"ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يدون ولا كتب، وأما ما دون وحصل في بطون الكتب، فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف بينهم، قال ابن الصلاح بعد أن ذكر اختلافهم في نقل الحديث بالمعنى: "إن هذا الخلاف لا نراه جاريا، ولا أجراه الناس -فيما نعلم- فيما تضمنته بطن الكتب، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف، ويثبت فيه لفظا آخر". ا. هـ وتدوين الأحاديث والأخبار -بل وكثير من المرويات- وقع في الصدر الأول، قبل فساد اللغة العربية، حين كان كلام أولئك المبدلين -على تقدير تبديلهم- يسوغ الاحتجاج به، وغايته يومئذ تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به، فلا فرق بين الجميع في صحة الاستدلال، ثم دون ذلك المبدل -على تقدير التبديل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى، كما قال ابن الصلاح، فبقى حجة في بابه، ولا يضر توهم ذلك السابق في شيء من استدلالهم المتأخر، والله أعلم بالصواب. ا. هـ كلام صاحب الخزانة.
موقف صاحب مجلة المنار من الأحاديث، والآثار الواردة في كتابة الحديث:
كتب المرحوم الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة المنار في الجزء العاشر من المجلد العاشر من هذه المجلة مقالا في تدوين الأحاديث في القرن الأول، خالف فيه طريق العلماء من وجوه نذكرها، ثم تتبعها بالرد عليها فنقول:
أولا: يرى أن أول من دون الحديث، هو خالد بن معدان الحمصي فيقول في ص754: "لعل أول من كتب الحديث وغيره من التابعين في القرن الأول، وجعل ما كتبه مصنفا مجموعا، هو خالد بن معدان الحمصي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
روى عنه أنه لقي سبعين صحابيا. قال في تذكرة الحفاظ وقال بحير.
ما رأيت أحدا ألزم للعلم منه. وكان علمه في مصحف له أزرار وعرى"
ثم قال: "فخالد بن معدان جمع علمه في مصنف واحد، جعل له وقاية لها أزرار وعرى تمسكها لئلا يقع شيء من تلك الصحف، وكان ذلك في القرن الأول فإنه مات سنة 103، أو سنة 104. ولكن المشهور أن أول من كتب الحديث ابن شهاب الزهري القرشي. ولعل سبب ذلك أخذ أمراء بني أمية عنه". ا. هـ.
خالف الشيخ المشهور عند العلماء قديما وحديثا من أن أول من دون الأحاديث بأمر الخليفة، لتنشر في جميع الأقطار الإسلامية هو ابن شهاب الزهري، ولا دليل يستند إليه سوى قول بحير في خالد بن معدان، "وكان علمه في مصحف له أزرار وعرى"، مع أنه لا دلالة فيه على أولية التدوين، وهذا تدوين لنفسه خاصة سبقه به كثير كعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما هنالك أنه شهد له بغزارة العلم، وأنه كان يكتبه في صحف خشية أن يضيع، والثابت أن ابن شهاب كان ألزم للعلم من خالد، وأحرص على التدوين منه وأقوى حفظا من غيره، وأنه أول من دون الحديث على الإطلاق من التابعين لينشر في الأقطار الإسلامية.
وقد نقل الشيخ نفسه من ثناء العلماء على الزهري، ما هو أبلغ من قول بحير في خالد حفظا، وكتابة فهلا كان ذلك عنده مبررا لأوليته في التدوين.
ثانيا: يرى أن الأحاديث التي صحت في الإذن بكتابة السنة، لا تدل لكتابتها على الإطلاق، بل هي في موضوعات خاصة لا تتعداها. وإن الأحاديث الضعيفة، التي تدل للكتابة مطلقا ساقطة لا يحتج بها، ولا ينظر إليها. قال في ص765، 766:-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
1- حديث أبي هريرة "اكتبوا لأبي شاه" في الصحيحين وموضوعه خاص. وروى عنه البخاري قوله: "أن عبد الله بن عمرو كان يكتب، وأنه هو لم يكن يكتب"، وله حديث عند الترمذي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لرجل سيئ الحفظ بأن يستيعين بيمينه".
2- حديث أنس: "قيدوا العلم بالكتاب"، ضعيف.
3- حديث أبي بكر: "من كتب عني علما أوحديثا، لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث"، رواه ابن عساكر في تاريخه. ضعيف.
4- حديث رافع بن خديج: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها قال: "اكتبوا ولا حرج"، رواه الحكيم الترمذي، والطبراني والخطيب ضعيف.
5- حديث حذيفة: "اكتبوا العلم قبل ذهاب العلماء"، عند ابن النجار في تاريخ. ضعيف أيا بل يشم منه رائحة الوضع.
6- حديث علي في الصحيفة رواه أحمد، والبخاري والثلاثة، وموضوعها خاص ومنسوب إلى الوحي -والحديث المشار إليه، هو ما رواه هؤلاء الأئمة عن مطرف بن طريف. قال سمعت الشعبي يقول: أخبرني أو جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب: "هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن. قال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه وما في هذه الصحيفة.
قلت وما في الصحيفة. قال: العقل وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر".
7- كتاب الصدقات والديات والفرائض لعمرو بن حزم. رواه أبو داود والنسائي، وابن حبان والدارمي وموضوعه خاص. وإنما كتب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
له ذلك ليحكم به إذ ولي عمل نجران -والحديث المذكور هو ما رواه الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتب كتاب الصدقات، والديات، والفرائض، والسنن لعمرو بن حزم وغيره.
8- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص هو أكثر ما ورد في الباب، وهو كما في بعض رواياته، "قلت: يا رسول الله اكتب كل ما أسمع منك، قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب. قال: نعم، فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا"، قال الشيخ وقد جاء بألفاظ مختلفة من طريقين فيما أعلم الآن عند أحمد، وأبي داود والحاكم. فالطريق الأول عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أي عبد الله بن عمرو بن العاص فهو جده. وهذا الطريق فيه مقال مشهور للمحدثين لم يمنع بعض المتأخرين من الاحتجاج به، وهو تساهل منهم. ونقل هنا مقالة المتقدمين في هذا الطريق عن الميزان للذهبي. ثم قال: والطريق الثاني عن عبد الله بن المؤمل، عن ابن جريج عن عطاء عنه بلفظ: "قيدوا العلم"، وعبد الله بن المؤمل، قال أحمد أحاديثه مناكير، وقال النسائي والدارقطني ضعيف أما ما رواه ابن عبد البر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص من قوله: ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان الصادقة والوهط، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان عبد الله يقوم عليها -ففي سنده ليث، عن مجاهد، وليث هذا هو ابن سليم. ضعفه يحيى والنسائي. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي قال: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيا في أحد منه في ليث، ومحمد بن إسحاق وهمام لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم. ذكره في الميزان، وذكر أنه اختلط في آخر عمره. ا. هـ، ونحن نناقش الشيخ في بعض مقالته هذه لئلا يطول بنا المقال فنقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
مناقشته في أحاديث أبي هريرة الثلاثة:
ادعى أن حديث أبي هريرة عند الشيخين خاص بأبي شاه، ولم يبين لنا وجه تلك الخصوصية. ومن المقرر عند العلماء أن دعوى الخصوصية بلا دليل غير مقبولة. فإن أراد بالخصوصية أن قوله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه، خاص بخطبته عام فتح مكة فذلك صريح الحديث. لكن لا يدل على منع الكتابة في غير خطبته هذه، أو لغير أبي شاه؛ لأنه لا فارق بين خطبته في هذا المقام، وبين سائر أحاديثه في وجوب العناية بحفظها ووجوب تبليغها، كما أنه لا خصوصية لأبي شاه عن غيره من سائر الصحابة رضي الله عنهم، بل عن جميع المكلفين. فإن قيل: يحتمل أنه كان سيئ الحفظ قلنا: ويحتمل أنه أراد أن يضم الكتابة إلى الحفظ، والاحتمالات بابها واسع. فالمصير إلى احتمال معين ودعوى أن ما عداه باطل محض تحكم.
وأما حديث أبي هريرة الثاني فقد سكت عنه. وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حدثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب"، ولا يلتفت إلى الطعن في همام بعد تخريج البخاري له في الصحيح. ونحن نستدل بهذا الحديث على أن كتابة الحديث جائزة بل مستحبة، فإن ابن عمرو فعلها، وأبو هريرة لم ينكر عليه بل جعل ذلك من محاسنه، وأنه من أجل ذلك كان أكثر حديثا منه: قال في فتح الباري وروى أحمد، والبيهقي في المدخل من طريق عمرو بن شعيب، عن مجاهد والمغيرة بن حكيم قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
وسلم مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتابة عنه، فأذن له1 إسناده حسن. أفاد هذا الحديث أن عبد الله بن عمرو استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الحديث، فأذن له وأنه لم يكن به آفة تضطره إلى الكتابة، بدليل قول أبي هريرة "فإنه كان يكتب بيده، ويعي بقلبه"، وأن موضوعه ليس بخاص، بل هو عام في الأحاديث كلها.
وأما حديث أبي هريرة الثالث عند الترمذي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم، أذن لرجل سيئ الحفظ بأن يستعين بيمينه"، فواضح الدلالة على أنه يجوز لمن كان على مثل حال هذا الرجل أن يستعين بالكتابة، وذلك لا يمنع جواز الكتابة لمن كان حسن الحفظ، فإن ذلك آكد لحفظه.
ولعل صاحب المنار يقصد بإيراد حديث الترمذي المذكور، عقب حديث البخاري في كتابة عبد الله بن عمرو، أن عبد الله هو ذلك الرجل الذي كان سيئ الحفظ، وقد ذكرنا ما يبطل ذلك. وقد مر بك في ترجمة عبد الله بن عمرو السبب في قلة ما وصل إلينا من حديثه بالنسبة لأبي هريرة، مع أنه جمع إلى حفظ الحديث كتابته.
مناقشته في حديث صحيفة علي، وكتاب عمرو بن حزم:
بعد أن سلم الشيخ بصحة الحديثين، ادعى أن كلا منهما في موضوع خاص. وقد أبطلنا فيما سبق أن خصوص المكتوب، أو الكاتب لا يدل على المنع من الكتابة في غير المكتوب أو لغير الكاتب. فإن السنة وحي من الله يجب على الناس تبليغها، ومن وسائل ذلك التبليغ: الكتابة.--------------------------------------------
1 انظر جـ1 ص148.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
ومن العجيب قول الشيخ في كتاب عمرو بن حزم، "أن موضوعه خاص، وإنما كتب له ذلك ليحكم به، إذ ولي عمل نجران"، مع أن لفظ الحديث كما سبق:"كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقات، والديات، والفرائض والسنن لعمرو بن حزم وغيره"، فالكتابة لم تكن لعمرو بن حزم وحده، بل كانت له ولغيره، وموضوعها ليس بخاص كما هو ظاهر -وكأن الشيخ فهم أن الكتابة للحكم يلزم منها منع الكتابة للحفظ، مع أن الحفظ من وسائل الحكم، وعوامل الإصابة فيه، وإليك عبارة العلامة ابن القيم في زاد المعاد جـ1 ص59 قال- في معرض كلامه على كتبه صلى الله عليه وسلم إلى أهل الإسلام في الشرائع ما نصه: ومنها كتابه إلى أهل اليمن، وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، وكذلك رواه الحاكم في صحيحه والنسائي وغيرهما مسندا متصلا، ورواه أبوداود وغيره مرسلا، وهو كتاب عظيم فيه أنواع كثيرة من الفقه في الزكاة، والديات والحكام، وذكر الكبائر والطلاق، والعتاق وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والاحتباء فيه ومس المصحف، وغير ذلك.
قال الإمام أحمد: لا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه، واحتج الفقهاء كلهم بجملة ما فيه من مقادير الديات. ا. هـ فأنت ترى أن موضوع هذا الكتاب لم يكن خاصا، والمكتوب إليهم هم أهل اليمن عامة.
مناقشته في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له أن يكتب كل ما يسمع منه:
نقول: هذا الحديث صححه الحفاظ، وهو من أقوى الأدلة، وأصرحها على أن كتابة الحديث جميعه جائزة بل مستحبة. وقد روى من عدة طرق يقوي بعضها بعضا. قال الحافظ في فتح الباري: وعند أحمد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
وأبي داود من طريق يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يتكلم في الرضا والغضب. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق"، ولهذا طرق أخرى عن عبد الله بن عمرو، ويقوي بعضها بعضا. ا. هـ1، ولكن الشيخ لما وجد هذا الحديث يحول بينه وبين ما يرمي إليه من النتائج، أخذ يتكلم في متنه تارة وفي إسناده تارة أخرى. فقال عن المتن: قد جاء بألفاظ مختلفة من طريقين فيما أعلم"، ونقول له: إن اختلاف ألفاظ الحديث الواحد لا يعد طعنا فيه، إذا كانت غير متعارضة ولا متدافعة. والحديث الذي معنا كذلك اختلفت ألفاظه طولا وقصرا، ولكن لا تنافي بينها، فلا يجوز أن يتخذ ذلك طعنا فيه.
وقال عن السند: جاء من طريقين الأول، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، وفيه مقال مشهور للمتقدمين من علماء الحديث، ولكن هذا المقال لم يمنع بعض المتأخرين من الاحتجاج به، وهو تساهل منهم ثم أخذ يسرد ما قاله المتقدمون نقلا عن الميزان للذهبي2، والطريق الثاني عن عبد الله بن المؤمل، وعبد الله بن المؤمل، قال أحمد: إن حديثه مناكير وقال النسائي والدارقطني: ضعيف.
ونحن نقول له: أما الطريق الأول، فالذي عليه المحققون والجماهير من المتقدمين، والمتأخرين أنه يحتج به. قال ابن الصلاح في النوع الخامس والأربعين من مقدمته: لعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده--------------------------------------------
1 انظر جـ1 ص149.
2 سيأتي لك في ردنا عليه أن الذهبي اعتمد طريق عمرو بن شعيب هذا، ورد على ابن حبان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
بهذا الإسناد نسخةكبيرة أكثرها فقهيات جياد. وشعيب هذا هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. قد احتج أكثر أهل الحديث بحديثه حملا لمطلق الجد فيه على الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص، دون ابنه محمد والد شعيب لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك. ا. هـ وقال السيوطي في التدريب قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه وأبا عبيدة وعامة أصحابنا يحتجون بحديثه ما تركه أحد من المسمين، وقال مرة: اجتمع علي، ويحيى بن معين، وأحمد وأبو خيثمة وشيوخ من أهل العلم، فتذاكروا حديث عمرو بن شعيب، فثبتوه وذكروا أنه حجة، وقال أحمد بن سعيد الدارمي: احتج أصحابنا بحديثه. قال النووي في شرح المهذب: وهو الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أهل الحديث، وهم أهل هذا الفن وعنهم يؤخذ حملا لجده على عبد الله الصحابي، دون محمد التابعي لما ظهر لهم في إطلاقه ذلك.
وسماع شعيب من عبد الله بن عمرو ثابت. وقال إسحاق بن راهويه: عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده كأيوب، عن نافع عن ابن عمر. قال النووي: وهذا التشبيه غاية الجلالة من مثل إسحاق، وقد ألف العلائي جزءا مفردا في صحة الاحتجاج بهذه النسخة، والجواب عما طعن عليها قال: ومما يحتج به لصحتها احتجاج مالك بها في الموطأ، فقد أخرج عن عبد الرحمن بن حرملة عنه حديث: " الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"! قال: وذهب قوم إلى ترك الاحتجاج به؛ لأن روايته عن أبيه عن جده كتاب ووجادة، فمنهنا جاء ضعفه؛ لأن التصحيف يدخل على الراوي من الصحف، ولذا تجنبها أصحاب الصحيح، وقال ابن حبان: إن أراد جده عبد الله فشعيب لم يلقه فيكون منقطعا، وإن أراد محمدًا فلا صحبة له فيكون مرسلًا. قال الذهبي وغيره: وهذا القول لا شيء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
لأن شعيبا ثبت سماعه من عبد الله، وهو الذي رباه لما مات أبوه محمد. ا. هـ كلام السيوطي بحذف يسير.
وقال ابن تيمية: "وكان عند آل عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة، كتبها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب عن جده، وقالوا: هي نسخة، وشعيب هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقالوا: إن عني جده الأدنى محمدا، فهو مرسل فإنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وإن عني جده الأعلى عبد الله فهو منقطع، فإن شعيبا لم يدركه، وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء، فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده إذا صح النقل إليه مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة ونحوهما، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيره. قالوا: الجد هو عبد الله فإنه يجيء مسمى، وشعيب أدركه. قالوا: وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان هذا أوكد لها، وأذل على صحتها، ولهذا كان في نسخة عمرو بن شعيب من الأحاديث الفقهية، التي فيها مقدرات ما احتاج إليه عامة علماء الإسلام1. ا. هـ.
وأما الطريق الثاني الذي ضعفه الأئمةكما قال الشيخ، فهو وإن لم يصلح للاحتجاج به لكتابة الحديث، فهو يصلح شاهدا على ذلك، والحجة قائمة بغيره من الأحاديث الصحيحة.
مناقشته في إهدار الأحاديث الضعيفة، إذا تعددت طرقها:
وضعف حديث أنس، وحديث أبي بكر وحديث رافع بن خديج، وحديث حذيفة إلى غير ذلك، ونسي ما قرره العلماء من أن الأحاديث--------------------------------------------
1 انظر قواعد التحديث ص36، 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
الضعيفة إذا تعددت طرقها قوى بعضها بعضا، وأصبحت صالحة للاحتجاج فضلا عن الاعتبار، إذا كان الضعف ناشئا عن سوء حفظ الراوي، الصدوق الأمين كما هنا. فكيف وقد ورد في الإذن بالكتابة أحاديث صحيحة، بعضها يفيد العموم نصا، وبعضها يفيده دلالة.
ثالثا: وبناء على ما سبق للشيخ من أن أحاديث الإذن بالكتابة، لا تدل للكتابة يرى أن الأحاديث الواردة في المنع من كتابة الحديث، أرجح من أحاديث الإذن بها، ويضيف إلى ذلك أن أقوى أحاديث المنع على الإطلاق، هو حديث أبي سعيد الخدري، عند مسلم وأحمد. فيقول: "وأما ما ورد في المنع فأقواه حديث أبي سعيد الخدري: "لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه"، وهو في صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وهو أصح ما ورد في باب النهي عن كتابة الحديث والسنة". ا. هـ.
ونحن نقول في الرد عليه: علمت أن أحاديث الإذن بالكتابة منها صحيح يدل عليها نصا، أو دلالة ومنها ضعيف تعددت طرقه، فيصلح للاعتبار أن قصر عن درجة الاحتجاج. فلم يبق إلا الجمع بينهما، وبين حديث أبي سعيد. وطريق الجمع أن يقال: إن النهي عن كتابة الحديث خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن بها في غير ذلك.
أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في صحيفة واحدة، والإذن فيما إذا كتب الحديث في غير صحيفة القرآن. أو أن النهي خاص بمن خشي عليه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك.
رابعا: حاول الشيخ أن يجمع بين أحاديث الإذن بالكتابة، والنهي عنها بما لا يصلح، فقال: "ولذلك وجوه أحدها. أن ما أمر بكتابته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
لأبي شاه يحتمل أن يكون خاصا به. ثانيها. لعله كان سيئ الحفظ فأمر أن يكتب له كما طلب. ثالثها: أن حديث النهي عن الكتابة مقيدة بإبقاء المكتوب، وفيه الرخصة الصريحة لمن يكتب مؤقتا، ثم يمحوه ويؤيد هذا المعنى ما رواه ابن عبد البر، عن زيد بن ثابت، وابن مسعود وعلي في محو المكتوب. وما رواه من قول مالك: فمن كتب منهم الشيء، فإنما كان يكتبه ليحفظه، فإذا حفظه محاه. وهذا الوجه يصلح جوابا عن حديث الإذن لعبد الله بن عمرو بالكتابة، ويؤيده قول عبد الله. كنت أكتب كل شيء أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أريد حفظه فصرح بأنه كان يكتب ليحفظ. وقد علمت ما قاله أئمة الحديث في رواية حفيده، عن النسخةالمكتوبة، ويصلح أيضا جوابا عن صحيفة علي، وكتاب عمرو بن حزم". ا. هـ.
ونحن نقول في الرد عليه: أن الخصوصية لا تثبت لمجرد الاحتمال، ودعوى أنه سيئ الحفظ، تحتاج إلى نقل صحيح، ولم يوجد ولو سلمناه، فليس حديث أبي شاه هو كل ما ورد في الإذن بالكتابة.
وأما ذكره في الوجه الثالث من وجوه الجمع، فيعارضه أن عبد الله بن عمرو بن العاص، كان يكتب الحديث لا لضعف حفظه، ولكن ليرجع إليه عند الحاجة، وقد أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك إذنا مطلا، فكتب عنه صحيفته الصادقة التي بقيت في آله إلى أن رواها عنه حفيده عمرو بن شعيب، واعتمدها أكابر المحدثين كالبخاري، ومالك، وأحمد، وإسحاق بن راهويه وغيره. ويعارضه أيضا ما ثبت أن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم، خص عليا رضي الله عنه بشيء من الوحي، فسأل عليا رضي الله عنه أبو جحيفة، وقيس بن عبادة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
والأشتر النخعي في ذلك فقال علي كرم الله وجهه: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، وكان فيها أحكام الديات، ومقاديرها، وأصنافها وحكم تخليص الأسير من يد العدو، والترغيب في ذلك وحكم تحريم قتل المسلم بالكافر، وفرائض الصدقة إلى غير ذلك من الأحكام. فلو كانت كتابة الحديث لأجل الحفظ فقط، ثم يجب محوها بعد ذلك لما بقيت صحيفة علي إلى زمن خلافته.
وأما محو بعض الصحابة لما كتبوه، أو أمرهم بذلك فليس؛ لأن الكتابة منهي عنها على وجه البقاء. بل لخشيتهم أن يشتغل بها الناس عن القرآن، ولما يحفظوه بعد. أو؛ لأنهم رأوا أن الأولى التعويل على الحفظ استنهاضا لعزائم الناس، وهممهم على تنمية ملكة الحفظ التي فطر عليها العرب.
أو؛ لأن هذه الصحف كات منقولة عن أهل الكتاب، فخافوا أن يشتغل بها الناس عن دينهم، بدليل ما رواه ابن عبد البر أن الأسود، وعلقمة أصابا صحيفة فانطلقا بها إلى عبد الله بن مسعود، فقالا: هذه صحيف فيها حديث حسن فأمر ابن مسعود بماء فمحاها وتلا: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} ، قالا: انظر فيها فإن فيها حديثا عجيبا، فجعل يمحوها ويقول: هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره.
قال أبو عبيدة "أحد رواة هذه القصة": يرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب، فلذا كره عبد الله رحمه الله النظر فيها، وأذن فلا طريق للجمع بين أحاديث النهي، وأحاديث الإذن في الكتاب على وجه مقبول، إلا بما ذكرناه، واستظهرناه لا بما ذكره الشيخ، واستظهره.
خامسًا: حاول الشيخ أن يقدم أحاديث النهي، عن الكتابة على أحاديث الإذن بها على تقدير صحتها، وتعذر الجمع بينها فقال: "ولو فرضنا أن بين أحاديث النهي عن الكتابة، والإذن بها تعارضا يصح أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
يكون أحدهما ناسخا للآخر، لكان لنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين. أحدهما: استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة، ومنعها بالنهي عنها، وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وثانيهما: عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره، ولو دونوا، ونشروا لتواتر ما دونوه.
ونقول في الرد عليه:
أولا: أن أحاديث الإذن بالكتابة أصح عند المحدثين من أحاديث النهي بدليل أن البخاري وغيره، أعلوا حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن كتابة الحديث. وقالوا: الصواب وقفه علي أبي سعيد مع أن هذا الحديث باعتراف الشيخ، هو أقوى أحاديث المنع على الإطلاق.
ثانيا: أنه على تقدير التعارض بين أحاديث الإذن، والنهي فقد كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الإذن بالكتابة دون النهي عنها، بدليل ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه، قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا، لا تضلوا بعده"، وفي بعض رواياته "لما حضرت النبي صلى الله عليه وسلم الوفاة"، وله من حديث سعيد بن جبير أن ذلك كان يوم الخميس، وهو قبل موته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام1. ووجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، هم قبيل وفاته أن يكتب لأمته كتابا يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهم إلا بحق.
ثالثا: أن امتناع بعض الصحابة عن كتابة الحديث، ومنعهم منها لم يكن سببه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث، بدليل--------------------------------------------
1 انظر جـ1 ص146 من فتح الباري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
أن الآثار الواردة عنهم في المنع، أو الامتناع من كتابة الحديث لم ينقل فيها التعليل بذلك، وإنما كانوا يعللون بمخافة أن يشتغل الناس بها عن كتاب الله، أو بمخافة أن يهمل الناس الحفظ اعتمادا على الكتابة، أو لغير ذلك من الأغراض.
رابعا: إن عدم تدوين الصحابة للحديث، كما دونوا القرآن وجمعوه لم يكن لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث، وإنما كان خوف أن تختلط بصحف القرآن، فيلتبس على الناس أمر دينهم، في وقت لم يجمع القرآن فيه إلا نفر قليل من الصحابة. وقد روى البيهقي في المدخل، عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب، أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أردت أن أكتب للسنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا، فهذا الأثر يدل على جواز كتابة الحديث، بدليل أن الصحابة رضي الله عنهم، أشاروا عليه بذلك، وأن عمر رضي الله عنه رأى أن يأخذ الحيطة لكتاب الله، ويتوثق لصيانته وذلك يستدعي أن تكون الكتابة قاصرة على القرآن، وأن يكتفي في الأحاديث بالحفظ لئلا يختلط الأمر على الناس، فما كان للصحابة أن يشيروا على عمر بكتابة السنن، إذا كان النهي عنها هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لو كان النهي عن كتابة السنن باقيا، لما جاز لهم أن يسكتوا عن الإنكار على عمر عزمه على كتابة السنن، فضلا عن أن يشيروا عليه بكتابتها.
هذا ولا بأس أن ننقل هنا نصوصا لبعض العلماء في كتابة الحديث، فنقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إن السلف اختلفوا في ذلك -يعني كتابة العلم- عملا، وتركا، وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان، ممن يتعين عليه تبليغ العلم1. ا. هـ.
وقال أبو عمر بن عبد البر: "من كره كتاب العلم إنما كرهه لوجهين: لئلا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهي به -ولئلا يتكل الكاتب على ما يكتب، فلا يحفظ فيقل الحفظ. ثم قال: وليس أحد اليوم على هذا، ولولا الكتاب لضاع كثير من العلم. وقد أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كتاب العلم ورخص فيه جماعة من العلماء، وحمدوا ذلك، وقد دخل على إبراهيم النخعي شيء في حفظه لتركه الكتاب. وعن منصور قال: كان إبراهيم يحذف الحديث فقلت له: إن سالم بن الجعد يتم الحديث، قال: إن سالما كتب، وأنا لم أكتب. قال ابن عبد البر: فهذا النخعي مع كراهته لكتابة الحديث، قد أقر بفضل الكتاب"2. ا. هـ.
وقال ابن الصلاح في النوع الخامس والعشرين من مقدمته:
اختلف الصدر الأول رضي الله عنهم في كتابة الحديث، فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم، وأمروا بحفظه ومنهم من أجاز ذلك قال: ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته. ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة". ا. هـ3.
فكيف يجمع المسلمون على نقيض آخر الأمرين، من رسول الله صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
1 انظر فتح الباري ج1 ص146.
2 انظر جامع بيان العلم وفضله جـ1 ص68، 70. 3 ص87-88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
سادسا: استخلص الشيخ من بحثه هذا أن الصحابة لم يدونوا الأحاديث؛ لأنهم لم يريدوا أن يجعلوها دينا عاما، دائما كالقرآن مؤيدا ذلك، يعمل عمر بن الخطاب على خلاف بعض الأحاديث. وباكتفاء علماء الأمصار، كأبي حنيفة بما بلغه منها وعدم تعنيه في جمعها. وبمخالفة الفقهاء لكثير من الأحاديث الصحيحة، ونحن ننقل ذلك عنه بالتفصيل، ونرد عليه فنقول:
أ- قال الشيخ: وإذا أضفت إلى هذا ماورد في عدم رغبة الصحابة في التحديث، بل رغبتهم عنه بل في نهيهم عنه قوى عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث دينا عاما، دائما كالقرآن. ا. هـ.
وتلك لعمر الله مقدمات عقيمة، ونتيجة باطلة وذلك؛ لأن الصحابة إنما أمروا بتقليل الرواية، لئلا يكثر الخطأ، أو السهو في الأحاديث فيدخلها ما ليس منها، ولئلا يتخذها المنافقون ذريعة للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولئلا ينصرف الناس عن القرآن، ولما يتمكن من نفوسهم فضل تمكن. كذلك لم يدونوا الأحاديث، لئلا يلتبس الأمر على عامة الناس فيضاهوا بصحف الحديث، صحف القرآن، ومخافة أن تقضي الكتابة على ملكة الحفظ فيهم.
فلم يكن عدم تدوين الأحاديث، وقلة التحديث من الصحابة رضي الله عنهم لما ذكره الشيخ، من أنهم يريدون ألا يتخذوا الأحاديث دينا عاما، دائما فهذه نتيجة لا أساس لها. وأن القرآن العظيم ليفضح أمرها، ويكشف سترها. وقد تكلمنا في المقدمة على منزلة السنة في الدين، فارجع إليها إن شئت.
ب- قال الشيخ: ولو كانوا فهموا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه يريد ذلك لكتبوا، ولأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كتب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
وضبطوا ما وثقوا به، وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه، ويعملوا به، ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة، المعروفة للجمهور بجريان العمل بها. وبهذا يسقط قول من قال: إن الصحابة كانوا يكتفون في نشر الحديث بالرواية. ا. هـ.
نقول: إن الصحابة رضي الله عنهم، فهموا عن نبيهم أنه يريد أن تكون السنة دينا عاما، دائما. وكيف لا يفهمون ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، وهو يقول لهم في حجة الوداع قبل وفاته بقليل: "إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك، مما تحاقرون من أعمالكم واحذروا. إني قد تكت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه"، رواه الحاكم وصححه وله أصل في الصحيح، وكيف لا يفهم الصحابة عن نبيهم ذلك، وهو القائل:
"من رغب عن سنتي، فليس مني"، رواه مسلم إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المشهورة1.
نقول: كيف لا يفهمون ذلك عن نبيهم، والقرآن يأمرهم بطاعته يحذرهم مخالفة أمره. ويحتم عليهم قبول حكمه، والإذعان لقضائه كما جاء ذلك في كثير من آياته. قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، الآية. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، الآية. وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
الحق أن الصحابة فهموا أن السنة دين عام دائم كالقرآن، وكان هذا أمرا بدهيا عندهم لا يحتاج إلى استدلال، بل هو ضرورة من ضرورات الدين، وبدهي عند عامة المسلمين في جميع الأزمان حتى اليوم.--------------------------------------------
1 انظر الترغيب والترهيب جـ1 ص40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
أما إنهم لو علموا ذلك لكتبوا، ولأمروا بالكتابة إلى آخر ما قاله الشيخ، فهذا غير لازم لما قدمناه لك.
وأما إنهم اكتفوا بالقرآن، والسنة المتبعة المعروفة للجمهور إلخ. فهذا غير مسلم، ولا يقوله إلا من جهل طريقة الخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة من ورائهم في العمل بأحكام الدين، وكيف كانوا يأخذونها، فقد تقدم لنا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، كانا يطلبان الحكم أولا من القرآن، ثم إذا لم يجداه فيه طلباه في حديث رسول الله صلى الله عليه، وسلم فإن لم يوجد عندهما حديث في الحادثة سألا عنه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا لم يجدا عندهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعا رؤوس الناس، وعلماء الصحابة وخيارهم للمشاورة، فيما عرض من الحوادث، ثم يقضيان بما اجتمعوا عليه. كما
كان من عادتهما إنه إذا استبانت لأحدهما سنة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن قضى على خلافها، فإنه ينقض قضاءه، ويرجع إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقوم هذا حالهم في احترام السنة يقال فيهم إنهم لم يريدوا أن يتخذوها دينا عاما دائما. اللهم إن هذا إنكار للحقائق، وسير في طريق الخيال، وهوى متبع وإعجاب بالرأي: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} ، وإذا كان هذا حال العمرين، اللذين كانا أعلم الصحابة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال: إن الصحابة كانوا يكتفون بالقرآن، والسنة المتبعة المعروفة.
ج- قال الشيخ: وإذا أضفت إلى ذلك كله، حكم عمر بن الخطاب على أعين الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث، ثم ما جرى عليه علماء الأمصار في القرن الأول، والثاني من اكتفاء الواحد منهم كأبي حنيفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
بما بلغه ووثق به من الحديث، وإن قل وعدم تعنيه في جمع غيره إليه، ليفهم دينه ويبين أحكامه قوى عندك ذلك الترجيح. ا. هـ.
وللرد عليه نقول:
أولًا: ما رمي به عمر بن الخطاب من أنه كان يخالف السنة، على مرأى ومسمع من الصحابة، فهذا حكم جائر بالنسبة لعمر بن الخطاب.
أليس عمر هو القائل: "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم"1، فهل هذا قول صحابي يفهم أن السنة ليست دينا عاما دائما، ويتعمد مخالفتها، أو هو قول من عرف للسنة قدرها، وحذر الناس عن مخالفتها، ونعى على أصحاب الرأي آراءهم المعارضة لها.
أما ما ورد من حكم بعض الصحابة والتابعين، أو الأئمة المجتهدين على خلاف بعض الأحاديث، فإن لهم أعذارا تكلمنا عليها في مقدمة كتابنا هذا ينبغي للقارئ الرجوع إليها، ليتضح له المقام بما يرفع الملام عن هؤلاء الأئمة.
ثانيا: يرمي الأستاذ علماء المسلمين في القرنين الأول، والثاني بعدم اهتمامهم بجمع الأحاديث، وأنت أيها القارئ إذا اطلعت على ما كتبناه، عن رحلة العلماء من الصحابة، والتابعين في القرن الأول وأعمال الأئمة في القرن الثاني، فإنك ترى العجب. ترى جهودا جبارة، بذلت في سبيل جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعناية فائقة بتمحيص الأسانيد، ونقد المتون ومناهضة الوضاعين بما لم يتوفر لدى أمة من الأمم.--------------------------------------------
1 انظر أعلام الموقعين لابن القيم جـ1 ص45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)