وإعطائه حقه في استعمال اللعب، ما دام أنه ضمن الإطار الشرعي.
وإن المتأمل لأنواع اللَّعب في الإسلام يجد أنها أقسام ثلاثة:
القسم الأول: ما كان من اللَّعب مفضيًا إلى ما حرم الله، وهو ما كانت مفسدته خالصة، أو كانت مفسدته راجحة على مصلحته، فهذا قد حرمه الإسلام، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة] وعليه يحمل حديث أنس رضي الله عنه عند من صححه(1)، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لست من دَدٍ(2)، ولا الدَّدُ مني»(3).--------------------------------------------
(1) أثبته الحافظ كما في هدي الساري ص 84.
(2) قال الزبيدي في تاج العروس 8/ 69: «الدَّدُ مخفّف: اللَّهوُ واللَّعِبُ، وفيه أربع لغات: تقول هذا دَدٌ كَيَدٍ، ودَدَا كقفًا، ودَدَنٌ بالنُّون ثالثةً، ودَدَدٌ بثلاث دالاتٍ».
قال ابن الأثير في النهاية 2/ 109: «ومعنى تنكير الدَّدِ في الجملة الأولى: الشيِّاعُ والاستغراق، وأن لا يبقى شيءٌ منه إلا وهو مُنَزَّهٌ عنه؛ أي: ما أنا في شيءٍ من اللَّهو واللَّعِب، وتعريفه في الجملة الثانية؛ لأنه صار معهودًا بالذكر؛ كأنه قال: ولا ذلك النوع مني، وإنما لم يقل: ولا هو مني؛ لأن الصريح آكد وأبلغ، وقيل: اللام في الدَّد لاستغراق جنس اللعب؛ أي: ولا جنس اللعب مني سواءً كان الذي قلته أو غيره من أنواع اللعب واللهو».
اختار الزمخشري في الفائق 1/ 137 أن اللام للعهد، قال: «وليس بحسن أن يكون لتعريف الجنس؛ لأن الكلام يتفكك ويخرج عن التئامه، ونظيره جاءني رجل وكان من فعل الرجل كذا».
(3) أخرجه البخاري في الأدب المفرد 1/ 274 ح (785)، والبزار 12/ 345 - 346 ح (6231)، والطبراني في الأوسط 1/ 132 ح (413)، وابن عدي في الكامل 7/ 243، والدولابي في الكنى 1/ 179، والبيهقي 10/ 217، وابن عساكر 38/ 369 من طرق عن يحي بن محمد بن قيس، سمعت عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، سمعت أنس بن مالك به، وعلقه العقيلي في الضعفاء 4/ 427 عن عمرو به. قال ابن عدي: «وهذا الحديث يُعرف بيحيى بن قيس».
ويحيى بن محمد بن قيس متكلمٌ فيه، وقد ضعفه ابن معين، قال العقيلي: «لا يتابع على حديثه»، وقال ابن حبان: «كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل من غير تعمد، لا يُحتَجُّ به»، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه»، وقال أبو زرعة: «أحاديثه متقاربة إلا حديثين حدَّث بهما» وساق له ابن عدي أربعة أحاديث، منها هذا الحديث، ثم قال: «وله أحاديث غير ما ذكرت، وعامة أحاديثه مستقيمة إلا هذه الأحاديث التي بيَّنتها»، لخص حاله الحافظ ابن حجر في قوله: «صدوقٌ يخطئُ كثيرًا».
يُنظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 9/ 184، والضعفاء للعقيلي 4/ 427، والكامل لابن عدي 7/ 243، وكتاب المجروحين لابن حبان 3/ 119، وتهذيب الكمال 31/ 524، والتقريب (7639).
وبناء عليه فالحديث ضعيف، وتفرد به يحيى بن محمد بن قيس، وقد عدَّه من منكرات حديثه ابن عدي فيما سبق، والهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 165.
وقد خالف يحيى بن محمد الدراورديُّ عند الطبراني في الكبير 19/ 343 ح (794)، فرواه محمد بن إسماعيل الجعفري عنه، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا.
قال أبو حاتم وأبو زرعة في العلل رقم (2295): «حديث معاوية أشبه».
ترجيح هذين الإمامين لطريق الدراوردي ليس مصيرًا منهما إلى تصحيحها، وإنما هو ترجيحٌ لرواية الدراوردي مقارنة بطريق يحيى بن محمد بن قيس، ويؤيد هذا أن في الطريق إلى الدراوردي محمد بن إسماعيل الجعفري، وقد قال فيه أبو حاتم في الجرح والتعديل 7/ 189: «منكر الحديث يتكلمون فيه»، كما أن في الإسناد المطلب بن عبد الله، وقد قال فيه أبو حاتم في المراسيل ص 164: «عامة حديثه مراسيل، لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا سهل بن سعد، وأنسًا، وسلمة بن الأكوع، ومن كان قريبًا منهم».
وقد روي الحديث عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب مرسلًا، وذلك فيما علقه الدارقطني في العلل 12/ 114، وقال عقبه: «والمرسل أشبه».
وللحديث شاهدٌ عن جابر، أخرجه الإسماعيلي في أسامي شيوخه 1/ 342 قال: حدثنا أبو الفضل السدوسي، من حفظه إملاءً، حدثني أبي، عن أبي عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لست من دد، ولا الدد مني».
وفي الإسناد شيخ الإسماعيلي، وأبو شيخه، لم أقف على حالهما، وفيه ابن جريج مدلسٌ كما في التقريب (4193) وقد عنعن.
والخلاصة أن الحديث لا يصح بوجه من الوجوه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)