بين أهل العلم في أنَّ الضرورةَ لها أحوالٌ خاصة تستوجب أحكاماً غير أحكام الاختيار، فكلُّ مسلم ألْجأَتْه الضرورةُ إلى شيء إلْجاءً صحيحاً حقيقيًّا فهو في سعةٍ من أمره
فيه" إلى أن قال: "وبهذا تعلم أنَّ المضطرَّ للتقليد الأعمى اضطراراً حقيقيًّا، بحيث يكون لا قدرة له ألبتَّة على غيره، مع عدم التفريط لكونه لا قدرة له أصلاً على الفهم، أو له قدرة على الفهم وقد عاقَتْه عوائقُ قاهرة عن التعلُّم، أو هو في أثناء التعلُّم، ولكنَّه يتعلَّم تدريجاً؛ لأنَّه لا يقدر على تعلُّم كل ما يحتاجه في وقتٍ واحد، أو لم يَجِد كُفْئاً يتعلَّم منه ونحو ذلك، فهو معذورٌ في التقليد المذكور للضرورة؛ لأنَّه لا مَندوحة له عنه.
وأما القادر على التعلُّم المفرِّط فيه والمقدِّم آراء الرجال على ما علم من الوحي فهو الذي ليس بمَعذور".
وقال أيضاً (7/555) : "اعلم أنَّ موقفَنا من الأئمَّة
رحمهم الله من الأربعة وغيرهم هو موقف سائر المسلمين المُنصِفين منهم، وهو موالاتُهم ومحبَّتُهم وتعظيمُهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
وإجلالُهم والثناءُ عليهم بما هم عليه من العلم والتقوى، واتباعُهم في العمل بالكتاب والسنة، وتقديمهما على رأيِهم، وتعلُّم أقوالِهم للاستعانة بها على الحق، وترك ما خالف الكتاب والسنة منها.
وأمَّا المسائل التي لا نصَّ فيها، فالصواب النظر في اجتهادهم فيها، وقد يكون اتِّباعُ اجتهادهم أصوبَ من اجتهادنا لأنفسنا؛ لأنَّهم أكثر علماً وتقوى منَّا.
ولكن علينا أن ننظرَ ونحتاطَ لأنفسِنا في أقرب الأقوال إلى رِضى الله، وأحوطها وأبعدِها من الاشتباه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "دَع ما يَريبُك إلى ما لا يريبُك"، وقال: "فمَن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه".
وحقيقة القول الفصل في الأئمة رحمهم الله أنَّهم من خيار المسلمين، وأنَّهم ليسوا معصومين من الخطأ، فكلُّ ما أصابوا فيه فلهم فيه أجر الاجتهاد وأجرُ الإصابة، وما أخطأوا فيه فهم مأجورون على كلِّ حال، لا يلحقُهم ذمٌّ ولا عيبٌ ولا نقصٌ في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
ولكن كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم حاكمان عليهم وعلى أقوالهم، كما لا يخفى.
فلا تَغْلُ في شيءٍ من الأمر واقتصد … كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ
فلا تكُ مِمَّن يذُمُّهم وينتقصُهم، ولا مِمَّن يعتقد أقوالَهم مغنية عن كتاب الله وسنة رسوله أو مقدَّمة عليهما". اه.
هذه بعض أقوال المحقِّقين من أهل العلم في حكم التقليد، وعلى هذا فليس هناك إنكارٌ ولا استنكارٌ كما زعم الكاتب، بل إنَّ الشيخَ العلَاّمة المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وهو الذي له نصيبٌ كبيرٌ من حِقد الرِّفاعي والبوطي قد قال في ردِّه على أبي غدَّة:
"إنَّ الانتسابَ إلى أحدٍ من الأئمَّة كوسيلة للتعرُّف على ما قد يفوت طالبَ العلم من الفقه بالكتاب والسنَّة أمرٌ لا بدَّ منه شرعاً وقدَراً؛ فإنَّ ما لا يقوم الواجب إلَاّ به فهو واجب، وعلى هذا جرى السَّلفُ والخلفُ جميعاً، يتلقَّى بعضُهم العلمَ عن بعض، ولكن الخلف إلَاّ قليلاً منهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
خالف السَّلفَ حين جعل الوسيلةَ غايةً، فأوجب على كلِّ مسلم مهما سَما في العلم والفقه عن الله ورسوله من بعد الأئمة الأربعة أن يُقلِّدَ واحداً منهم، لا يَميلُ عنه إلى غيره، كما قال أحدهم: وواجبٌ تقليد حَبْرٍ منهم! ".
وهذا الذي قاله الشيخ الألبانيُّ رحمه الله عن المُتعصِّبة للمذاهب قد جاء عن الشيخ أحمد الصاوي في حاشيته على الجلالين عند قوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَاّ أَن يَشَاءَ اللهُ} ؛ إذ فهِم الآية فهماً خاطئاً، وبَنَى عليه حكماً من أبطلِ الباطل، أوضح الردَّ عليه شيخُنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره أضواء البيان عند قول الله عز وجل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ، وكلام الصاوي الباطلُ هو قولُه وبئس ما قال: "ولا يجوز تقليدُ ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قولَ الصحابة والحديثَ الصحيح والآية!! فالخارجُ عن المذاهب الأربعة ضالٌّ مُضِلٌّ، وربَّما أدَّاه ذلك للكفر؛ لأنَّ الأخذَ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر!!! ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
وهذا كلام من الصاوي من أسوإ الكلام وأبطل الباطل، ولو بحث أحدٌ عن كلامٍ سيِّءٍ يُنسبُ إلى مسلم قد لا يَجِد أسوأ منه، وقد جاء ذلك نتيجة لتفسيره للقرآن بالرأي والتعصُّب للمذاهب، نسأل الله السلامةَ والعافية.
الرابع: وأمَّا الملك عبد العزيز رحمه الله فإنَّه على منهج السَّلف، يحترمُ الأئمَّة الأربعة ويُوقِّرُهم، ويُعوِّلُ على الأدلَّة من الكتاب والسنَّة، قال رحمه الله: "إنَّنا لم نُطِع (ابن عبد الوهاب) وغيره إلَاّ في ما أيَّدوه بقول من كتاب الله وسنَّة رسوله، وقد جعلنا الله أنا وآبائي وأجدادي مُبشِّرين ومُعلِّمين بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومتى وجدنا الدليلَ القويَّ في أيِّ مذهب من المذاهب الأربعة رجعنا إليه وتَمسَّكنا به، وأمَّا إذا لَم نَجد دليلاً قويًّا أخذنا بقول الإمام أحمد". من تاريخ البلاد العربية السعودية لمنير العجلاني (1/229) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
8 قال الكاتبُ: "تُرَدِّدون جملة الحديث الشريف: "كلُّ بدعة ضلالة" بدون فهم للإنكار على غيركم، بينما تُقِرُّون بعضَ الأعمال المخالفة للسُنَّة النَّبوية،
ولا تنكرونها ولا تَعُدُّونها بدعةً، سنذكر بعضاً منها فيما يأتي … ".
ويُجاب عن هذا من وجوه:
الأول: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بيَّن في حديث العرباض بن سارية أنَّه سيوجد الاختلافُ في هذه الأُمَّة، ومع وجوده يكون كثيراً، حيث قال: "فإنَّه مَن يَعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً"، ثم أرشدَ صلى الله عليه وسلم عند وجود هذا الاختلاف
إلى الطريق الأمثل والمنهج الأقوم، وهو اتباع السنن
وترك البِدع، فقال: "فعليكم بسُنَّتِي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومُحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ مُحدَثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة"، فإنَّه صلى الله عليه وسلم رغَّب في السُّنن بقوله: "فعليكم بسُنَّتي … "، ورهَّب من البدع بقوله: "وإيَّاكم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
ومُحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ مُحدَثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة".
ومثل ذلك حديث "ستفترق هذه الأُمَّة على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النَّار إلَاّ واحدة. قالوا: مَن هي
يا رسول الله؟ قال: "من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم أنَّ أمَّةَ الإجابة ستفترق هذا التفرُّق الكثير، وأنَّه لا ينجو مِن العذاب إلَاّ مَن كان على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، وهم الذين يتَّبعون الكتابَ والسنَّةَ وما كان عليه سلفُ الأُمَّة، وقد قال الإمام مالك رحمه الله: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلَاّ بما صلح به أولها".
وروى الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كلُّ بدعة ضلالةٌ وإن رآها الناس حسنة".
وذكر الشاطبِيُّ في الاعتصام (1/28) أنَّ ابن الماجشون قال: سمعتُ مالكاً يقول: "مَن ابتدع في الإسلام بدعةً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
يراها حسنةً فقد زعم أنَّ محمداً خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم} فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليومَ ديناً".
وقال أبو عثمان النيسابوري: "مَن أمَّر السنَّةَ
على نفسِه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهَوَى على نفسِه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة". انظر: حلية الأولياء (10/244) .
وقال سَهل بن عبد الله التستري: "ما أحدثَ أحدٌ في العلم شيئاً إلَاّ سُئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السُّنَّةَ سَلِم، وإلَاّ فلا". فتح الباري (13/290) .
وعلى هذا، فإنَّ الفهمَ الصحيحَ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وكلُّ بدعة ضلالة" هو بقاءُ اللفظ على عمومه، وأنَّ كلَّ ما أُحدث في دين الله فهو بدعة، وهو مردودٌ على مَن جاء به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحَّته: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"، وفي لفظٍ لمسلم: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
أمَّا القولُ بأنَّ مِن البدعِ ما هو حَسنٌ فغير صحيح؛ لأنَّه يُخالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "وكل بدعة ضلالة"، كما مرَّ إيضاحه في كلام ابن عمر ومالك وغيرهما المتقدِّم قريباً.
ولا يَصِحُّ الاستدلالُ لهذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن سَنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر مَن عمل بها … "، الحديث رواه مسلم؛ لأنَّ سياقَه في القدوة في الخير؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حثَّ على الصدَقة، أتى رجلٌ من الأنصار بصُرَّةٍ كبيرة، فتابعه الناس على الصدقة، فعند ذلك قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ما قال.
الثاني: ذكر الكاتب أنَّ مَن زعم نُصحَهم يُقرُّون بعضَ الأعمال المخالفة للسُّنَّة، ولا يعدُّونَها بدعة، ومن أمثلة ذلك عنده وضعُ حواجز بين الرِّجال والنِّساء في المسجد النَّبوي، قال عن ذلك: "وهذه بدعةٌ شنيعةٌ؛ لأنَّه إحداثُ ما لم يحدُث في زمنه عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح، فقد كان يَلِي الإمامَ صفوفُ الرِّجال، ثم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
الصِّبيان، ثم النِّساء، يُصلُّون جميعاً وبلا حاجز خلفه صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلم".
ويُجاب عن ذلك: بأنَّ من عجيب أمرِ الكاتب أن يرى أنَّ هذا العملَ بدعةٌ، مع أنَّ فيه ستراً للنساء، وصيانةً لهنَّ من نظرِ الرِّجال إليهنَّ، ونظرهنَّ إلى الرِّجال، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "ما تركتُ بعدي فتنةً أَضَرَّ على الرِّجال من النساء"، وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "خيرُ صفوف الرِّجال أوَّلُها، وشرُّها آخرُها، وخير صفوف النِّساء آخرُها، وشرُّها أوَّلُها".
وجاء في آداب النساء في صلاتِهنَّ مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُصلِّي الصبحَ فينصرفَ النساءُ مُتلفِّعاتٍ بِمُروطِهنَّ، ما يُعرفنَ من الغَلَس"، رواه البخاري ومسلم.
وفي صحيح البخاري عن أمِّ سلمة رضي الله عنها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
"أنَّ النساءَ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كُنَّ إذا سلَّمنَ من المكتوبة قُمْنَ، وثبتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومَن صلَّى من الرِّجال ما شاء الله، فإذا قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قام الرِّجال".
فهذان حديثان عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في الترغيب في تباعد النساء عن الرجال، وبعدَهما حديثان في آداب صلاة النساء مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك تغيَّرت حال النساء، حتى قالت عائشةُ رضي الله عنها: "لو أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أَحْدَثَ النساءُ لَمَنَعَهنَّ المسجد، كما مُنعت نساءُ بَنِي إسرائيل"، رواه البخاري ومسلم.
وفي هذا الزمان تغيَّرت أحوال النساء كثيراً، وحصل منهنَّ التبرُّجُ والسُّفور، وسَهُل الوصول إلى مكة والمدينة للرِّجال والنِّساء، والمسجدان الشريفان حصل فيهما توسعةٌ كبيرة، والنساء تأتي إليهما من جهاتٍ مختلفة، وخُصِّص لهنَّ أماكن مُعيَّنة، وجُعل حواجز؛ حتى لا يختلِطنَ بالرِّجال، فأيُّ مانعٍ يَمنَعُ من ذلك؟! بل وكيف يجوز أن يصفَه الكاتبُ بأنَّه بدعةٌ شنيعة؟!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
مع أنَّ أوراق الكاتب اشتمَلت على بدَعٍ واضحة جليَّة لَم يعتبِرها بدعاً، كبدعة بناء القِباب على القبور، والاحتفال بالمولد النَّبويِّ!!
9 أشاد في أوراقه بتعظيم القبور وبناء القباب عليها، فوصف العيدروس فقال: "الإمام الربَّاني الحبيب العدني، بركة عدن وحضرموت رحمه الله تعالى"، ونَوَّه بِمشهده وبناء قُبَّتِه، ووصفها بأنَّها "مباركة!! ".
والجواب: أنَّ البناءَ على القبور واتخاذها مساجد قد جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه والتحذير منه؛ لأنَّه من وسائل الشرك، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي الهيَّاج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألَا أبعثُكَ على ما بعثنِي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تَدَعَ تِمثالاً إلَاّ طمَستَه، ولا قبراً مُشرفاً إلَاّ سوَّيتَه"، وفي لفظ: "ولا صورةً إلَاّ طَمستَها".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وفي الصحيحين من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: "لَمَّا نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفِق يطرحُ خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنةُ الله على اليهود والنصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد يُحذِّرُ ما صنعوا".
وقولهما رضي الله عنهما في الحديث: "لَمَّا نُزل" يَعنيَان الموتَ، وقد اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الدعاء على اليهود والنصارى باللَّعن.
الأمر الثاني: بيان سبب اللَّعن، وهو اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد.
والأمر الثالث: بيان الغرض من ذكر ذلك، وهو تحذيرُ هذه الأمَّة من الوقوع فيما وقع فيه اليهود والنصارى، فيستحقُّوا اللَّعنة.
وثبت في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله البَجَليِّ أنَّه قال: سمعتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وهو يقول: "إنِّي أبرَأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ، فإنَّ الله قد اتَّخذني خليلاً، كما اتَّخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنتُ متَّخذاً من أُمَّتي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً، ألَا وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالِحيهم مساجد، ألَا فلا تتَّخذوا القبورَ مساجد، إنِّي أنهاكم عن ذلك".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاتَل الله اليهودَ؛ اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد"، وثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وصْفُ الذين يَبنونَ المساجد على القبور بأنَّهم شرارُ الخَلق عند الله.
وهذه الأحاديثُ الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتملت على التحذير من اتِّخاذ القبور مساجد مطلقاً، وبعضُها يُفيد حصولَ ذلك منه قبل أن يموت بخمسٍ، وبعضُها يُفيد حصولَ ذلك عند نزول الموتِ به.
والتحذيرُ من ذلك جاء على صِيَغٍ متعدِّدة، فجاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
بصيغة الدعاء باللَّعنة على اليهود والنصارى، وجاء بصيغة الدعاء بمقاتلَة الله لليهود، وجاء بوصف فاعلي ذلك بأنَّهم شرارُ الخَلق عند الله، وجاء بصيغة "لا" الناهية في قوله:
"ألا فلا تتَّخذوا القبورَ مساجد"، وبصيغة لفظ النَّهي بقوله: "إنِّي أنهاكم عن ذلك".
وهذا مِن كمال نُصحِه لأمَّتِه صلى الله عليه وسلم، وحرصِه على نَجاتِها وشفقتِه عليها، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وجزاه أوفَى الجزاء، وأثابَه أَتَمَّ مثوبَة.
واتِّخاذ القبور مساجد يشمل بناء المسجد على القبر، كما قال صلى الله عليه وسلم في النصارى: "أولئك إذا كان فيهم الرَّجل الصالِح فمات بَنَوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصُّوَر، أولئك شرارُ الخلق عند الله"، وهو في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها.
ويَشمل قَصدَها واستقبالَها في الصلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا تجلِسوا على القبور، ولا تُصلُّوا إليها"، أخرجه مسلم من حديث أبي مَرثَد الغنَويِّ رضي الله عنه. ويَشمل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
السجودَ على القبر من باب أولى؛ إذ هو أخصُّ من الصلاة إليه.
وذكر الذهبيُّ في سير أعلام النبلاء (8/27) في ترجمة عبد الله بن لهيعة أنَّ الدَّفنَ في البيوت من خصائص النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وأورد ابنُ كثير في البداية والنهاية ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد القرشية الهاشمية في حوادث سنة (208هـ) ، ونقل عن ابن خلِّكان أنَّه قال: "ولأهل مصر فيها اعتقاد"، ثم قال ابنُ كثير: "وإلى الآن قد بالغَ العامَّةُ في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيراً جدًّا، ولا سيما عوامُّ مصر، فإنَّهم يُطلقون فيها عبارات بَشِعة، فيها مجازَفةٌ تؤدِّي إلى الكفر والشِّرك، وألفاظاً كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنَّها لا تجوز … "، إلى أن قال: " … والذي ينبغي أن يُعتقد فيها: ما يليق بِمِثلِها من النساء الصالحات، وأصلُ عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسِها، والمغالاةُ في البَشَر حرامٌ … ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وكانت وفاةُ ابنِ كثير رحمه الله سنة (774هـ) .
وقد ألَّف في هذه المسألة العلَاّمةُ الشوكاني المتوفى سنة (1250هـ) رسالةً سَمَّاها "شرح الصدور بتحريم رفع القبور" أجادَ فيها وأفاد، قال فيها: "اعلم أنَّه قد اتَّفق الناسُ سابقهم ولاحِقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة إلى هذا الوقت أنَّ رفعَ القبور والبناءَ عليها بدعةٌ من البدع التي ثبت النَّهيُ عنها واشتدَّ وعيدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاعلِها، ولم يُخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين أجمعين، لكنَّه وقع للإمام يحيى مقالة تدلُّ على أنَّه يرى أنَّه لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء، ولم يَقل بذلك غيرُه ولا روي عن أحدٍ سواه، ومَن ذكرها من المؤلفين في كتب الفقه من الزيدية فهو جرى على قوله واقتداء به، ولم نجد القول بذلك مِمَّن عاصَرَه أو تقدَّم عصره عليه، لا من أهل البيت ولا من غيرهم، ثم ذكر أنَّ صاحب البحر الذي هو مدرس كبار الزيدية ومرجع مذهبهم ومكان البيان لخلافهم في ذات بينهم، وللخلاف بينهم وبين غيرهم لم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ينسب القول بجواز رفع القباب والمشاهد على قبور الفضلاء إلَاّ إلى الإمام يحيى وحده، فقال ما نصُّه: مسألة: الإمام يحيى: لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك؛ لاستعمال المسلمين ولم ينكر. انتهى … " إلى أن قال الشوكاني رحمه الله: "فإذا عرفتَ هذا تقرَّر لك أنَّ هذا الخلافَ واقعٌ بين الإمام يحيى وبين سائر العلماء من الصحابة والتابعين ومن المتقدِّمين من أهل البيت والمتأخرين، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومن جميع المجتهدين أولهم وآخرهم، ولا يعترض هذا بحكاية مَن حكى قول الإمام يحيى في مؤلَّفِه مِمَّن جاء بعده من المؤلِّفين، فإنَّ مجردَ حكاية القول لا يدلُّ على أنَّ الحاكي يختاره ويذهب إليه … ". إلى أن قال رحمه الله: "فإذا أردتَ أن تعرفَ هل الحق ما قاله الإمام يحيى أو ما قاله غيرُه من أهل العلم فالواجبُ عليك رد هذا الاختلاف إلى ما أمرنا الله بالردِّ إليه وهو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم … ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
ثم ذكر بعضَ الآيات المقتضية ذلك، وبيَّن وجهَ دلالتها على المطلوب، ثم ذكر جملةً من الأحاديث الكثيرة الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في تحريم اتِّخاذ القبور مساجد، والتي مرَّ ذكر بعضها، وبيَّن أنَّ ذلك يُفضي بفاعله إلى الشرك بالله، ثم قال: "فلا شكَّ ولا ريب أنَّ السببَ الأعظمَ الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما يُزيِّنه الشيطان للناس من رفعِ القبور ووضعِ الستور عليها وتجصيصِها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسين، فإنَّ الجاهلَ إذا وقعت عينُه على قبرٍ من القبور قد بُنيت عليه قُبَّة فدخلها ونظر على القبور الستورَ الرائعة والسُّرُجَ المتلألئة وقد سطعت حوله مجامر الطيب، فلا شكَّ ولا ريب أنَّه يمتلئ قلبُه تعظيماً لذلك القبر، ويضيق ذِهنُه عن تصوُّر ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله من الرَّوعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشد وسائله إلى ضلال العباد، مِمَّا يزلزله عن الإسلام قليلاً قليلاً، حتى يطلب من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلَاّ الله سبحانه، فيصير في عدادِ المشركين، وقد يحصل له هذا الشركُ بأولِ رؤيةٍ لذلك القبر الذي صار على تلك الصفة، وعند أول زَورة؛ إذ لا بدَّ له أن يخطرَ ببالِه أنَّ هذه العنايةَ البالغة من الأحياء بمثل هذا الميت لا تكون إلَاّ لفائدة يرجونها منه، إمَّا دُنيوية أو أُخرويَّة، فيستصغرُ نفسَه بالنِّسبة إلى مَن يراه من أشباه العلماء زائراً لذلك القبر وعاكفاً عليه ومُتمسِّحاً بأركانه، وقد يجعل الشيطان طائفة من إخوانِه من بني آدم يَقفون على ذلك القبر يُخادعون مَن يأتي إليه من الزائرين، يُهولون عليهم الأمر، ويصنعون أموراً من أنفسهم وينسبونها إلى الميت على وجهٍ لا يفطن له مَن كان من المغفَّلين، وقد يصنعون أكاذيب مشتملة على أشياء يُسمُّونَها كراماتٍ لذلك الميت، ويَبُثونها في الناس، ويُكرِّرون ذكرَها في مجالِسهم وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض ويتلقَّاها مَن يحسن الظنَّ بالأموات، ويَقبَل عقلُه ما يُروى عنهم من الأكاذيب فيرويها كما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)