منهج الصحابة والتابعين في المحافظة على السنة:
رأينا حرص الصحابة والتابعين على التمسك بالسنة المطهرة، وحسن اقتدائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وتتبعهم آثاره، ووقوفهم عند أحكامه عليه الصلاة والسلام متى ثبتت عندهم، وقد نهج الصحابة والتابعون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
سبيلاً قويماً للمحافظة على الحديث النبوي، ويتضح هذا المنهج من احتياطهم في رواية الحديث، وفي تثبتهم في قبول الأخبار، هذا إلى جانب ما عرضناه من تمسكهم بالسنة وحضهم الناس على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم.
1 – احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث:
احتاط الصحابة في رواية الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم خشية الوقوع في الخطأ، وخوفاً من أن يتسرب إلى السنة بعض التحريف، وهي المصدر الأول بعد القرآن الكريم، ولهذا اتبعوا كل سبيل يحفظ على الحديث نوره، فحملهم ورعهم وتقواهم على الاعتدال في الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى إن بعضهم آثر الإقلال منها خوفا من الوقوع في الخطأ والزّلل لا زهداً فيه، واشتهر من بين الصحابة عمر بن الخطاب-رضي الله عنه بشدة إنكاره على من يكثر الحديث.
والتزم الصحابة هذا المنهج، فلم يرووا الأحاديث إلا حين الحاجة، وكانوا حين يروونها يتحرون الدقة في أدائها، وكثيراً ما كان يقول بعضهم بعد رواية الحديث (نحو هذا، أو كما قال ،أو شبيها بذلك) (1)
ونرى من الصحابة من تأخذه الرعدة، ويقشعر جلده، ويتغير لونه حين يروي شيئاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ورعاً واحتراما لحديثه عليه الصلاة والسلام.--------------------------------------------
(1) كما في سنن ابن ماجه 1/11، المقدمة باب التوقي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ح 23 و24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
من هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه قال: فما سمعته بشيءٍ قط قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان ذات عشية قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك أو شبيهاً بذلك" (1)
ولم ينهج الصحابة هذا السبيل لقلة ما لديهم من الحديث، بل فعلوا ذلك كله حرصاً على السنة وصيانة لها، واحتياطاً للدين ورعاية لمصلحة المسلمين، لا زهداً في الحديث النبوي ولا تعطيلاً له.
وقد ثبت عن الصحابة جميعاً تمسكهم بالحديث الشريف واجلالهم إياه، وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى، فان وجدوا فيه ما يريدون تمكسوا به، وأجروا (حكم الحادثة) على مقتضاه، وإن لم يجدوا ما يطلبون فزعوا إلى (السنة) ، فإن روي لهم خبر أخذوا به ونزلوا على حكمه، وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد بالرأي.
وطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله تعالى نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن ماجه 1/10، المقدمة، باب التوقي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ح 23 وقال المحقق وفي الزوائد: إسناده صحيح، احتج الشيخان بجميع رواته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون..... قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم (1) وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك.
ورأى الصحابة في منهج عمر رضي الله عنه حفظ السنة، وحمل الناس على التثبت بما يسمعون، والتروي فيما يؤدون، فالتزموه من غير إفراط ولا تفريط، ولم يكثروا من الرواية مخافة رفع التدبر والتفقه، فالتزموا الاعتدال فيها.
ثم إن كثرة الرواية مظنة الوقوع في الخطأ، وبخاصة أنه ورد النهي عن التحديث بكل ما يسمعه المرء، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" (2) ، وسار التابعون وأتباعهم على منهج الصحابة، فاحتاطوا في رواية الحديث، وعابوا الإكثار منها مخافة أن يرتفع تدبر الحديث وفهمه، قال محمد بن المنكدر: (الذي يحدث الناس إنما يدخل بين الله وبين عباده فلينظر بما يدخل) (3)
2– تثبّت الصحابة والتابعين في قبول الحديث
أمر الإسلام بالتثبت في قبول الأخبار، ونهى عن الكذب، وأمر بقول الحق، نزل بهذا الوحي الأمين، ونطق به الرسول الكريم، وعمل--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين لابن قيم الجوزيه 1/62.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه 1/10، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.
(3) الكفاية للخطيب البغدادي ص 168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
بذلك الصحابة أجمعون، وسار على ذلك المتقدمون والمتأخرون، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6] وقال عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً،،يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70-71] ، وقال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام:152] {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30] .
وقال صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (1) وقال: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (2) .
هكذا أُمر المسلمون بالصدق في كل شيء، وبالأمانة والعدل وبتحري الحق واجتناب الباطل، ولهذا فقد احتاط رجال الحديث ونقاده في قبول الحديث، وتثبتوا وتأكدوا من الأخبار التي يرويها المسلمون، وقد نهج هذا السبيل الصحابة والتابعون، ومن جاء بعدهم، وحاولوا التثبت بكل وسيلة تضمن لهم صحة المروي وضبط ناقله، بطلب الحديث من راو آخر، وجمع طرقه تارة، وبالرجوع إلى أئمة هذا الشأن تارة أخرى.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح 1/200، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ح 107.
(2) أخرجه مسلم 1/10، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلمح 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
وحق للأمة الإسلامية أن تتثبت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتستوثق له - وهو المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، فكما احتاط الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم في رواية الحديث، احتاطوا وتثبتوا في قبول الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمثلة تثبت الصحابة والتابعين ومن خلفهم أكثر من أن تحصى، وسنكتفي بذكر مثال عليها:
روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع". فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .
ولم يكن التابعون وأتباعهم أقل اهتماما من الصحابة بالاحتياط لقبول الحديث فكانوا يتثبتون من الراوي بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم وإن من يتتبع تاريخ الرواة، وكيفية تحملهم الحديث الشريف؛ ليدرك تماما جهود التابعين وأتباعهم، تلك الجهود التي بذلوها لنقل السنة إلى خَلَفهم، وهذا مثال يدل على ذلك:
1 - عن عبادة بن سعيد التجيبي أن عقبة بن نافع الفهري أوصى بنيه فقال: (يا بني لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من ثقة) .--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح 11/26، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان ثلاثاً، ح 6245.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
ويؤكد ذلك قول كثير من العلماء كعبد الله بن عون (150هـ) وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر (المتوفى نحو سنة 153هـ) وشعبة بن الحجاج (82-160هـ) ، وسفيان الثوري (97-161هـ) وغيرهم قالوا: (خذوا العلم من المشهورين) ، و (لا يؤخذ هذا العلم إلا عمن شهد له بالطلب) (1) .--------------------------------------------
(1) يراجع كتاب أصول الحديث لمحمد عجاج الخطيب ص 180 وما بعدها بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
المبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة
بعد أن أدى الصحابة والتابعون ما في وسعهم لحفظ السنة آتى هذا الجهد ُثماره يانعة في عهد أتباع التابعين الذين ساروا على خطى من سبقهم وذلك بأمرين:-
الأول: ما خرج للناس من مدونات حديثية مختلفة على يدي أبناء النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وقد ظهرت تلك المصنفات والكتب في أوقات متقاربة، وفي مناطق مختلفة من الدولة الإسلامية، فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، وكانت هذه المصنفات تشتمل على السنن وما يتعلق بها، وكان بعضها يسمى مصنفا وبعضها يسمى جامعا أو مجموعا وغير ذلك.
وقد اختلف في أول من صنف وبوب، فقيل عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج البصري (150هـ) بمكة، ومالك بن أنس (93-179هـ) أو محمد بن إسحاق ( … -151هـ) بالمدينة المنورة، وصنف بها محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب (80-158هـ) موطأ أكبر من موطأ مالك، والربيع بن صبيح ( … -160هـ) أو سعيد بن أبي عروبة ( … -156هـ) أو حماد بن سلمة ( … -167هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (97-161هـ) بالكوفة، وخالد بن جميل العبد، ومعمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
ابن راشد (59-153هـ) باليمن (1) ، والإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (88–157هـ) بالشام، وعبد الله بن المبارك (118-181هـ) بخرا سان، وهشيم بن بشير (104-183هـ) بواسط (2) ، وجرير بن عبد الحميد (110-188هـ) بالري، وعبد الله بن وهب (125-197هـ) بمصر (3) ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، وقد كان معظم هذه المصنفات، والمجاميع يضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، كما يتجلى لنا بعض هذا في موطأ الإمام مالك بن أنس (4) .
ثم رأى بعضهم أن تفرد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في مؤلفات خاصة، فألفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين تجمع فيها أحاديث كل صحابي ولو كانت في مواضيع مختلفة – تحت اسم مسند فلان ومسند فلان وهكذا.
وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي (33 -204هـ) (5) . وتبعه بعض من عاصره من أتباع التابعين وأتباعهم، فصنف أسد بن موسى الأموي ( … -212هـ) وهو أول من صنف المسند بمصر، وعبيد الله بن موسى العبسي ( … -213هـ) وقال ابن--------------------------------------------
(1) تدريب الراوي للسيوطي 1/89.
(2) تاريخ بغداد 14/85.
(3) تدريب الراوي للسيوطي 1/89.
(4) الرسالة المستطرفة للكتاني ص 6-7.
(5) الرسالة المستطرفة للكتاني ص 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
عدي: هو أول من صنف المسند بالكوفة، ونعيم بن حماد الخزاعي المصري ( … -228هـ) واقتفى الأئمة آثارهم كأحمد بن حنبل (164 -241هـ) وإسحاق بن راهويه (161-238هـ) وعثمان بن أبي شيبة (156-239هـ) وغيرهم (1) . ويعُدّ مسند الإمام أحمد بن حنبل – وهو من أتباع التابعين – أوفى تلك المسانيد وأوسعها.
جمع هؤلاء الحديث ودونوه بأسانيده. واجتنبوا الأحاديث الموضوعة وذكروا طرقا كثيرة لكل حديث، يتمكن بها جهابذة هذا العلم وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من المعلول، مما لا يتيسر لكل طالب علم فرأى بعض الأئمة أن يصنفوا في الحديث الصحيح فقط، فصنفوا كتبهم على الأبواب واقتصروا فيها على الحديث الصحيح. ظهرت الكتب الستة في هذا العصر، عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنف ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (194-256هـ) ، ثم الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (204-261هـ) ، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (202-275هـ) ، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ( … -279هـ) وأحمد بن شعيب النسائي (215-303هـ) . ثم ابن ماجه وهو عبد الله بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني (207-273هـ) ، وقد خدمت هذه الكتب بالشرح والتهذيب والاختصار والاستخراج عليها من قبل العلماء الذين جاؤوا بعدهم (2) .--------------------------------------------
(1) الرسالة المستطرفة للكتاني ص 61 – 63.
(2) جمعت مادة المبحثين الثاني والثالث من كتاب أصول الحديث وعلومه ومصطلحه للدكتور محمد عجاج الخطيب من ص 79 إلى ص 185 بتصرف شديد وإضافات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
الثاني: علم الرجال أو ما يسمى بالجرح والتعديل وقد ظهر هذا العلم في عصر الصحابة والتابعين ولكن اشتدت الحاجة إليه في عصر أتباع التابعين، حيث كان التابعون وأتباعهم وأهل العلم من بعدهم يبينون أحوال الرواة وينقدونهم ويعدلونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية أحد ولا تتملكهم عاطفة، فليس أحد من نقاد الحديث ورجاله يحابي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه ولا أخاه ولا ولده، وقد قصد الجميع خدمة الشريعة الإسلامية وحفظ مصادرها، فصدقوا القول وأخلصوا النية.
فهذا شعبة بن الحجاج (82-160هـ) يُسأل عن حديث حكيم ابن جبير فيقول (أخاف النار) (1) وكان شديداً على الكذابين، ولهذا قال الإمام الشافعي: (لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق) (2) .
وقد كان أئمة الحديث يدققون في حكمهم على الرواة، يعرفون كل محدث ما له وما عليه
قال الإمام الشعبي: (والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة وأخطأت مرة لعدو علي تلك الواحدة) (3)
وقال يحيى بن سعيد القطان: (سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكاً وابن عيينةَ عن الرجل يكون ثبتاً في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، قالوا أخبر عنه أنه ليس بثبت) (4)--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل 1/140.
(2) تذكرة الحفاظ 1/193.
(3) تذكرة الحفاظ 1/82.
(4) ضعفاء العقيلي 1/14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
وقد أكد العلماء ضرورة بيان أحوال الرواة، وأنه ليس في هذا غيبة، بل في ذلك حفظ السنة، وصيانتها عن الدخيل، وبيان الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود، قال ابن المبارك: (المعلى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب، فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟ فقال: اسكت، إذا لم نبين، كيف يعرف الحق من الباطل؟) (1)
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ، لا تغتب العلماء، فالتفت أبي إليه، فقال له: ويحك … هذا نصيحة وليس هذا غيبة) (2)
وكانت غاية العلماء في كل هذا بيان الحق بكل أمانة وإخلاص، وكانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر
من الأمانة في الحديث، فكانوا أمناء في كل هذا ولولا ضرورة التثبت والبحث ما خاضوا هذا الميدان الخطير، وما قاسوا المكاره والصعاب.
وقيل ليحيىبن سعيد القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءَك عند الله؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لم حدثت عني حديثاً ترى أنه كذب؟) (3)--------------------------------------------
(1) الكفاية للخطيب البغدادي ص 45.
(2) الكفاية للخطيب البغدادي ص 45.
(3) تدريب الراوي 2/369.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وهكذا قام هؤلاء العلماء بهذه الجهود المباركة لما فيها من نصح للمسلمين، وحفظ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامة لقواعد الدين استجابة لقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70 – 71]
فجزى الله هؤلاء الرجال الأفذاذ خير الجزاء على ما قدموه من جهود جبارة لخدمة هذا الدين وجعلها في موازين أعمالهم.. آمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
الخاتمة:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده.
فإنه في ختام هذه الوريقات يطيب لي أن أخرج بهذه الخلاصة التي أرجو أن تنفع من قرأها.
*أن المعنى اللغوي للسنة يقود للمعنى الاصطلاحي وبينهما رابط قوي ألا وهو الطريق والمنهج المسلوك، على ما ورد من اختلافات طفيفة في التعريف الشرعي بين المحدثين والفقهاء والأصوليين، فكل يعرف بما يخدم علمه لكنها كلها تصب في قالب واحد.
*أن الله كما أوحى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن فقد أوحى له بالسنة لأنه وصفه بأنه لا ينطق عن الهوى ولأن ما ينطق به شرع يتعبد به والله هو الشارع سبحانه.
*أن الله كما حفظ كتابه، فقد قيض لسنة نبيه من يحفظها من الصحابة الأبرار ومن جاء بعدهم ممن حمل همَّ هذا الدين حتى تبقى شرعاً يُعمل به إلى أن تقوم الساعة.
وما كان في هذا البحث من صواب فمن الله، وما كان فيه من تقصير فمن نفسي المقصرة ومن الشيطان.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
مصادر ومراجع
…
المصادر والمراجع
1) القرآن الكريم.
2) أصول الحديث علومه ومصطلحه للدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الرابعة - دار الفكر – بيروت لبنان 1401هـ – 1981 م.
3) أصول الفقه الإسلامي لزكي الدين شعبان، الطبعة الثالثة – دار العلم – بيروت لبنان 1394 هـ - 1974 م.
4) إعلام الموقعين عن رب العالمين لشمس الدين أبي عبد الله محمد ابن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، توزيع دار الباز، مكة المكرمة.
5) تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر بن أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان.
6) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للحافظ السيوطي، حققه عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية – دار الكتب الحديثة – مصر 1385هـ - 1966م.
7) تفسير ابن كثير - تفسير القرآن العظيم - للحافظ ابن كثير، تحقيق عبد العزيز غنيم ومحمد عاشور ومحمد البنا - طبعة الشعب - القاهرة.
8) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي، الطبعة الأولى – مطبعة دار المعارف – الهند.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
9) الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية لمحمد أبو زهو - طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض - المملكة العربية السعودية - الطبعة الثانية - 1404هـ - 1984م.
10) دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، تأليف الدكتور - محمد مصطفى الأعظمي - طبعة المكتب الإسلامي - بيروت - دمشق - 1400هـ -1980م.
11) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة للعلامة محمد بن جعفر الكتاني، الطبعة الرابعة - دار البشائر الإسلامية – بيروت - لبنان 1406هـ – 1986م.
12) سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية – الدار السلفية – الكويت 1404هـ - 1984م.
13) السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الثالثة- دار الفكر– بيروت - لبنا ن 1400هـ - 1980م.
14) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي، الطبعة الرابعة للمكتب الإسلامي - بيروت - دمشق - 1405هـ - 1985م.
15) سنن ابن ماجه للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة المكتبة العلمية، بيروت- لبنان.
16) سنن أبي داود للإمام الحافظ أبي داود (سليمان بن الأشعث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
السجستاني الأزدي) ، إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، الطبعة الأولى - دار الحديث - حمص - سورية.
17) سنن الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت – لبنان.
18) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني، تصحيح وتحقيق ومقابلة سماحة العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز، طبعة دار الفكر، رقمه محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وأشرف على طبعه محب الدين الخطيب.
19) صحيح سنن ابن ماجه، تأليف محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى - المكتب الإسلامي – بيروت - لبنان - 1407هـ -1986م.
20) صحيح سنن أبي داود، صحح أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى -المكتب الإسلامي - بيروت - لبنان 1409هـ - 1989م.
21) صحيح مسلم لمسلم بن حجاج النيسابوري، اعتنى به محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة المكتبة الإسلامية، استانبول - تركيا.
22) الضعفاء الكبير لأبي جعفر العقيلي، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى – دار الكتب العلمية – بيروت - لبنان 1404هـ - 1984م، توزيع دار الباز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
23) القاموس المحيط للعلامة اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي، تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية - بيروت - لبنان - 1407هـ - 1987م.
24) الكفاية في علم الرواية للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي ابن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي.
25) لسان العرب لابن منظور - طبعة دار المعارف - تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي.
26) المراسيل تصنيف أبي داود، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة – بيروت لبنان – 1408هـ - 1988م.
27) المسند للإمام أحمد بن حنبل، شرحه ووضع فهارسه أحمد شاكر، الطبعة الثانية - دار المعارف بمصر - 1391هـ -1971م.
28) المسند للإمام أحمد بن حنبل، وبهامشه منتخب كنز الكمال في سنن الأقوال والأفعال، طبعة المكتب الإسلامي.
29) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار الكتب المصرية - القاهرة - 1364هـ.
30) موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف إعداد خادم السنة المطهرة أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الفكر - بيروت - لبنان - 1414هـ - 1994م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
31) الموطأ للإمام مالك بن أنس، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي – دار إحياء الكتب العربية.
32) النهاية في غريب الحديث والأثر للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري بن الأثير، تحقيق محمود محمد الطناحي، طاهر أحمد الزاوي - دار إحياء الكتب العربية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)