الفكرة السنية والحاجة إليها (محمد إسحاق الصديقي)القسم: العقيدة
الكتاب: الفكرة السنية والحاجة إليها
المؤلف: محمد إسحاق الصديقي
الناشر: الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة
الطبعة: العدد الستون - شوال - ذو القعدة - ذو الحجة 1403 هـ
عدد الصفحات: 70
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
مقدمة
…
الفكرة السنية والحاجة إليها
للشيخ محمد إسحاق الصديقي عضو مجلس الدعوة والتحقيق الإسلامي- باكستان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين وسيد العالمين، محمد وعلى آله الذين هم أصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: قال الله عز اسمه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ} . (سورة آل عمران/ 19) ، والإسلام هو الانقياد الكامل ظاهرا وباطناً، فالمسلم هو المنقاد الكامل لله تعالى، ولا نعني بالانقياد الكامل الظاهري والباطني إلا أن ينقاد العبد لله تعالى في عقائده وأفكاره، ومنهج فكره وأخلاقه، وأعماله في حياته الفردية وحياته الاجتماعية، وبالجملة: لا تبقى شعبة من شعب حياته سواء كانت فردية أو اجتماعية إلا وهي تابعة ومنقادة لأوامر ربه تعالى ونواهيه، وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} . (سورة البقرة) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
أجزاء الحياة الإنسانية:
الحياة الإنسانية تنقسم إلى أجزاء كثيرة، وتجزئتها إلى جميع أجزائها خارجة عن موضوعنا، بل يكفي لنا أن نقسمها إلى جزئيها اللذين نراهما في بادئ النظر ولا نحتاج إلى التفكر العميق لمعرفتهما، بل يكفي لشعورهما أدنى التفكر، وهما كما ترى الحياة الفكرية أو التفكر، والحياة العملية أو العمل، فالإنسان يتفكر ويعمل، ولابد له من التفكر كما لابد له من العمل.
الإسلام يطالب بانقياد كلا الجزئين في حياتنا:
وهذه التجزئة تدلنا إلى أن معنى الآية المذكورة آنفاً أنه يجب أن تدخل حياتنا الفكرية في الإسلام كما تدخل حياتنا العملية فيه، وتنقاد لهداية الله تعالى شأنه في الحياة الفكرية كما تنقاد لها في الحياة العملية.
معنى الانقياد في الحياة الفكرية:
الانقياد في العمل واضح لا حاجة لتوضيحه، فإن كلنا يعرف أن معناه أن نعمل كما أمرنا الله بوساطة كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم فنأتي بما أمرنا به ونحذر عما نهى عنه.
أما الانقياد في الحياة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الفكرية فمعرفته أدق من هذا، لأن له ثلاث شعب وإحدى شعبها معروفة عند الخواص والعوام، وشعبتان منها لا يعرفهما إلا أخص الخواص.
أما الشعبة الأولى المعروفة عند الناس فهي: شعبة العقيدة، وحقيقتها أن نعتقد ما أمر الله به أن نعتقده ونؤمن ونستيقن به، فنؤمن بوحدانية الله تعالى مثلا، ونستيقن أن الشرك بأقسامه كلها باطل، وكذلك نؤمن برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبأن القرآن كلام الله وكتابه، وقس على هذا.
وأما الشعبة الثانية التي هي غير معروفة عند الناس فهي: شعبة الوجهة الفكرية.
وأما الشعبة الثالثة التي هي أيضاً غير معروفة عندهم فهي: شعبة منهاج الفكر أي طريق التفكر. والإسلام يطالبنا بالانقياد في هاتين الشعبتين أيضا كما يطالبنا بانقياد فكرنا وذهننا في الشعبة الأولى، ولابد لحصول الإسلام الكامل من انقياد أفكارنا لأوامر الله تعالى ونواهيه في هاتين الشعبتين أيضاً، وسنلقي الضوء على هاتين الشعبتين مفصلاً في السطور الآتية لدقتهما وخفائهما على أكثر الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
الوجهة الفكرية:
إن الله العليم الحكيم خلق الإنسان وأعطاه القوة الفكرية، وهذا العطاء عام للمؤمن والكافر والتقي والفاجر، فإنه لا فرق بينهما في نفس القوى الذهنية والاستعداد للتفكر والتأمل والنظر، أما ما يميز المؤمن من غير المؤمن من هذه الناحية فأمران: (الوجهة الفكرية) و (المنهاج الفكري) ونقدم تنوير الوجهة الفكرية:
الحركة الإرادية لابد لها من هدف ومقصد تسكن المتحرك إذا وصل إليه، فلابد للحركة الفكرية من هدف ومقصد تنتهي إليه ويسكن الذهن إذا وصل إليه، فإرادة مقصد وهدف هي التي نسميها ب (الوجهة الفكرية) . وينقسم الفكر إلى قسمين باعتبار المقصد والهدف:
الأول: ما أريد به حصول معلوم جديد فحسب.
الثاني: ما قصد به الانتفاع والاستفادة بمعلوم جديد كما قصد به حصوله.
فالوجهة الفكرية على نوعين: أي الوجهة إلى العلم للعلم، والوجهة إلى العلم والانتفاع به، مثال الأول: الوجهة الفكرية لعالم الفلكيات المولع بها في كثير من تفكراته في مسائلها فإنه يجتهد ويتفكر ليعلم أن الكواكب كذا مثلا ما شأنه؟ ما هي أحواله الطبيعية؟ هل فيها جبال ووهاد؟ وما هو بعده من الشمس؟ إلى غير ذلك من العلوم التي لا تفيد العالم بها شيئاً إلا أنها تعد فوائد في أنفسها لأنها جديدة لم تكن حاصلة له قبل التفكر، وتتنوع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
باختلاف العلوم المقصودة، فإن وجهة فكر الرياضي مثلاً مغايرة لوجهة فكر الطبعي.
ومثال الثاني: تفكر الفلكي في نفس تلك الكواكب وفي أحوالها الطبيعية وخواصها لينتفع بهذا العلم كتفكره مثلاً في حركات الشمس والقمر ليعلم عدد السنين والشهور والحساب، ويعرف زمان المد والجزر في البحار، وكذلك تفكر الطبيب في عالم النبات لاستخدامها لإصلاح البدن وإزالة الأمراض، فإن وجهة فكره هي العلم مع الانتفاع به. وتتنوع باختلاف المنفعة المقصودة فإن وجهة فكر الفلكي هي الانتفاع بمعرفة حركة الشمس مثلا في عدد السنين والحساب، وأما الطبيب فغاية علمه بالنبات مثلا هي نفعها للجسم الإنساني من خشية دفع المرض أو تقويته، فوجهة فكره مغايرة لوجهة فكر الفلكي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
منهاج التفكر:
معناه طريق التفكر والنظر، ويمتاز أحد المنهاجين من الآخر بامتياز المتفكر فيه والوجهة الفكرية وكيفية حركة الذهن في الحركة الفكرية، وينقسم إلى قسمين كبيرين باعتبار المتفكر فيه والوجهة الفكرية وكيفية حركة الذهن:
الأول: تحريك القوة الفكرية في أمر وبكيفية لا دخل لهما في سعادة النفس وشقائها بحسب نفس الأمر أو بحسب زعم المتفكر.
الثاني: تحريكها في أمر بكيفية لهما أو لأحدهما دخل في سعادة النفس وشقائها، فههنا منهاجان للتفكر كأنهما نوعان من الفكرة، فالفكرة الأولى نسميه (الفكرة الطبعية) لأن هذا المنهج هو المختار في العلوم الطبعية كالطبعيات والكيمياء والرياضة وأمثالها من العلوم التي لا دخل لها في أنفسها في سعادة النفس وشقائها.
الفكرة الثانية نسميها (الفكرة النفسية) لتأثير مسائلها على النفس الإنسانية من حيث السعادة والشقاء، وهي المختارة في علوم التمدن والمعاشرة غالبا كالأخلاقيات والسياسيات والمعاشيات وأمثالها من العلوم التي لها دخل في سعادة النفس وشقائها.
الاختلاف بين مناهج التفكر:
ثم إنا نجد اختلافاً كثيراً بين المتفكرين في مناهج التفكر، واختيار طريق الفكر والنظر، فهذا شاعر ينظر إلى الورد لألوانه الجميلة، وذاك طبيب يتفكر في نفس ذلك الورد لخواصه النافعة للمرضى، وإن الرياضي يتفكر في القمر في حركته ومطالعه ومغاربه وبعده من أجرام أخرى، كما أن الطبيعي يمعن النظر فيه ليعرف أحواله الطبعية من جباله ووهاده وكثافته وثقله وأمثالها من الأمور الطبعية التي يبحث عنها في الطبعيات، ولا نعني بالاختلاف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
في المنهج الاختلاف المنطقي أو الاختلاف في مادة الفكر، وإنما نعني الاختلاف النفسي في الوجهة الفكرية وأمثالها من الاختلاف في العقائد والعواطف والميول النفسية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
مسألة مهمة:
إنا إذا نظرنا إلى الاختلاف المذكور قريباً بين المناهج الفكرية واجهتنا مسألة مهمة، وهي أن ديننا الإسلام دين كامل فهل عنده من منهج فكري يمتاز عن سائر المناهج الفكرية؟ وهل يطالبنا الدين الحق اتباعه؟ أم جعل لنا الخيرة في استخدام أي منهاج وطريق للتفكر والنظر حسب ما نختار ونرضى؟ هل يجوز لنا أن نسلك في الفكرة الطبعية مسلك الجاهلين عن الإسلام أو الضالين الذين هم أعداؤه؟ أيباح لنا أن ننظر إلى العالم كما ينظر إليه كافر منكر لقدرة الله تعالى شأنه وعظمته؟ أم يجوز لنا أن نختار في الفكرة النفسية منهاج التفكر الذي يختاره أوربيون أو أمريكيون الذين هم منكرون للدين المبين كافرون به؟ كيف وإن الإسلام هداية كاملة، فلابد لنا أن يعلمنا منهاجا خاصاً للتفكر، لأن المزاج الخاص الذي تمتاز به أمة من أمة يحتاج إلى منهاج فكري خاص بها لحصوله وبقائه.
ولا حاجة إلى التصريح بأنه لا يتصور قوام أمة بدون مزاجها المخصوص بها، فإذا فسد مزاجها أو ضعف أصبحت تدحض عن موقفها وتبدل قوامها حتى تصير أمة أخرى أو تحرم مقام الأمة وتصبح زحام أفراد متفرقة لا يصدق عليها اسم الأمة أو القوم، أليس هذا أمارة واضحة وبرهان جلي على أن الأمة المسلمة هداها الإسلام إلى منهاج خاص للتفكر والنظر تمتاز به عن سائر الأمم، وتحفظ بها مزاجها الخاص بها؟ وبعد ما أوصلنا العقل السليم إلى هذه الحقيقة الضرورية لابد لنا أن نسأل القرآن المبين والسنة الكريمة عن وجود ذلك المنهاج المتين وحقيقته فاستمع لما يتلى عليك من الآيات الكريمة:
1- قال الله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} . (سورة التغابن) . ومعنى القلب هنا هو العقل وقوة التفكر، والآية تدل على أن الإيمان يهدي العقل واهتداؤه أن يتفكر على منهاج صحيح، ويصل إلى هدف صحيح، ويفوز بمعرفة الحق، فتبين أن الإيمان يهدي العقل والفكر إلى منهاج خاص صحيح، ولابد للمؤمن أن يتبع ذلك المنهاج.
2- وقال تعالى شأنه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} . (سورة الحديد) . فما هذا الميزان؟ واضح أنه هو منهاج التفكر الذي علمه الكتاب والسنة ولابد من اتباعه للوصول إلى (القسط) في كل أمر، لأن الميزان المعد لوزن الأشياء المادية لم ينزل مع الرسل والأنبياء، وليس من فرائض النبوة تعليمه وتعريفه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
نعم تعليم الميزان الفكري يناسب شأن الأنبياء والمرسلين، وحقيقة إنهم
رفعوا الحجاب عن وجه هذا الميزان وأمروا متبعيهم باتباعه كما سيتضح إن شاء الله تعالى.
3- وقال الله عز اسمه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة الحديد) . إن معنى النور ما هو ظاهر بنفسه مظهر لغيره، والمراد بالنور ههنا هو نور الإيمان، فالآية تدل على أن المؤمن يمشي بنور الإيمان ويهتدي به، وبديهي أنه لم يرد ممشاه المادي بل المراد هو ممشاه الفكري وأن المؤمن يهتدي وينبغي له أن يهتدي بإيمانه في تفكره ويهدي به غيره، وذلك بأن النور المذكور ينور منهاج تفكره، ويعينه على التميز بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، إن الآيات المتلوة قريباً تدل دلالة واضحة على أن الإسلام يهدي إلى منهاج خاص للتفكر، ويطالبنا باتباعه ومعرفة هذه الحقيقة توردنا أمام السؤال عن نوعية ذلك المنهاج وكيفيته، فلنشرع في إجابة هذا السؤال وهو المقصود بالبيان في هذه المقالة الوجيزة:
قد أسلفنا أن الفكرة على قسمين: الفكرة الطبيعية، والفكرة النفسية، ولهما منهاجان مختلفان لكونهما نوعين مختلفين من التفكر، فينبغي أن نلقي الضوء على كل واحد منهما على حدة بعد الكشف عن وجه القسم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
الفكرة السنية:
إن منهاج التفكر الذي نريد تعريفه وبيانه في هذه المقالة الموجزة ليس من مخترعات العقل بل هو ثابت بالكتاب والسنة القولية والعملية وكذلك بتعامل الصحابة رضي الله عنهم وبلفظ أخص هو سنة أي طريق مسلوك به ومأمور باتباعه في الإسلام، ولذلك سميناه (بالفكرة السنّية) أضف إلى ذلك أننا إذا تصورنا السنة بمعنى أوسع وعرفناها بكل ما ثبت عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهو الذي علمنا الكتاب الحكيم، فمعنى الفكرة السنية هي الطريقة التي عرفت بالسنة أي بالقرآن العظيم وحديث النبي الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم كما نسمي بأنفسنا أهل السنة والجماعة أي متبعي القرآن والحديث وجماعة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ونثلث التوجيه بالتنبيه على أمر واقعي وهو أن (الفكرة السنّية) خاصة بأهل السنة والجماعة لا تختارها ولا تتبعها جماعة غيرهم، بل لا يريد ولا يتصور اختيارها واتباعها إلا أهل السنة.
وبناء على الوجوه المذكورة اخترنا لفظ (الفكرة السنّية) لمنهاج التفكر الذي هدانا إليه ديننا الإسلام، ويمكن أن تسمى ب (الإسلامية) أو (الفكرة الإيمانية) لكنا اتخذنا لفظ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
(الفكرة السنّية) مصطلحا في هذه المقالة الوجيزة ونستعمله في السطور الآتية لأنه أحسن الألقاب من ناحية دلالته على حقيقة ثابتة أننا معاشر أهل السنة ممتازون بين سائر الملل باعتبار منهاج التفكر كما نمتاز بينهم لخصائص أخر.
ماهية الفكرة السنّية:
ما ذكرنا من قبل من الآيات الحكيمة إنما تدل على أن الدين المتين يطالبنا باتباع منهاج مخصوص في تفكرنا ونظرنا وأنه تعالى شأنه قد أخبرنا بوجوده في تعليم دينه، أما ماهية هذا المنهاج أي ماهية (الفكرة السنّية) فلم يعلم بعد، ونريد أن نلقي الضوء عليها في السطور التالية:
إن الماهية الكلية للفكرة السنّية قد نورها القرآن المبين وأوضحتها سنّة نبيه الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم، ودل عليه عمل الصحابة أجمعين، أما القرآن الكريم فنتلوا عليك منه أولاً هذه الآية المقدسة:
{إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِم} (سورة يونس) . قد دلت الآية دلالة واضحة على أن المؤمن لابد له أن يتفكر في ضوء إيمانه ويهتدي به إلى نتائج صحيحة في فكره، ومعناه أن تكون مقدمات فكره ونظره مبنية على إيمانه ومعتقداته الحقة، ولا تكون غير مناسبة لها فضلا عن كونها منافية لجزء من أجزاء الإيمان وكذلك لا تجوز أن تكون غير متعلق به كلية، بل يجب أن تكون مربوطة به ولو برابطة بعيدة دقيقة، فيكون استدلاله واستنتاجه ولوفي أمر دنيوي مبنيا على العقائد الحقة التي هي أجزاء إيمانه ودينه.
هذه هي (الفكرة السنّية) التي تهدي إلى علم نافع قطعا في الآخرة أو فيها وفي الدنيا كليهما لمن يتبعها ويختارها في تفكره، كما أنه يحفظه من الضرر في الآخرة والزلل في الدنيا، وبهذا فسره البيضاوي رحمه الله حيث قال: "بسبب إيمانهم إلى سلوك السبيل المؤدي إلى الجنة ولإدراك الحقائق".
ولاشك أن لفظ (الهداية) عام في الآية لتنوير الطريقتين أي طريقة التفكر وطريقة العمل بل الأولوية للأولى لأنه لابد من تقدم الفكر على العمل، فدلالة الآية على أن المؤمن ينبغي له بل يجب عليه أن يهتدي به في أعماله وأخلاقه واضحة.
وثانيا: نتلو عليك الآيات الكريمة من سورة الفاتحة التي نتلوها مرارا في صلواتنا وقد علمنا الله فيها كلمات ندعوه بها ونسأله ما اشتملت عليه تلك الكلمات العظيمة، فقال الله عز اسمه تعليما لنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
إن الله تبارك وتعالى يأمرنا في كلامه هذا أن نتبع الصراط المستقيم ولا نزال متبعين له مستقيمين عليه حتى نلقى الله عز وجل، وظاهر أن {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} في الآية شاملة لقسميه كليهما أي صراط الفكر وصراط العمل، فتبين أنه يجب على المسلم أن يتبع في تفكره صراطاً أي منهاجاً هداه الله إليه بالقرآن الحكيم وسنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم، ويلزمه العلم لزوما بينا بأن الإسلام قد هدانا إلى صراط خاص من التفكر فما هو؟ وقد أجابت الآية الثانية عن هذا السؤال بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم؛ فعلينا أن نتفكر كما تفكروا، ثم صرح بأن صراط المؤمنين مغاير لصراط المغضوب عليهم، كما أنه مغاير لصراط الضالين، فعلى المسلم أن يحترز عن صراط كل واحد منهما في تفكره وعمله.
بقي السؤال عن الذين أنعم الله عليهم، نجد جوابه في سورة النساء فقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} فبالنظر إلى الآيات المنقولة من سورة الفاتحة، وإلى هذه الآيات التي في سورة النساء يجب علينا أن نتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في منهاج الفكر، كما يجب علينا اتباعهم في العمل، بل الاتباع في منهاج التفكر أشد تأكيدا، لأن العمل تابع للفكر، فإن الإنسان يتفكر ثم يعمل ولأن الخطأ في الفكر أشد ضرراً، وهذه الآيات المقدسة تنور الماهية الكلية (للفكرة السنية) وتكشف عن القوانين والأصول التي هي أجزاء هذه الماهية كما نفصلها في الفقرات الآتية المستمدة من الآيات القرآنية المزبورة أصولا:
الأول: أن تفكر المؤمن ينبغي بل يجب أن يكون في ضوء إيمانه بالله تعالى وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قطعاً، ومعناه أن المقدمات التي يستعين بها للوصول إلى علم جديد لابد أن تكون مناسبة للإيمان ولا تكون مخالفة له، ولا منقطعة عنه انقطاعا كليا بحيث لا يوجد أدنى ربط بينهما، وقد ألقينا الضوء على هذا الأصل من قبل حين فسرنا الآية.
الثاني: أنه لابد أن تتحرك فكرتنا على الصراط المستقيم أي على منهاج وطريق اختاره الذين أنعم الله عليهم من عباده، فيكون صراط أفكارنا هو صراط فكر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعن، أما بيان ذلك المنهاج وتعريف الصراط الذي كانوا يختارونه في فكرهم فيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى.
الثالث: أن الاحتراز عن الصراط الذي تختاره أمة غضب الله عليهم أو تختاره أمة ضالة في تفكرهم واجب، وأن اليهود هم المغضوب عليهم قطعاً، كما أن النصارى هم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
ضالون قطعاً، وإن كان مفهوم اللفظين عاماً ولا نريد حصر مصداقيهما فيهما، فالاحتراز عن المنهاج الذي يتبعونه في التفكر والنظر واجب بالآية المزبورة، و (الفكرة السنّية) هي التي تكون مستضيئة من هذه القوانين، وتتحرك على طريق تُنَوِرُهُ القوانين والأصول المذكورة، فالماهية الكلية (للفكرة السنية) هي المركبة منها وهي أجزاؤها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الفكرة السنية الطبيعية:
المراد بها المنهاج الذي يجب أن يتبعه المؤمن إذا تفكر في المسائل التي لا دخل لها بالذات في سعادة النفس وشقائها وظاهر أنها المسائل المتعلقة بعالم الخلق والأمور التكوينية، وإنما نذكر في السطور الآتية الأصول التي علمنا القرآن الحكيم وسنة النبي الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم واتبعتها الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين للتفكر في عالم الخلق والأمور التكوينية واتباع تلك الأصول والضوابط في التفكر في الأمور المذكورة هي التي نسميها ب (الفكرة السنية الطبيعية) . وسيرى القارئ أن لتلك الأصول والضوابط شأنا تمتاز به عن غيرها، فمعرفتها نفسها تغني عن بيان الفرق بينها وبين الفكرة الخاطئة التي يتبعها الذين لا يؤمنون بالله العظيم وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم فلا حاجة إلى صرف القلم في بيان الفرق بينهما، فنعطف عنان القلم إلى بيان الأصول في السطور الآتية، واسأل القرآن الحكيم عن هذا الأمر ستجد جوابه، قال الله تعالى جل شأنه:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ، الذين الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} . (سورة آل عمران) .
إن إيماننا بالقرآن العظيم يقتضي أن نسأله عن هذه المسألة، فسألناه فأجاب، فإن هذه الآيات المقدسة الحكيمة تدل دلالة واضحة على الأصول التي اتباعها واجب على كل مسلم يريد أن يتفكر في عالم الخلق أي الكائنات وهي هذه:
الأصل الأول:
إن نظر المؤمن إلى الكائنات يجب أن يكون نظر عبد مخلوق لله تعالى، إلى عبد مخلوق لله الخلاق الحكيم، سواء كانت النظرة نظرة الرياضي أو نظرة الطبيعي أو غير ذلك، فلا ينظر المؤمن إلى السموات والأرض والنجوم أو شيء آخر من حيث هي موجودات مع قطع النظر عن موجده، بل ينظر إليها من حيث أنها وجدت بعد العدم بإيجاد الله البديع الحكيم وإبداعه، والإشارة بهذا إلى أن فكرة المؤمن في الكائنات فكرة موضوعية subjective وليست بفكرة معروضية objective واضحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
الأصل الثاني:
إن الاعتقاد بأن الكائنات بأسرها مجموعة لآيات الله تعالى جل شأنه وعلى أن كل جزء منها آية من آياته الباهرة الدالة على ذاته تعالى وعلى صفاته العلية العظيمة، واجب على كل مسلم، وهذه العقيدة واليقين يجب أن يظهر في تفكره فيها، وأنه إذا تفكر فليتفكر فيها من حيث أنها آيات الله تعالى شأنه كما هو ظاهر من الآيات المزبورة، وهذا المنهج من التفكر يميزه عن سائر المناهج الفكرية التي يتبعها الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
الأصل الثالث:
ومما يستنبط من الآيات المزبورة هو أن الفكر ينبغي أن يتقدمه ذكر الله تعالى شأنه، وذلك بأن الله تعالى قدم الذكر على التفكر.
الأصل الرابع:
تدل الآية على أن تفكر المؤمن في عالم الخلق، ينبغي أن يكون لتحصيل نفع من علمه ومعلومه سواء كان المقصود أن ينتفع به نفسه أو أن ينفع غيره، لأن المؤمن يعتقد ويقر بأن الرب الحكيم لم يخلق شيئا باطلا، فيجب أن يبتغي منافع السموات والأرض وأمثالهما من أجزاء الكائنات التي يتفكر فيه ثم يدعو الله أن يهديه إليها.
ثم إنه ليس من شأن المؤمن أن يقصد نفعاً دنيوياً فقط، بل ينبغي له أن يقصد نفع الآخرة قصدا أوليا والنفع الدنيوي قصداً ثانوياً، يشير إليه قوله تعالى: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} . كما يشير إلى قصد مطلق النفع قوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} .
إن الحركة الفكرية في عالم الخلق والتكوين التي تقودها هذه الأصول الأربعة وتقطع مسافتها في ضوئها تسمى ب (الفكرة السنية الطبعية) سواء كانت في الطبعيات أو الكيمياء أو الهيئة والرياضة أو في غيرها من العلوم الطبعية، وهي (سنية) لكونها مهتدية بهداية القرآن الحكيم، و (طبعية) لاختصاص مسافتها بعالم الخلق والتكوين وعدم علاقتها في نفسها بعالم الأمر والتشريع، وعدم تأثيرها في نفسها في سعادة النفس وشقائها كما أوضحناه من قبل.
ثم إن التفكر في عالم الخلق والتكوين لا يختص بالمسلمين وهو مجال لكل من له قوة في التفكر والنظر سواء كان مؤمناً أو كافراً، وإن من المخلوق ما هو خير لنا كما أن منه ما هو شر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
لنا، فكما أنه يمكن لنا أن ننتفع به يمكن أن نتضرر به، وإذا تفكر أعداء الإسلام
الكافرون بالدين المبين في عالم الخلق وأثاروا شره، ومنعونا عن خيره، ولم نستطع أن ندافع عن أنفسنا ونقاومهم لسبق فكرهم في عالم الخلق على فكرنا فما هو المخلص لنا من شرورهم؟ وكيف نحفظ ديننا وعرضنا وأنفسنا من عدوانهم وإفسادهم؟.
ومرجع السؤال إلى أنه كيف نتفكر في الخلق والتكوين حتى نستطيع لجلب الخير ودفع الشر، ونقدر على الدفاع عن ديننا وملتنا، وعلى حفظ الإنسانية من الدمار والفساد بأيدي المجرمين من أوروبا وأمريكا؟ وهذه هي المشكلة الشديدة التي واجهناها اليوم كما هو ظاهر لا يحتاج إلى البيان.
إن (الفكرة السنية) تدعو إلى أن نستعين بالإيمان، وهذا يقتضي أن نسأل القرآن الكريم لحل هذه المسألة العويصة، وننظر هل فيه هداية خاصة للأمة المسلمة إذا ابتليت بهذا البلاء العظيم؟ بلى وربنا إن القرآن الكريم قد حل هذه المشكلة وهدى إلى صورة خاصة للفكرة السنية الطبيعية التي هي أسرع وأقوم وأنجح من كل فكرة تتحرك في عالم الخلق والتكوين في الدنيا، وسبيل للنجاة من المصيبة التي ابتلينا بها، ليتنا نتبع هذه الفكرة القويمة القوية السريعة، وهذه الطريقة الأقوم التي يدعو إليها الفرقان الحميد قد أشير إليها في (سورة الفلق) فقد قال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} ونقدم في السطور الآتية مقدمات يتطلبها توضيح الإشارة.
الأولى: أن الاستقراء يدل دلالة واضحة على أن سنة الله في خلق شيء من شيء في هذا العالم المادي هي (الفلق) ، إن الشجرة لا تنبت إلا بفلق الحب والنواة، وأن ظهور الغصن مسبوق بفلق ساقها، كما أن القوة الذرية (atomic energy) المدهشة لا تظهر إلا بفلق الذرة (atom) وأن النظام الشمسي (solarstem) الذي نعيش تحته قد خلقه الله الخلاق العليم بإبداع الفلق العظيم في مجرة (galaxy) ، وإذا نظرت إلى الحوادث وجدت هذا القانون التكويني أي (قانون الفلق) جارية فيها، ولا تجد مثالا ينفيه.
الثانية: أن الحوادث التي تبدو بعد الفلق كنتيجته بعضها تكون موجبا للخير كما أن بعضها تكون موجباً للشر، فعلينا أن نحصل الخير ونتجنب الشر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
الثالثة: أن الله وحده هو رب الفلق وهو القادر على الإطلاق، وهو قدير على أن يلهمنا بعلم جديد وتدبير قوي نفوز باستخدامه بهدفنا، أو يمحو الشر ويخلق الخير ويمن علينا بتوفيق الاستعاذة به.
الرابعة: أنه لابد لنا من التفكر في عالم الخلق إذا واجهتنا المشكلة المذكورة وابتلينا بالضراء المذكورة، فإن الميل إلى ابتغاء السبيل إلى دفع الضرر والتحرز عن الهلاك والدمار والجهد للبقاء أمور فطرية تطالب بالتفكر في عالم الخلق، وقد أوجبته الشريعة كما أوجبه العقل السليم - لاسيما وأن هجوم المخاوف قد بدأ قرنه من جهته - وإن التفكر في عالم الخلق والتكوين لدفع شر أعداء الإسلام وللدفاع عن الدين والمسلمين ولإعلاء كلمة الله الحق المبين واجب على الكفاية لأنه لابد منه في هذا الزمان للوصول إلى تلك المقاصد الحسنة. وبعد هذا التمهيد نقول وبالله التوفيق: إن الله الحكيم العظيم أمرنا في هذه الآية ب (الاستعاذة) به عز اسمه من شر مخلوق مساوق للشر، والأمر بالتوجه إلى شأن الربوبية المتعلقة (بالفلق) إشارة إلى أن المؤمن إذا ابتلي بشر مخلوق حادث من الفلق وأخذه التفكر في تدبير دفع الشر وجلب الخير لاقتضاء الفطرة وأمر الشريعة، فليكن تفكره ممزوجا بالاستعاذة بالله الذي هو رب الفلق وبيده الخير ولا حول ولا قوة إلا به، وليس المراد الاستعاذة القولية فقط بل المراد الاستعاذة الحالية والعملية أي الإنابة إلى الله والتوجه إليه والتزام طاعته مع سؤال العلم الصحيح النافع وتوفيق العمل به والتهيؤ للدفاع عن الإسلام متوكلا على الله العليم العظيم.
وهذا لأن الاستعاذة تقتضي طبعا أن يطيع المستعيذ المستعاذ به، ويفي معه بعهده ويلجأ إليه ولا يعصيه، وهذه هي صورة خاصة (للفكرة السنية الطبعية) المشار إليها بالآية الأولى من سورة الفلق المزبورة قريباً، ولها مع عموم حكمها ونفعها نوع من الخصوصية بالتفكر لإطفاء (فتنة الفلق) التي ابتلينا بها، لأن غلبة أعداء الإسلام علينا في الفلق إنما هي لعدم استطاعتنا على استخدامها مثل ما يستطيعون فإن الاستطاعة بفلق الذرة (atom) أو النواة (nucleus) سلطهم على الأقوام الضعيفة. ولا يدان لأحد من المسلمين لدفعهم، ومحصول البيان أن الفكرة السنية الطبعية معناها اتباع الأصول التي دلت عليها الآية التي ذكرت أولاً في هذا الباب، وأضف إلى تلك الأصول الأصل الذي دلت عليه هذه الآية من (سورة الفلق) ، وخاصة إذا كان التفكر في (الفلق) وقوته ونتائجه والأمور المتعلقة به.
وهذا الأصل مشتمل على أجزاء، ونزيده وضوحاً بذكر الأجزاء مفصلاً:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الأول: أن التفكير لابد أن يكون ممزوجا بالاستعاذة بالله العزيز الحكيم من فتنة الفلق وشر المخلوق الحادث منه الاستعاذة به عز اسمه لدفعها والغلبة عليها.
الثاني: أن نسأل الله تعالى الذي هو رب (الفلق) الاستطاعة لاستخدام (قوة الفلق) لاكتساب الخير ودفع الشر والانتفاع بها في الدنيا والآخرة.
والثالث: أن التفكر لابد أن يكون مسبوقا بالتوبة عن الذنوب، وتصفية القلب عن العقائد الفاسدة وتجديد تنويره بنور الإيمان.
الرابع: أن يكون مقصدنا الوحيد من التفكر هو رضي الله تعالى شأنه باستخدام تلك القوى لإعلاء كلمة الله وغلبة دينه المتين، ولاكتساب الخير للمسلمين ونفع خلق الله أجمعين.
فإن المتفكر إذا أراد نصرة دين الله المبين، وأخلص نيته سيأتيه نصر الله القوي العظيم كما وعده ربنا الكريم بقوله في القرآن الحكيم: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} وإن من النصرة إلهام العلم الصحيح والهداية إلى التدبير النجيح، وليس ذلك على الله بعزيز.
تنبيه: ظاهر أن لا ينتفع بتلك الأصول حق الانتفاع إلا من له معرفة معتد بها بالعلوم الطبعية (سائنسية) أو الرياضية، فتحصيلها واجب على الكفاية على الأمة في زماننا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
الفكرة السنّية النفسية:
قد بينا من قبل أنها التفكر في أمر مؤثر بالذات في سعادة النفس وشقائها، فإنها أعظم شأنا من الفكرة الطبعية لكونها أقوى ارتباطا بالسعادة والشقاء، ولكون تعلق حكم الشريعة بها أظهر وهي مطلوبة في كل شعبة من شعب حياتنا الاعتقادية والعملية من المعاشرة والسياسة والمعيشة وأمثالها، سواء كانت فردية أو اجتماعية لكن الحاجة إليها في حياتنا الاجتماعية والقومية أشد جدا، لأن تركها فيها أدهى وأضر، فإن الخطأ في الفكر المتعلق بالفرد فقط يوجب ضرر الفرد لكن الخطأ في الفكر المتعلق بالمجتمع موجب لضرر المجتمع، ثم يذوق وباله الفرد أيضاً، فضرره أشد وأمر مراراً من ضرر الأول.
والأمور التي تدخل تحت هذا النوع على قسمين:
الأول: الأمور التي لا حاجة فيها إلى الفكر لكونها مسلمة الثبوت عندنا، كفرضية الصلاة وحرمة القمار ونفع العدل وضرر الظلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)