أما إذا كان النقص دخل من جهة اتهامهم بالغلط والوهم، فإنه إذا جاء ذلك الحديث من وجه آخر عن رجال مقاربين لها، ولا علم أن الوهم بعيد منه انجبر أحد السندين بالآخر، وارتقى الحديث إلى درجة الحسن، وسيأتي في بعض الأحاديث ما هو مثال لهذا.1
وكذلك الحديث الحسن لقصور رجال إسناده عن درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان. إذا روى ذلك بسند آخر مثله في الحسن، ارتقى بمجموعها إلى درجة الصحة لاعتضاد كل منهما بالآخر.--------------------------------------------
1 منكراً أو لا أصل له. صرح به شيخ الإسلام، قال: بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور السيء الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن. تدريب الراوي 1/177.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
قد صححه بعض الأئمة كما سيأتي في حديث صلاة التسبيح1.
وفيها ما له طريقين أخرى يقوى بها الحديث، لم يطلع عليها، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى – في بعض الأحاديث.
فدخلت الآفة عليه من هذه الوجوه وغيرها.
ويجيء بعده من لا يد له في علم الحديث فيقلده فيما حكم به من الوضع.
وهذا بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث، والتوسع في حفظه كشعبة ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ونحوهم.
ثم أصحابهم مثل أحمد بن حنبل وعلي بن المديني2، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهوية، وطائفة منهم.
ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي.
وكذلك إلى زمن الدارقطني والبيهقي ممن لم يجيء بعدهم مساو لهم بل ولا مقارب – رحمة الله عليم.
فمتى وجد في كلام أحد من المتقدمين الحكم على حديث بشيء كان معتمداً لما أعطاهم الله من الحفظ العظيم، والإطلاع الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح، وهذا التعذر إنما يجيء في الأحاديث المحتملة، وإلا فكثير من الأحاديث جداً يشهد القلب بوضعها، ويسهل الحكم عليها بذلك، ممن كثرت ممارسته لهذا الفن.
وهو حال كتاب الموضوعات لابن الجوزي، والله أعلم.--------------------------------------------
1 الحديث رقم: 3.
2 في الأصل: المقدسي، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الحكم على الحديث بالوضع
…
الرابعة: الحكم على الحديث بكونه موضوعاً من المتأخرين عسر جداً، لأن ذلك لا يتأتى إلا بعد جمع الطرق وكثرة التفتيش، وإنه ليس لهذا المتن سوى هذه الطريق الواحد، ثم يكون في رواتها من هو متهم بالكذب إلى ما ينضم إلى ذلك من قرائن كثيرة، يقتضي للحافظ المتبحر الجزم بأن هذا الحديث كذب.
ولهذا انتقد العلماء على الإمام أبي الفرج بن الجوزي في كتابه الموضوعات، وتوسعه بالحكم بذلك على كثير من الأحاديث ليست بهذه المثابة، بل فيها ما فيه ضعف يحتمل ويمكن التمسك به في الترغيب والترهيب، وفيها ما هو حديث حسن، أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
ومن هنا نشرع في بيان الأحاديث التي انتقدت على صاحب المصابيح، وما ينبغي الحكم عليها به، ومن الله العون1.
فمنها حديث:
1-" صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية".
وهذا الحديث ذكره أبو الفرج في الموضوعات بسند فيه مأمون – أحد الكذابين، وذكره في كتابه الذي سماه العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، من طريق سلام بن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق علي بن نزار بن حبان عن أبيه عن عكرمة.
وضعف الأول بأن سلام بن أبي عمرة قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء.
وبأن علي بن نزار راوي الثانية واه2.
ثم قال: ورواه النضر بن سلمة، وهو متروك عن محمد بن بكر، وذكر سنداً إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس – رضي الله عنهما-3.
وحديث علي بن نزار رواه الترمذي في جامعه، ولم--------------------------------------------
1 من دراستي لمقدمة الحافظ ابن حجر لأجوبته التي أجاب بها السائل عن الأحاديث المنتقدة في المصابيح، وجدت الفرق بين هاتين المقدمتين طفيفاً.
2 لم يذكر العلائي نص ما قاله ابن الجوزي في علله، حيث قال:
هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونزار وعلي بن نزار والقاسم ابن حبيب وسلام، كلهم ليس بشيء.
العلل المتناهية 1/152.
3 المصدر السابق 1/153.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
به علي بن نزار، بل تابعه فيه القاسم بن حبيب التمار، وعبد الله بن محمد الليثي، كلاهما عن نزار بن حيان، رواه ابن ماجة من طريقهما1.
والقاسم بن حبيب هذا وثقه أبو حاتم بن حبان، وغيره تكلم فيه2.
وعبد الله الليثي لم أر أحداً تكلم فيه3.
والترمذي قال في هذا الحديث بعد سياقه: هذا حديث حسن غريب4.
وفي الباب عن عمرو بن عمرو، ورافع بن خديج – رضي الله عنهم.
فهذه المتابعات وتحسين الترمذي له يخرج الحديث عن أن يكون موضوعاً أو واهياً، والله أعلم.--------------------------------------------
1 رواه ابن ماجه في باب في الإيمان. السنن 1/9.
2 قال فيه الحافظ: لين، من السادسة. -ت-.
تقريب التهذيب ص 278.
3 قال الحافظ: مجهول، من السابعة. – ق-.
تقريب التهذيب ص 188.
4 انظر باب ما جاء في القدرية. تحفة الأحوذي 6/362.
قلت: هذا الحديث مداره على نزار بن حبان. قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جداً، يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه، حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها، لا يجوز الاحتجاج به بحال.
أما المتابعات التي ذكرها العلائي، فهي واهية إذ أننا لم نر من تابع نزاراً، بل توبع ابنه، وهذه المتابعات ليست بشيء لا سيما وإن في إحدى طرقها مجهول.
ولنقف على قول ابن حبان في نزار.
انظر المجروحون 3/56.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
ومنها حديث:
2- " القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم "1.
هذا الحديث ليس بموضوع، بل له طرق كثيرة ينجبر بعضها ببعض، وأجودها ما رواه أبو داود في سننه عن موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر -رضي الله عنهما2.
وهذا الإسناد رجاله على شرط الشيخين، لكن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، وهو منقطع3.
وقد رواه جعفر الفريابي في كتاب ((القدر)) من طريق زكريا بن منظور عن أبي حازم عن نافع عن ابن عمر به4.
وزكريا هذا قال فيه ابن معين: ليس به بأس. وغيره تكلم فيه5.
فقد تبين الساقط من سنده في رواية أبي داود.
ورواه بعد ذلك من حديث حذيفة رضي الله عنه وفي--------------------------------------------
1 أورده ابن الجوزي في علله أيضاً 1/144، وقال: هذا حديث لا يصح.
2 رواه أبو داود في باب في القدر.
عون المعبود 12/452.
3 قال الحافظ ابن حجر: قال أبو الحسن بن القطان: قد أدركه وكان معه بالمدينة، فهو متصل على رأي مسلم.
مشكاة المصابيح 3/305.
4 لم أقف عليه في نسختي من كتاب ((القدر)) .
5 قلت: ثبت للحافظ ابن حجر أنه ضعيف بعد دراسة أقوال النقاد فيه.
التاريخ 2/174، تقريب التهذيب ص: 107.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
إسناده بقية بن الوليد عن الأوزاعي1.
وبقية هذا مشهور بأنه يدلس عن الضعفاء، ولكن تصلح روايته للشواهد.
ورواه جعفر الفريابي بسند آخر جيد عن مكحول عن أبي هريرة رضي الله عنه، لكن مكحول لم يسمع من أبي هريرة، فهو مرسل2.
فتتبين بهذه الطريق أن الحديث له أصل، وليس بمنكر، فضلاً عن أن يكون موضوعاً3. والله أعلم.
ومنها حديث:
3-"صلاة التسبيح"4.
وهو حديث حسن صحيح، رواه أبو داود وابن ماجه بسند جيد إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وعنه عكرمة.
وقد احتج به البخاري، وعنه الحكم بن أبان، وقد وثقه يحيى بن معين و (العجلي) 5 وغيرهما، وعنه موسى بن عبد العزيز، وقد--------------------------------------------
1 لم أقف عليه في نسختي من كتاب ((القدر)) .
2 كتاب القدر ص 46.
3 قلت: ثبت للحافظ ابن حجر أنه حسن، ويرى أن مستند من أطلق عليه الوضع تسميتهم – أي القدرية – المجوس، وهم مسلمون، أنهم كالمجوس في إثبات فاعلين لا في جميع معتقد المجوس.
المصابيح 3/305، المصنوع في معرفة الموضوع ص 108.
4 عون المعبود 4/176، سنن ابن ماجه 1/442، الموضوعات 2/143.
5 كلمة غير واضحة، وأميل إلى أنها: العجلي.
انظر: تهذيب التهذيب 2/423.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
قال فيه يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به1. وباقي رواته متفق عليهم.
وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه2.
وقال أبو حامد بن الكرجي: سمعت مسلم بن الحجاج، وكتب معي هذا الحديث مع عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن موسى بن عبد العزيز، يقول: لا يروى في هذا الحديث إسناد أحسن من هذا3.
وقال الإمام أبو بكر بن أبي داود السجستاني: سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا. يعني حديث عكرمة عن ابن عباس4.
وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين مصححاً له، ثم رواه أيضاً من طريق حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم هذه الصلاة جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – فذكرها. ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه5.--------------------------------------------
1 تهذيب التهذيب 10/356.
2 رواه في باب صلاة التسبيح، وقال: إن صحّ الخبر فإن في القلب من هذا الإسناد شيء … . صحيح ابن خزيمة 2/223.
3 وقال الدرقطني: أصح شيء في فضل الصلاة: صلاة التسبيح.
اللالئ المصنوعة 2/44.
4 مشكاة المصابيح 3/307.
5 وزاد: ومما يستدل به على صحة هذا الحديث: استعمال الأئمة من اتباع التابعين إلى عصرنا هذا إياه، ومواظبتهم عليه، وتعليمهن الناس، منهم عبد الله بن المبارك.
المستدرك 1/319.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
(وهذان التصحيحان كلاهما) 1 يعارض ذكر ابن الجوزي له في كتابه ((الموضوعات)) ، وتبين أنه أخطأ في ذلك، ولا بد هو ساقه من ثلاث طرق. منها اثنان في إسناد كل منهما رجل ضعيف، والثالث: طريق ابن عباس المتقدمة.
واعترض عليها بأن موسى بن عبد العزيز مجهول. وليس هو كذلك. فقد روى عنه جماعة من الثقات، وتقدم أن ابن معين والنسائي قالا فيه: لا بأس به. فليس بمجهول قطعاً، ثم لا يلزم من كونه مجهولاً والآخرين ضعيفين أن يكون الحديث موضوعاً، لا سيما مع تصحيح من نقدم.
وللحديث طرق أخرى كثيرة غير ما ذكرنا.
فأما ما ذكره السائل من أن الإمام أحمد بن حنبل طعن فيه. فقد ذكر الخلال في كتاب ((العلل)) أن علي بن سعيد النسائي قال: سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسبيح فقال: لم يصح عندي منها شيء.
فقلت له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
فقال: كل يرويه عن عمرو بن مالك النكري.
فقلت: قد رواه أيضاً مستمر بن الريان.
فقال: من حدثك؟
قلت: مسلم بن إبراهيم.
فقال: مسلم شيخ ثقة، وكأنه أعجبه.
فهذا تقوية منه للحديث بسند آخر غير ما تقدم.
وقد حكى الترمذي عن الإمام عبد الله بن المبارك ما يقتضي تقوية هذا الحديث2. وذكر استحباب فعلها من--------------------------------------------
1 في الأصل: وهذا التصحيحين كلها.
2 قلت: نقل الترمذي عن ابن المبارك ما أورده العلائي. إلا أن الترمذي كان له موقف من هذا الحديث. حيث قال: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديث في صلاة التسبيح، ولا يصح منه كبير شيء … .
تحفة الأحوذي 2/597.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
أصحابنا الروياني في البحر، والبغوي في شرح السنة.
وذكرها من أئمة الحنابلة جماعة، منهم: أبو الوفاء بن عقيل، والشيخ موفق الدين المقدسي، وغيرهما. والله أعلم.
ومنها حديث:
4- "من عزى مصاباً فله مثل أجره" 1.
وهذا ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) من حديث ابن مسعود، وجابر رضي الله عنهما.
وفي سند الأول حماد بن الوليد، وهو متكلم فيه2.
وفي طريق الثاني محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو متهم ليس بثقة3.
والحديث الأول رواه الترمذي4، وابن ماجه5 من غير طريق حماد بن الوليد في إسناده عندهما علي بن عاصم عن محمد بن سوقه، وقد تكلم جماعة من الأئمة في علي بن عاصم--------------------------------------------
1 الموضوعات 3/223.
2 قال فيه الحافظ الذهبي: ساقط متهم. ديوان ص 73.
3 قال الحافظ: متروك ليس بثقة. تقريب التهذيب ص 309.
4 رواه الترمذي وقال عقبه: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث علي بن عاصم. وروى بعضهم عن محمد بن سوقه بهذا الإسناد مثله موقوفاً ولم يرفعه. ويقال: أكثر ما ابتلى به علي بن عاصم بهذا الحديث. نقموا عليه … .
تحفة الأحوذي 4/185.
5 سنن ابن ماجه 1/511.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
هذا، وذكروا هذا الحديث من جملة ما انتقد عليه.
لكن ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب أن هذا الحديث رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع بن الجراح عن قيس بن الربيع عن محمد بن سوقه1.
وإبراهيم بن مسلم هذا ذكره ابن حبان في الثقات2. ولم يتكلم فيه أحد.
وقيس بن الربيع صدوق تكلموا فيه3 وحديثه يصلح متابعاً لرواية علي بن عاصم.
والذي يظهر أن هذا الحديث يقارب درجة الحسن، ولا ينتهي إليه، بل فيه ضعف محتمل. فأما أن يكون موضوعاً فلا4.
ومنها حديث:
5-" أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود".
وهو في سنن أبي داود والنسائي من حديث عائشة رضي--------------------------------------------
1تاريخ بغداد 11/451.
2وقال: يغرب. لسان الميزان 1/111.
3قال الحافظ: صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به.
تقريب التهذيب ص 283.
4أورد السيوطي هذا الحديث في كتابه اللآلئ 2/422، وتكلم عليه كلاماً جيداً، حيث نقل أقوال الأئمة فيه.
وقد ثبت للحافظ ابن حجر ضعفه. مشكاة المصابيح 3/309.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الله عنها1.
وفي إسناده عبد الملك بن زيد العدوي، وقد ضعفه علي بن الجنيد.
وقال فيه النسائي: ليس به بأس.
ووثقه أبو حاتم بن حبان2.
والحديث حسن لا سيما مع تخريج النسائي له3. ولا يجوز نسبته إلى الوضع والاختلاق.
ومنها حديث:
6 -"يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة" 4.--------------------------------------------
1 رواه أبو داود في كتاب الحدود، والنسائي في الكبرى في باب الرجم.
عون المعبود 12/38، تحفة الأشراف 12/413.
2 الجرح والتعديل 2/2/350، تهذيب التهذيب 6/393.
3 قال ابن القيم رحمه الله: قال الحافظ صلاح الدين العلائي: عبد الملك بن زيد هذا قال فيه النسائي لا بأس به، ووثقه ابن حبان. فالحديث حسن إن شاء الله تعالى لا سيما مع إخراج النسائي له، فإنه لم يخرج في كتابه منكراً ولا واهياً ولا عن رجل متروك.
قلت: إن كان ابن القيم نقل هذا من كتاب النقد الصحيح للعلائي، فالكلام الذي نقله غير موجود في الأصل، وإنما الموجود ما هو مثبت، وهو يقارب هذا الكلام.
وإن كان قد نقله من كتاب آخر للعلائي فلم يبين أي كتاب.
قال الحافظ ابن حجر: أخرجه النسائي من وجه آخر من رواية عطاف بن خالد عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عمره.
وأخرجه أيضاً من طريق آخر عن عمره، ورجالها لا بأس بهم، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، فلا يتأتى لحديث يروى بهذا الطرق أن يسمى موضوعاً.
انظر: تحفة الأشراف 12/413-431، عون المعبود 12/39، مشكاة المصابيح 3/309، المقاصد الحسنة ص 73.
4 الموضوعات 3/55.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وهو أيضاً في سنن أبي داود، والنسائي من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه1.
وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) وأخطأ في ذلك خطأ فاحشاً، لأنه بنى ذلك على أن عبد الكريم هو ابن أبي أمية أبو المخارق البصري، وأنه ضعيف، وليس الأمر كما ظن. بل هذا عبد الكريم بن مالك الجزري، صرح بنسبه البيهقي في هذا الحديث بعينه في كتاب ((الآداب)) له2.
وعبد الكريم الجزري ثقة متفق عليه.
فإسناد الحديث على شرط الصحيحين.
ثم لو سلم أنه أبو المخارق، فقد روى عنه الإمام مالك، ولا يروي إلا عن ثقة عنده.
وأخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المتابعات، فلا--------------------------------------------
1 رواه أبو داود في باب ما جاء في خضاب السواد.
والنسائي في باب النهي عن الخضاب بالسواد.
وقد صرح أبو داود باسم الراوي عن سعيد بأنه عبد الكريم الجزري، وكذلك فعل المزي.
وممن جزم بأنه الجزري: أبو الفضل بن الطاهر، وابن عساكر، والضياء المقدسي، وغيرهم.
وهو مقتضى صنيع من صححه كابن حبان والحاكم.
انظر: عون المعبود 11/266، سنن النسائي 8/138، تحفة الأشراف 4/424، مشكاة المصابيح 3/309.
2 كتاب الآداب 319/أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
يجوز أن نحكم على ما انفرد به بالوضع1.
ومنها حديث:
7-"إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة".
والحكم على هذا الحديث بالوضع جهل وخطأ أيضاً.
فقد رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي2 من طرق إلى حماد بن سلمة الإمام المشهور، أحد من احتج به مسلم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه.--------------------------------------------
1 انظر أقوال النقاد في ابن أبي المخارق.
تهذيب التهذيب 6/377.
2 أخرجه أبو داود في باب اللعب بالحمام. وكذا أخرجه ابن ماجة والبيهقي. وقال: خالفه شريك فيما روى عنه، فقال عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة، وحديث حماد أصح.
عون المعبود 13/284، سنن ابن ماجه 2/1238، السنن الكبرى 10/19.
قال الحافظ ابن حجر: محمد صدوق في حفظه شيء، وحديثه في مرتبة الحسن، وإذا توبع بمعتبر قبل، وقد يتوقف في الاحتجاج به إذا انفرد بما لم يتابع عليه، ويخالف فيه، فيكون حديثه شاذاً، لكنه لا ينحط إلى الضعف، فضلاً عن الوضع.
وقد زاد بعضهم في هذا السند رجلاً.
فأخرجه ابن ماجه من طريق شريك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة. ومن طريق حماد بن سلمة بن محمد بن عمرو كالأول.
وليس هذا بقادح، لأن حماداً أضبط من شريك، ويحتمل أن يكون أبو سلمة حدث به على الوجهين.
سنن ابن ماجه 2/1239، مشكاة المصابيح 3/310.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ومحمد بن عمرو هذا من شيوخ مالك في الموطأ، ووثقه يحيى بن معين وغيره. والترمذي وصحح حديثه، وكذلك الحاكم وابن خزيمة وابن حبان.
وللحديث طريقان آخران رواهما ابن ماجه1، وينتهي بمجموع ذلك إلى درجة الصحة القوية.
ومنها حديث:
8-" إذا كتب أحدكم كتاباً فليتربه فإنه أنجح لحاجته".
وله طريقان:
أحدهما: رواه الترمذي به، من حديث حمزة النصيبي، عن أبي الزبير عن جابر، وحمزة هذا ضعيف متروك باتفاقهم2--------------------------------------------
1 الطريق الأول عن عثمان بن عفان، إلا أنه منقطع لأن في سنده الحسن بن أبي الحسن لم يسمع من عثمان، كما نقل عن أبي زرعة الرازي.
والطريق الثاني: عن أنس بن مالك، وفي السند إليه رواد بن الجراح، قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق اختلط بآخره فترك.
تقريب التهذيب ص 160، وانظر سنن ابن ماجه 2/1238-1239.
2 رواه الترمذي في باب ما جاء في تتريب الكتاب، وقال عقبه: هذا حديث منكر لا نعرفه عن أبي الزبير إلا من هذا الوجه، وحمزة هو ابن عمرو النصيبي، وهو ضعيف الحديث.
قال الحافظ: له في الترمذي حديث واحد في تتريب الكتاب، وهو غير منسوب عنده، وقال بأثره حمزة هو ابن عمرو النصيبي.
قال المزي: لا نعلم أحداً قال فيه حمزة بن عمرو إلا الترمذي، وكأنه اشتبه عليه بحماد بن عمرو النصيبي.
انظر: تحفة الأحوذي 7/494، تهذيب التهذيب 3/29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
والثانية: رواه ابن ماجه، وفي إسناده بقية، قال: ثنا أبو أحمد عن أبي الزبير عن جابر.
وأبو أحمد هذا مجهول، وقيل إنه عمر بن موسى الوجيهي، وهو كذاب منكر الحديث1.
فالحديث ضعيف جداً، ولا تبعد لنسبته إلى الوضع، والاعتراض فيه على صاحب المصابيح في عده إياه من الحسان2، والله أعلم.
ومنها حديث:
9-" لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك ".
وهذا ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) بسند فيه عمر بن إسماعيل بن مجالد عن حفص بن غياث عن برد عن مكحول عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، وعمر بن إسماعيل هذا اتفقوا على ضعفه، لكن لم ينفرد بالحديث كما قال أبو الفرج3. بل رواه الترمذي عن سلمة بن شبيب عن القاسم بن أمية عن حفص بن غياث، وقال فيه حديث حسن غريب4.--------------------------------------------
1 رواه في باب تتريب الكتاب. السنن 2/1240.
2 قال الحافظ ابن حجر في رواية الترمذي: ومع ضعفه لم ينفرد به بل تابعه أبو أحمد بن علي الكلاعي عن أبي الزبير، وقد أيد حكم العلائي لهذا الحديث بالضعف.
مشكاة المصابيح 3/310.
3 المضوعات 3/224.
4 تحفة الأحوذي 7/206.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
ومكحول سمع من واثلة1.
وذكر شيخنا المزي أن الصواب في سند الترمذي القاسم بن أمية، لا أمية بن القاسم.
وإن القاسم هذا معروف.
قال فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان: صدوق2.
فبرئ عمر ابن إسماعيل من عهدة الحديث، وهو حسن كما قال الترمذي، لكنه غريب، كما ذكر التفرد القاسم به3.
ومنها حديث:
10 -"للسائل حق وإن جاء على فرس".
ذكره السائل متصلاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، وأعطوا السائل وإن جاء على فرس".
وذكر أن المنتقد إنما اعترض على الجملة الثاني، وإنها موضوعة، وليس شيء منهما موضوعاً، ولكن الجملة الثانية أصح من الأولى، فإن قوله أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف--------------------------------------------
1 تهذيب التهذيب 10/289.
2 الجرح والتعديل 2/3/107، تحفة الأشراف 9/80.
3 قال الحافظ ابن حجر: أخرجه الترمذي من طريق مكحول عن واثلة بن الأسقع، وقال: حديث حسن غريب، ومكحول قد سمع من واثلة.
وأخرج له شاهداً يؤدي معناه من طريق ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن واثلة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله ". وقال أيضاً حسن غريب.
هكذا وصف كلاً منهما بالحسن والغرابة.
فأما الغرابة فلتفرد بعض رواة كل منهما عن شيخه، فهي غرابة نسبية.
وأما الحسن فلاعتضاد كل منهما بالآخر.
وخالف ذلك ابن حبان فقال: لا أصل له من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
مشكاة المصابيح 3/311.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
عرقه.
انفرد به ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما وعبد الرحمن هذا ضعيف لا يحتج به1.
وأما الجملة الثانية، فروى أبو داود من طريق سفيان الثوري، ثنا مصعب بن محمد بن شرحبيل، ثنا يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للسائل حق وإن جاء على فرس"2.
ثم رواه من حديث يحيى بن آدم، ثنا زهير يعني ابن معاوية عن شيخ قال: رأيت سفيان عنده عن فاطمة بنت حسين عن أبيها عن علي رضي الله عنه به3.
والطريق الأولى حسنة، ومصعب بن محمد وثقه يحيى بن معين4.
ويعلى بن أبي يحيى قال فيه أبو حاتم: مجهول، وعرفه ابن حبان فذكره في الثقات5.
والظاهر أنه هو الشيخ المبهم في الرواية الثانية.
وزهير بن معاوية من رجال الصحيحين.
وقد أثبت أبو عبد الله بن الحذاء سماع الحسين رضي الله عنه من
النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن كذلك فهو مرسل صحابي لا--------------------------------------------
1 حديث: أعطوا الأجير. رواه ابن ماجه في باب أجر الأجراء. سنن ابن ماجه 2/817.
وعبد الرحمن بن زيد قال فيه الحافظ: ضعيف من الثامنة. تقريب التهذيب ص 202.
2 رواه في باب حق السائل. عون المعبود 5/83.
3 المصدر السابق 5/84.
4 الجرح والتعديل 4/1/304.
5 الجرح والتعديل 4/2/303، تهذيب التهذيب 11/405.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
يجيء فيه الخلاف الذي في المرسل1.
وقد تبين بالرواية الثانية اتصاله بذكر علي رضي الله عنه، والحديث حسن الإسناد، والله أعلم2.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
11-" المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".
ونسبة هذا الحديث إلى الوضع جهل قبيح.
فقد رواه أبو داود والترمذي من حديث زهير بن محمد عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه3.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وهو كما ذكر. فإن موسى بن وردان وثقه أحمد العجلي، وأبو داود وغيرهما4، ولم يضعفه أحد5، وزهير بن--------------------------------------------
1 انظر عون المعبود 5/83.
2 هذا الحديث غير موجود في تعليقات الحافظ ابن حجر، ولا أدري هل سقطت منها أم لم يسأل عنها.
3 رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس.
والترمذي في كتاب الزهد.
عون المعبود 13/179، تحفة الأحوذي 7/49.
4 قال الحافظ: صدوق ربما أخطأ من الثالثة.
تهذيب التهذيب 10/376، تقريب التهذيب ص 353.
5 بل ضعفه بعض الأئمة كما هو وارد في تهذيب التهذيب 10/376.
ولذا وصفه الحافظ بالخطأ.
وهذا الحديث أورده الحافظ في جاوباته، وقال رجاله موثقون، إلا أن الراوي عن موسى مخلف فيه. مشكاة المصابيح 3/312.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
محمد احتج به الشيخان، وذلك يدفع ما تكلم به فيه.
ووثقه أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما1.
(فتفرده) 2 يكون حسناً غريباً، ولا ينتهي إلى الضعف، فضلاً عن الوضع3.
ومنها حديث:
12-" المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم".
وهذا الحديث أيضاً لا ينزل عن درجة الحسن، وهو عند أبي داود والترمذي من طريق عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه4.
وبشر بن رافع ضعفه أحمد بن حنبل.
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس5.
وقال ابن عدي: لم أجد له حديثاً منكراً6.--------------------------------------------
1 لاستيفاء ترجمته انظر: تهذيب التهذيب 3/348.
2 ما بين القوسين كلمة غير واضحة، ولعلها فتفرده.
3 انظر المقاصد الحسنة ص 378.
4 رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب في حسن العشرة.
والترمذي في كتاب البر، باب ما جاء في البخل.
عون المعبود 13/146، تحفة الأحوذي 6/97.
5 الجرح والتعديل 1/1/357، تهذيب التهذيب 1/448.
6 الكامل 2/2/121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)