Arabic source text

📘 আস-সুন্নাতুন নাবাবিয়্যাহ ওয়াহইুন - আবু লুবাবাহ বিনুত তাহির হুসাইন (আবু লুবাবাহ বিন আত-তাহির হুসাইন)

📘 السنة النبوية وحي - أبو لبابة بن الطاهر حسين (أبو لبابة بن الطاهر حسين)

📘 আস-সুন্নাতুন নাবাবিয়্যাহ ওয়াহইুন - আবু লুবাবাহ বিনুত তাহির হুসাইন (আবু লুবাবাহ বিন আত-তাহির হুসাইন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
إنّ العقل يسلّم بمحدوديّة معارفه وانحصارها في عالم الشهادة، أمّا عالم الغيب فلا سبيل إلى معرفته والإلمام بأسراره وخصائصه إلا بالوحي، ومن هنا أدركت العقول الصحيحة أنّ الإنسان في حاجة ماسّة إلى الوحي الإلهي للوصول إلى المعرفة الصحيحة حول الكون وخالقه والإنسان ودوره في التعمير وخلافة الله في الأرض ومصيره في الآخرة. والإحساس بالحاجة إلى الوحي ليس فيه غمط للعقل والحسّ ودورهما في المعرفة، ذلك أنّ الوحي يهدي هذه الوسائل ويصحّح مسارها ويرشدها إلى الحقائق التي لا سبيل أن يصل إليها العقل والحسّ بمفردهما.
الفيلسوف ابن الطفيل يثبت أن لا مناص من النبوّة والوحي لإرشاد الخليقة إلى الحقّ (1) :
كتب الفيلسوف ابن الطفيل في القرن السادس للهجرة قصّته الشهيرة "حيّ بن يقظان" هذا الطفل الذي رمت به الأمواج في جزيرة مهجورة من جزائر الهند التي تحت خط الاستواء، فتبنّته غزالة فكانت له كأمّه ونما وكبر وقد وهبه الله ذكاءً وقّاداً فعرف كيف يقوم بحاجات نفسه واستطاع أن يتحصّل بفطرته السليمة وملاحظاته الفاحصة وتفكيره الحادّ علماً غزيراً وأن يدرك بنفسه أرفع الحقائق الطبيعيّة وما وراء الطبيعة فعرف الله والعالم ونال السعادة المتّصلة الغامرة التي لا ينالها إلا العارفون بالله والعالمون بحقائق الكون الفسيح، وعند التقائه "أبسال" الرجل التقيّ الذي قرّر اعتزال--------------------------------------------
(1) هو أبوبكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي الأندلسي ولد قبل سنة 506هـ وتوفي سنة 581هـ[1185-1186م] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)

الناس والفرار بدينه من جزيرة مجاورة، علّمه الكلام، فعلم منه حقائق الوجود ووجد في الطريق الفلسفي الذي سلكه حيّ بن يقظان تعليلاً علويّاً للدين الذي يعتقده، وتفسيراً سليماً لكلّ الأديان، واستطاع حيّ بن يقظان إقناع "أبسال" أن يحمله إلى جزيرته التي هجرها ليلتقي فيها ملكها التقيّ "سلامان" صديق "أبسال" الذي يرى خلافاً لأبسال وجوب ملازمة الجماعة وترك العزلة.
وبالتقائهم حاول حيّ أن يكشف لأهل الجزيرة وخاصّتها بطريقته العقليّة والإشراقيّة الحقائق العليا التي وصل إليها فلم يوفّق، وأدرك حيّ وصديقه أبسال أنّ من أراد أن يعلّم الناس حقائق الوجود ويؤثّر في أفهامهم الغليظة ويُلِين إرادتهم المستعصية، فلا مفرّ له من أن يصوغ آراءه بلغة الأديان المنزّلة على الرسل. فابن الطفيل أراد أن يبيّن أنّه في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه وبفطرته السليمة من المحسوس إلى المعقول إلى الله بحيث يستطيع الوصول إلى معرفة العالم ومعرفة الخالق، إلا أنّ هذا الإنسان سواءً كان فيلسوفاً أو مفكّراً أو عالماً وإن وصل إلى معرفة الحقائق العليا حول الإنسان والكون والخالق سبحانه، فإنّه لا يُحْسِنُ إبلاغ هذه الحقائق إلى عامّة الناس بل إنه لا يستطيع إقناع حتى الخاصّة منهم، فالسبيل الوحيد لإيصال الحقائق الكونيّة للخليقة هو الوحي الإلهي عن طريق من يجتبيهم الله تعالى من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام (1) .--------------------------------------------
(1) انظر ذخائر العرب 8 - حيّ بن يقظان لابن سينا وابن الطفيل والسهرورديّ ص1-11،ص 20-32، تحقيق وتعليق أحمد أمين - ط 3 -1966، دار المعارف - بمصر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)

فالوحي ظاهرة ممكنة الحدوث وإنّ تواتر الرسالات السماويّة إلى جانب الكثير من الدراسات العقلية الجادّة التي توصّلت إلى ضرورة الوحي، حتى إن المعتزلة وهم ممّن مجّد العقل وقدّمه، عدّوا الوحي والنبوّة واجباً يقتضيه العقل نفسه، كلّ ذلك يثبت حقيقة الوحي ولا يمكن بحال أن يغني العقل عن النبوّة والرسالة. وطالما أنّ الإنسان محاسب مجازى على أعماله فإنّ مبعث الرسل للشعوب والأمم وللخليقة أجمعين يعدّ واجبا {لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165] ، كما يعدُّ الوحي حقيقة لا ينكرها إلا متفلّت من ضوابط العقل والحسّ وثوابت النقل وكلّ سبل المعرفة وتحصيل العلم. .
وحينما نثبت الوحي نثبت علويّته فهو من الله، ونثبت صدقه فهو حقّ محض لا يأتيه الباطل، فكلّ ما أخبر به الوحي واقع وصدق وحقّ لا يتخلّف، يقول عبد الله بن عبّاس حول قول الله تعالى مخاطباً اليهود المخادعين: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِندُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة:6] . وحول قوله تعالى في شأن المجادلين في شأن عيسى عليه السلام بعد أن بيّن القرآن وجه الحقّ فيه: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران:61] (1) : "لو تمنى اليهود الموت لماتوا، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا، لا--------------------------------------------
(1) والمباهلة هي الدعاء باللعنة على الكاذب المفتري [التفسير الواضح الميسر - الشيخ محمد الصابوني - ص 128 - ط1 - 1422هـ - 2001م - مؤسّسة الريّان للطباعة والنشر بيروت] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)

يجدون أهلاً ولا مالاً " (1) .
والأنبياء عصمهم الله من الخطإ في تلقّي الوحي وفي إبلاغه، وهم لا يملكون من أمر الوحي شيئاً فهم مبلِّغون رسالات ربّهم بدون تبديل أو تغيير.
وإذا ثبت لدينا إمكانية الوحي وتحقّقت هذه الظاهرة الربّانية فهل السنة النبويّة الصحيحة وحي من الله؟
لإثبات ذلك سوف نبحث عن أدلّة من كتاب الله الذي هو وحي من الله، ثمّ من السنّة النبويّة الصحيحة، كما سنتتبّع جملة من الأخبار الغيبيّة التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم وندرس مدى تحقّقها ومصداقها فيما بعد حتى نعرف إن كان مصدرها الوحي من الله، وكذلك سندرس جملة من الأحاديث التي تتناول مسائل علميّة معقّدة ونبحث عن الإعجاز العلمي فيها فإذا تحقّق ذلك كلّه أدركنا بما لا يدع مجالاً للشك أنّ السنّة النبويّة وحي من الله جلّت قدرته.--------------------------------------------
(1) شرح صحيح البخاريّ، فتح الباري - كتاب التفسير - باب "كلا لئن لم ينته" - 8/595 - الحديث رقم 4950.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)

‌‌الدليل من القرآن الكريم على أن السنة وحي:
روى الإمام البخاري في جامعه بسنده الصحيح إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلىّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" (1) .--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري - الاعتصام - باب قول النبي (بعثت بجوامع الكلم - فتح الباري 13/261 - حديث رقم 7274.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)

فالرسول صلى الله عليه وسلم يبين في هذا الحديث أن معجزته الكبرى هي الوحي، والوحي لا ينحصر في القرآن الكريم الذي هو "أعظم المعجزات وأفْيَدُها وأدومها لاشتماله على الدعوة والحجّة ودوام الانتفاع به إلى آخر الدهر" (1) . وإنّما يدخل ضمنه بيان القرآن وشرحه الذي أجراه الله على لسان نبيّه في سنته المطهّرة وقد وردت آيات كثيرة تثبت هذا المعنى من ذلك:
1ـ قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:16-19] .
فالله يطمئن رسولهصلى الله عليه وسلم في هذه الآيات ويعده -ووعده الحق- بأنّه سيجمع القرآن في صدره فيحفظه دون أن يتفلّت منه شيء ويردّده متى شاء بكلّ يسر وسيعلّمه قراءته كما نزل، وقطع سبحانه بأنه المتكفّل ببيانه، ويفسّر ابن عباس قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} بقوله: "علينا أن نبيّنه بلسانك"وفي رواية: "على لسانك" (2) .
وعبارة "بيانه" في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} جنس مضاف، فيعمّ جميع أصناف البيان المتعلّقة بالقرآن الكريم من إظهاره وتبيين أحكامه وما يتعلّق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك (3) . ونظراً إلى أنّ السنة هي التي بيّنت الغامض وفصّلت المجمل ووضّحت المشكل وفسّرت المبهم وقيّدت المطلق وخصّصت العام وحدّدت المنسوخ فهي المراد بقوله تعالى:--------------------------------------------
(1) فتح الباري 13/262.
(2) صحيح البخاري - التفسير- باب فإذا قرأناه فاتبع قرآنه حديث 4929 فتح الباري 8/550.
(3) انظر فتح الباري 8/551.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)

{إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} فهي وحي من الله.
2 ـ وكذلك قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران:164] . إن فُسِّرَت الحكمة بالعقل والإتقان والصواب في القول والعمل (1) .
وفسّرها ابن عباس رضي الله عنه "بعلم القرآن ناسخه ومنسوخه محكمه ومتشابهه " وفسّرت كذلك بفهم حقائق القرآن (2) ، وهي معانٍ تنطبق على السنة ولا تخرج عن دائرتها فإنّ العديد من العلماء فسّروها بالسنة بكلّ وضوح فقد شرحها كل من قتادة بن دعامة السدوسي [ت131هـ] وعبد الملك بن جريج [ت149هـ] بالسنة (3) وشرحها ابن جرير الطبري بقوله "وهي السنن التي علّمكموها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنّها لكم " (4) .
والحكمة وردت في القرآن العزيز مقرونة بالكتاب في مواطن عديدة، وممن بسط القول في شرحها وعلى أنّها السنة المطهرة الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله فقال في رسالته: " سمعت من أرضى من أهل--------------------------------------------
(1) انظر البحر المحيط - محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان الأندلسي الغرناطي الحياني الشهير بأبي حيّان 2/ 320،463.
(2) مفردات القرآن للراغب 250.
(3) جامع البيان عن تأويل القرآن - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري 1/557 /3/274. [ط3 - 1388هـ/1968م - مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر] .
(4) المصدر السابق 2/483.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)

العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يشبه ما قال والله أعلم ". ويعلل ذلك بقوله: "لأنّ القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله مَنَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة فلم يجُز – والله أعلم – أن يقال: الحكمة ها هنا إلا سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم " (1) . ويبسط الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله القول في دليل الشافعي فيقول:
1- إن الله عطف الحكمة على الكتاب، وذلك يقتضي المغايرة، ولا يصحّ أن تكون غير السنة.
2- لأنّ الله ذكرها في معرض المنّة على المؤمنين، ولا يمنّ الله إلا بما هو حقّ وصواب.
3- وبما أن القرآن واجب الاتباع فالمعطوف عليه وهو الحكمة واجبة الاتباع.
4- وبما أنّ الله لم يوجب علينا إلا اتباع الكتاب والسنة، فتعيّن أن تكون السنة هي ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال وأحكام في معرض التشريع (2) . فهذا دليل قرآني على أنّ السنّة وحي أنزلها الله على قلب رسوله كما أنزل القرآن: {وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء:113] .
3 ـ ومن الأدلة القرآنية على أنّ السنة وحي قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ--------------------------------------------
(1) الرسالة للإمام الشافعي ص 86 [ط1 - 1408هـ /1988م، الناشر مركز الأهرام للترجمة والنشر - القاهرة] .
(2) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي - مصطفى بن حسين السباعي ص 51، [ط4 - 1405هـ/1985م المكتب الإسلامي - بيروت] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)

الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44] .
وإن شُرِح الذكر (1) الوارد في قوله تعالى: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} [ص:8] بالقرآن، فإنّه في آيتنا هذه يعني السنّة لأنّ الذكر الذي أنزله الله على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أنزله عليه ليبيّن به للناس ما نزّل إليهم من كتاب الله، وبيان الرسول إنّما هو من سنته صلى الله عليه وسلم.
ويشرح ابن حزم عبارة "الذكر" الواردة في الآية بالوحي فيقول: "ولا خلاف بين أحدٍ من أهل اللغة والشريعة في أنّ كل وحي نزل من عند الله فهو ذكر منزّل"وردّ على من زعم أنّ المراد بالذكر في الآية "القرآن وحده" بقوله: "هذه دعوى كاذبة مجرّدة عن البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل والذكر اسم واقع على كلّ ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن وسنة" (2) .
"فالذكر بيانٌ أنزله الله والسنة هي هذا البيان فتكون بالتالي وحياً منزّلاً من السماء، وقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما أنزل إليه من القرآن أكمل تبيلغ كما قام بتبيينه خير تبيين ففصّل مجمله ووضّح مشكله وفسّر مبهمه وقيّد مطلقه وخصّص عامّه وبيّن منسوخه واستنبط أحكامه وحدّد مرماه وكشف مغزاه وأبان عن معناه " (3) .
4 ـ ومن الأدلة القرآنية على أنّ السنة وحي قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا--------------------------------------------
(1) المفردات للراغب ص 328.
(2) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي 157.
(3) محاضرات في علوم الحديث - للشيخ مصطفى أمين التازي 1/120.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)

إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء:105] .
ذهب الداودي إلى أن عبارة "بما أراك الله" ليست محصورة في المنصوص وإنّما فيها إذن في القول بالرأي من قياس واجتهاد، خلافاً لما ذهب إليه الإمام البخاري من أنّ كل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وحكم به بين الناس إنّما صدر فيه عن الوحي، وقد ترجم لهذا المعنى في صحيحه بقوله: ". . . ولم يقل برأي ولا قياس لقوله تعالى: "بما أراك الله" (1) .
ولكن إذا علمنا أنّ الله لا يقرّ نبيّه على خطأ تبيّن لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يحكم بين الناس إنّما يحكم بما ورد في القرآن ممّا نصّ عليه فيه من أحكام، كما يحكم بينهم بما علّمه الله وأراه أي بسنّته فيكون في حكمه مستنداً إلى القرآن والسنة وكلّ منهما ممّا نزّله الله عليه وعلّمه حقائقه وعرّفه حدوده، فهما وحي بلا جدال.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري - الاعتصام - الباب 8 - باب ما كان النبي (يُسأل ممّا لم ينزل عليه الوحي - فتح الباري 13/3030.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

‌‌الدليل من السنّة النبويّة على أنّ السنّة وحي:
ذكر الإمام الشافعيّ "أنّ حجّة من قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يسنّ شيئا إلا بأمر الله على وجهين:
- إمّا بوحي يتلى على الناس وهو القرآن الكريم.
- وإمّا برسالة عن الله أن افعل " (1) ، ويريد الإمام بقوله: "رسالة عن--------------------------------------------
(1) انظر فتح الباري 13/305.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

الله"ما يقابل الوحي المتلوّ، وهو الوحي غير المتلوّ أي السنّة النبويّة.
وما قاله الإمام الشافعيّ جاء مصداقا لكثير من الأحاديث ووقائع السنّة منها:
1- حديث المقدام بن معديكرب يرفعه: "ألا إنّي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا الكتاب فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه. . " (1) وجاء في نهاية الحديث في رواية أخرى: "ألا وإنّ ما حرّم رسول الله كما حرّم الله" (2) ، وروى أبو داود في مراسيله عن مكحول الشاميّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "آتاني الله القرآن ومن الحكمة مثليه".
وعبارة "الكتاب" الواردة في الحديث واضحة، يراد بها القرآن الكريم، وهو الوحي الظاهر الجليّ المتلوّ، وأمّا قوله: "ومثله معه" فذهب العلماء إلى أنّ المراد بها الوحي غير المتلوّ، وهو السنّة بكلّ ما تعنيه من بيان شامل للكتاب وتشريع مستقلّ عنه.
ومثليّة السنّة للقرآن تتحقّق في أمرين: في النوع وفي الحكم:
- أمّا النوع فيعني أنّ كلاً من القرآن والسنّة وحي من الله، وأمّا الحكم فيعني وجوب العمل بهما جميعا (3) .--------------------------------------------
(1) سنن أبي داود - كتاب السنّة - باب في لزوم السنّة 5/10 حديث 4604 - نحوه سنن ابن ماجه - المقدّمة - باب تعظيم حديث رسول الله. . 1/6 حديث 12 - سنن الترمذي - العلم - باب ما نهي عنه، أن يقال عند حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم 5/38 حديث 2664 - عون المعبود 12/354 حديث4580.
(2) الحديث والمحدّثون 11.
(3) انظر معالم السنن لأبي سليمان الخطّابيّ - 4/298 (ط2 -1401هـ /1981م- منشورات المكتبة العلميّة - بيروت - لبنان) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

2- ومن أوضح ما يثبت أنّ السنّة وحي ما أثر عن حسّان بن عطيّة أحد ثقات التابعين الشاميّين قوله: "كان جبريل ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن" (1) وفي رواية إضافة قوله: "ويعلّمه إيّاها كما يعلّمه القرآن" (2) ، يؤيّد هذا ما رواه البخاريّ في صحيحه بسنده إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال سمعت النبيّ بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آت من ربّي فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجّة" (3) . ومن هذا القبيل قوله: "إنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لن تموت نفس حتّى تستوفي رزقها، فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب" (4) .
فهذه الأحاديث صريحة في أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقّى السنّة من الله سواء كان ذلك بوحي جليّ بواسطة جبريل وفي حال اليقظة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "أتاني آت"، أو بوحي خفيّ أي بإلهام أو نفث في الروع أو بالرؤيا في المنام، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الروح الأمين نفث في روعي"، وهي تصدّق قول التابعيّ الجليل حسّان بن عطيّة: "إنّ جبريل كان ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن" وهي واضحة الدلالة على أن السنّة وحي--------------------------------------------
(1) فتح الباري 13/305 - سنن الدارميّ - المقدّمة - باب السنّة قاضية على كتاب الله 1/117 حديث 594.
(2) تحفة الأشراف 13/ 161 الحديث 18490.
(3) صحيح البخاريّ - الحجّ - باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "العقيق واد مبارك" - فتح الباري 3/458 حديث 1534. والاعتصام - باب ما ذكر النبيّ وحضّ على اتفاق أهل العلم - فتح الباري13/315 حديث 7322. سنن أبي داود - مناسك - باب في الإقران 2/394 حديث 1800 - سنن ابن ماجه - المناسك - باب التمتّع بالعمرة إلى الحجّ 2/991 حديث 2976.
(4) محاضرات في علوم الحديث - مصطفى أمين التازيّ 1/99 (ط3 -1391هـ /1971م - مطبعة دار التأليف بمصر) . ونحوه في سنن ابن ماجه [بدون ذكر: إنّ الروح الأمين نفث في روعي]- التجارات- باب الاقتصاد في طلب المعيشة2/725 حديث 2144.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

من الله تعالى.
3- وممّا يثبت أنّ السنّة وحي ما أخرجه الإمام الشافعيّ من طريق التابعيّ الكبير طاوس بن كيسان "أنّ عنده كتابا في العقول نزل به الوحي" (1) . وإذا علمنا أنّ الديّات ممّا حدّدته وفصّلت معالمه السنّة أدركنا أنّ كلّ ذلك وحي نزل على قلب الرسول وجرى به لسانه. وكذلك أنصبة الزكاة وبيان مقاديرها المخرّجة وأنواعها وأجناسها وتفصيلاتها المبسوطة في كتب الزكاة والصدقة، فهي وإن بدت من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا أنها في الحقيقة أمر أمر الله به نبيّه عليه الصلاة والسلام. مصداق ذلك ما رواه البخاريّ بسنده الصحيح إلى أنس بن مالك رضي الله عنه: أنّ أبا بكر كتب له هذا الكتاب لمّا وجّهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله. " (2) .
فقول أبي بكر رضي الله عنه: "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي أمر الله بها رسوله. " يبيّن بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ ما يتعلّق بركن الزكاة والصدقات إنّما هو وحي من الله عبّر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ببيانه الآسر، ويقاس على الزكاة بقيّة الأركان، وغيرها ممّا تناولته السنة بالبيان.
4- ومن الأدلّة التي ساقها العلماء على أنّ السنّة وحي كالقرآن قصّة العسيف (3) ، فقد روى البخاريّ بسنده الصحيح إلى أبي هريرة وزيد بن--------------------------------------------
(1) فتح الباري13/305.
(2) صحيح البخاريّ - الزكاة - باب زكاة الغنم - فتح الباري 3/371 - 372 الحديث 1454.
(3) العسيف بمهملتين: الأجير وزناً ومعنىً، والجمع عسفاء كأجراء، ويطلق على الخادم وعلى العبد، وسمّي الأجير عسيفا لكون المستأجر يعسفه في العمل أي يجور عليه في العمل، أو لكون الأجير يعسف الأرض بالتردّد عليها. (فتح الباري 12/142 - 143) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

خالد قالا: كنّا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقام رجل [وهو زوج المرأة وكان أعرابياًّ] فقال: أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله!!. فقام خصمه [وهو والد العسيف] وكان أفقه منه فقال: "اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، قال "قل! " قال: إنّ ابني هذا كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم. ثمّ سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأته الرجم. فقال النبيّ: "والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله جلّ ذكره، المائة شاة والخادم ردّ وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (1) .
والشاهد هنا هو قوله: "لأقضينّ بينكما بكتاب الله" وقضى بجلد البكر مائة وتغريب عام، وبرجم المحصنة، وكلّ من التغريب والرجم قضت بهما السنّة، ولم يرد لهما ذكر في الكتاب إلا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عبّر عن هذين الحكمين اللذين تفرّدت بهما السنة "بالكتاب"، وهذا دليل صريح على أنّ السنّة وحي كالكتاب، وعلى أنّ الكتاب أعمّ من القرآن، وأنّ المراد به "الشرع" سواء كان كتابا أو سنّة.
- وفي المضمار نفسه شرح أبوبكر البيهقيّ من علماء القرن الخامس الهجري [ت458هـ] عبارة "الكتاب" الواردة في قول الرسول: " إنّي لا أحلّ إلا ما أحلّ الله في كتابه، ولا أحرّم إلا ما حرّم الله في كتابه" بالوحي سواء كان وحيا متلوّا وهو القرآن، أو غير متلوّ وهو السنّة النبويّة (2) .--------------------------------------------
(1) صحيح البخاريّ - الحدود - باب الاعتراف بالزنى - فتح الباري 12/140 حديث 6827.
(2) انظر السنّة ومكانتها في التشريع الإسلاميّ 155.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

5- ومن الأدلّة على أنّ السنّة وحي ما جاء على لسان معاذ بن جبل رضي الله عنه في حكم المرتدّ المغيّر لدينه المفارق للجماعة الذي قضت السنّة بقتله (1) بعد استتابته حماية لأمن المجتمع المسلم، من أنّه قضاء الله ورسوله، أي أنّه حكم وإن صدر على لسان الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم إلا أنّه في الحقيقة وحي أنزله الله على قلب نبيّه صلى الله عليه وسلم. روى البخاريّ بسنده إلى أبي موسى الأشعريّ أنّ معاذ بن جبل حين قدم عليه باليمن، وجد عنده رجلا موثّقا فقال: ما هذا؟ قال [أبوموسى] : كان يهوديّا فأسلم ثمّ تهوّد!: قال: اجلس! قال [معاذ] : لا أجلس حتّى يقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرّات، فأمر به، فقتل (2) .
فوصف معاذ رضي الله عنه قتل المرتدّ الذي قضى به الرسول بأنّه "قضاء الله ورسوله"، يدلّ على أنّه موحى به من الله تعالى.
6- ومن الأدلّة الواضحة على أنّ السنّة وحي قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن عمرو بن العاص حين اشتكته قريش التي نهته عن كتابة الحديث بوصف النبيّ صلى الله عليه وسلم بشرا يتكلّم في الغضب والرضا: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه [وقد أومأ بأصبعه إلى فيه] إلا حقّ" (3) ، لأنه يصدر -فيما--------------------------------------------
(1) يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "من بدّل دينه فاقتلوه" - الموطّأ - الأقضية - باب القضاء فيمن ارتدّ عن الإسلام 458 - صحيح البخاريّ - الجهاد - باب لا يعذّب بعذاب الله - فتح الباريّ 6/173 حديث 3017، والاستتابة - باب حكم المرتدّ - فتح الباري 12/ 279 حديث 6922 - سنن الترمذيّ - الحدود - باب ما جاء في المرتدّ 4/59 - سنن النسائيّ - تحريم الدم - باب الحكم في المرتدّ 7/104.
(2) صحيح البخاريّ - استتابة المرتدّين والمعاندين - باب حكم المرتدّ والمرتدّة - فتح الباري 12/280 حديث 6923.
(3) سنن الدارميّ - باب من رخّص في كتاب العلم 1/125 - مسند أحمد 2/162، 192. - جامع بيان العلم وفضله 1/71.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

يقول- عن الوحي الذي لا ينطق عن الهوى.
7- ومن أوضح الأدلّة على أنّ سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم وحي أنه عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يسأل عن الشيء الذي لم ينزل عليه فيه وحي، فيسكت أو يقول لا أدري حتّى يأتيه بيان ذلك بالوحي، وكثيرا ما تنزل به النوازل فلا يفتي حتّى يريه الله الجواب والفتوى، حتّى إنّ البخاريّ ترجم لهذا المعنى في جامعه الصحيح بقوله: "باب ما كان النبيّ يسأل ممّا لم ينزل عليه الوحي فيقول: "لا أدري، أو لم يجب حتّى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس، لقوله تعالى: "بما أراك الله" (1) :
أ - من ذلك سؤال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "يا رسول الله! كيف أقضي في مالي؟ كيف أصنع في مالي؟ "، قال جابر: "فما أجابني بشيء حتى نزلت آية الميراث" (2) .
ب - وكذلك سؤال أحد المعتمرين -وكان يلبس جبّة وعليه أثر الخلوق- النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمّخ بطيب؟ فسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم ساعة، فجاءه الوحي. . . ثمّ سرّي عنه فقال: "أين الذي سأل عن العمرة؟ " فأتي بالرجل. فقال: "اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرّات، وانزع عنك الجبّة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّتك" (3) .--------------------------------------------
(1) الاعتصام - الباب الثامن - فتح الباري 13/303.
(2) صحيح البخاريّ - الاعتصام - باب ما كان النبيّ يسأل ممّا لم ينزل عليه الوحي - فتح الباري 13/303 حديث 7309.
(3) صحيح البخاريّ - الحجّ - باب غسل الخلوق ثلاث مرّات من الثياب - فتح الباري 3/460 حديث 1536 - العمرة - باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحجّ - فتح الباري 3/718 حديث 1789 - صحيح مسلم - الحجّ - باب ما يباح للمحرم بحجّ أو عمرة 1/836 حديث1180 - سنن أبي داود - المناسك - باب الرجل يحرم في ثيابه 5/407 - 408 حديث 1819.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

ج - وقد يسأل عن قضايا غيبيّة ممّا استأثر الله بعلمها كالروح والساعة، فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي بالجواب:
- من ذلك ما رواه البخاريّ في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود: "أنّ يهوديّا سأل الرسول فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنّه يوحى إليه. . . فلمّا انجلى عنه، فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} [الإسراء:85] (1) .
- وسأله جبريل عليه السلام عن الساعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، أي أنّه أخبره أن ليس عنده من ذلك علم (2) . كما سأله رجل عن الساعة فأجابه بمثل جوابه جبريل عليه السلام (3) .
د- وسئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الحمر؟ فقال "لم ينزل عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7-8] " (4) .
ويشرح ابن التين الصفاقسيّ [ت611هـ] المراد من الاستشهاد في هذا--------------------------------------------
(1) العلم - باب قول الله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} - فتح الباري 1/240 حديث 125.
(2) الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبيّ 1/44 - (ط3 - 1417هـ/1997م - دار المعرفة - بيروت) .
(3) صحيح البخاريّ - الإيمان - باب سؤال جبريل النبي - فتح الباري 1/140 حديث 50.
(4) صحيح البخاريّ - التفسير - باب من يعمل مثقال ذرّة - فتح الباري 8/598 حديث 4963 - الجهاد - باب الخيل لثلاثة - فتح الباري 6/75 حديث 2860. والآية جامعة لشمولها جميع الأنواع من طاعة ومعصية. وفاذة لانفرادها في معناها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

المقام بهذه الآية فيقول: "دلّت على أنّ من عمل في اقتناء الحمير طاعة، رأى ثواب ذلك، وإن عمل معصية رأى عقاب ذلك" (1) .
فالرسول عليه الصلاة والسلام متقيّد بالوحي يجيب ويفتي بما يريه الله، فلا يتعجّل جوابا مهما كانت المسألة خطيرة ومستعجلة، ومن أجلى الدلالات على صدق هذا القول "حادثة الإفك" التي نال المنافقون فيها من عرض النبيّ صلى الله عليه وسلم وسرحوا ومرحوا دون أن يزعهم وازع، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن ينهي افتراءاتهم وتخرّصاتهم حتّى نزل الوحي بعد شهر كامل ببراءة السيّدة الطاهرة البريئة المبرّأة عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.--------------------------------------------
(1) فتح الباري 6/77.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

‌‌إخباره صلى الله عليه وسلم عن الغيبيات وتحقق وقوعها يدل على أن السنة وحي
‌‌سراقة يلبس سواري كسرى

إخباره صلى الله عليه وسلم عن الغيبيات وتحقّق وقوعها يدلّ على أن السنّة وحي
وممّا يثبت أن السنّة وحي ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الغيبيات التي اختصّ الله بعلمها: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام:59] ، وهي أخبار أمدّه بها الوحي {تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ} [هود:49] ، فأفصح عنها بلسانه صلى الله عليه وسلم، وقد تحقّقت فكانت نبوءات صادقة صدق مصدرها وهو الله سبحانه:
1- سراقة يلبس سواري كسرى
من ذلك ما قاله لسراقة بن مالك بن جعشم المدلجيّ: "كأنّي بك يا سراقة تلبس سواري كسرى". فقال سراقة متعجّبا: كسرى بن هرمز!! قال: "نعم ". وقد قال له هذا وهو مطارد في هجرته إلى المدينة يخاف الرصد ولا يكاد يأمن على نفسه غوائل المشركين.
وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يفتح الله على المسلمين بلاد فارس والمدائن ويؤتى بالغنائم إلى المدينة، وكان فيها سوارا كسرى وألبس عمر سراقة سواري كسرى، وتحقّقت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم (1) ، لتكون علامة من علامات نبوّته، وآية من آيات صدقه، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.--------------------------------------------
(1) انظر السيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنّة 1/493 - 494. [محمد محمد أبو شهبة - ط5 - 1419هـ/1999م - دار القلم - دمشق] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)