الى ان السامع في مثل هذا المقام المهيج للحيرة يحضر بخياله زمان الواقعة ومكان الحادثة. ثم في المضارع استمرار تجددي. وفي استمراره ايماء الى تواتر تقتقة السحاب.
وأما (أصابعهم) بدل "أناملهم" فاشارة الى شدة الحيرة باستعمال الأصابع موضع الأنامل.
وأما في (اذانهم) فايماء الى شدة الخوف من صدى الرعد حتى يخيل اليهم انه لو دخل الرعد في شبكة الآذان لطيّر الأرواح من أبواب الأفواه. وفيه رمز لطيف الى انهم لما لم يفتحوا آذانهم لنداء الحق والنصيحة عوقبوا من تلك الجهة بنعرات الرعد، فسدوا هنا ما سدوا هناك، كمن اخرج كلاما شنيعا مِن ِفيهِ يُضْرَب على فمه فيدخُل يمين الندامة في فيه ويضع يسار الخجالة على عينه.
وأما (من الصواعق) فاشارة الى اتحاد الرعد والبرق على اضراره؛ اذ الصاعقة صوت شديد معه نار محرقة تصرع من صادف.
وأما (حذر الموت) فاشارة الى ان البلاء جذّ (1) اللحم الى العظم، وجاز الأحوال الى الحياة، فما يعنيهم الاّ غم الموت وحفظ الحياة.
وأما هيئات جملة (والله محيط بالكافرين)
فاعلم! ان "الواو" تقتضي المناسبة، وما المناسبة الا بين هذه وبين التابع لمآل السابقة. فكأن هذه "الواو" تقرأ عليهم: "هم قوم فروا من العمارة ونفروا من الحضارة وعصوا قانون كون الليل سباتا ولم يطيعوا نصيحة الناصح فظنوا النجاة بالخروج الى الصحراء فخابوا وأحاط بهم بلاء الله".
وأما لفظ (الله) فرمز الى قطع آخر رجائهم؛ اذ المصاب انما يلتجئ ويتسلى اولاً وآخراً الى رحمة الله، فحين استحقوا غضب الله تعالى انطفأ ذلك الرجاء.
وأما لفظ (محيط) فايماء الى ان هذه المصائب المحيطة آثار غضبه تعالى، فكما ان السماء والسحاب والصيّب والليل تهجُم عليهم من الجهات الست؛ كذلك غضبه تعالى وبلياته محيطة بهم.. وأيضاً علمه تعالى وقدرته محيطان بكل الكائنات، وأمره
(1) جذّه وجزّّه: قطعه. جذّه وجزّّه: قطعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
شامل لكل الذرات. فكأن (محيط) يتلو عليهم: لاتنفذون من أقطار السموات والأرض، (فأينما تولوا فثمَّ وجه الله) . (1)
وأما تعلق "الباء" فرمز الى انهم وقعوا فيما هربوا عنه فصاروا هدفا للسهام.
وأما التعبير بالكافرين فاشارة الى اراءة تمثال الممثل - أعني المنافقين - في مرآة التمثيل، لئلا يتوغل فيه ذهن السامع فينسى المقصد.. ورمز الى ان المشابهة وصلت الى درجة، وتضايق المسافة بينهما الى حدّ يتراءيان معا، فتمتزج الحقيقة بالخيال.. وأيضاً ايماء الى ظلمة قلوبهم اذ وجدانهم أيضاً يعذبهم لقصورهم وجنايتهم؛ اذ من رأى جزاء جنايته لايستريح وجدانه.
وأما هيئات جملة: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) فاستينافها يشير الى ان السامع يقول: ألا ينتفعون بالبرق المخفف لبلاء الظلمة عنهم؟ فأُجيبَ بأنهم يخافون من الضرر فضلاً عن الفائدة.
وأما (يكاد) (2) فيشير باعتبار خاصته المشهورة الى وجود سبب زوال البصر لكن لم يزل لوجود مانع.
وأما (يخطف) باعتبار استعماله كاختطفته الغُول والعُقاب ففيه بلاغة لطيفة تبرق للذهن وتشير الى ان البرق يسابق شعاع العين من قبل ان يصل الى الأشياء ليأخذ صورها يمرّ هو عليه فيقطعه ويضرب على جفنه فيذهب بنوره. كأن نور العين لما خرج من بيته مسرعاً لأجتناء صور الأشياء يسارع البرق الذي هو شعاع عين الليل، فيأخذ من يد شعاع العين صورته قبل ايصاله الى المخزن، أي يختلس البرق صورته من يده.
وأما (أبصارهم) فرمز - بناء على كونها مرآة للقلوب - الى عمل بصائر المنافقين المتعامية عن البراهين القاطعة القرآنية.
وأما هيئات جملة (كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا) فاستينافها يشير الى ان السامع حينما رأى اختلاف المصيبة وتغيرها سأل عن شأنهم في الحالتين فأجيب بذلك.
(1) سورة البقرة: 115.
(2) كاد من افعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه، لكنه لم يوجد إما لفقد شرط او لعروض مانع (ب) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وأما (كلما) في الاضاءة و "اذا" في الاظلام فاشارة الى شدة حرصهم على الضياء ينتهزون ادنى الضياء فرصة. وأيضا "كلما" متضمن لقياس مستقيم استثنائي.
وأما (اضاء لهم) بلام الَاجْلية والنفع فرمز الى ان المصاب المدهوش يستغرق في حاجة نفسه حتى يظن الضياء الذي تنشره يد القدرة في العالم لآلاف حِكمٍ كلية أنه المراد به خاصة، ويد القدرة انما ارسلته لأجله.
واما (مشوا) مع اقتضاء الفرصة السير السريع فاشارة الى ان المصيبة اقعدتهم فما سيرهم السريع الاّ مشي وحركة على مهل.
واما (فيه) فاشارة الى ان مسافة حركتهم الضياءُ الذي هو لون الزمان فكأنه يحدد لهم المكان.
واما (واذا) فـ "الواو" رمز الى تجديد المصيبة لتشديد التأثير. واما الاهمال والجزئية في "اذا" عكس "كلما" فاشارة الى شدة نفرتهم وتعاميهم، فتأخذهم وهم منغمسون في آن الفرصة.
وأما (اظلم) بالاسناد الى البرق فاشارة الى ان الظلمة بعد الضياء اشد. وايماء الى ان خيال المصاب لما رأى البرق طرد الظلمة ثم ذهب وامتلأ موضعه بالظلمات يتخيل انه انطفأ واورث دخاناً.
وأما (عليهم) الملوِّح بالضرر فاشارة الى ان الاظلام ليس تصادفيا بل جزاء لعملهم. ورمز الى ان المدهوش يتخيل الظلمةَ المالئة للفضاء كأنها تقصد - من بين الأشياء - ذلك الانسان الصغير الذليل وتجعله خاصة هدفَ هجومها وإضرارها.
واما (قاموا) بدل "سكنوا" فاشارة الى انهم بالمصيبة وشدة التشبث تقوّسوا كالراكعين كما هو شأن المجدِّين في العمل.
وأما هيئات جملة (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) فالـ "واو" بسر الربط تلوّح الى ان يد القدرة تتصرف تحت حجاب الأسباب، وان نظر الحكمة يراقب من فوق جميع العلل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
وأما (لو) فمتضمنة لقياس استثنائيّ غير مستقيم. أي عدم المشيئة علة لعدم ذهابهما؛ كما ان عدم الذهاب دليل على العلم بعدم المشيئة بذهابهما. وأيضاً رمز الى ان السبب بلغ النهاية.
وأما (شاء) فاشارة الى ان الرابط بين السبب والمسبَّب انما هي المشيئة والارادة الإلهية. فالتأثير للقدرة، وما الاسباب إلا حجاب العزة والعظمة لئلا تباشر يد القدرة بالأمور الخسيسة في ظاهر نظر العقل.
وأما التصريح بلفظة (الله) فاشارة الى زجر الناس عن الإِبتلاء بالأسباب والانغماس فيها. وأيضا لدعوة الأذهان الى رؤية يد القدرة خلف كل الأسباب.. وأما حذف مفعول "شاء" وان كان واجبا بالقاعدة المطردة فيجوز بقرينة اخواته ان يكون ايماء الى عدم تأثر المشيئة والارادة الالهية بأحوال الكائنات وعدم تأثير الأشياء في الصفات الالهية كما تتأثر ارادة البشر بحسن الأشياء وقبحها وعظمتها وصغرها.
واما (لذهب) فاشارة الى ان الأسباب ليست مسلطة ومستولية على المسببات حتى اذا رُفعت بقيت المسببات في جوف العدم تلعب بها يد التصادف وتشتّتها بالاتفاق، بل يد القدرة حاضرة خلف الأسباب. اذا أخرجت الأشياءَ تأخذها يدُ الحكمة الالهية بقانون الموازنة والانتظام، ترسلها الى مواقع اُخر ولاتهملها. كما ان الحرارة اذا خرّبت بُنية الماء، فبالنظام المندمج في الهواء يذهب البخار في مجرى معين ويسوقه صانعه الى موقع معين.. وكذا في "ذهب" رمز الى ان الحواس الخمس الظاهرة ليست متولدة عن الطبيعة ولا لازمة لتجاويف السمع والبصر، بل انما هي هداياه تعالى وعطاياه. وما التجاويف والأسباب الاّ شرائط عادية.
وأما التعدية بالباء بدل الهمزة فايماء الى ان يد القدرة لا تطلق الأشياء عن حبل الأسباب، غَاربُها على عنقها (1) بل تضع ازمّتها بيد نظام.
واما افراد "السمع" مع جمع "البصر" فاشارة الى افراد المسموع وتعدد المبصر، اذ الف رجل يسمعون شيئاً واحداً مع تخالف المبصرات.
(1) اصل المثل: حبلكِ على غاربك. ِ والغارب: اعلى السنام. وهذا كناية عن الطلاق، اى: اذهبى حيث شئتِ (مجمع الامثال) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وأما هيئات جملة (ان الله على كل شيء قدير) فاعلم! انها فذلكة لتحقيق الدهشة في التمثيل والممثل له تشير الى انه كما لا تهمل دقائق أحوال المصابين المتمثلة لجزئيات أحوال المنافقين؛ كذلك يُرى في كل ذرة تصرف القدرة الالهية.
واما (ان) فمع اشارتها الى ان هذا الحكم من الحقائق الراسخة، رمز الى عظمة المسألة ووسعتها ودقتها، وعجز البشر وضعفه وقصوره عنها المولِّدة للأوهام المنتجة للتردّد في اليقينيات.
واما التصريح بلفظة (الله) فايماء الى دليل الحكم، اذ القدرة التامة الشاملة لازمة للالوهية.
وأما (على) فايماء الى ان القدرة المخرجة للاشياء من العدم لا تتركها سُدىً هَملاً، بل ترقب عليها الحكمة وتربيها.
وأما (كل) فاشارة الى ان آثار الأسباب، والحاصل بالمصدر من الأفعال الاختيارية أيضا بقدرته تعالى.
وأما لفظ (شيء) بمعنى مشئ أي ما تعلقت به المشيئة، فاشارة الى ان الموجودات بعد وجودها لاتستغني عن الصانع بل تفتقر في كل آن لبقائها - الذي هو تكرر الوجود - الى تأثير الصانع.
وأما لفظ (قدير) بدل "قادر" فرمز الى ان القدرة ليست على مقدار المقدورات فقط، وانها ذاتية لا تغير فيها، ولازمة لاتقبل الزيادة والنقصان لعدم امكان تخلل ضدها حتى تترتب شدة ونقصانا.. وتلويح الى ان القدرة كالجنس وكميزان الصرف، أعني: (فَعَلَ) لجميع الأوصاف الفعلية من الرزاق والغفار والمحيي والمميت وغيرها. تفكر فيما سمعت حق التفكر!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
يَا اَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ 21 الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَاَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَاَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا ِلله اَنْدَاداً وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 22
مقدمة
اعلم! ان العبادة هي التي ترسِّخ العقائد وتُصيِّرها حالا ومَلَكة؛ اذ الأمور الوجدانية والعقلية إن لم تنمِّها وتربِّها العبادة - التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي - تكن آثارُها وتأثيراتها ضعيفة. وحال الاسلام 1 الحاضرة شاهدة.
واعلم أيضاً! ان العبادة سبب لسعادة الدارين.. وسبب لتنظيم المعاش والمعاد.. وسبب للكمال الشخصيّ والنوعيّ.. وهي النسبة الشريفة العالية بين العبد وخالقه.
أما وجه سببيتها لسعادة الدنيا التي هي مزرعة الآخرة فمن وجوه:
منها: ان الانسان خُلق ممتازاً ومستثنى من جميع الحيوانات بمزاج لطيف عجيب، انتج ذلك المزاج فيه ميلَ الانتخاب وميلَ الأحسن وميلَ الزينة، وميَلاناً فطرياً الى ان يعيش ويحيى بمعيشة وكمال لائقين بالانسانية.. ثم لأجل تلك الميول احتاج الانسان في تحصيل حاجاته في مأكله وملبسه ومسكنه الى تلطيفها واتقانها بصنائع جمة لا يقتدر هو بانفراده على كلها. ولهذا احتاج الى الامتزاج مع أبناء جنسه ليتشاركوا، فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم. لكن لما لم يحدد الصانعُ الحكيم قوى البشر الشهوية والغضبية والعقلية بحدٍّ فطريّ لتأمين ترقّيهم بزَمْبَرَكِ 2 الجزء الاختياريّ - لا كالحيوانات التي حُددت قواها - حصل انهماك وتجاوز.. ثم لانهماك القوى وتجاوزها - بسر عدم التحديد - تحتاج الجماعة الى العدالة في تبادل ثمرات السعي.. ثم لأن عقل كل احد لايكفي في درك العدالة احتاج النوع الى عقل كلي للعدالة يستفيد منه عقل العموم. وما ذلك العقل الاّ قانون كليّ، وما هو إلاّ--------------------------------------------
1 العالم الاسلامي (ت: 92)
2 النابض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
الشريعة.. ثم لمحافظة تأثير تلك الشريعة وجريانها لابد من مقننِّ وصاحب ومبلّغ ومرجع، وما هو الاّ النبيّ عليه السلام.. ثم ان النبيّ لادامة حاكميته في الظواهر والبواطن وفي العقول والطبائع يحتاج الى امتياز وتفوق مادةً ومعنى، سيرةً وصورة، خَلْقاً وخُلُقاً. ويحتاج أيضاً الى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم، وما الدليل الا المعجزات.. ثم لتأسيس اطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج الى ادامة تصور عظمة الصانع وصاحب الملك في الاذهان وما هو الا تجلي العقائد.. ثم لادامة التصور ورسوخ العقائد يحتاج الى مذكِّر مكرر وعمل متجدد، وما المذكِّر المكرر الا العبادة.
ومنها: ان العبادة لتوجيه الأفكار الى الصانع الحكيم. والتوجه لتأسيس الانقياد. والانقياد للإِيصال الى الانتظام الأكمل والارتباط به. واتباع النظام لتحقيق سر الحكمة. والحكمة يشهد عليها اتقان الصنع في الكائنات.
ومنها: ان الانسان كالشجر الذي علق على ذروته كثير من خطوط الآلة البرقية، قد التفّت على رأسه رؤوس نظامات الخلقة، وامتدت مشرعة اليه قوانين الفطرة، وانعكست متمركزة فيه اشعة النواميس الالهية في الكائنات. فلابد للبشر ان يتممها ويربطها وينتسب اليها ويتشبث باذيالها ليسري بالجريان العمومي حتى لا يُزلق ولايُطرد ولا يُلقى عن ظهر هذه الدواليب المتحركة في الطبقات. وما هي الا بالعبادة التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
ومنها: ان بامتثال الأوامر واجتناب النواهي يحصل للانسان نسبٌ كثيرة الى مراتب عديدة في الهيئة الاجتماعية، فيصير الشخص كنوعٍ؛ اذ كثير من الأوامرلاسيما التي لها تماس بالشعائر والمصالح العمومية كالخيط الذي نيط به حيثيات ونظُم فيه حقوق، لولاه لتمزقت وتطايرت.
ومنها: ان الانسان المسلم له مناسبات ثابتة وارتباط قوي مع كل المسلمين. وهما سببان لاخوة راسخة ومحبة حقيقية بسبب العقائد الايمانية والملكات الاسلامية. أما سبب ظهور تلك العقائد وتأثيرها وصيرورتها مَلَكة راسخة فانما هي العبادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
وأما جهة الكمال النفسيّ فاعلم!
ان الانسان مع صغر جرمه وضعفه وعجزه وكونه حيواناً من الحيوانات ينطوي على روح غال ويحتوي على استعداد كامل، ويتبطن ميولا لاحصر لها ويشتمل على آمال لا نهاية لها، ويحوز افكاراً غير محصورة ويتضمن قوى غير محدودة مع ان فطرته عجيبة كأنه فهرستة للأنواع والعوالم. فالعبادة هي السبب لانبساط روحه وجلاء قيمته.. وأيضاً هي العلة لانكشاف استعداده ونموّه ليناسب السعادة الأبدية.. وكذا هي الذريعة لتهذيب ميوله ونزاهتها.. وهي الوسيلة لتحقيق آماله وجعلها مثمرة ريانة.. وكذلك هي الواسطة لتنظيم أفكاره وربطها.. وأيضاً هي السبب لتحديد قواه وإلجامها.. وأيضا هي الصَيْقل لرَيْن الطبيعة على أعضائه المادية والمعنوية التي كل منها كأنه منفذ الى عالم مخصوص ونوع اذا شف.. وأيضا هي الموصل للبشر الى شرفه اللائق وكماله المقدر، اذا كانت بالوجدان والعقل والقلب والقالب.. وكذلك هي النسبة اللطيفة العالية، والمناسبة الشريفة الغالية بين العبد والمعبود. وتلك النسبة هي نهاية مراتب كمال البشر.
ثم ان الاخلاص في العبادة هو: ان تفعل لأنه أُمر بها، وان اشتمل كل أمر على حِكَم، كل منها يكون علة للامتثال، الا ان الاخلاص يقتضي ان تكون العلةُ هي الأمر، فان كانت الحكمةُ علةً فالعبادة باطلة، وان بقيت مرجِّحة فجائزة.
***
ثم ان المخاطبين لما سمعوا (يا ايها الناس اعبدوا) استفسروا بلسان الحال: ما الحكمة؟ ولِمَ؟ وما المجبورية؟ ولأيّ شئ؟
أما الحكمة فقد سمعت في المقدمة. وأما العلة فأجاب القرآن الكريم باثبات الصانع وتوحيده بقوله: (ربكم الذي خلقكم) .. الخ. واثبات النبوّة بقوله: (وان كنتم في ريب مما نزلنا) .. الخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
مقدمة في نكات هذه الآية:
اعلم! ان البرهان إما "لِمّي" وهو الاستدلال بالمؤثر على الأثر. وإما "اِنّيّ" وهو الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهذا أسلم 1. وهو إما "إمكانيّ بالاستدلال" بتساوي الطرفين على المرجِّح، واما "حدوثيّ بالاستدلال" بالتحوّل والتبدّل على المُوجِد.. وكل منها اما باعتبار ذوات الاشياء أو باعتبار صفاتها.. وكل منها إما باعطاء الوجود أو بادامة البقاء.. وكل منها إما "دليل اختراعيّ" أو "دليل عنايتيّ". وهذه الآية اشارة الى هذه الأنواع، فالملخص منها هنا، وقد فصلناه في كتاب آخر.
أما دليل العناية على اثبات الصانع الذي تلوِّح به هذه الآية، هو: "النظام المندمج في الكائنات"؛ اذ النظام خيط نيط به المصالح والحكم. فجميع الآيات القرآنية التي تعد منافع الأشياء وتذكر حِكَمها انما هي نسّاجةٌ لهذا الدليل، ومظاهر لتجلِّي هذا البرهان؛ اذ النظام المرعي به المصالح والحكم كما يثبت وجود نظّام، كذلك يدل على قصد الصانع وحكمته وينفي من البين وهمَ التصادف الأعمى والاتفاقية العمياء.
ياهذا! ان لم يحط نظرك بهذا النظام العالي المزيَّن بفصوص الحكَم، ولاتقتدر على الاستقراء التام؛ فانظر بجواسيس الفنون - التي هي الحواس لنوعك - الحاصلة من تلاحق الأفكار - الذي هو في حُكم فكر النوع - لترى نظاماً يبهر العقول، وتعلم ان كلّ فن من فنون الكائنات كشّاف بكلية قواعده عن اتساق وانتظام لايعقل أكمل منهما؛ اذ كل نوع من الكائنات اما تشكّل فيه فن أو يقبل ان يتشكل. والفن عبارة عن قواعد كلية. وكلية القاعدة تدل على حسن النظام؛ اذ ما لانظام له لاتجري فيه الكلية. ألا ترى ان قولنا "كل عالم فهو ذو عمامة بيضاء" انما يصدق كلية، اذا كان في ذلك النوع انتظام. فانتج أن كل فن من الفنون الكونية بسبب كلية قواعده ينتج بالاستقراء التام نظاماً كاملا شاملا، وان كل فن برهان نيّر يشير الى المصالح والثمرات المتدلية كالعناقيد في حلقات سلاسل الموجودات، ويلوِّح الى الحِكَم والفوائد المستترة في معاطف انقلابات الأحوال. فترفع الفنونُ اعلامَ الشهادة على قصد الصانع وحكمته، كأن كل فن نجم ثاقب في طرد شياطين الأوهام.--------------------------------------------
1 كدلالة النار على الدخان ودلالة الدخان على النار، وهذا اسلم من الشبهات (ت: 96)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وان شئت فعليك بهذا المثال مع قطع النظر عن العموم وهو:
ان الحيوان المكروسكوبيّ الذي لا يُرى بالعين بلا واسطة، اشتملت صورته الصغيرة على ماكينة دقيقة بديعة إلهية. فبالضرورة والبداهة ان تلك الماكينة الممكنة في ذاتها وصفاتها ما وجدت بنفسها بلا علة لإمكان ذاتها وصفاتها وأحوالها. والممكن متساوي الطرفين ككفتي الميزان، ولو وجد الترجح لكان في العدم. فباتفاق العقلاء لابد لها من علة مرجِّحة.. ومن المحال ان تكون العلة أسبابا طبيعية؛ اذ ما فيها من النظام الدقيق يقتضي نهاية علم وكمال شعور لايمكن تصورهما في تلك الأسباب، التي يخادعون أنفسهم بها. مع انها أسباب بسيطة قليلة جامدة لم يتعين مجاريها، ولم يتحدد محاركها مع ترددها بين ألوف من الإمكانات التي لا اولوية لبعضها. فكيف تجري في مجرى معين، وتتحرك على محرك محدود، وكيف يترجح بعض وجوه الإمكانات حتى يتولد هذه الماكينة العجيبة المنتظمة التي حيرت العقول في دقائق حكَمها، بل انما تقنع نفسُك وتطمئن بتولدها منها ان اعطيت لكل ذرّة شعور "افلاطون" 1 وحكمة "جالينوس" 2 واعتقدتَ بين تلك الذرات مخابرة عمومية. وما هذه الاّ سفسطة يخجل منها السوفسطائيّ. مع أن أس الأسباب المادية وجود القوة الجاذبة والقوة الدافعة معا في جزء لايتجزأ والجوهر الفرد، وان هذا كاجتماع الضدين.
نعم، قانون الجاذبة والدافعة وأمثالهما اسماء لقوانين عادات الله تعالى وشريعته الفطرية المسماة بالطبيعة. فهذه القوانين مقبولة بشرط ان لاتنتقل من القاعدية الى الطبيعية، وان لاتخرج من الذهنية الى الخارجية، وان لاتتحول من الاعتبارية الى الحقيقية، وان لا تترقى من الآلتية الى المؤثرية.
فاذا تفهمت ما في هذا المثال ورأيت عظمته مع صغره ووسعته مع ضيقه؛ فارفع رأسك وانظر في الكائنات تر وضوح دليل العناية وظهوره بمقدار درجة وسعة--------------------------------------------
1 427 - 347 ق. م) من مشاهير فلاسفة اليونان، تلميذ سقراط ومعلم ارسطو. من مؤلفاته (الجمهورية) و (المحاورات) .
(130 - 200م) طبيب وكاتب يوناني، ولد في برجامون وعمل جراحاً لمدرسة المصارعين بها بعد ان اتم دراسته في بلاد اليونان وآسيا الصغرى والاسكندرية ثم اقام بروما حيث ذاع صيته وينسب اليه خمسمائة مؤلف اغلبها في الطب والفلسفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
الكائنات. فكل الآيات القرآنية العادّة لنِعم الأشياء والمذكِّرة لفوائدها مظاهرُ لهذا الدليل. فكلما أمر القرآن الكريم بالتفكر فانما أشار مخاطباً للعموم الى طريق هذا الاستدلال (فَارجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) 1 ثم ان الذي يومئ الى هذا الدليل من هذه الآية قوله تعالى: (الذي جَعَلَ لَكُمْ الارْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَاَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَاَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ) .
وأما الدليل الاختراعيّ المشار اليه بقوله تعالى: (اَلَّذي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فهو:
ان الله تعالى اعطى لكل فرد ولكل نوع وجوداً خاصاً هو منشأ آثاره المخصوصة، ومنبع كمالاته اللائقة؛ اذ لانوع يتسلسل الى الازل لإِمكانه، ولبطلان التسلسل، ولان هذا التغير في العالم يثبت حدوث بعض بالمشاهدة، وبعض آخر بالضرورة العقلية. ثم انه قد ثبت بعلم الحيوانات والنباتات تكثّر الأنواع الى أزيد من مائتي الف نوع ولكل نوع آدم وأب عال. فبسر الحدوث والامكان يثبت بالضرورة صدور تلك الاوادم والآباء للانواع عن يد القدرة الإلهية بلا واسطة. ولا يُتوهم فيها ما يتوهم في السلسلة. وتوهم انشقاق الأنواع بعضها عن بعض باطل، لأن النوع المتوسط لا يتسلسل بالتناسل في الأكثر فلا يكون رأس سلسلة. فاذا كان المبدأ والأصل هكذا، فأجزاء السلسلة كذلك بالطريق الأولى.
نعم كيف يُتصور ان تكون الأسباب الطبيعية البسيطة الجامدة التي لاشعور لها ولا اختيار قابلة لإِيجاد تلك السلاسل التي تحيرت الأفهام فيها، ولاختراع أفرادها التي كل منها صنعة عجيبة من معجزات القدرة. فكل الأفراد مع سلاسلها تشهد بلسان حدوثها وامكانها شهادة قاطعة على وجوب وجود خالقها جل جلاله.
"ان قلت: فمع هذه الشهادة القاطعة كيف يعتقد الانسان بأمثال ضلالات ازلية المادة وحركتها؟.
قيل لك: ان النظر التبعيّ قد يُري المحالَ ممكناً، كالمستهلّ الذي رأى الشعرة البيضاء من اهدابه هلال العيد؛ لأن الانسان بسبب جوهره العالي وماهيته المكرمة انما يدور خلف الحق والحقيقة. وانما يقع الباطل والضلال في يده بلا اختيار ولادعوة ولا تحرٍّ--------------------------------------------
1 سورة الملك: 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
بل بنظره السطحيّ التبعيّ فيقبله اضطراراً؛ لأنه لما تغافل عن النظام الذي هو خيط الحِكَم، وتعامى عن ضدية الحركة والمادة للازلية احتمل عند نظره التبعي اسناد هذا النقش البديع والصنعة العجيبة الى التصادف الأعمى والأتفاق الأعور. كما قال "الجسريّ" 1 في مَنْ دخل قصراً مزينا مشتملاً على آثار المدنية، من انه حينما لايرى صاحبه فيعتقد عدمه يضطر لإِسناد زينته وأساساته الى الاتفاق والتصادف وناموس الانتخاب الطبيعيّ.
وأيضاً لما تعامى وتغافل عن شهادة كل الحكم والفوائد في نظام العالم على اختيار تام وعلم شامل وقدرة كاملة احتمل في نظره التبعي اثبات تأثير حقيقي لهذه الأسباب الجامدة.
فيا هذا! مع قطع النظر عن دقائق صنعته جل جلاله تأمل في اظهر الآثار التي تسمى "طبيعة" وهو الارتسام - بشرط ان تمزق حجاب الالفة - كيف تقنع نفسك ويقبل عقلك ان خاصية وجه المرآة علة مؤثرة مناسبة لكشط وجه السماء وجلب صورة ارتفاعها ونقشها بنجومها في زجيجتها؟. وكيف يقنع عقلك بأن الأمر الوهميّ في الحقيقة المسمّى بالجاذب العموميّ علة مؤثرة كخيط المنجنيق لإِمساك الأرض والنجوم وتحريكها وتدويرها بانتظام محكم؟
الحاصل: ان الانسان اذا نظر نظراً سطحياً تبعيّاً الى الأمر الباطل المحال ولم ير العلة الحقيقية احتمل صحته عنده. الا انه اذا نظر اليه قصداً وبالذات وتحراه مشترياً له لايمكن ان يقبل شيئاً من تلك المسائل التي يطنطنون بها في الحكميات، الاّ ان يتبلّه بفرض عقل الحكماء وحكمة السياسيّين في الذرّات.
" ان قلت: فما الطبيعة والنواميس والقُوَى التي يدمدمون بها ويسلّون أنفسهم بها؟--------------------------------------------
1 هو حسين بن محمد بن مصطفى الجسر (1261 - 1327هـ) (1845 - 1909م) عالم بالفقه والادب، من بيت علم في طرابلس الشام. له نظم كثير. دخل الازهر سنة 1279هـ واستمر الى سنة 1284هـ، وعاد الى طرابلس فكان رجلها في عصره، علماً ووجاهة، وتوفي فيها. كتبه (الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الاسلامية) و (الحصون الحميدية) في العقائد الاسلامية. و «سيرة مهذّب الدين» و «رياض طرابلس» وهى مجموعة دراسات ادبية واجتماعية في عشرة اجزاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
قيل لك: ان الطبيعة مِسْطر 1 لامصدر.. ومطبعة لا طابع.. وقوانين لاقوة. بل انما هي شريعة فطرية إلهية أوقعت نظاما بين أفعال أعضاء جسد عالم الشهادة. كما ان الشريعة محصَّلُ وخلاصةُ قواعد الأفعال الاختيارية، ونظام الدولة مجموع الدساتير السياسية. فكما ان الشريعة والنظام أمران معقولان اعتباريان؛ كذلك الطبيعة أمر اعتباريّ ملخَّصُ عادة الله الجارية في الخلقة. وأما توهم وجودها الخارجيّ فكتوهم الوحشي الذي يرى فرقة العسكر يتحركون بانتظام، وجودَ أمر خارجيّ ربط بينهم. فمن كان وجدانه وحشيا يتخيل الطبيعة بسبب الاستمرار موجوداً خارجياً مؤثراً.
الحاصل: ان الطبيعة صنعة الله تعالى وشريعته الفطرية. واما نواميسها فمسائلها. وأما قواها فأحكام تلك المسائل.
أما دليل التوحيد الذي أشار اليه (اعبدوا) على تفسير ابن عباس أي وحّدوا، فاعلم! ان القرآن المعجز البيان ما ترك من دلائل التوحيد شيئاً. وما تضمنته آية (لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا) 2 من برهان التمانع دليل كاف ومنار نيِّر على ان الاستقلال خاصة ذاتية ولازم ضروري للالوهية، ثم في هذه الآية رمز الى دليل لطيف على التوحيد وهو: ان تعاونَ الأرض والسماء ومناسبتهما في توليد الثمرات - لتُعَيِّش نوع البشر وجنس الحيوان - ومشابهةَ آثار العالم وتعانقَ أطرافه وأخذ بعضٍ يد بعضٍ بتكميل بعض انتظام بعض، وتجاوبَ الجوانب وتلبيةَ بعضٍ لسؤال حاجة بعض، ونظرَ الكل الى نقطة واحدة، وحركةَ الكل بالانتظام على محور نظام واحد؛ تلوِّح بل تصرِّح بان صانع هذه الماكينة الواحدة واحد وتتلو على كلٍ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى اَنَّهُ وَاحِدٌ 3
ثم اعلم! ان الصانع كما انه واجب الوجود وواحد؛ كذلك انه متصف بجميع الأوصاف الكمالية؛ لأن ما في المصنوع من فيض الكمال انما هو مقتبس من ظل تجلي كمال صانعه. فبالضرورة يوجد في الصانع جل جلاله من الجمال والكمال والحسن ما هو أعلى بدرجات غير متناهية من عموم ما في عموم الكائنات من الحسن والكمال--------------------------------------------
1 مِسطَر: ما يُسطر به الكتّاب.
2 سورة الانبياء: 22.
3 لابى العتاهية في ديوانه وينسب الى الامام علي كرم الله وجهه. ونسبه إبن كثير في مقدمة تفسيره الى إبن المعتز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
والجمال؛ اذ الاحسان فرعٌ لثروة المحسِن ودليل عليها، والايجاد لوجود الموجِد، والايجاب لوجوب الموجب، والتحسين لحسن المحسّن المناسب له..
وكذلك ان الصانع منزَّه عن جميع النقائص، لأن النواقص انما تنشأ عن عدم استعداد ماهيات الماديات وهو تعالى مجرد عن الماديات..
وكذلك انه تعالى مقدس عن لوازم وأوصافٍ نشأت من إمكان ماهيات الكائنات وهو سبحانه واجب الوجود ليس كمثله شئ جل جلاله. ولقد أشار الى هاتين الحقيقتين بقوله: (فلا تجعلوا لله أنداداً) .
أما الدليل الامكانيّ المشار اليه بقوله تعالى: (وَالله الْغَنِيُّ وَاَنْتُمُ الفُقَرَاءُ) 1 فاعلم! ان كل واحدة من ذَرات الكائنات باعتبار ذاتها، وباعتبار فردٍ فردٍ من صفاتها، وباعتبار واحدٍ واحدٍ من أحوالها، وباعتبار جهةٍ جهةٍ من وجوهها؛ بينما تراها تتردد بين الامكانات الغير المتناهية في الذات والصفات والأحوال والوجود، اذاً انتعشت وقامت وسلكت طريقاً معيناً منها ولبست صفة مخصوصة، وتكيفت بحالة منتظمة، وركبت على قانون مسدَّد، وتوجهت الى مقصد معيّن، فأنتجت حكمةً ومصلحةً لا تحصلان الاّ بذلك الطرز المعين.. أفلا تنادي بلسانها المخصوص، وتصرّح بقصد صانعها وحكمته؟ فكما ان كل ذرة بنفسها دليل على الانفراد؛ كذلك تتزايد دلالتها باعتبار كونها جزءاً من مركبات متداخلة متصاعدة؛ اذ لها في كل مركب مقام.. وفي كل مقام لها نسبة.. وفي كل نسبة لها وظيفة.. وفي كل وظيفة تثمر مصالح.. وفي كل مرتبة تتلو بلسانها دلائل وجوب وجود صانعها.. مثلها كمثل جنديّ في "طاقمه وطابوره وفرقته الخ".
***
ولنشرع في نظم هذه الآية باعتبار نظم مجموعها بما قبلها، ثم نظم جملها بعض مع بعض، ثم نظم هيئات كل جملة جملة.
أما نظم المجموع بما قبله:--------------------------------------------
1 سورة محمد: 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
فاعلم! ان القرآن لما بيّن أقسام البشر وأنواع المكلَّفين من المؤمنين المتّقين والكافرين المعاندين والمنافقين المذبذبين توجه اليهم كافة مخاطبا بقوله: (يا أيها الناس اعبدوا) عقّبه ورتّبه على سابقه ترتيب البناء على الهندسة، والأمر والنهي بالعمل على قانون العلم، والقضاء على القدر، والانشاء والايجاد على القصة والحكاية؛ اذ لما ذكر مباحث الفرق الثلاث، وذكر خاصة كلٍ وعاقبة كلٍّ تهيأ الموضع وانتبه السامع فالتفت مخاطبا بذلك الخطاب.. ثم ان في هذا الالتفات - أعني ذكرهم أولاً بالغيبة ثم الخطاب معهم هنا - نكتة عمومية في اسلوب البيان وهي: انه اذا ذكر محاسن شخص أو مساويه شيئاً فشيئاً يتزايد بحكم الايقاظ والتهييج ميلان استحسان أو ميل نفرة. ويتقوى ذلك الميل شيئاً فشيئاً الى أن يجبر صاحبه على المشافهة مع ذلك الشخص، وبالنظر الى المقام يقتضي ميولات السامعين لأوصافه ان يحضر المتكلم ذلك الشخص ويجره الى حضورهم فيتوجه اليه بالخطاب..
وفيه نكتة خصوصية هنا: وهي تخفيف أعباء التكليف بلذة الخطاب.. وفيه أيضاً اشارة الى ان لا واسطة في العبادة بين العبد وخالقه.
وأما نظم الجمل فـ (يا أيها الناس اعبدوا) خطاب لكل انسان من الفرق الثلاث في الأزمنة الثلاثة من كل طبقات الفرق. أي: ايها المؤمنون الكاملون اعبدوا على صفة الثبات والدوام.. وأيها المتوسطون اعبدوا على كيفية الازدياد.. وأيها الكافرون افعلوا العبادة مع شرطها من الايمان والتوحيد.. وايها المنافقون اعبدوا على كيفية الإخلاص. فالعبادة هنا كالمشترك المعنوي فتأمل!.
(ربكم) أي: اعبدوه لأنه رب يربيكم فلابد ان تكونوا عباداً تعبدونه.
تذييل: في (ربكم) رمز دقيق الى دليل امكان الذوات. وفي (جعل لكم الأرض فراشا) الى دليل امكان الصفات. وفي (الذي خلقكم والذين من قبلكم) الى دليل حدوث الذوات والصفات. والذي ينصّ على دليل امكان الذوات قوله تعالى L والله الغنيّ وانتم الفقراء) وايضا الى ربك المنتهى 1 وأيضاً (فانهم عدوّ لي إلاّ رب العالمين) 2 وكذلك (قل الله ثم ذَرْهم في--------------------------------------------
1 سورة النجم: 42.
2 سورة الشعراء: 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
خوضهم يلعبون) 1 وأيضا (ففروا الى الله) 2 وكذلك (اَلَا بذكر الله تطمئنُّ القلوب) 3 وقس فتأمل.!.
وأما جملة (الذي خلقكم) فاعلم! ان الله تعالى لما أمر بالعبادة وهي تقتضي ثلاثة أشياء:
وجود المعبود، ووحدته، واستحقاقه للعبادة..
أجاب عن هذه الأسئلة المقدرة بالاشارة الى دلائلها الثلاثة:
فدلائل الوجود قسمان: آفاقي وأنفسي. والأنفسي نوعان: نفسي وأصولي. فاشار الى النفسي الأقرب الأوضح بقوله: (الذي خلقكم) والى الاصولي بقوله: والذين من قبلكم.
وأما نظم (لعلكم تتقون) فاعلم! ان القرآن الكريم لما علق العبادة على خلقهم وآبائهم اقتضى ترتيب العبادة على خلق البشر نقطتين:
إحداهما: ان تكون خلقتهم باستعداد العبادة، وجبليتهم على قابلية التقوى؛ حتى من يرى ذلك الاستعداد يأمل ويرجو منهم العبادة كمن يرى المخالب يأمل الافتراس.
والثانية: ان يكون المقصد من خلقتهم ووظيفتهم التي هم مأمورون بها وكمالهم الذي يتوجهون اليه هو التقوى الذي هو كمال العبادة.
(ولعلكم تتقون) أي المقصد من خلقكم وكمالكم والذي هيئ له استعدادكم انما هو التقوى.
وأما جملة (جعل لكم الأرض فراشا) فاشارة الى أقرب الدلائل الآفاقية على وجوده تعالى. . وأيضاً فيها رمز الى رد التأثير الحقيقي للأسباب الذي هو منشأ لنوع شرك. أي تمهيد الأرض بجعله تعالى لا بالطبيعة.--------------------------------------------
1 سورة الانعام: 91.
2 سورة الذاريات: 50.
3 سورة الرعد: 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
وأما (والسماء بناء) فإشارة - بذكر السماء التي هي لصيق الأرض - الى أعلى الدلائل الآفاقية البسيطة.
ثم اشار بقوله (وأنزل من السماء) الى وجه دلالة المركبات والمواليد على وجود صانعها.
ثم ان كل من الجمل السابقة كما تدل على اثبات الوجود؛ كذلك المجموع يلوّح بالوحدة. وصورة الترتيب المشير الى النظام الملوح بالنعم مع دلالة (رزقا لكم) تثبت استحقاقه تعالى للعبادة، لأن شكْرَ المُنْعِم واجبٌ. وفي (رزقا لكم) اشارة الى انه كما ان الارض والمواليد تخدم لك لابد ان تخدم لمن سخرها لك.
وأما نظم (فلا تجعلوا لله انداداً) فاعلم! انه قد امتدت من نظمها خطوط الى (يا ايها الناس اعبدوا ربكم) والى (الذي خلقكم) والى (الذي جعل لكم) والى (وانزل) . أي: اذا عبدتم ربكم فلا تشركوا له لأنه هو الرب، ولأنه هو الخالق لكم ولنوعكم فلا يجعل بعضكم بعضا أرباباً من دون الله، ولأنه هو الذي خلق الأرض وفرشهاومهدها لكم، ولأنه هو الذي خلق السماء وجعلها سقفا لبنائكم فلا تعتقدوا تأثيراً حقيقياً للأسباب الطبيعية التي هي منشأ الوثنية، ولأنه هو الذي أرسل الماء الى الأرض لرزقكم ومعيشتكم، ولا نعمة الا منه فلا شكر ولا عبادة الاّ له.
وأما نظم كيفيات وهيئات جملة جملة، فاعلم! ان كلمة (يا أيها) في جملة "يا ايها الناس اعبدوا" قد أكثر التنزيل من ذكرها لنكت دقيقة ولطائف رقيقة، اذ هذا الخطاب مؤكد بوجوه ثلاثة:
بما في "يا" من الايقاظ، وما في "اَيُّ" من التوسم، وما في "ها" من التنبيه.
فالخطاب هنا رمز الى فوائد ثلاث: مقابلة مشقة التكليف بلذة الخطاب.. وان ترقى الانسان من حضيض الغيبة الى مقام الحضور انما هو بواسطة العبادة 1.. وأيضاً اشارة الى ان المخاطب مكلف بجهات ثلاث: باعتبار قلبه بالتسليم والانقياد، ومن جهة عقله بالايمان والتوحيد، وبالنظر الى قالبه بالعمل والعبادة..
وأيضاً ايماء الى ان المخاطبين ثلاث فرق 2.. وأيضاً تلويح الى الطبقات الثلاث من الخواص والمتوسطين والعوام..--------------------------------------------
1 وان لا واسطة في العبادة بين العبد وخالقه (ش) .
2 المؤمنون والكفار والمنافقون (ت: 108)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
وأيضاً تلميح الى الطرز المألوف والنسق المأنوس وهو ان المرء اولا ينادي أحداً فيوقفه. ثم يتوسمه فيوجهه. ثم يخاطبه فيخدمه. 1
فبناء على هذه النكت تكون التأكيدات في الخطاب مؤسسة من تلك الجهات.
أما النداء في "يا" فلأن المنادى هو الناس المشتمل على الطبقات المختلفة من الغافلين والغائبين والساكنين والجاهلين والمشغولين والمعرضين والمحبين والطالبين والكاملين يكون هذا النداء للتنبيه، وكذا للإِحضار، وكذا للتحريك، وكذا للتعريف، وكذا للتفريغ، وكذا للتوجيه، وكذا للتهييج، وكذا للتشويق، وكذا للازدياد، وكذا لهزّ العطف..
وأما البُعد في "يا" مع ان المقام مقام القرب، فاشارة الى جلالة وعظمة امانة التكليف.. وأيضاً ايماء الى بُعد درجة العبودية عن مرتبة الالوهية.. وأيضاً رمز الى بُعد اعصار المكلفين عن محلِّ وزمانِ ظهور الخطاب. وأيضاً تلويح الى شدة غفلة البشر.
وأما "أيّ" الموضوع للتوسم من العموم فرمز الى ان الخطاب لعموم الكائنات. فيخصص من بينها الانسان بتحمل الأمانة على طريق فرض الكفاية. فاذاً قصور الانسان تجاوزٌ لحق مجموع الكائنات.. ثم في "أي" جزالة الاجمال ثم التفصيل. 2
وأما "ها" فمع كونه عوضاً عن المضاف اليه، اشارة الى تنبيه من حضر بـ "يا".
وأما (الناس) فاشارة - بحكم تلميح الوصفية الأصلية - الى العتاب، أي "ايها الناس كيف تنسون الميثاق الأزلي"؟ وأيضاً الى العذر أي "ايها الناس لابد ان يكون قصوركم عن السهو والنسيان لا بالعمد والجد"!.
أما (اعبدوا) فبحكم جوابيته للنداء العام مناداه للطبقات المذكورة يدل على الاطاعة، ويشير الى الاخلاص، ويرمز الى الدوام، ويلوح الى التوحيد. أي اطيعوا.. واخلصوا.. واثبتوا.. وازدادوا.. ووحدوا.--------------------------------------------
1 فيستخدمه (ب)
2 لأن في كلمة «ايّ» إجمال وإبهام حيث ذكرت غير مضافة، الاّ ان كلمة «الناس» تزيل ذلك الابهام وتفصّل ذلك الاجمال (ت: 109)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وأما (ربكم) فإشارة إلى ان العبادة كما ينبغي ان يرغّب فيها لأنها نسبة شريفة ومناسبة عالية؛ كذلك لابد ان تطلب لأنها شكر وخدمة لمن هو يربيكم وتحتاجون اليه.
أما هيئات (الذي خلقكم والذين من قبلكم)
فاعلم! ان (الذي) الذي جهة معلوميته الصلة 1 يشير الى ان معرفة الله تعالى انما تكون بأفعاله وآثاره لا بكنهه.
وان "خَلَق" الممتاز عن الايجاد والانشاء بكونه على وجه مقدر مستو، اشارة الى ان استعداد البشر مسدَّد للتكليف.. وأيضاً رمز الى ان العبادة وظيفة، لأنها نتيجة الخلقة واجرتها. فما الثواب الاّ من محض فضل الله تعالى.
وان (الذين) بناءً على ابهامه ايماء الى ان الذين سبقوكم انقرضوا فماتوا فذهبوا.. فلم يبق منهم جهة المعلومية الا كونهم مخلوقين قبلكم.. فأنتم على شفا جرف القبر.. فاعتبروا.. فلا تغتروا بالدنيا.. فتشبثوا بأذيال العبادة التي هي وسيلة السعادة الابدية.
أما كيفيات (لعلكم تتقون) فاعلم! ان "لعل" للرجاء ففي المرغوب يقال اطماع وفي المكروه اشفاق. فالرجاء في حق المتكلم هنا حقيقةً محالٌ. فهو اما باعتباره لكن مجازاً، واما باعتبار المخاطب، واما باعتبار المشاهدين والسامعين:
أما باعتبار المتكلم فاستعارة تمثيلية كما ان من جهز أحداً بأسباب خدمةٍ يرجو منه عرفا تلك الخدمة؛ كذلك ان الله جهز البشر باستعداد الكمال وقابلية التكليف وواسطة الاختيار. ففي الاستعارة اشارة الى ان حكمة خلق البشر هي التقوى.. وكذا رمز الى ان نتيجة العبادة مرتبة التقوى.. وكذلك ايماء الى ان التقوى أكبر المراتب.. وأيضاً تلميح الى طرز اسلوب الملوك بالاطماع والرمز في موضع الوعد القطعيّ.
وأما باعتبار المخاطب فكأنه يقول: اعبدوا حال كونكم راجين للتقوى ومتوسطين بين الرجاء والخوف. وفي هذا الاعتبار اشارة الى انه لابد ان لايعتمد الانسان على--------------------------------------------
1 فاذا قيل مثلاً: "الذى جاءك" فجهته المعلومة لديك هى المجئ اليك. اما سائر جهاته فمجهولة (ت: 110)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
عبادته.. وكذا ايماء الى انه لابد ان لايكتفي بما هو فيه بل لزم ان يكون مصداقا لـ"عليك بالحركة غير السكون" فينظر في كل مرتبة الى ما فوقها.
واما باعتبار المشاهدين والسامعين فكأن من شاهد البشر مجهزاً ومسلحاً باستعدادات يأمل ويرجو منه العبادة، كمن يرى مخالب حيوان وأنيابه يأمل منه الافتراس.. وكذلك اشارة الى ان العبادة مقتضى الفطرة.
اما لفظ (تتقون) فاشارة - بحكم ترتبه على عبادة الطبقات المذكورة - الى مراتب التقوى وهي: التقوى عن الشرك. ثم التقوى عن الكبائر. ثم التقوى بحفظ القلب عما سواه تعالى.. وكذا التقوى بالتجنب عن العقاب.. وايضاً التقوى بالتحرز عن الغضب.. وكذا رمز الى ان العبادة بالاخلاص تكون عبادة.. وايضاً ايماء الى ان العبادة مقصودة بالذات لا وسيلة محضة.. وكذلك رمز الى ان العبادة لابد ان لاتكون لأجل الثواب والعقاب.
اما هيئات آية (الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء) فاعلم! انها اشارة الى التهييج على العبادة ببيان عظمة قدرة الصانع، والى التشويق عليها بالامتنان. كأنه يقول: ايها الانسان! ان الذي سخر لك الارض والسماء يستحق ان تعبده.. وكذا ايماء الى فضيلة البشر وعلوّ قيمته ومكرميته عند الله، كأنه يقول: ان الذي اكرمكم بأن هيّأ الاجرام العلوية والسفلية بعظمتها لاستفادتكم، لابد أن تظهروا لياقتكم للكرامة بعبادته.. وكذا تلميح الى رد التصادف والاتفاق وتأثير الطبيعة. أي ان كل ما ترون بصفاتها انما هي بجعلِ جاعل وقصدِ قاصد وتخصيصِ مخصِّص ونظمِ نظَّام جلّت حكمته.. وكذا تلويح الى رد مذهب اهل الطبيعة ومذهب الصابئين المولد لمذهب الوثنيين.. وايضاً تنبيه الى ان صفات الأجسام بإمكانها تدل على الصانع؛ اذ الاجسام متساوية ذراتُها في قابلية الأحوال والكيفيات العمومية فكل صفة ممكنة مترددة بين احتمالات كثيرة فكل جسم باعتبار كل صفة وكيفية يحتاج الى قصد وحكمة وتخصيصِ مخصِّص.
اما تقديم (لكم) فاشارة الى ان تفريش الارض لأجل الانسان، لا ان المفترش والمستفيد هو الانسان فقط، حتى يكون الزائد عبثاً، فتأمل!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)