صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (1) "الدنيا ملعونة. ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً" (2) .
"نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فَبَلَّغهُ كما سمعهُ فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع" (3) "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة" (4) "من سُئل عن علمٍ فكتمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار" (5) والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة.
ملكت هذه الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم وأخذت عليهم ألبابهم وأفعمت قلوبهم حباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وألهبت نفوسهم نشاطاً نحو العلم والعمل فلم يدخروا وسعاً في حفظ الأحكام والسنن، وضحوا في سبيل ذلك بأموالهم وأنفسهم. وإلى جانب هذه الحمية الدينية استعداد فطري ونشاط طبيعي هو استعداد الحافظة ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر وقوة الذكاء وكمال العبقرية، فالصحابة--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح 1/164، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ح 71، وأخرجه مسلم 2/718، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة ح 98 (1037) .
(2) أخرجه ابن ماجه 2/1377، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ح 4112، وحسنه الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه 2/395، ح 3320.
(3) أخرجه الترمذي 5/ 34، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ح 2657، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(4) أخرجه مسلم 4/ 2074، كتاب الذكر، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ح 38 (2699) .
(5) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند 2/ 296 و 495، مسند أبى هريرة، وقال أحمد شاكر - في تحقيقه للمسند 14/5، ح 7561 -: إسناده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
عرب خلص أكثرهم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون فكل اعتمادهم على ملكتهم في الحفظ وقوة شأنهم فيه، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية فقد حفظوا أنسابهم ومناقبهم وأشعارهم وخطبهم وكثيراً ما كانت تقع بينهم المفاخرة بالأنساب والأحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به ما حفظوه من أخبارهم وأخبار خصومهم مما يرفع من شأنهم ويحط من شأن أعدائهم، فكان كل امرئٍ منهم على مقدار حفظه وقوة وعيه ترجمان قبيلته يرفع من قدرها ويتحدث عن مفاخرها وأحسابها والقوم من ورائه كأنهم سجل مليء بالحوادث والأخبار وكتاب شحن بالتواريخ والآثار، ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب والأنساب والتنابز بالمثالب والألقاب مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوافر في أمة من الأمم.
وكأن الله تعالت قدرته هيأ هذه الأمة العربية على هذا الاستعداد الهائل إرهاصاً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت هذه الصدور الحافظة مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي الكريم فاندفع هؤلاء الصحابة الأجلاء إلى تلقي حديث رسول الله بِنَهَم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله، وكان أمر الله قدراً مقدورا.
نعم تظاهر هذان العاملان … العامل الروحي والعامل الفطري فأتى القوم بمالم تأت به أمة من يوم أن بعث الله تعالى رسله إلى الخلق فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم واتخذوا شريعته نبراساً في أمر معاشهم ومعادهم وبلغوها إلى الناس على وجهها غضةً طريةً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
أ - مجالس النبي صلى الله عليه وسلم العلمية:
لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم مدرسة مشيدة ولا معهد للتعليم يجلس فيه إلى أصحابه، بل كانت مجالسه العلمية كيفما اتفق فهو في الجيش معلم وواعظ يلهب القلوب بوعظه ويحمس الجنود بقوله وهو في السفر مرشد وهاد وهو في البيت يعلم أهله، وهو في المسجد مدرس وخطيب وقاض ومفت، وهو في الطريق يستوقفه أضعف الناس ليسأله عن أمر دينه فيقف، وهو على كل أحواله مرشد وناصح ومعلم، إلا أنه كثيراً ما يعقد لأصحابه المجالس العلمية بالمسجد حيث يجتمعون فيه في أغلب الأوقات لأداء فريضة الصلاة فكان يتخولهم بالموعظة والدرس تلو الدرس حتى لا يملوا ويسأموا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا" (1) . وفي هذه المجالس كان صلى الله عليه وسلم يفيض على أصحابه من الكلم الطيب والعلم النافع والهدى الرشيد ما يشرح صدورهم ويفعم قلوبهم، وكانوا يحضرون أولادهم مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم لسماع حديثه والتأدب بآدابه وكان عليه السلام كثيراً ما يستفتى فيفتي، أو يسأل فيجيب، أو تقع أمامه الحادثة فيكشف عن حكم الله فيها، أو تنزل عليه الآية من القرآن فيفصح عن مراد الله منها، أو يقع من بعض الصحابة عمل لم يكن يعرف حكمه فيسكت إيذاناً منه بأنه جائز في الدين.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري كما في الفتح 1/162، كتاب العلم، باب ما كان النبيصلى الله عليه وسلميتخولهم بالموعظة … إلخ، وأخرجه مسلم 4/2172 كتاب صفات المنافقين، باب الاقتصاد في الموعظة ح 82 (2821) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
ولاتظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ملكاً محجوباً عن رعيته أو سلطاناً مترفعاً عن الاختلاط بأفراد أمته، بل كان على عكس ذلك متقلباً بين ظهرانيهم يبلغ رسالة ربه ويعود مرضاهم ويشيع موتاهم ويفصل في قضاياهم ويفض منازعاتهم ويقضي على اختلافاتهم وهم في كل ذلك مقبلون عليه بآذان صاغية وقلوب واعية.
هذا ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم في حضور مجالسه العلمية سواء، بل كان منهم من يلازمه ولا يتخلف عنه في الحضر ولا في السفر كما كان من أبى بكر وأبى هريرة رضي الله عنهما. وكان منهم من يتخلف عنه في بعض الأوقات لقضاء مصالحه المعيشية كزراعة أو تجارة أو نحوها أو الخروج في سرية إلى غير ذلك، ومع ذلك فكانوا حريصين على ما فاتهم من دروس النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ما حضروا سألوا واستفسروا.
وكان من الصحابة من يشتد به الحرص على حديث رسول صلى الله عليه وسلم فيتناوب حضور مجالسه مع جار له يحضر هذا يوما وهذا يوما ثم يخبر كل منهما صاحبه عما سمعه في يومه فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "أنه كان هو وجارٌ له من الأنصار يتناوبان مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبر كل منهما صاحبه بما رآه أو سمعه" (1) ، أما من بعدت عليهم الشُّقة فكانوا إذا نزلت بهم نازلة وأشكل عليهم حلها، فإنهم يضربون أكباد الإبل إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقفوا على حكم الله فيما عرض لهم من الحوادث وربما مكثوا في أسفارهم الأيام والليالي ذوات العدد.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح 1/185، كتاب العلم باب التناوب في العلم ح 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
فعن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره - وكان بمكة - قاصداً المدينة حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن حكم الله فيمن يتزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف وقد قيل" (1) ففارق زوجته لوقته.
علم النبي صلى الله عليه وسلم أن أصحابه سيخلفونه من بعده وسيقع على كاهلهم أمر الإرشاد والتعليم فأتى في دروسه التعليمية بأمور كان لها أكبر الأثر في توجيه الصحابة وتعليمهم كيف يضطلعون بمهمة التعليم فيما بعد، ولنذكر لك أمثلة من هديه التعليمي الذي كان مناراً اهتدى به أصحابه رضي الله عنهم.
كان من هديه التعليمي عليه السلام أنه إذا سئل عما لا يعلم يسكت منتظرا الوحي من الله بذلك، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا قال كلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وكان من هديه عليه السلام أنه ربما طرح المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم وليشحذ أذهانهم للفهم، وكان إذا سئل عن مسألة فأجاب عنها فإنه قد يفيض في مسائل أخرى لها مناسبة بالمقام أو صلة بالجواب فيستطرد بها ليفيد السائل والحاضرين علما جديداً.
وكان يتخولهم بالموعظة كراهة الملل حتى إن أصحاب ابن مسعود--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح 1/184، كتاب العلم، باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله، ح 88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
طلبوا منه أن يحدثهم كل يوم فأبى وقال إنما نتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا كراهة السآمة علينا. وكان صلى الله عليه وسلم يخص بعض أصحابه بالعلم دون بعض مخافة ألا يفهموا فيفتنوا. إلى غير ذلك من الأمثلة التي إذا تتبعناها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلعنا منه على
خطة حكيمة في توجيه الصحابة حتى كانوا أساتذة في التعليم أمناء على أحكام الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
ب - كيف كان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
لم يكن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحسن الكتابة إلا نفر قليل فقد كانت الأمية غالبة عليهم فكان اعتمادهم في تلقي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم على استعدادهم في الحفظ على ما سبق آنفا كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث في بدء الأمر خوف اختلاطه بالقرآن الكريم، وكان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إما بطريق المشافهة وإما بطريق المشاهدة لأفعاله وتقريراته وإما بطريق السماع ممن سمع منه صلى الله عليه وسلم أو شاهد أفعاله وتقريراته لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه صلى الله عليه وسلم بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته. هذا ولما كان عدد الحاضرين للسماع من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم يختلف قلة وكثرة اختلف لذلك المروي عنه، فبعضه بلغ درجة التواتر وهو ما نقله عنه صلى الله عليه وسلم جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب وهذا نوعان:-
متواتر لفظاً وهو قليل من الأحاديث كحديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (1) ومتواتر معنى وهو كثير ومن ذلك الأحاديث الواردة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام، وبعضه لم يبلغ درجة التواتر وهو الذي يسميه العلماء «خبر الآحاد» .--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح 1/302 ،كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلمح 110، وأخرجه مسلم 1/10، المقدمة، باب تغليظ الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ح 3و4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
كان الصحابة يحفظون الأحاديث عن ظهر قلب ويبلغونها للناس بطريق المشافهة إلا ما كان من بعض أفراد قلائل كعبد الله بن عمرو بن العاص فقد أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الحديث عنه.
فعن عبد الله بن عمرو هذا أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق" (1) .
هذا ولاختلاف الصحابة في معرفة الكتابة وعدم معرفتها وكثرة حضورهم مجالسه صلى الله عليه وسلم وقلة حضورهم اختلفوا في تحمل الحديث وأدائه قلة وكثرة فكان منهم المقل ومنهم المكثر.
هذا أبو هريرة رضي الله عنه يقول: "ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب"2)
وكما اختلف الصحابة في صفة الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كثرة المروي وقلته لأسباب أشرنا إليها كذلك اختلفوا في فقه الحديث حسب اختلافهم في الفهم والاستعداد الفطري فلم يكونوا سواء في معرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمفسر--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود 4/60، كتاب العلم، باب في كتابة العلم، ح 3646 وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/695، ح 3099.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه مع 1/206، كتاب العلم، باب كتابة العلم ح 113.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
ونحو ذلك إلا أنهم كانوا كثيرا ما يرجعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عند ما يقع الاختلاف بينهم فيُصدر حكمه الفصل وقَضاءَه العدل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
جـ - أثر النساء في نشر الحديث:
لم تكن مجالسه صلى الله عليه وسلم قاصرة على الرجال بل كان كثير من النساء يحضرن المسجد أيضا ويستمعن إلى حديثه الشريف وفي الاجتماعات العامة كالاجتماع بصلاة العيد كن يخرجن جميعا إلى المصلى لاستماع الموعظة النبوية وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن يلقي خطبة العيد في الصفوف الأمامية للرجال ينتقل إلى صفوف النساء يتحدث إليهن ويعلمهن إلا أن المجالس النبوية بوجه عام كانت الغلبة فيها للرجال دون النساء لذلك جاء وفد النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبن إليه أن يجعل لهن يوماً يعلمهن فيه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهن إلى ذلك، على أن هذه الدروس كلها من عامة وخاصة لم تكن قائمة بحوائج النساء الدينية فكثيرا ما كانت تتجدد لهن شؤون ولاسيما وهن حديثات عهد بالإسلام فكانت المرأة تقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يعرض لها من أمر دينها ولا تستحيي أن تسأله لعلمها أنه لا حياء في التعلم وربما قدمت بين يدي سؤالها قولها "يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق" ثم تذكر حاجتها فتقول مثلا (هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت) وكثيرا ما يكون ذلك في نساء الأنصار حتى امتدحتهن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بقولها "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" (1) ، أما من--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري 1/ 228، كتاب العلم، باب الحياء في العلم ح 130.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
كان يغلب عليها الحياء منهن فكان لها من أمهات المؤمنين أعظم وسيط لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستوضح لها عن جواب سؤالها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
د - أمهات المؤمنين يبلغن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ولاننس ما لزوجاته صلى الله عليه وسلم من فضل كبير في تبليغ أحكام الدين ونشر السنن بين نساء المؤمنين ولاسيما ما كان من عائشة رضي الله عنها التي كانت على مقدار عظيم من الذكاء والفهم، فقد كانت تسأله صلى الله عليه وسلم وتناقشه في بعض المسائل التي قد تخفى عليها وتستوضح عن كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
فعن ابن أبي مُلَيْكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من حوسب عذب، قالت عائشة أو ليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق:8] ، قالت فقال: إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك" (1) .
ولعل من الحكم التي لأجلها أباح الله للرسول صلى الله عليه وسلم الزواج بأكثر من أربع قيام هؤلاء الزوجات بالتبليغ عنه صلى الله عليه وسلم وبخاصة في الأمور التي لا توجد منه صلى الله عليه وسلم بين أصحابه أو يستحيي من فعلها بينهم ولا يمكن الاطلاع عليها لأحد غير أمهات المؤمنين رضي الله عنهن لذلك نجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده إذا اختلفوا في شيء من الأحكام--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري 1/196، كتاب العلم، باب من سمع شيئاً فراجع حتى يعرفه، ح 103 وأخرجه مسلم 4/2204، كتاب الجند، باب إثبات الحساب، ح 79 (2876) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
كالغسل والحيض والجماع ونحوها يلجؤون إلى أمهات المؤمنين ويرجعون إلى أقوالهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك يزول ما بينهم من خلاف.
هذا ولا ريب في أن نساءه صلى الله عليه وسلم كن على جانب عظيم من العلم فقد أمرهن الله تعالى بالاستقرار في بيوتهن ومُدَارسة القرآن والسنة في قوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب:33] إلى أن قال: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب:34]
لذا كان لأمهات المؤمنين أثر فعال في نشر السنة، ولولاهن لضاعت أحاديث وأحكام ما كنا لنطلع عليها من غيرهن ولاسيما الأفعال التي تقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه مما لا يمكن لأحد الاطلاع عليها والوقوف على أحكامها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
هـ- البعوث والوفود وأثرها في انتشار:
الحديث النبوي
1- بعوثه صلى الله عليه وسلم وأثرها في نشر الحديث:-
بدأت الدعوة المحمدية سراً واستمرت على ذلك ثلاث سنوات، ثم أمر الله نبيه بأن يجهر بها بعد أن تكونت نواة صالحة من المسلمين، فما كان من قريش إلا أن ناصبوه العداء واستمر الأمر على ذلك حيناً من الزمن حتى دخل في الإسلام كثير من أهل المدينة فأمر الله نبيه بالهجرة إليها فانتقل إليها مع أصحابه وأصبحت المدينة من ذلك الوقت مهبط الوحي وقاعدة الإسلام. غزا منها النبي صلى الله عليه وسلم أعداء الدين وحدث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
بها أكثر حديثه، إلا أن القتال كان حائلاً دون دخول كثير من القبائل في الإسلام كما كان مانعاً من وصول الدعوة إلى أطراف الجزيرة، فما أن وقع صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة حتى أمن الناس بعضهم بعضا، وجالس بعضهم بعضا وتحدثوا في شأن هذا الدين الجديد، وفي ظل هذه الهدنة المباركة دخل كثير من العرب في الإسلام وبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعوثه إلى القبائل المسلمة لتعليمهم السنن والأحكام، فبعث منهم إلى اليمن وإلى البحرين وإلى حضرموت وإلى عمان وغير ذلك من بلاد العرب.
كانت هذه البعوث رسل رحمة وهداية للناس بما حملوه إليهم من القرآن والسنة اللذين هما حياة النفوس والأرواح كما كانت هذه البعوث عاملاً مهماً في نشر حديث النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين في أنحاء الجزيرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخير لهذه المهمة من كان على جانب عظيم في العلم بالقرآن والسنن وكان يزودهم بحديثه الشريف وإرشاده الحكيم ويعلمهم كيف يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، انظر إلى قوله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب فقل لهم إن الله فرض عليكم في اليوم والليلة خمس صلوات فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم في السنة صوم شهر رمضان، فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فإن أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم في أموالكم صدقة تؤخذ من أغنيائكم فترد في فقرائكم" (1) إلخ، وبطبيعة الحال كان المبعوث يبين أحكام كل ذلك بما سمعه من حديث--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم 1/50، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ح 29 (19) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
النبي صلى الله عليه وسلم، وبسبب هذا الهدي النبوي آتت هذه البعوث ثمرتها الطيبة في نشر الحديث الشريف بين ربوع المسلمين.
2- وفود القبائل إليه صلى الله عليه وسلم وأثر ذلك في نشر الحديث:-
لما تم لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الانتصارات الباهرة والفتوح المتكاثرة وفرغ من غزوة تبوك جاءته الوفود من أطراف الجزيرة العربية تضرب إليه أكباد الإبل يحفزها الشوق إلى لقاء هذا النبي الأمين ليأخذوا الدين من منبعه الأول، فقد عرفت هذه القبائل أنه لا طاقة لها بحرب محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن انضوت قريش تحت لواء الإسلام، وقريش هي في نظرهم لها لواء الإمامة والسيادة فدخلت هذه القبائل في الدين أفواجاً ووفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زرافات ووحداناً مصداقاً لقوله تعالى:
{إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:1–3] .
جاءت الوفود تترى إلى رسول الله كما جاءته الكتب والرسل من الملوك تخبره بإسلامهم ومفارقتهم للشرك وأهله وكلما جاء وفد أكرمهم صلى الله عليه وسلم وأرشدهم وعرفهم أمر دينهم، وبشرهم إِنْ هم أطاعوه وحذرهم إن هم عصوه، وأفهمهم بما لهم وما عليهم، وكان قدوم الوفود سنة تسع من الهجرة، حتى سميت هذه السنة بسنة الوفود، ولم تكن هذه الوفود تأتي لنيل عطاء وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرمهم ويعطيهم من مال الله الذي آتاه، بل يأتون إليه فيسألون عن أحكام الإسلام، أصوله وفروعه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث إليهم في كل ذلك ويجيبهم عن أسئلتهم ويخطب فيهم ويرشدهم ويعلمهم ويوصيهم بتقوى الله والسمع والطاعة.
وإن من يقرأ السيرة النبوية يجد أن وفوداً كثيرة جداً أقبلت عليه صلى الله عليه وسلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
حتى كأنه لم تبق قبيلة من قبائل العرب إلا قدم منها وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد عرف الصحابة رضي الله عنهم تلك الوفود وفداً وفدا وحفظوا ما حدثهم به النبي صلى الله عليه وسلم من حديث وما خطبهم من خطب وما بثه فيهم من مواعظ ونصائح وأحكام وسنن حتى إنك لتجد كتب الحديث والسير والمغازي مملوءة بذكر هذه الوفود وما كان لها من أثر عظيم في نشر الدين والسنن سواء ما كان من هذه الوفود في سنة تسع وما كان قبلها. وهاك بعض الوفود التي أقبلت عليه صلى الله عليه وسلم:-
1- وفد بني سعد بن بكر- وكان وافدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو ضمام بن ثعلبة وفد على رسول الله سنة تسع من الهجرة ولما قدم المدينة وجد النبي صلى الله عليه وسلم جالساً بين أصحابه ولا يعرفه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدنا منه وقال: "إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، قال: سل عما بدا لك، فقال: يا محمد جاءنا رسولك فذكر لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، فقال أنشدك برب من قبلك وبرب من بعدك، قال: اللهم نعم، أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟، قال اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟، قال: اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن تأخد هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة" (1) ثم رجع ضمام إلى قومه فأسلموا جميعاً.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح 1/ 148، كتاب العلم، باب ما جاء في العلم، ح 63.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
2- وفد عبد القيس - لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحي من مضر فمرنا بأمر فصل نُخبر به من وراءنا وندخل به الجنة وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أنَّ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المَغنم الخمس، ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت، وقال احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم" (1) .
من هذا ترى أن الوفود كانت تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنهل من معين العلم ولتتفقه في دين الله وتقف على أحكام الإسلام، ثم يرجعوا إلى أوطانهم يعلمون من وراءهم من قبائلهم وعشائرهم، فهذه الوفود إلى جانب البعوث التي كان يرسلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى القبائل والملوك كان لها أكبر الأثر في نشر السنة النبوية في أنحاء الجزيرة العربية.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح 1/183، كتاب العلم، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس....إلخ ح 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
و حجة الوداع وأثرها في نشر الحديث:
هذا ولما استتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر في الجزيرة قصد حج بيت الله الحرام وقد حج معه من المسلمين أكثر من مئة ألف فألقى فيهم النبي صلى الله عليه وسلم خطبة عظيمة جمع فيها أحكاماً غزيرة وسنناً كثيرة ووضع من آثار الجاهلية ما أبطله الإسلام، ولكثرة الناس في ذلك اليوم اتخذ ربيعة بن أمية بن خلف مُبلغاً عنه، وافتتح هذه الخطبة بعد حمد الله بقوله "أيها الناس اسمعوا قولي فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا" (1) وهي خطبة طويلة بين للناس فيها مناسك الحج وكأنه عليه السلام كان يشعر بدنو أجله فلم يترك شيئاًلم يكن بينه للناس إلا بينه وأظهره، فكانت هذه الخطبة الحافلة في هذا الجمع الحاشد من أكبر العوامل في ذيوع السنن الكثيرة بين قبائل العرب وعشائرهم وهي كمنهاج ختامي للدعوة الإسلامية عامة ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وقد نزل في هذا الوقت قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة:3] .--------------------------------------------
(1) هذا القول بلفظه لم أجده فيما بين يدي من الكتب، ولكن خطبة حجة الوداع المشهورة من حديث جابر أخرجها مسلم 2/886، كتاب الحج، باب حجة النبيصلى الله عليه وسلم، ح 147 (1218) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
المنحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
مدخل
…
المبحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
كان مصدر التشريع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كتاب الله وسنة رسوله، ينزل الوحي فيبلغه النبي الكريم إلى الناس كافة، ويبين مقاصده، ثم يطبق أحكامه، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم المرجع الأعلى في جميع أمور الأمة، في القضاء والفتوى، والتنظيم المالي والسياسي والعسكري، ويعالج الأمور على مرأى من أصحابه رضي الله عنهم.
ثم ما لبث أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وانقطع الوحي ولم يبق أمام الأمة إلا القرآن الكريم والسنة الشريفة، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي" (1) .
وتمسك الصحابة والتابعون بسنته عليه الصلاة والسلام استجابة لأوامر الله عز وجل وطاعة لرسوله عليه الصلاة والسلام.--------------------------------------------
(1) أخرجه مالك في الموطأ 2/899، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، ح 3 وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة 4/355، ح 1761.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)