Arabic source text

📘 আল-বাদিহিয়্যাত ফিল কুরআনিল কারীম (ফাহাদ আল-রুমি)

📘 البدهيات في القرآن الكريم (فهد الرومي)

📘 আল-বাদিহিয়্যাত ফিল কুরআনিল কারীম (ফাহাদ আল-রুমি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
البدهيات في القرآن الكريم (فهد الرومي)القسم: علوم القرآن وأصول التفسير
الكتاب: البدهيات في القرآن الكريم
المؤلف: أ. د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي
الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الطبعة: السنة 27 العددان 103 و 104 - 1416 / 1417هـ/1986-1987م
عدد الصفحات: 48
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)

لبدهيات في القرآن الكريم
د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي أستاذ مشارك ورئيس قسم الدراسات القرآنية
كلية المعلمين - الرياض -
بسم الله الرحمن الرحيم
‌‌مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:
فقد كان الناس في جهالة جهلاء وضلالة عمياء فأنزل الله تعالى هذا القرآن وأخرجهم به من الظلمات إلى النور وصاروا بعد أن كانوا في أدنى درجات الجاهلية خير أمة أخرجت للناس.
آمنوا بالقرآن واتبعوه وساروا على نهجه وانقادوا لحكمه بعد أن أدركوا ساعتها إعجاز الذي لا يمكن أن يأتي بمثله بشر.
واقتضت حكمة الله تعالى أن يكون هذا الكتاب خاتم الكتب فكان إعجازه مصاحباً له عند كل أمة، ومع كل جيل وفي كل قرن.
فنيت أُمَمٌ وذهبت أجيال، والقرآن هو هو مازال إعجازه متجدداً ومازال عطاؤه مستمراً يعلن أنه صالح لكل زمان ومكان.
وتعددت وجوه إعجازه وتنوعت يدرك منها الناس في كل عصر وجوها وتغيب عنهم وجوه.
حتى ما كان يعتقد أنه قد استُوفي وأخذ حَقَّه من الدراسة والبحث وكاد أن يغلق بابه لا يلبث الناس أن يروا أنهم لازالوا في أول درجاته.
خذوا مثلا الإِعجاز البلاغي في القرآن الكريم أدركه القوم الذين نزل فيهم وتذوقوه، وأولاه مَنْ بعدهم عناية أكبر بالدراسة ثم جاءت قرون تالية ظهر فيه أئمة البلاغة وأرباب الفصاحة وأَوْلَوا القرآن عنايتهم، كيف لا وهو مثلها الأعلى في البلاغة والفصاحة والبيان فدرسوا وبينوه ووقفوا عند صور البلاغة، وأساليب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)

البيان، وقوف شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه حتى ظننا أنه لم يبق شيء لها يدرسوه.
وفي القرآن آيات قريبة المعنى ظاهرة الدلالة، بل إن وضوح معناها وظهوره كان لدرجة أنْ لا يخفى على أحد بل إن المتأمل ليقف متسائلا، عن الحكمة في ذكرها على هذه الدرجة من الوضوح، وآيات من هذا النوع تذكر قضية لا يختلف فيها اثنان بل هي أمرٌ بَدَهَيّ يدركه الإِنسان من فوره.
فهذه آيات تذكر معلومةً لا تخفى أو أثراً ظاهراً لا يحتاج إلى تقرِير أو بيان، ونجزم أنه لابد لذلك من حكمة، ولابد له ومن فائدة، وإلا كان حشوا يتنزه عنه كلامُ البلغاء فضلاً عن كلام الرحمن القران الكريم.
وقد تناول المفسرون وعلماء البلاغة آيات هذا النوع آحادا في كتبهم ولم يدرسوها مجتمعة إلا إشارات سريعة كأن يشير أحدهم إلى آيتين أو ثلاث تشبه الآية التي يدرسها وهو من النادر أيضا.
وقد اجتمع لدي مجموعة من هذا النوع من الآيات التي رأيت أنّ دلالتها على المقصود أمراً بدهيّا، فنظرت فيها وفي كلام أهل التفسير والبلاغة عنها، وحاولت تحديد أنواعها، وأقسامها، وضرب الأمثلة لكل نوع منها وذكر أقوال المفسرين في بيان الحكمة فيها ووجه بلاغتها وهي على كلٍ خطوة شي طريق طويل وجديد.
طويل لدرجة أن تصلح بعض أجزائه رسائل للدراسات العليا، وجديد إذ أن أقوال العلماء فيه شذرات متفرقة.
وهذا جهدي، ومبلغ طاقتي وأسأل الله أن يجعل عملي خالصا لوجهه إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فهد بن عبد الرحمن الرومي
صبيحة يوم السبت 8/7/1415هـ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)

‌‌المراد بالبدهيّات:
البداهة أول كل شيء، وما يفجأ من الأمر، والبديهة: المعرفة يجدها الإِنسان في نفسه من غير إعمالٍ للفكر ولا علمٍ بسببها.
والبديهة قضية اعترفَ بها ولا يحتاج في تأييدها إلى قضايا أبسط منها مثل أنصاف الأشياء المتساوية متساوية 1.
وقد عَدَّ ابن حزم رحمه الله تعالى من معارف النفس ما أدركت بحواسها الخمس ثم عَدَّ الإدراك السادس علمها بالبديهيات ومَثَّلَ لذلك بعلمها أن الجزء أَقل من الكُلَّ، وأنَ الضِّدين لا يجتمعان، وأنه لا يكون فعل إلا لفاعل، وغير ذلك، ثم وصفها بأنها أوائل العقل التي لا يختلف فيها عقل.. وليس يدري أحد كيف وقع العلمُ بها.. وأنها ضرورات أوقعها الله في النفس، ولا سبيل إلى الاستدلال البتة إلا من هذه المقدمات، ولا يصح شيء إلا بالرد إليها، فما شهدت له مقدمة من هذه المقدمات بالصحة فهو صحيح متيقن وما لم تشهد له بالصحة فهو باطل ساقط إلا أن الرجوع إليها قد يكون من قرب ومن بعد، فما كان من قرب فهو أظهر إلى كل نفس وأمكن للفهم، وكلما بعدت المقدمات المذكورة صعب العمل في الاستدلال حتى يقع في ذلك الغلط إلا للفَهِم القوي الفَهْم والتمييز2.--------------------------------------------
1 المعجم الوسيط ج1 ص 44.
2 الفصل في الملل والأهواء والنحل: ابن حزم، ج1 ص (5-7) بتصرّف.
ولمزيد تفصيل في مذهب ابن حزم في ذلك انظر مقال (العقل والحقيقة) للأستاذ أبي عبد الرّحمن ابن عقيل، مجلّة الفيصل العدد 215ص 48-50.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)

وقال الجرجاني: "البديهي: هو الذي لا يتوقف حصوله على نظر وكسب، سواء احتاج إلى شيء آخر من حدسٍ أو تجربة أو غير ذلك أو لم يحتج، فيرادف الضروري. وقد يراد به ما لا يحتاج توجه العقل إلى شيء أصلاً فيكون أخص من الضروري كتصور الحرارة والبرودة، وكالتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان "1، وقيل البدهي هو الذي يفرض نفسه فرضاً على العقل ولا يترك له أدنى مجال للشك2.
وينبغي أن نُفَرِّقَ هنا بين البدهيات والمسَلَّمَات، فقد عَرَّفَ الجرجاني المُسَلَّمَات بأنها " (قسم من المقدمات الظنية) وهي قضايا تُسَلَّمُ من الخصم ويبنى عليها الكلام لدفعه سواء كان مسلمة بين الخصمين أو بين أهل العلم كتسليم الفقهاء مسائل أصول الفقه " 3.
ويبدو أن العلاقة بين البدهيات والمُسَلَّمَات علاقة عموم وخصوص، فكل بدهية مُسَلَّمَة وليست كل مُسَلَّمَة بدهية فالبدهيات أخص من المُسَلَّمَات.
ومن أمثلة المُسَلَّمَات الاحتجاج على الخصم بما لا يجد بُدَّاً من التسليم به فحين احتج إبراهيم على المَلِك بأنَّ الربَّ هو الذي يُحيي ويُميت، كابَرَ وأَنكر التسليم بذلك فغالط وادعى أنه يُحيي ويُميت فَرَدَّ عليه إبراهيم عليه السلام بقضية مُسَلَّمَة لا يستطيع معها المكابرة {فَإِنَّ الله يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} 4، فلم يستطع الملك إنكار هذه القَضية {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر} 5.--------------------------------------------
1 التعريفات للجرجاني: ص53.
2 معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: جلال الدين سعيد، ص75.
3 التعريفات: الجرجاني، ص 241.
4 سورة البقرة: من الآية 258.
5 سورة البقرة: من الآية 258.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)

ومن أمثلة ذلك الاحتجاج بالمبدأ وهو مُسَلَّمٌ لإثبات المعاد على من ينكره {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} 1.
ومثل هذا المسائل والقضايا وإن كانت مُسَلَّمَة إلا أنها تحتاج إلى نَظَرٍ وكَسْبِ ولا يجدُها الإِنسان في نفسه من غير إعمالٍ للفكر ولا عِلْمٍ بسببها مما هو خاَص بالبدهيات.
ولعله يظهر بهذا النوعُ الذي نريد دراسته هنا من القضايا التي تناولها القرآن الكريم وهي القضايا التي يستغرب التالي للقرآن والمتدبرُ لمعانيه النَصَّ عليها في القرآن مع أنَّ حصولها لا يتوقف على نظر وكَسْب ولا يختلف فيها عقل، فقوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة} 2. بعد قوله: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} ، قضية بدهية لا يحتاج إدراكُها بعد تَوجّه العقل إلى شيء أصلا.
وكذا قوله تعالى: {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْه} 3، فإنَّ ذِكْرَ طيران الطير بجناحيه مما يدعو إلى السؤال عن السِّرِّ في النص على ذلك مع أنه من البَدَهيّ أنَّ الطير لا يطير إلا بجناحيه فيكفي في إدراك ذلك مجرد ذكره دون ذكر آلة طيرانه فهذا لا يحتاج إلى أكثر من توجه العقل.
والبدهيات – فيما أحسب - تنقسم من حيث مصدر البداهة إلى قسمين:
أولهما: ما جاءت بداهته من حيث أنَّ النص الثاني نتيجة بدهية للنص الأول مثل: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} 4، حيث قال بعدها: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة} 5، وهي نتيجة حسابية لا تحتاج إلى أكثر من--------------------------------------------
1 سورة يس الآيتين 78- 79.
2 سورة البقرة: آية 196.
3 سورة الأنعام آية 38.
4 سورة البقرة: آية 196.
5 سورة البقرة: آية 196

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)

تَوَجّه العقل ويستند إدراكها إلى النصر الأول مع التوجه العقلي الأولي لإدراكها.
ثانيهما: ما جاءت بداهته من التوجه العقلي الأَوَّلِيّ دون استناد إلى نصٍ سابقٍ كمقدمة له، مثل: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} (المؤمنون:15) ، فإنَّ إدراك هذا الأمرَ البدهي معلوم لا يحتاج إلى أكثر من توجه العقل تَوَجّهاً أَوَلِيَّاً حتى ولو لم يسبقه نصر يقرره أو يؤدي إليه بالضرورة.
ونستطيع أن نذكر بعد هذا أنًا نريد بالبدهيات في القرآن الآيات التي يذكر فيها لازم ما سبقه من كلام أو آلته أو نتيجة حسابية لعددين لا يحتاج جمعُهما لغير توجه العقل توجها أوليَّاً.
وقد يعتقد كثير من الناس أنَّ البدهيات بهذا المعنى لم ترد في القرآن إلا قليلاً والحق أنها وردت شي كثير من الآيات يمر عليها كثير من التالين للقرآن من غير أن يكون في إدراك معناها جسأة1 توقفهم- ولو هنية- للتأمل والتفكر فيمرون عليها سريعا وكأن قوة ظهور معناها عامل على سرعة تجاورها، وحصان حق هذه الآيات أن نقف عندها طويلا، لا لاستظهار معناها هذا قد كفيناه، وإنَّما للتدبر والتفكر في سِرِّ إظهار معناها هذا الظهور وحكمةِ ذلك.
ولكثير من المفسرين وقفات عند مثل هذه الآيات طويلة عند بعضهم، وقصيرة عند آخرين وهم حين يتناولونها فإنَّمَا يتناولونها آحاداً من غير مقارنة بينها أو دراسة لموضوعها، ونَجدُ أنَّ مثل هذه الوقفات تظهر عند المهتمين في تفاسيرهم بالبلاغة واللغة، ولهذا فإنه ينبغي أن نبين صلة البدهيات بعلم البلاغة.--------------------------------------------
1 جسأ: جسئا وجسوءا وجسأة: يبس وصلب وخشن. (المعجم الوسيط ج1 ص 122) .
1 مفتاح العلوم للسكاكي، ص 196.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)

‌‌صلة البدهيات بالبلاغة
‌‌مدخل

صلة البدهيات بالبلاغة
نشأ علم البلاغة كغيره من علوم اللغة العربية لخدمة القرآن الكريم وإظهار معانيه وإبراز أساليبه ولذا كان أغلب الأمثلة والشواهد التي يستدل بها علماء البلاغة من القرآن الكريم، ولا عجب في ذلك إذ أنهم يريدون ضرب الأمثال الظاهرة، والشواهد الواضحة، والدلائل القاطعة، على ما يريدون إثباته من صور البلاغة، وفي القران الكريم ما يطلبون وفوق ما يطلبون.
وقد عَرَّفَ السَّكَّاكي البلاغةَ بقوله: "هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حَدّاً له اختصاص بتوفيِة خواص التركيب حَقّها، وإيراد التشبيه والمجاز والكناية على وجهها"1.
وعرفها القزويني بقوله: " وأما بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته " 2.
ونقل الجاحظ تعريفا لأحدهم فقال: "وقال بعضهم: - وهو من أحسن ما اجتبيناه ودَوَّنَاه - لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظَه، ولفظُه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك"3.
وإذا كان هذا هو تعريف البلاغة فإنا نجد المسائل البدهية في الآيات القرآنية من أدعى الآيات لإِظفار وجه مطابقتها لمقتضى الحال إذ قد يبدو لبعض التالين أنَّ ما قَرَّرَتْهُ لا جديدَ فيه، بل هو بدهي لا ينْكَرُ، وظاهر لا يخفى، فأين هذا ومطابقته لمقتضى الحال، وحين يتصدى البلاغيّون لمثل--------------------------------------------
1 الإيضاح العضدي، ص 7
2 البيان والتبيين: الجاحظ، ج1 ص 75.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)

هذا فإنه يكشفون وجوها من أعلى درجات البلاغة، وأجل ما تقتضيه مراعاة حال المخاطب، وُيظهرون حِكْمةَ ورود الآية على هذا الوجه، وأنه ليس إلا ضرب من التفنن في الأساليب البلاغية، وأخذ بها من جميع أطرافها.
ثم نجد أن البدهيات تدخل في أبواب عديدة من مباحث البلاغة كالإِطناب، والتوكيد، والتكميل، والتتميم، وغيرها، وليس في وسعنا تتبع هذه المباحث هنا واستقصاؤها وإنما نشير إلى مبحثين منها من أهمها وأوسعها أعني مَبْحَثَيّ الإِطناب والتأكيد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)

‌‌الإِطناب:
والإِطناب مصدر أطنب في كلامه إطناباً إذا بالغ فيه وطَوَّل ذيوله لإِفادة المعاني. واشتقاقه من قولهم: أطنب بالمكان إذا أطال مقامه فيه، وفرس مطنب إذا طال متنه، ومن أجل ذلك سُمِّي حبل الخيمة طنباً لطوله، وهو نقيض الإيجاز في الكلام 1.
والعلاقة بين الإِطناب والبلاغة وثيقة بل عرفوا الإِطناب بأنه "البلاغة في المنطق والوصف مدحاً كان أو ذماً، وأطنب في الكلام: بالغ فيه"2.
بل عرّفوا البلاغة بأنها: " الإِيجاز والإِطناب" 3 وإنما جمعوا بينهما وهما نقيضان لاختلاف المقامات فما يصلح في مقام لا يصلح في الآخر، ولهذا قال العسكري: "القول القصد أن الإِيجاز والإِطناب يُحتاج إليهما في جميع الكلام وكل نوع منه، ولكل واحد منهما موضع، فالحاجة إلى الإِيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه، فمن أزال التدبير في ذلك عن جهته،--------------------------------------------
1 الطراز: يحي بن حمزة العلوي، ج2 ص 230.
2 لسان العرب: ابن منظور: ج1 ص 562 مادة (طنب) .
3 الإتقان: السيوطي، ج2 ص 53.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)

واستعمل الإِطناب في موضع الإِيجاز، واستعمل الإِيجاز في موضع الإِطناب أخطأ.
كما روي عن جعفر بن يحي أنه قال مع عجبه بالإِيجاز: "متى كان الإِيجاز أبلغ كان الإِكثار عِيّاً، ومتى كانت الكناية في موضع الإِكثار كان الإِيجاز تقصيراً".
وأمر يحي بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا في معنى واحد، فأطال أحدهما، واختصر الآخر فقال للمختصر- وقد نظر في كتابه -: "ما أرى موضع مزيد"، وقال للمطيل: "ما أرى موضع نقصان".
وقال غيره: "البلاغة الإيجاز في غير عجز، والإِطناب في غير خطل"1.
فإذا عرفت الإِطنابَ ومكانته من البلاغة فينبغي أن تعرف الفرق بينه وبين التطويل والتكرير والترادف، فقد عرّفوا الإِطناب بأنه "زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة من غير ترديد"2 فقولنا:"زيادة اللفظ على المعنى " عام في الإِطناب والتطويل والتكرير والترادف.
وقولنا: " لفائدة" يخرج عنه التطويل فإنه لغير فائدة وهذا هو الذي عليه الأكثر من علماء البلاغة، والإطناب صفة محمودة في البلاغة بخلاف التطويل فإنه صفة مذمومة في الكلام3.
وقولنا: (جديدة) تخرج عنه الألفاظ المترادفة فإنها زيادة في اللفظ على المعنى لفائدة لغوية ولكنها ليست جديدة، وقولنا: "من غير ترديد" يخرج عنه--------------------------------------------
1 الصناعتين: لأبي هلال العسكري، صر 196.
2 الطراز: العلوي، ج2 ص 230.
3 الطراز العلوي،ج2 ص 232، والفوائد المشوق: ص 159.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)

التكرير فإنه دلالة على المعنى مرددا"1. وليس كل التكرار مذموماً فقد فرَّق الخطابي بين المحمود منه والمذموم فقال:
"وأما ما عابوه من التكرار، فإن تكرار الكلام على ضربين:
أحدهما: مذموم: وهو ما كان مُستغنىً عنه غير مستفاد به زيادة معنى لم يستفيدوه بالكلام الأول لأنه حينئذ يكون فضلا من القول ولغواً، وليس في القرآن شيء من هذا النوع.
والضرب الآخر: ما كان بخلاف هذه الصفة … وإنما يُحتاج إليه ويحسن استعماله في الأمور المهمة التي قد تعظم العناية بها، ويُخاف بتركه وقوعُ الغلط والنسيان فيها، والاستهانة بقدرها، وقد يقول الرجل لصاحبه في الحث والتحريض على العمل: "عجل عجل، وإرم إرم"، كما يكتب في الأمور المهمة على ظهور الكتب "مهم مهم مهم" ونحوها من الأمور"2.
وإذا عرفنا الفرق بين الإِطناب والتطويل والتكرير والترادف، فإنه ينبغي أن نعرف أنَّ الإِطناب ينقسم إلى قسمين:
الأول: ما يكون متعلقاً بالجملة الواحدة من الكلام وهو نوعان:
1- ما يَرِدُ من الإطناب علىِ جهة الحقيقة بأن يكون معنى اللفظ الزائد هو معنى المذكور، ويكون مغايرا له.
ومن أمثلة هذا النوع قولنا: "رأيته بعيني"، "وقبضته بيديَ"، "ووطئته بقدمي"، "وذقته بلساني"، إلى غير ذلك من تعليق هذه الأفعال بما ذكر من الأدوات.
وقد يظن ظان أن تعليق هذه الأفعال بهذه الآلات إنما هو لغو لا حاجة إليه فإن تلك الأفعال (الرؤية، القبض، الوطء، الذوق) لا تُفعل إلا بهذه الآلات--------------------------------------------
1 الطراز: العلوي ج2 ص 230، والمثل السائر: ابن الأثير، ج2 ص128.
2 بيان إعجاز القرآن: الخطابي ص47-48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)

(العين، اليد، القدم، اللسان) وليس الأمر كما يظن الظان، بل هذا إنما يقال في كل شيء يعظم مَنَالُه ويَعزُّ الوصولُ إليه أو يصعب تصديقه، أو يشتد إنكاره، فيؤتى بهذه الأدوات على جهة الإِطناب دلالة على نيله، أو لتأكيد وقوعه، كما لو أنكر المخاطب قولاً نسبته إليه فقلتَ: "لقد قلته بلسانك وسمعته منك بأذني"، مع أن القول لا يكون إلا باللسان وأن السماع لا يكون إلا بالأذن، فإن أحداً لا يُنكر من قولك، بل يدرك أنك ذكرت ما ذكرت لعِلَّة مقبولة.
وعلى هذا النحو ورد قولُه تعالى: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُم} (الأحزاب: من الآية4) 1، لأن هذه الآية إنما وردت في شأن جعل الزوجة الحلال بمنزلة الأم.
الحرام في الظهار وفي جعل الأدعياء أبناء فأعظم الله الرَّدً والإِنكار في أن تكون الزوجة أمّاً والمملوك ابناً وأنَ مثل هذا يكون محالا2.
2- ما يرد من الإِطناب في الجملة الواحدة على جهة المجاز وهذا كقوله تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج: من الآية46) 3. إذ من المعلوم أنَّ القلوبَ لا تكون إلا في الصدور، إلا أنه لِمَا عُلِمَ وتحقق أنَّ العمى على جهة الحقيقة إنما يكون في البصر وأن استعماله في القلوب إنما يكون على جهة التجوز بالتشبيه، فلما أريد ما هو على خلاف المتعارض من نسبة العمى إلى القلوب ونفيه عن الأبصار لا جَرَمَ احتاج الأمر فيه إلى زيادة تصوير وتعريف ليتقرر أنَّ مكان العمى هو القلوب لا الأبصار4.
الثاني: الإطناب الذي يكون في الجمل المتعددة وهو أربعة أنواع هي:--------------------------------------------
1 سورة الأحزاب: الآية 4.
2 انظر الطِراز: العلوي، ج2 ص 235 - 236.
3 سورة الحج: الآية 46.
4 الطِراز: العلوي، ج2 ص 237.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)

1- أن يذكر الشيء فيُؤتى فيه بمَعَانٍ مُتداخلة، إلا أن كل معنى يختص بخصيصة ليست للآخر كقول أبي تمام:
مِنْ مِنَّةٍ مشهورةٍ وصنيعةٍ
بكرٍ وإحسانٍ أَغَرَّ مُحَجَّل1
فالمِنَّة والصنيعة والإِحسان أمور متقاربة وليس ذلك من قبيل التكرير لأنها إنما تكون تكريراً لو اقتصر على ذكرها مُطلقة من غير صفة كأن يقول: "منة وصنيعة وإحسان" ولكنه وَصفَ كلَّ واحدة منها بصفة تخالف صفة الآخر فلا جرم أخرجها ذلك عن حكم التكرير.
2- النفي والإِثبات: " وهو أن يُذكر الشيء على سبيل النفي، ثم يذكر على سبيل الإِثبات أو بالعكس من ذلك، ولابد من أن يكون في أحدهما زيادة فائدة ليست في الآخر يؤكد ذلك المعنى المقصود وإلا كان تكريرا وذلك كقوله تعالى: {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَالله عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} (التوبة:44- 45) 2.
فالآية الثانية كالآية الأولى إلا في النفي والإِثبات، فإن الأولى من جهة الإِثبات والثانية من جهة النفي، فلا مخالفة بينهما إلا فيما ذكرناه خلا أن الثانية اختصت بمزيد فائدة وهي قوله: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} … ولولا هذه الفائدة لكان ذلك تكريراً ولم يكن من باب الإطناب.--------------------------------------------
1ديوان أبي تمام: ص206.
2 سورة التوبة: الآيتين 44- 5 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

3- أن يذكر المعنى الواحد تماماً لا يحتاج إلى زيادة ثم يُضرب له مثال من التشبيه كقول البحتري يصف امرأة: 1
ذات حسن لو استزادت من
الحسن إليه لما أصابت مزيدا
فهي كالشمس بهجة والقضيب
الَّلْدن قدَّا والريم طرفا وجيد ا
فالبيت الأول كان كافيا وتماما في إفادة المدح غير أنَّ في البيت الثاني تشبيها أفاد تَصَوُّرا وتخيلا لا يحصل من المدح المطلق وهذا الضرب له موقع بديع في الإِطناب.
4- الاستقصاء في ذِكْرِ أوصاف الشيء للمدح أو الذم ونحوهما كقول بعضهم:
لأعلى الورى قدرا وأوفر هم حجى
وأرشدهم رأيا وأسمحهم يدا 2
فهذه أقسام الإِطناب في الجملة الواحدة وفي الجمل المتعددة، وله أساليب متنوعة لا نطيل بتفصيلها ولا نقصر عن إيجازها فمنها:
1) الإِطناب بالاعتراض.
2) الإِطناب بالإيضاح.
3) الإِطناب بالإِيغال.
4) الإِطناب بالبسط.
5) الإِطناب بالتتميم.
6) الإِطناب بالتذييل.--------------------------------------------
1 ديوان البحتري: ج1 ص 591.
2 أقسام الإِطناب في الجمل المتعددة نقلتها عن كتاب الطراز: للعلوي، ج2 ص 238-244. وانظر الفوائد المشوق: ص 157-159. ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها د. أحمد مطلوب، ج1 ص 225-226.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

7) الإِطناب بالتكميل.
8) الإِطناب بالتكرير.
9) الإِطناب بالتوشيع.
10) الإطناب بذكر الخاص.
11) الإِطناب بالزيادة.
وبهذا ندرك منزلة الإِطناب في علم البلاغة ومكانته الكبيرة وأنه محيطها الأكبر الحائز على نصيب أكبر من مباحثها، وأن مباحث أخرى ليست إلا من فروعه وإن طالت، ولذا أطنبتُ في الحديث عنه وما أطلت وما ذاك إلا لأنه وثيق الصلة ببحثنا أو إن شئت فقل: إن بحثنا وثيق الصلة به، ذلكم أن المعاني البدهية كما أشرت في تعريفها هي لازم ما سبقها من كلام أو آلته التي لا يكون إلا بها فتبدوا لأول وهلة إن لم تكن تطويلا فهي إطنابا، ينبغي تعليل اختياره، وتوضيح حكمته، وبيان معناه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

‌‌التأكيد:
وهو تمكين الشيء في النفس وتقوية أمره.
وفائدته: إزالةُ الشكوك وإماطة الشبهات عَمَّا أنت بصدده 1.
وأنواعه كثيرة2 ويهمنا منها التوكيد الصناعي وهو أربعة أقسام:
أحدها: التوكيد المعنوي بالنفس والعين وكل وجميع وعَامَّة وكِلا وكِلتا3.
الثاني: التأكيد اللفظي وهو تكرار اللفظ الأول، إما بمرادفه كقوله تعالى:--------------------------------------------
1 الطراز العلوي، ج2 ص176.
2 ذكر الزركشي في البرهان ثمانية وعشرين قسما للتوكيد وفصل القول فيها من ص 384 ج2 إلى ص 101 ج3.
3 أوضح المسالك: ابن هشام، ج 3 ص 327 – 328.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

{ضَيِّقاً حَرِجاً} 1 على قراءة كسر الراء2 و {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} 3، وإما بلفظه، ويكون التكرار للاسم والفعل والحرف والجملة، فالاسم مثل: {قَوَارِير قَوَارِير} 4، والفعل: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} 5، واسم الفعل نحو: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} 6، والحرف نحو: {فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} 7، والجملة نحو: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، َإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} 8،9.
الثالث: تأكيد الفعل بمصدره وهو عِوَض من تكرار الفعل مرتين، وفائدته: رفعُ تَوَهُّم المجاز في الفعل بخلاف التوكيد السابق فإنه لرفع توهم المجاز في المسند إليه10.
ويكون تأكيد الفعل بمصدره نحو: {وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيماً} 11 وتارة--------------------------------------------
1 سورة الأنعام الآية 125.
2 وهي قراءة نافع وأبى بكر وقرأ الباقون بفتح الراء (التذكرة في القراءات: ابن غلبون، ج2 ص 410 والكشف عن وجوه القراءات السبع لأبي مكي ابن أبي طالب، ج1 ص450) .
3 سورة فاطر: الآية 27.
4 سورة الإنسان الآيتين 15-16.
5 سورة الطارق الآية 17.
6 سورة المؤمنين الآية 36.
7 سورة هود الآية 108.
8 سورة الانشراح الآية 5-6.
9 الإتقان: للسيوطي، ج2 ص 66.
10 المرجع السابق.
11 سورة النساء الآية 164.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

يكون تأكيده بمصدر فعلٍ آخر نحو: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} 1 إذا المصدر تبتلا، والتبتيل مصدر بَتَّل2، وتارة يكون التأكيد بمرادفه كقوله تعالى: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً} 3، فإن الجهار أَحَدُ نوعيّ الدعاء4، ويحتمل أن يكون منه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} 5. ومثل هذه الآية في التصريح بالمصدر مع ظهوره فيما قبله قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَن} 6وقوله: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} 7 وقوله: {سَأَلَ سَائِلٌ} 8،9.
الرابع:10 الحال المُؤكِّدة لعاملِها وهي الآتية لتأكيد الفعل وسميت مُؤكِّدة لأنها تُعلم قبل ذكرها فيكون ذكرها توكيداً، لأنها معلومة من ذكر صاحبها كقوله تعالى: {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} 11 فالحياة معلومة من ذكر البعث، وكقوله تعالى: {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} 12. فالإِفساد معلم من مجرد ذكر العثو وهو أشد الإِفساد13 وكقوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} 14 فعدم--------------------------------------------
1 سورة المزّمّل: الآية 8.
2 الإتقان السيوطي ج2 ص66.
3 سورة نوح: الآية 8.
4 البرهان للزركشي ج2 ص394.
5 سورة البقرة: الآية 282.
6 سورة آل عمران: الآية 37.
7 سورة التوبة الآية 111.
8 سورة المعارج: الآية الأولى.
9 البرهان للزركشي ج2 ص 398- 399.
10 البرهان: للزركشي ج2 ص 402. والإتقان للسيوطي ج2 ص 66.
11 سورة مريم: الآية 33.
12 سورة العنكبوت: الآية 76.
13 المعجم الوسيط: ج2 ص 590 - مادة (عثا) .
14 سورة ق: الآية 31.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

البعد معلوم من (أزلفت) إذ معنى زَلَفَ: دنا وتقدم 1.
وبعد عرض- أحسبه سريعاً- للإِطناب والتأكيد تظهر لنا الصلة الوثيقة بالبدهيات ومن ثَمَّ صلةُ هذه الأخيرة بالبلاغة.--------------------------------------------
1 المعجم الوسيط: ج1 ص 399 مادة (زلف) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)