وَهذَا الَّذِي قَالتْهُ عَائشَةُ رضي الله عنها هُوَ الَّذِي عَليْهِ أَهْلُ السُّنةِ وَالجَماعَةِ قَاطِبةً، إلَّا خِلافًا شاذًّا قَلِيْلًا فِي الرُّؤيَةِ، والَّذِي عَليْهِ عَامَّةُ العُلمَاءِ أنَّهُ لمْ يَرَ ربَّهُ بِعيْنَيهِ؛ لِأنَّ اللهَ قَالَ: {لَا تُدْرِكُهُ} [الأنعام: 103] يَعنِي: لَا تَرَاهُ، وَبِهذَا احْتجَّتْ عَائشَةُ رضي الله عنها.
وسَألَ أبُو ذرٍّ رضي الله عنه النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: هلْ رَأيْتَ ربَّكَ؟ فقَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»(1). وفِي اللَّفظِ الآخَرِ: «رَأَيْتُ نُورًا»(2). أَخرَجَهُ مُسلِمٌ فِي «الصَّحيحِ»، وقَالَ عليه الصلاة والسلام: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عز وجل حَتَّى يَمُوتَ»(3).
فَالرُّؤيةُ أَعلَى نَعيمِ أَهْلِ الجنَّةِ، ولَيْستْ مِنْ نَعيمِ الدُّنْيا، بلْ هِيَ أَعلَى نَعيمِ أَهْلِ الجنَّةِ؛ وَلِهذَا لَا تَكونُ إلَّا فِي الآخِرةِ لِأهْلِ الجنَّةِ فِي القِيامَةِ وفِي دَارِ الكَرامَةِ، أمَّا الكفَّارُ فهُم مَحجُوبُونَ عَنْ هذِهِ الرُّؤيَةِ فِي الآخِرةِ {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)} [المطففين: 15].
وقَالَ آخَرُونَ فِي مَعنَى الآيَةِ: مَعنَى «لَا تُدْرِكُهُ»: لَا تُحيطُهُ، وإنْ رأتْهُ فِي الآخِرةِ، فَالآيَةُ مُحكَمةٌ؛ إذْ لَا يُحِيطُ بِهِ النَّاسُ، وإنْ رَأوْا وَجْهَهُ الكَرِيمَ سبحانه وتعالى وكشَفَ لهُم الحِجابَ، لكِنْ لَا يُحِيطُونَ بِهِ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ، كَمَا--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (178) (291).
(2) رواه مسلم (178) (292).
(3) رواه مسلم (169).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: ٣٩)