك حرمة اسم الله والاستهزاء به.
وهذا كلام فقيه لكن يعارضه أن ما كان بهذه المثابة لا يحتاج إلى تحقيق إقامة الحد ويكفي تعريض قائله للقتل حتى يتوب.
ولمن ينصر الأول أن يقول: تحقيق إقامة الحد على الساب لله ليس لمجرد زجر الطباع عما تهوى بل تعظيما لله وإجلالا لذكره وإعلاء لكلمته وضبطا للنفوس أن تتسرع إلى الاستهانة بجناية وتقييدا للألسن أن تتفوه بالانتقاص لحقه.
وأيضا فإن حد سب المخلوق وقذفه لا يسقط بإظهار التوبة فحد سب الخالق أولى.
وأيضا فحد الأفعال الموجبة للعقوبة لا تسقط بإظهار التوبة فكذلك حد الأقوال بل شأن الأقوال وتأثيرها أعظم.
وجماع الأمر أن كل عقوبة وجبت جزاء ونكالا على فعل أو قول ماض فإنها لا تسقط إذا أظهرت التوبة بعد الرفع إلى السلطان فسب الله أولى بذلك ولا ينتقض هذا بتوبة الكافر والمرتد لأن العقوبة هناك إنما هي على الاعتقاد الحاضر في الحال المستصحب من الماضي فلا يصلح نقضا لوجهين:
أحدهما: أن عقوبة الساب لله ليست كذنب استصحبه واستدامه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 553)

فإنه بعد انقضاء السب لم يستصحبه ولم يستدمه وعقوبة الكافر والمرتد إنما هي الكفر الذي هو مصر عليه مقيم على اعتقاده.
الثاني: أن الكافر إنما يعاقب على اعتقاد هو الآن في قلبه وقوله وعمله دليل على ذلك الاعتقاد حتى لو فرض أنا علمنا أن كلمة الكفر التي قالها خرجت من غير اعتقاد لموجبها لم نكفره بأن يكون جاهلا بمعناها أو مخطئا قد غلط وسبق لسانه إليها مع قصد خلافها ونحو ذلك والساب إنما يعاقب على انتهاكه لحرمة الله واستخفافه بحقه فيقتل وإن علمنا أنه لا يستحسن السب لله ولا يعتقده دينا إذ ليس أحد من البشر يدين بذلك ولا ينتقض هذا أيضا بتارك الصلاة والزكاة ونحوهما فإنهم إنما يعاقبون على دوام الترك لهذه الفرائض فإذا فعلوها زال الترك وإن شئت أن تقول: إن الكافر والمرتد وتاركي الفرائض يعاقبون على عدم فعل الإيمان والفرائض أعني على دوام هذا العدم فإذا وجد الإيمان والفرائض امتنعت العقوبة لانقطاع العدم وهؤلاء يعاقبون على وجود الأقوال والأفعال الكبيرة لا على دوام وجودها فإذا وجدت مرة لم يرتفع ذلك بالترك بعد ذلك.
وبالجملة فهذا القول له توجه وقوة وقد تقدم أن الردة نوعان: مجردة ومغلظة وبسطنا هذا القول فيما تقدم في المسألة الثالثة ولا خلاف في قبول التوبة فيما بينه وبين الله سبحانه وسقوط الإثم بالتوبة النصوح.
ومن الناس من سلك في ساب الله تعالى مسلكا آخر وهو أنه جعله من باب الزنديق كأحد المسلكين اللذين ذكرناهما في ساب الرسول لأن وجود السب منه مع إظهاره للإسلام دليل على خبث سريرته لكن هذا ضعيف فإن الكلام هنا إنما هو في سب لا يتدين به فإن السب الذي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 554)

يتدين به كالتثليث ودعوى الصاحبة والولد فحكمه حكم أنواع الكفر وكذلك المقالات المكفرة مثل مقالة الجهمية والقدرية وغيرهم من صنوف البدع.
وإذا قبلنا توبة من سب الله سبحانه فإنه يؤدب أدبا وجيعا حتى يردعه عن العود إلى مثل ذلك هكذا ذكره بعض أصحابنا وهو قول أصحاب مالك في كل مرتد.
فصل.
وإن كان الساب لله ذميا فهو كما لو سب الرسول وقد تقدم نص الإمام أحمد على أن من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب سبحانه فإنه يقتل سواء كان مسلما أو كافرا وكذلك أصحابنا قالوا: من ذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء فجعلوا الحكم فيه واحدا وقالوا: الخلاف في ذكر الله وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سواء وكذلك مذهب مالك وأصحابه وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا لمن سب الله أو رسوله أو كتابه من أهل الذمة حكما واحدا لكن هنا مسألتان:
إحداهما: أن سب الله تعالى على قسمين أحدهما: أن يسبه بما لا يتدين به مما هو استهانة به عند المتكلم وغيره مثل اللعن والتقبيح ونحوه فهذا هو السب الذي لا يرب فيه.
والثاني: أن يكون مما يتدين به ويعتقده تعظيما ولا يراه سبا ولا انتقاصا مثل قول النصراني: إن له ولدا وصاحبة ونحوه فهذا مما اختلف فيه إذا أظهره الذمي فقال القاضي وابن عقيل من أصحابنا: ينتقض به العهد كما ينتقض إذا أظهروا اعتقادهم في النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتضى ما ذكره الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب وغيرهما فإنهم ذكروا أن ما ينقض

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 555)