ـ فمن القصائد التي قيلت في رثائه قصيدة طويلة للدكتور عبد الله بن صالح العثيمين منها:
مهج تذوب وأنفس تتحسر
ولظى على شغف القلوب تسعر
الحزن أضرم في الجوانح والأسى
يصلي المشاعر بالجحيم ويصهر
ملأ الضمائر حسرة وكآبة
لا شيء يبرئها ولا هي تجبر
اليوم ودعنا أباً ومهذبا
والحزن يغلي في الدماء ويزخر
كل امرئ في الكون غايته الردى
الموت حتم للنفوس مقدر
لكن من اتخذ الصلاح شعاره
تفنى الخليقة وهو حي يذكر
ما مات من نشر الفضيلة والتقى
وأقام صرحا أسه لا يكسر
ما مات من غمر الأنام بعلمه
الكتب تشهد والصحائف تخبر
يا زاهدا عرف الحياة فما هوى
في المغريات ولا سباه المظهر
نم في جنان الخلد يا علم التقى
وانعم بظل وارف لا يحسر1
ب ـ ومن هذه القصائد، قصيدة للشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين منها:
رزء عظيم الحزن والأسفا
فالدمع فيه على الخدين قد وكفا
اليوم حقا فقدنا للهدى علما
اليوم حقا فقدنا الزهد والشرفا
بقت عنيزة دهراً وهي رافعة
لواء فخر له كل الورى عرفا
ظلت به العرب دهراً وهي فاخرة
واليوم أضحت تعزى فيه واأسفا
فذي تصانيفه قد قام قائمها
يدعو العباد عليها الكل قد عكفا
لهفي بذا العالم قد حق العزاء لنا
في فادح لو أصاب الطود لارتجفا
فالله يلهمنا صبراً فقد عظمت
مصيبة أثقلت في حملها الكتفا
والله يجزيه عن إحسانه حسنا
والله يسكنه من جنة غرفا2
جـ ـ وقد رثى رحمه الله بقصائد أخرى منها مرثية للشيخ محمد بن عثمان القاضي، ومرثية للشيخ صالح بن عبد الشبل، وقصيدة في الثناء عليه لمزيد الخطيب وغيرهم3--------------------------------------------
1 روضة الناظرين للقاضي 1/227، وعلماء نجد للبسام 2/299.
2 روضة الناظرين للقاضي 1/228، سيرة الشيخ السعدي جمع محمد حامد الفقي/29.
3 روضة الناظرين للقاضي للقاضي 1/227، وسيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي جمع محمد حامد الفقي/26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
د ـ قال الشيخ القاضي في روضة الناظرين: (ولقد حدثني من أثق به بأن الشيخ سليمان المشعلي وكان عالماً جليلاً وقاضياً مسدداً لما علم بوفاة الشيخ، قال مات اليوم عالم نجد، وقد طاب الموت بعد هذه الشخصية الفذة، فانصدع ومات في 12 من رجب بعد وفاة السعدي بتسعة عشر يوما وكان من خواصه)--------------------------------------------
1 روضة الناظرين للقاضي 1/227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
الفصل الثاني
حياته العلمية
أولا: طلبه للعلم وحرصه عليه.
ثانيا: شيوخه.
ثالثا: عنايته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وتأثره بهما.
رابعا: جلوسه للتدريس، وطريقته فيه.
خامسا: تلاميذه.
سادسا: عقيدته وتنوع ثقافته.
سابعا: مؤلفاته.
ثامنا: ثناء العلماء عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
أولا: طلبه للعلم وحرصه عليه:
كان ابن سعدي رحمه الله قد استرعى أنظار الناس منذ حداثة سنه بذكائه القوي، ورغبته الشديدة في طلب العلم وتحصيله، فأوقف لذلك حياته في طلب العلم، فكان لا يشغله عنه شاغل ولا يصرفه عنه صارف، فكان همه في حياته الاستفادة العلمية وحفظ الأوقات في ذلك1.
لقد أجمع أمره على أن يقف حياته على طلب العلم، وأن يعطي نفسه أمناً وطمأنينة وسكينة خاصة، تصل برباطها الوثيق بينه وبين الأمر الذي أوقف حياته عليه.
فتراه إذ ذاك في وادٍ، وأغلب ناشئة عصره من زملائه وأترابه في واد آخر. إنه ارتضى العلم والمعرفة خدينا وأليفا، ولم يرق في نظره من رجال زمنه سوى طبقة العلماء. فلازمهم ملازمة الظل. وأكب على الاغتراف من معين علمهم وفضلهم وأخلاقهم، فتغذى أطيب غذاء، وروى أكرم ري2.
وأول ما قام به من طلب العلم، مبادرته لحفظ كتاب الله، فبدأ بحفظ القرآن من سن مبكرة، حتى أتقنه وأتمه وحفظه عن ظهر قلب في الحادية عشرة من عمره، في مدرسة الشيخ سليمان بن دامغ لتحفيظ القرآن بأم خمار، ثم شرع بعد ذلك في تحصيل سائر العلوم الشرعية3
فأخذ في طلب العلم وتحصيله وتلقيه عن علماء بلده وغيرهم ممن قدم إليه، وشغل أوقاته في ذلك، ورحل إلى العلماء المجاورين لبلده، وانقطع للعلم وتحصيله حفظاً وفهماً ودراسة ومراجعة واستذكاراً وتطبيقاً.
وكان يواظب على دروس العلماء، وعلى من يشعر أنه له منه أدنى فائدة طارحاً التحيز والترفع، وواصل وثابر، وبذل جهده في سبيل ذلك حتى نال في صباه ما لا يناله غيره في زمن طويل، من علوم كثيرة وفنون مختلفة4.--------------------------------------------
1 مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/4.
2 سيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي، جمع الفقي، بقلم أحد تلاميذ الشيخ/7.
3 روضة الناظرين للقاضي 1/220، وسيرة الشيخ السعدي جمع الفقي، بقلم عبد الله السعدي (ابن المترجم له) /18.
4 علماء نجد للبسام 2/423، ومقدمة الرياض الناضر بقلم أحد تلاميذ الشيخ /4، وآخر المختارات الجلية طبعة المدني بقلم السناني /أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
ولم يقتصر في طلبه للعلم على فن واحد، بل قرأ في فنون كثيرة فقرأ في الحديث والتفسير والعقائد والفقه والأصول والمصطلح وعلوم اللغة وغيرها وهذا سيظهر لنا عند ذكر شيوخه، وما تلقاه عنهم.
ثانيا: شيوخه:
لقد تلقى الشيخ أنواع العلوم على كثير من العلماء، بعضهم من عنيزة وبعضهم من الوافدين إليها، وبعضهم ذهب إليهم في بلادهم.
وذكرهم جميعهم يصعب، ولكن فيما يلي أذكر جملة منهم مع إعطاء نبذة بسيطة عنهم1، وعن نوع استفادته من كل واحد منهم، وتجدر الإشارة إلى أنه كان رحمه الله محل إعجاب مشائخه كلهم بفرط ذكائه ونبله واستقامته2.
فمن شيوخه:
1ـ الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، ولد في بريدة سنة 1241هـ، وتوفي في الكويت سنة 1342هـ3.
وهو أول من قرأ عليه الشيخ وأخذ عنه التفسير والحديث وأصولهما4. وكان ابن سعدي يصف شيخه بحفظ الحديث والورع والزهد ومحبة الفقراء ومواساتهم5.
2ـ والشيخ محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم بن صالح الشبل. ولد في عنيزة سنة: 1257هـ، وتوفي سنة 1343هـ6، وأخذ عنه الفقه وأصوله وعلوم اللغة العربية7.--------------------------------------------
1 ومن رغب الاستزادة في معرفة هؤلاء الأعلام فليراجع المصادر المحال إليها في الحاشية عند كل علم مترجم له.
2 روضة الناظرين للقاضي 1/220.
3 علماء نجد للبسام 1/102، روضة الناظرين للقاضي 1/41، وعلماء آل سليم للعمري 2/203.
4 علماء نجد للبسام 2/425، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ/ 392.
5 مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/5.
6 علماء نجد للبسام 3/843، وروضة الناظرين للقاضي 2/227، وعلماء آل سليم للعمري 2/469.
7 علماء نجد للبسام 2/435.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
3ـ والشيخ عبد الله بن عائض العريضي الحربي، ولد في عنيزة سنة: 1249هـ، وتوفي سنة 1375هـ1.
وأخذ عنه الفقه وأصوله وعلوم اللغة2.
4ـ والشيخ صالح بن عثمان بن حمد بن إبراهيم القاضي، ولد في عنيزة سنة: 1282هـ. وتوفي سنة: 1351هـ3.
أخذ عنه التوحيد والتفسير والفقه أصوله وفروعه وعلوم العربية، وهو أكثر من قرأ عليه الشيخ ولازمه ملازمة تامة حتى توفاه الله4.
وكان هو الذي يقرأ على الشيخ في الدرس والشيخ يقرر على قراءته، بدأ القراءة على الشيخ بعد وفاة عبد العزيز الغرير، الذي كان يقرأ على الشيخ، وكان ابن سعدي له صوت حسن رخيم لا يمله سامعه5.
5ـ والشيخ محمد بن عبد الله بن حمد بن محمد بن سليم، ولد في بريدة، سنة: 1240هـ وتوفي فيها سنة 1323هـ6.
رحل له الشيخ في بريدة وأخذ عنه التوحيد وغيره7.
6ـ والشيخ علي بن ناصر بن محمد أبو وادي، ولد في عنيزة سنة: 1273هـ، وتوفي سنة: 1361هـ8.
أخذ عنه الحديث، الأمهات الست وغيرها، وأجازه في ذلك. وأخذ عنه التفسير وأصوله، وأصول الحديث9.--------------------------------------------
1 علماء نجد للبسام 2/435، ومقدمة الرياض الناضرة بقلم أحد تلاميذ الشيخ/ 5.
2 علماء نجد للبسام 2/425، وروضة الناظرين للقاضي 1/220.
3 علماء نجد للبسام 2/367، وروضة الناظرين للقاضي 1/152، وعلما آل سليم للعمري 2/265، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ/ 331.
4 سيرة عبد الرحمن السعدي جمع الفقي بقلم ابن الشيخ/19، وملحق النعت الأكمل للعامري /428.
5 روضة الناظرين للقاضي 1/220.
6 علماء نجد للبسام 3/872، وروضة الناظرين للقاضي 2/211.
7 علماء نجد للبسام 2/235، وعلماء آل سليم وتلاميذهم للعمري 2/295.
8 علماء نجد للبسام 3/738، وروضة الناظرين للقاضي 2/114، وعلماء آل سليم للعمري 2/419.
9 علماء نجد للبسام 2/425، وسيرة عبد الرحمن السعدي جمع الفقي بقلم ابن الشيخ /19، ومقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
7ـ والشيخ إبراهيم بن صالح بن إبراهيم بن محمد بن عيسى القحطاني ولد في عنيزة سنة: 1270هـ وتوفي بالرياض سنة: 1343هـ1.
أخذ عنه أصول الدين2.
8 ـ والشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن مانع.
ولد في عنيزة سنة: 1300هـ، وتوفي في بيروت سنة: 1385هـ ونقل جثمانه إلى قطر وصلى عليه ودفن فيها3.
وأخذ عنه علوم اللغة العربية4.
9ـ والشيخ صعب بن عبد الله بن صعب التويجري، ولد في بريدة سنة: 1253هـ، وتوفي سنة: 1339هـ5.
أخذ عنه الفقه وأصوله6، عندما رحل من بريدة إلى عنيزة وجلس فيها للتدريس7.
10ـ والشيخ علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد السناني، ولد في عنيزة سنة: 1266هـ، وتوفي سنة: 1339هـ8.
وأخذ عنه أصول الدين9.
11ـ والشيخ محمد الأمين محمود الشنقيطي، ولد في مدينة شنقيط في موريتانيا سنة: 1289هـ، وتوفي في الزبير في صباح الجمعة 14 جمادى الثانية، سنة: 1351هـ10.--------------------------------------------
1 علماء نجد للبسام 1/117، وروضة الناظرين 1/44، مشاهير علماء نجد لآل الشيخ /285.
2 روضة الناظرين للقاضي 1/220.
3 علماء نجد للبسام 3/827، وعلماء آل سليم للعمري 2/459.
4 علماء نجد للبسام 2/425، وروضة الناظرين للقاضي 1/220.
5 علماء نجد للبسام 2/379، وروضة الناظرين للقاضي 1/150، وعلماء آل سليم للعمري 2/276.
6 علماء نجد للبسام 2/425.
7 علماء آل سليم للعمري 2/295.
8 علماء نجد للبسام 3/733، وروضة الناظرين للقاضي 2/109، وعلماء آل سليم للعمري 2/404.
9 علماء نجد للبسام 2/425، وروضة الناظرين للقاضي 1/220.
10 انظر ترجمته في كتاب "من أعلام الفكر الإسلامي في البصرة، الشيخ محمد أمين الشنقيطي) لعبد اللطيف التليشي الخالدي، ط ـ مؤسسة المطبوعات العربية، بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
قرأ عليه الشيخ ابن سعدي لما قدم إلى عنيزة وجلس فيها للتدريس سنة: 1330هـ. وأخذ عنه التفسير والحديث ومصطلح الحديث وعلوم العربية كالنحو والصرف وغيرهما1. وأخذ عنه إجازة بالرواية2.
ثالثا: عنايته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وتأثره بهما:
لقد عني الشيخ ابن سعدي بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب تلميذه ابن القيم عناية بالغة، فأكب عليها مطالعة واستذكاراً وحفظاً وفهماً وتلخيصاً وشرحاً.. وكان أعظم اشتغاله بها، ولازمها ملازمة تامة طيلة حياته، فتتلمذ بذلك على كتبهما، وحصل له بسبب ذلك انتفاعٌ كبيرٌ، وخيرٌ عظيمٌ.
ولكي يبرز لنا مقصود هذا البحث أقول: إن تأثر الشيخ ابن سعدي بشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم يظهر من نواح متعددة:
أـ أجمع كل من ترجم له من تلاميذه وغيرهم على عنايته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وحثه الدائم لتلاميذه بالعناية بها.
يقول الشيخ محمد بن عثمان القاضي: "ولقد أكب بالمطالعة على كتب الفقه والحديث طيلة حياته خصوصا على كتب الشيخين، فقد كانت له صبوحا وغبوقاً"3.
ويقول ابن الشيخ المترجم له عبد الله: "وكان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وحصل له خير كثير بسببها في علم الأصول والتوحيد والتفسير والفقه وغيرها من العلوم النافعة"4.
ويقول أحد تلاميذ الشيخ: "وكان يتعلم ويقضي أوقاته في ذلك، وفي الإكباب على مطالعة مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ومؤلفات تلميذه ابن القيم بتمعن وتفهم فانتفع بهذه المؤلفات غاية الانتفاع"5 والنقول في ذلك كثيرة.--------------------------------------------
1 مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/6، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ/329
2 آخر المختارات الجلية ـ طبعة المدني، بقلم السناني/ب.
3 روضة الناظرين للقاضي 1/220.
4 سيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي، جمع محمد الفقي بقلم عبد الله بن ناصر السعدي/ 21، وانظر مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/7.
5 آخر المختارات الجلية طبعة السعيدية بقلم أحد تلاميذ الشيخ/411، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ 393، وانظر أيضا آخر المختارات الجلية طبعة المدني بقلم السناني/ج، وسيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي جمع الفقي. بقلم تلاميذ الشيخ/10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
ب ـ ثناؤه الدائم عليهما وعلى مؤلفاتهما في كتبه:
قال رحمه الله في كتابه طريق الوصول: "إن كتب الإمام الكبير شيخ الإسلام والمسلمين: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، قدس الله روحه، جمعت فأوعت: جميع الفنون النافعة والعلوم الصحيحة، وجمعت علم الأصول والفروع وعلوم النقل والعقل، وعلوم الأخلاق والآداب الظاهرة والباطنة، وجمعت بين المقاصد والوسائل، وبين المسائل والدلائل، وبين الأحكام وبين حكمها وأسرارها، وبين تقرير المذهب الحق، والرد على جميع المطبلين، وامتازت على جميع الكتب المصنفة بغزارة علمها وكثرته وقوته، وجودته وتحقيقه، بحيث يجزم من له اطلاع عليها وعلى غيرها أنها لا يوجد لها نظير يساويها أو يقاربها"1.
وقال في الكتاب نفسه: "وقد سلك شمس الدين ابن قيم الجوزية مسلك شيخه، بالتحقيق للعلوم الأصولية والفروعية والظاهرة والباطنة. وكان أعظم من انتفع بشيخ الإسلام، وأقومهم بعلومه وأوسعهم في العلوم النقلية والعقلية"2.
وقال في المواهب الربانية: "....ولا يخفى لطف الباري في وجود شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أثناء قرون هذه الأمة، وتبيين الله به وبتلامذته من الخير الكثير والعلم الغزير، وجهاد أهل البدع، والتعطيل والكفر، ثم انتشار كتبه في هذه الأوقات، فلا شك أن هذا من لطف الله لمن انتفع بها، وأنه يتوقف خير كثير على وجودها فلله الحمد والمنة والفضل"3.
وللشيخ ابن سعدي قصيدة نونية تتكون من ثلاثين بيتاً نظمها في مدح شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومؤلفاتهما منها:
يا طالبا لعلوم الشرع مجتهدا
يبغي انكشاف الحق والعرفان
احرص على كتب الإمامين اللذيـ
ـن هما المحك لهذه الأزمان
العالمين العاملين الحافظيـ
ـن المعرضين عن الحطام الفاني
عاشا زمانا داعيين إلى الهدى
من زائغ ومقلد حيران
أعني به شيخ الورى وإمامهم
يعزي إلى تيمية الحران
والآخر المدعو بابن القيم--------------------------------------------
بحر العلوم العالم الرباني1 طريق الوصول/3.
2 المصدر السابق/303 بتصرف.
3 المواهب الربانية/73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
فهما اللذان قد أودعا في كتبهم
غرر العلوم كثيرة الألوان
فيها الفوائد والمسائل جمعت
من كل فاكهة بها زوجان
إن رمت معرفة الإله وماله
من وصفه وكماله الرباني
أو رمت تفسير الكتاب وما حوى
من كثرة الأسرار والتبيان
أو رمت معرفة الرسول حقيقة
وجلالة المبعوث بالفرقان
أو رمت فقه الدين مرتبطاً به
أصل الدليل أدلة الإتقان
أو رمت معرفة القصائد كلها
للمبطلين وردها ببيان
أو رمت معرفة الفنون جميعها
من نحوها والطب للأبدان
تلق الجميع مقرراً وموضحا
قد بيناها أحسن التبيان1
إلى آخر هذه القصيدة، وهي دقيقة في وصف هذين العالمين وغزارة علمهما وتنوعه.
جـ ـ تأثره بهما في أسلوبه في الكتابة وفي تقريره للمسائل، وتأصيله للقواعد، وردوده على المنحرفين، وكثرة نقله واقتباسه من أقوالهما كما سيظهر جلياً عند عرض جهوده في العقيدة، إذ سيتبين للقارئ أن معظم كلامه في الرد على المخالفين أو في تأصيل القواعد مستفاد من كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وذلك لشدة عناية الشيخ بمؤلفتهما القيمة النافعة.
د ـ عنايته بالتأليف حول كتب شيخ الإسلام، وكتب تلميذه ابن القيم فله عدة مؤلفات تدور حول كتب هذين العالمين إما شرحاً وتوضيحاً أو نثراً أو تلخيصاً، منها:
1ـ كتاب توضيح الكافية الشافية، نثر فيه نونية ابن القيم.
2ـ الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية، وهو أيضا حول نونية ابن القيم حيث شرح الأبيات المتعلقة بتوحيد الأنبياء والمرسلين من النونية.
3ـ الدرة البهية في شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية وكما يظهر من عنوانه فهو شرح لتائية ابن تيمية في الرد على القدرية.
4 ـ التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنفية علق فيه على العقيدة الواسطية لابن تيمية.
5 ـ طريق الوصول إلى المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول، وهذا الكتاب--------------------------------------------
1 الفتاوى السعدية/673، 674، 675.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
من أبرز كتبه الدالة على شدة عنايته بكتب ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهذا يظهر لنا من ناحيتين.
الناحية الأولى: سبب تأليف الكتاب، إذ أنه ألفه رحمه الله ليكون بديلاً لأحد كتب ابن تيمية، بحث عنه كثيراً فلم يجده، يقول في مقدمة الكتاب مبيناً سبب تأليفه له: "ولشيخ الإسلام كتاب يقال له "قواعد الاستقامة" طالما بحثنا عنه لتحصيله من مظانه، فلم يتيسر، لكثرة فوائده.
وإني لأرجو أن يكون ما جمعته في هذا المجموع من كلامه في الأصول والقواعد مغنيا عن ذلك الكتاب، ومتضمناً زيادات كثيرة لا توجد فيه ولا في غيره......"1.
الناحية الثانية: مادة هذا الكتاب، فهو عبارة عن أكثر من ألف قاعدة، وأصل، وضابط، وتعريف استخرجها من أكثر من ستين كتاباً من كتب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، بعد قراءة متأنية في هذه الكتب قال رحمه الله في آخر الكتاب:
"....وجملة ذلك: أن هذا المجموع قد انتقيته بعد التروي الكثير وكثرة التأمل والتفكير من جميع الكتب الموجودة من كتب الشيخين فتضمن صفوتها، احتوى على جواهرها وغررها، والحمد لله والفضل لله"2 ولا أدل وأوضح من ذلك على عنايته بكتبهما.
هذا وإن المقصود من كل ما تقدم إبراز عناية الشيخ ابن سعدي بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وقد بان المقصود، وحصل بحمد الله المنشود.
رابعا: جلوسه للتدريس، وطريقته فيه:
لقد بذل ابن سعدي أكثر جهده، ومعظم وقته في طلب العلم وتحصيله، فلازم العلماء وأكب على كتب العلم، فلا يصرفه عن حلق الذكر ومجالس العلم وقراءة الكتب صارف، ولا يرده عنها راد، حتى أناله الله من العلم حظاً وفيراً، وقدراً كبيراً، فعلا--------------------------------------------
1 طريق الوصول/4. فائدة: وقد طبع الكتاب قريباً بتحقيق محمد رشاد سالم بمطبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، وهو ليس كما فهم الشيخ ابن سعدي من عنوانه من أنه عبارة عن سرد لقواعد وأصول تحصل بها الاستقامة، فقد تأملت الكتاب بعد طبعه فوجدته يدور حول الحث على اتباع السنة والتحذير من البدعة والرد على المبتدعة، وليس فيه سرد للقواعد والضوابط والأصول.
2 طريق الوصول / 435.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
قدره، وعظم شأنه، وظهر تفوقه، وذاع صيته.
فأقبل عليه طلاب العلم من عنيزة وما جاورها من المدن، ورغبوا في دروسه وحرصوا على الاستفادة منه1.
حتى إن زملاءه في الدارسة لما رأوا تفوقه عليهم ونبوغه، تتلمذوا عليه وصاروا يأخذون عنه العلم وهو في سن مبكر، فصار وهو في شبابه معلماً ومتعلماً2.
وقد كان أول جلوسه للتعليم في الثالثة والعشرين من عمره، ففي هذه السن جلس في حلقة التدريس يعطي الدروس للطلاب، وجد في تعليمهم واجتهد، يعلم زملاءه ومن يريد العلم ويطلبه، وكان يحرص على التعليم كحرصه على التعلم.
فجمع بذلك بين طلب العلم والتعليم، ورتب أوقاته في ذلك، فكان يقضي بعض أوقاته في القراءة على العلماء، بعضها يجلس للتلاميذ يعلمهم، وبعضها في مراجعة الكتب والبحث فيها، ولا يفوّت من أوقاته شيئاً إلا وقد رتبه3.
فبلغ الذروة في علوم الحديث والفقه والتفسير، حتى إنه منذ عام 1350هـ صار مرجع التدريس ومرجع الإفتاء في بلده وما حولها من القرى وأصبح المعول لدى جميع الطلاب في أخذ العلوم4.
أما عن تنظيمه لأوقاته في التعليم؛ فقد كان يجلس أربع جلسات في اليوم الواحد، فكان إذا صلى الفجر بالناس جالس لأداء الدرس حتى تطلع الشمس، ثم يذهب بعد ذلك إلى بيته حتى الضحوة الكبرى فيعود إلى المسجد يعلم أبناءه الطلاب الفقه والتفسير والحديث والعقيدة والنحو والصرف في دروس منتظمة، ويستمر معهم حتى صلاة الظهر، فيصلي بالناس ويعود إلى بيته يستريح فيه إلى صلاة العصر، ثم يذهب إلى المسجد فيصلي العصر بالناس، ويعطيهم عقب الصلاة وهم جلوس بعض الأحكام الفقهية في دقائق لا تؤخرهم عن الانصراف سعيا وراء أرزاقهم، وعندما تغرب الشمس يصلي بالناس المغرب ويجلس للدرس حتى يصلي العشاء، ويتكرر ذلك يومياً5.--------------------------------------------
1 علماء نجد للبسام 2/423.
2 آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني /ب، وانظر سيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي، جمع الفقي بقلم أحد تلاميذ الشيخ/10.
3 سيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي، جمع الفقي بقلم أحد تلاميذ الشيخ/10، وانظر مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ 4.
4 روضة الناظرين للقاضي 1/223.
5 مجلة الجامعة الإسلامية، س:11، ع:4، ص:205 بقلم الشيخ عبد الرحمن العدوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
أما عن طريقته في التعليم وحرصه على نفع طلابه، فقد كان رحمه الله من أحسن الناس تعليماً وأبلغهم تفهيماً وأفضلهم تبييناً، وذلك؛ لأن طريقته في التعليم امتازت بصفات كثيرة هامة، جعلت طلابه يتلذذون بدرسه ويواظبون عليها.
ومن أبرز هذه الصفات:-
1ـ أنه يستشير تلاميذه في اختيار الكتاب الأنفع من كتب الدراسة، ويرجح ما عليه رغبة أكثرهم، وعند التساوي يكون هو الحكم في الترجيح1.
2ـ يخصص المكافآت لمن يحفظ المتون من طلابه، وتشجيعاً لهم، وحفزاً لزملائهم2.
3ـ يقيم المناظرات بين طلابه المحصلين لشحذ أفكارهم، وصقل أذهانهم، وتعويدهم إقامة الحجة والبرهان3.
4ـ يطرح المسائل على الطلاب ليختبر أذهانهم، ويعتمد أحياناً تغليط نفسه أمامهم ليرى من هو حاضر الذهن ممن هو شارده، وليعرف الفطن من غيره4.
5ـ عند ذكره للمسائل الخلافية، فإنه يقرر القول الراجح بأدلته، ثم يذكر القول الآخر بأدلته ثم يوسط نفسه حكماً في المسألة، وقد يستطرد بذكر نظائر المسألة، كل ذلك بفصاحة وبلاغة بديهية5.
6ـ يجمع الطلاب كلهم على كتابين واحد بعد آخر، وبعد انتهاء الجلسة يطلب من ثلاثة منهم إعادة ما يستحضره من التقرير، ويدور عليهم ليختبر قوة حفظهم وفهمهم6.
7ـ يناقشهم بعد يوم فيما مضى شرحه، مما كان يدفع الطلاب على الحرص على الاستذكار وتثبيت المعلومات7.--------------------------------------------
1 روضة الناظرين للقاضي 1/224، مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/ 7.
2 روضة الناظرين للقاضي 1/222، وسيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي، جمع الفقي بقلم أحد تلاميذ الشيخ/12،
3 سيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي، جمع الفقي بقلم ابن الشيخ/ 20، وروضة الناظرين للقاضي 1/224.
4 روضة الناظرين للقاضي 1/222.
5 روضة الناظرين للقاضي 1/222-224.
6 روضة الناظرين للقاضي 1/222.
7 روضة الناظرين للقاضي 1/222.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
8 ـ يحرص على طلابه حرصاً تاماً، ويتفقدهم عند غيابهم تفقداً دقيقاً مما كان يجعل تلاميذه يراعون المواظبة لملاحظته وعدم غفلته1.
9ـ ومع ذلك كله كان يلاطفهم ويداعبهم تحبيباً لهم في طلب العلم2
ولهذا فإنه قد انتفع بعلمه خلق كثير، وتخرج على يديه عدد كبير من طلبة العلم البارزين المحصلين، أجزل الله له المثوبة، ورحمه الرحمة الواسعة.
خامسا: تلاميذه:-
وقد أخذ عنه العلم خلق كثير يصعب حصرهم، ومنهم:-
1ـ الشيخ محمد بن صالح العثيمين. خلف شيخه في إمامة الجامع بعنيزة، وفي التدريس والوعظ والخطابة.
2ـ والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام. عضو هيئة التمييز بالمنطقة الغربية.
3ـ والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل. عضو الهيئة القضائية العليا في وزارة العدل.
4ـ والشيخ عبد الله بن محمد المطرودي ـ يقال إنه كان يحفظ صحيح البخاري بأسانيده.
5ـ والشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان، درّس في معهد إمام الدعوة بالرياض، وسلك طريقة شيخه بالتأليف.
6ـ والشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع تولى القضاء في المجمعة وفي عنيزة وتوفي في 18/7/1387هـ.
7ـ والشيخ سليمان بن إبراهيم البسام، كان فقيهاً، درس في المعهد العلمي بعنيزة، وعين قاضياً فرفض وتوفي في 14/3/1377هـ.
8 ـ والشيخ محمد بن منصور الزامل، درس بمعهد عنيزة العلمي.
9ـ والشيخ عبد الله بن محمد الزامل، درس في معهد عنيزة العلمي، وهو من أبرز علماء نجد بالنحو.
10ـ والشيخ عبد الله بن حسن آل بريكان، درس في معهد عنيزة العلمي.--------------------------------------------
1 روضة الناظرين للقاضي 1/222.
2 آخر المختارات الجلية ـ طبعة المدني بقلم السناني/ج.
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وكان أحيانا يلقي ما فيها الدعابة على طلابه الصغار، ومن ذلك أنه سأل مرة أحد الطلبة عن الشاة إذا لم يكن لها ثنايا من فوق حين كان يشرح في باب الأضحية على قول الفقهاء: "إن ما سقطت ثناياه لا يضحى به".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
11ـ والشيخ عبد الله بن محمد العوهلي، درس بمعهد مكة العلمي.
12ـ والشيخ محمد بن صالح الخزيم. عين قاضياً في الرس ثم في المذنب ثم في عنيزة، وتوفي.
13ـ والشيخ عبد الرحمن بن محمد المقوشي، عين قاضياً بالرياض ثم بالقويعية ثم أحيل إلى التقاعد لرغبته. توفي.
14ـ والشيخ حمد بن محمد البسام درس بالمعهد العلمي بعنيزة ثم درس في جامعة الإمام محمد بن سعود فرع القصيم، وكان هو القارئ على الشيخ في الدرس.
15ـ والشيخ إبراهيم بن عبد العزيز الغرير إمام مسجد الجديدة بعنيزة، توفي.
16ـ والشيخ عبد الله بن عبد العزيز الخضيري عين قاضياً بعفيف ثم صار مدرساً بمعهد المدينة المنورة العلمي، توفي.
17ـ والشيخ حمد بن إبراهيم القاضي. صار مدير إحدى المدارس بعنيزة، توفي.
18ـ والشيخ عبد الله بن محمد الفهيد. إمام مسجد القاع في عنيزة. توفي.
19ـ والشيخ سليمان بن صالح البسام. من أعيان عنيزة. توفي.
20ـ والشيخ عبد الله بن محمد الصيخان. كان قوي الحفظ ـ كفيفاً. وتوفي شاباً.
21ـ والشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الزامل. كان له عناية بالتاريخ والأنساب ـ توفي.
22ـ والشيخ عبد العزيز بن محمد البسام. كان ينوب عن الشيخ في إمامة الجامع وفي الخطابة إذا سافر.
23ـ والشيخ عبد العزيز بن علي المساعد. إمام مسجد الصويطي بعنيزة.
24ـ والشيخ سليمان بن عبد الرحمن الدامغ. إمام مسجد الخريزة بعنيزة.
25ـ والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعدي. ابن الشيخ وكان ذا عناية بطبع مؤلفات والده، توفي.
26ـ والشيخ محمد بن صالح الفضيلي، كان قاضياً في تيماء، توفي.
27ـ والشيخ يوسف بن عبد العزيز الخرب. حفظ القرآن، وكان مشهوراً بكتابة الوثائق والمبايعات في عنيزة، وكان يقارئ الشيخ القرآن كل يوم طيلة حياته.
28ـ والشيخ علي بن محمد الصالحي. صاحب مطبعة النور، وكان الشيخ قد وكل إليه تدريس صغار الطلبة سنة: 1360هـ.
29ـ والشيخ إبراهيم بن محمد العمود. كان قاضياً في جيزان ثم في الرياض، والشيخ خاله. توفي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
31ـ والشيخ سليمان بن محمد الشبل، درس في المدرسة العزيزية الابتدائية في عنيزة ـ توفي.
32ـ والشيخ حمد بن محمد المرزوقي. درس في معهد النور.
33ـ والشيخ محمد بن عبد الرحمن الحنطي. كان قاضياً في الدرعية.
34ـ والشيخ محمد بن عثمان القاضي. إمام جامع في عنيزة وقيم مكتبة الصالحية في عنيزة.
35ـ والشيخ عبد الرحمن العقيل. كان قاضياً في جيزان ـ توفي.
36ـ والشيخ محمد بن سليمان البسام. درس في المسجد الحرام فترة وجيزة.
وغيرهم خلق كثير1.
سادسا: عقيدته وتنوع ثقافته:-
لقد نهج ابن سعدي في العقيدة منهج السلف الصالح، واقتفى آثارهم، وترسم خطاهم، وذلك بتلقي العقيدة وأخذها من منبعها الأصيل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم السلف الصالح، لا بالأهواء والتشهي، والبدع والظنون الفاسدة.
ومن تأمل كتبه وسبرها عرف شدة عنايته بهذه العقيدة، وحرصه على نشرها وتصديه لمخالفيها.
وقد ذكر رحمه الله في أول كتابه القول السديد في مقاصد التوحيد مقدمة تشتمل على صفوة عقيدة أهل السنة وخلاصتها المستمدة من الكتاب والسنة.
ولِوِجَازة هذه المقدمة، وشمولها لمعظم مسائل العقيدة، ودقة عباراتها، ووضوحها وأهميتها أوردها بنصها.
قال رحمه الله في بيان خلاصة عقيدة السلف الصالح المستمدة من الكتاب والسنة: وهي "أنهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فيشهدون أن الله هو الرب الإله المعبود، والمتفرد بكل كمال فيعبدونه وحده مخلصلين له الدين، فيقولون إن الله هو الخالق البارئ المصور الرزاق المعطي المانع المدبر لجميع الأمور.
وأنه المألوه المعبود الموحد المقصود، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي--------------------------------------------
1 راجع في تلاميذ الشيخ: علماء نجد للبسام 2/426، وروضة الناظرين للقاضي 1/221، وعلماء آل سليم للعمري 2/296، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ /393.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء. وأنه العلي الأعلى بكل معنى واعتبار، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، وأنه على العرش استوى، استواء يليق بعظمته وجلاله، ومع علوه المطلق وفوقيته، فعلمه محيط بالظواهر والبواطن والعالم العلوي والسفلي، وهو مع العباد بعلمه، يعلم جميع أحوالهم، وهو القريب المجيب.
وأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، والكل إليه مفتقرون في إيجادهم وإيجاد ما يحتاجون إليه في جميع الأوقات. ولا غنى لأحد عنه طرفة عين، وهو الرؤوف الرحيم، الذي ما بالعباد من نعمة دينية ولا دنيوية ولا دفع نقمة إلا من الله، فهو الجالب للنعم، الدافع للنقم.
ومن رحمته أنه يننزل كل ليلة إلى السماء الدينا، يستعرض حاجات العباد حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر، فهو ينزل كما يشاء، ويفعل كما يريد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ويعتقدون أنه الحكيم الذي له الحكمة التامة في شرعه وقدره، فما خلق شيئاً عبثا، ولا شرع الشرائع إلا للمصالح والحكم.
وأنه التواب العفو الغفور، يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، ويغفر الذنوب العظيمة للتائبين والمستغفرين والمنيبين، وهو الشكور الذي يشكر القليل من العمل ويزيد الشاكرين من فضله.
ويصفونه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من الصفات الذاتية، كالحياة الكاملة والسمع والبصر، وكمال القدرة العظيمة والكبرياء، والمجد والجلال والجمال، والحمد المطلق، ومن صفات الأفعال المتعلقة مبشيئته وقدرته كالرحمة والرضا والسخط والكلام، وإنه يتكلم بما يشاء كيف يشاء. وكلماته لا تنفد ولا تبيد، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وأنه لم يزل ولا يزال موصوفا بأنه يفعل ما يريد ويتكلم بما شاء، ويحكم على عباده بأحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية، فهو الحاكم المالك، ومن سواه مملوك محكوم عليه، فلا خروج للعباد عن ملكه ولا عن حكمه. يؤمنون بما جاء به الكتاب وتواترت به السنة أن المؤمنين يرون ربهم تعالى عيانا جهرة، وأن نعيم رؤيته والفوز برضوانه أكبر النعيم وألذه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
وأن من مات على غير الإيمان والتوحيد فهو مخلد في نار جهنم أبداً، وأن أرباب الكبائر إذا ماتوا على غير توبة ولا حصل لهم مكفر لذنوبهم ولا شفاعة فإنهم وإن دخلوا النار لا يخلدون فيها، ولا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان إلا خرج منها.
وأن الإيمان يشمل عقائد القلوب وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، فمن قام بها على الوجه الأكمل فهو المؤمن حقاً الذي استحق الثواب وسلم من العقاب ومن انتقص منها نقص من إيمانه بقدر ذلك؛ ولذلك كان الإيمان يزيد بالطاعة وفعل الخير، وينقص بالمعصية والشر.
ومن أصولهم السعي والجد فيما ينفع من أمور الدين والدنيا، مع استعانة بالله، فهم حريصون على ما ينفعهم وستعينون بالله، وكذلك يحققون الإخلاص لله في جميع حركاتهم، ويتبعون رسول الله في الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول والنصيحة للمؤمنين أتباع طريقهم.
ويشهدون أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو خاتم النبيين، أرسل إلى الإنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيراً، أرسله الله بصلاح الدين وصلاح الدنيا، وليقوم الخلق بعبادة الله ويستعينوا برزقه على ذلك.
ويعلمون أنه أعلم الخلق وأصدقهم وأنصحهم وأعظمهم بيانا، فيعظمونه ويحبونه، ويقدمون محبته على محبة الخلق كلهم ويتبعونه في أصول دينهم وفروعه، يقدمون قوله وهديه على قول كل أحد وهديه.
ويعتقدون أن الله جمع له من الفضائل والخصائص والكمالات ما لم يجمعه لأحد، فهو أعلى الخلق مقاماً وأعظمهم جاهاً وأكملهم في كل فضيلة، لم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرهم عنه.
وكذلك يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، وكل رسول أرسله الله، ولا يفرقون بين أحد من رسله.
ويؤمنون بالقدر كله، وأن جميع أعمال العباد خيرها وشرها، قد أحاط بها علم الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيها مشيئته، وتعلقت بها حكمته، حيث خلق للعباد قدرة وإرادة تقع بها أقوالهم وأفعالهم بحسب مشيئتهم، لم يجبرهم على شيء منها بل جعلهم مختارين له، وخص المؤمنين بأن حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان بعدله وحكمته.
ومن أصول أهل السنة أنهم يدينون بالنصيحة لله ولكتابه ورسوله، ولأئمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
المسلمين وعامتهم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران والمماليك والمعاملين ومن له حق، وبالإحسان إلى الخلق أجمعين. يدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها، وينهون عن مساوئ الأخلاق وأرذلها.
ويعتقدون أن أكمل المؤمنين إيمانا ويقينا، أحسنهم أعمالا وأخلاقاً، وأصدقهم أقوالاً، وأهداهم إلى كل خير وفضيلة، وأبعدهم من كل رذيلة. ويأمرون بالقيام بشرائع الدين على ما جاء عن نبيهم فيها وفي صفاتها ومكملاتها، والتحذير عن مفسداتها ومنقصاتها.
ويرون الجهاد في سبيل الله ماضيا مع البر والفاجر، وأنه ذروة سنام الدين، جهاد العلم والحجة، وجهاد السلاح، وأنه فرض على كل مسلم أن يدافع عن الدين بكل ممكن ومستطاع.
ومن أصولهم الحث على جمع كلمة المسلمين، والسعي في تقريب قلوبهم وتأليفها، والتحذير من التفرق والتعادي والتباغض، والعمل بكل وسيلة توصل إلى هذا.
ومن أصولهم النهي عن أذية الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم والأمر بالعدل والإنصاف في جميع المعاملات والندب إلى الإحسان والفضل فيها.
ويؤمنون بأن أفضل الأمم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصا الخلفاء الراشدون، والعشرة المشهود لهم بالجنة وأهل بدر، وبيعة الرضوان والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فيحبون الصحابة ويدينون لله بذلك، وينشرون محاسنهم ويسكتون عما قيل عن مساوئهم.
ويدينون لله باحترام العلماء الهداة وأئمة العدل، ومن لهم المقامات العالية في الدين والفضل المتنوع على المسلمين، ويسألون الله أن يعيذهم من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وأن يثبتهم على دين نبيهم إلى الممات.
هذه الأصول الكلية بها يؤمنون ولها يعتقدون وإليها يدعون1 أ. هـ.
فهذه الأصول الكلية التي ذكرها الشيخ ابن سعدي، اشتملت على خلاصة العقيدة وصفوتها، وهي أصول المستفادة من الكتاب والسنة، فليس فيها أصل إلا وعليه عشرات الأدلة إما من القرآن أو من السنة، وهذه هي عقيدة السلف الصالح التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بها وسار على نهجه فيه صحبه الكرام وتابعوهم بإحسان.--------------------------------------------
1 مقدمة القول السديد /6-12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
أما عن ثقافته وتنوعها فكما تقدم أن الشيخ ابن سعدي قد أفنى عمره، وأمضى وقته في طلب العلوم وتحصيلها، ولم يقتصر على فن واحد منها بل رام تحصيل جميع العلوم الشرعية من فقه وتفسير وحديث وغيرها، فأناله الله علما واسعا، وألم بعلوم كثيرة من العلوم الشرعية وبرع فيها، ولكي تتبين لنا ثقافته وتنوعها وسعتها، أعرض لكل فن اشتغل به مع بيان تحصيله منه وإفادته فيه على وجه الاختصار.
العقيدة:
لقد أولى الشيخ ابن سعدي العقيدة الإسلامية عناية بالغة واهتماماً كبيراً، فدرس العقيدة وتلقاها على عدد كبير من العلماء كما سبق الإشارة إلى ذلك عند ذكر شيوخه، واعتنى بكتب المتقدمين من سلف هذه الأمة، كما عنى بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه شمس الدين ابن قيم الجوزية، فكان لذلك دور كبير في نبوغه وبروزه في عقيدة السلف الصالح.
ثم إنه رحمه الله اعتنى بعد ذلك بالعقيدة تدريساً وتأليفاً، فكان في دروسه التي يلقيها على الطلاب يعتني بتدريسهم العقيدة الإسلامية الصافية، المأخوذة من الكتاب والسنة، الخالية من شوائب الشرك والبدع والخرافات. وكان كذلك في مؤلفاته يعتني بأمر العقيدة، فأكثر فيها التأليف شرحاً وتوضيحاً وتقريراً وتأصيلاً ورداً على المخالفين، وغير ذلك من الجهود الكبيرة التي قام بها نصرة لهذه العقيدة، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في الباب الثاني من هذه الرسالة إن شاء الله.
الحديث:
تقدم في ذكر شيوخه أنه تلقى الحديث وعلومه على عدد من المشايخ، وأنه أخذ من بعضهم إجازة برواية الكتب الستة. وهذا يبين لنا مدى اهتمامه بالحديث منذ طلبه للعلم.
أما عن مؤلفاته في الحديث فلم أقف له إلا على مؤلف واحد جمع فيه تسعة وتسعين حديثاً من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وأشار في مقدمته إلى أهمية الحديث فقال: "أما بعد: فليس بعد كلام الله أصدق ولا أنفع ولا أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلام رسوله وخليله محمد صلى الله عليه وسلم، إذ هو أعلم الخلق، وأعظمهم نصحاً وإرشاداً وهداية، وأبغلهم بياناً وتأصيلاً، وأحسنهم تعليماً، وقد أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً، بحيث كان يتكلم بالكلام القليل لفظه الكثيرة معانيه، مع كمال الوضوح والبيان الذي هو أعلى رتب البيان"1.--------------------------------------------
1 بهجة قلوب الأبرار، وقرة عيون الأخيار، في شرح جوامع الأخبار/5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)