هذا هو الطلاق في الإسلام وقد تهجم عليه المتهجمون وتبعهم الضالون وادعوا استمراره مفتوحاً سيؤدي إلى انهيار الأسرة المصرية، بينما الواقع أن إغلاقه هو الذي سيقضي على الأسرة الإسلامية، لأنه يؤدي إلى بقاء زواج غير صالح للبقاء، ولأن الإحصاء أثبت أن الطلاق لا يكثر إلا في أول الحياة الزوجية، فمعنى تغليق بابه إبقاء على زوجية ثبت في أول أمرها أنها غير صصالحة للبقاء، وأنه يقل كلما دامت العشرة حتى يصير نارداً، والنادر لا حكم له.
وإن فتح بابه هو حكمة اللطيف الخبير، والذين غلقوه قد أدركوا مغبة التغليق، ولذا قال "بنتام" في أصول الشرائع ما نصه: "لو وضع قانون للنهي عن فض الشركات ورفع الوصايا وعزل الدليل، ومفارقة الرفيق، لصاح الناس أجمعون: "إنه نهاية الظلم" والزوج رفيق ووصي ووكيل وشريك، وفوق كل هؤلاء، ومع ذلك حكمت قوانين أكثر البلاد المتمدينة بأن الزواج أبدي.. إن أقبح الأمور عدم انحلال ذلك الاتفاق، لأن الأمر بعدم الخروج من حالة بعدم الدخول فيها. أي إن منع الطلاق يمنع الزواج، وقد شرع الله الطلاق وهو العليم الحكيم.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
إن الشريعة الإسلامية أتت بنظام في الميراث لم تسبق بمثله ولم يصل إليه من بعد لاحق، ولا يزال إلى اليوم أدق الموازين في توزيع التركات، وأحكمها في تحقيق العدالة بين الوارثين.
وإن أول ما يلاحظه الدارس لكتب الله وسنة رسوله أنه جعل نظام التوريث إجبارياً في الثلثين، وجعله اختيارياً في الثلث، فجعل للمورث الحق في الثلث يتصرف فيه بعد الموت بالوصية لمن يشاء، والأثكرون على أن ذلك الثلث إن أراد الوصية فيه لا تكون لوارث حتى لا يغير قسمة الله التي قسمها، وذلك لقوله عليه السلام: "إن الله فرض الفرائض وأعطى كل ذي حق حقه فلا وصيى لوارث" ولأن إعطاء بعض الورثة بالوصية دون الآخر تغيير لقسمة الله في المواريث والفرائض، فبدل أن تكون للبنت النصف يكون لها النصف والثلث، ولقد قرر ذلك النظر جعفر الصادق رضي الله عنه، والحكم كذلك في كل المال إن لم تكن وصية يكون إجبارياً بالنسبة للوارث، ولقد قرر الفقهاء أنه لا شيء يدخل في ملك الشخص جبراً عنه إلا الميراث.
ولقد جعل الشارع الوراثة الإجبارية في الأسرة لا تعدوها، أراد المورث ذلك أم لو يرده، لأن ذلك من عمل الشارع الحكيم، لأنه أراد أن يصل العلاقات في الأسرة بالمودة العاطفية وبالمال يساعد بعضها بعضاً به في الحياة ويخلف القريب قريبه فيه بعد الوفاة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وقد أمر الشارع القريب الغني بالإنفاق على قريبه الفقير نشراً للمودة في القريى، وجعل الميراث بعد الوفاة ليكون التعاون في جمع المال كاملاً كما تكون المودة كاملة، وجعل نفقة الأقارب والميراث يسيران في خط واحد لأنهما ينبعان من أصل واحد، فمن كانت تجب عليه نفقته إذا احتاج، هو الذي يرثخ لو مات غنياً، لأن الغرم بالغنم والحقوق والواجبات متقابلة وإن ذلك من قبيل محافظة الشارع الإسلامي على الأسرة، لأنها وحدة البناء الإجتماعي، وإنه في الوقت الذي تنحل فيه الروابط في الأسرة ينتدئ الانحلال في المجتمع، وأن الذين يغيرون على المبادئ الاجتماعية السليمة يجعلون الأسرة هدفهم، يحلونها ليحلوا عرا المجتمع عروة عروة، وإن جعل الشارع الإسلامي الوراثة في الأسرة مجتمعة على أن يكون بعضها أولى من بعض نظر متوسط بين نظر الاشتراكين الذين يمحون التوارث محواً تاماً، ولا يعتبرون للشخص إلا ما كان كسبه بيده، وبين نظر الإقرار بين الذين يجعلون للمالك سلطاناً في ماله بعد وفاته، يتصرف فيه كما يشاء، كما كان له سلطان في حياته، وفي كلتا النظرتين إطراح للأسرة أو نظرة لها من أضيق آفاقها كما هو الشأن في الشرائع التي جعلت الميراث الإجباري في الفروع وحدها، وبقدر ليس بكثير، لقد جاء الشارع الإسلامي وسلب من المورث الإرادة في الثلثين، وترك له الثلث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
يتصرف فيه بالمعروف كما شاء، وما سلب منه الإرادة في الثلثين إلا ليحمي الأسرة وليعطيها ما له بالقسطاس المستقيم، ولكيلا يكون في الأسرة جفوة بسبب المنع والإعطاء، إن ترك ذلك للمورث.
وإن التوزيع الذي تولاه الله في كتابه العزيز يقوم على دعائم ثلاث:
أولاها: أنه يعطي التركة للأقرب الذي تعتبر حياته امتداداً لشخص المتوفي من غير تفرقة بين كبير وصغير، ولذلك كان أكثر الأسرة حظاً في الميراث الأولاد، ومع ذلك لا ينفردون بالميراث، بل يشاركهم فيه غيرهم، ولكن لا يكون مجموع ما يستحقون أقل من النصف، وإن مشاركة غيرهم بنحو النصف هو لمنع تجميع المال في جانب، فالأبوان يأخذان الثلث، ثم يكون بعدهما لأولادهما وهم إخوة المتوفي الذين يئول إليهم نصيب الأبوين، فيكون الاشتراك في المال بدل الانفراد، وإن لم يكن أبوان فقط يأخذ الإخوة مع الأولاد كالخال، إذا كان فرع أنثى فمع الميراث يكون للأقرب لم يكن الإعطاء على سبيل الاستئثار بل على سبيل الاشتراك.
وثانيتها: الحاجة، فيكثر القدر في الميراث كلما كانت الحاجة أشد،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
ولعل ذلك هو السر في أن نصيب الأولاد أكثر من نصيب الأبوين، مع أنهم في درجة واحدة من القرابة، بل إن الأبوين لهما نوع ملك في مال ولدهما لقوله عليه السلام: "أنت ومالك لأبيك" ولكن حاجة الأولاد إلى المال أشد لأنهم في غالب الأحوال ذرية ضعاف، خصوصاً إذا كان الأبوان على قيد الحياة وهم يستقبلون الحياة والأبوان يستدبرانها، ولهما في الغالب فضل مال محاجتهما إلى المال كحاجة الذرية الضعاف، وما يرثه الأبوان يكون لأولادهما، وهم في الغالب كبار، وسيرثون الأب في الطريف والتالد من المال بينما الذرية لا ترث شيئاً.
وإن ملاحظة الحاجة هو السبب في أنه كانو ميراث الذكر ضعف ميراث الأنثى، لأن التكليفات المالية على الزوج دائماً، وليس على المرأة تكليفات مالية كتكليفات الرجل، والفطرة التي أقرتها الشريعة تجعل المرأة قوامة على البيت، والرجل عاملاً كادحاً في الحياة، وهذا بلا شك يجعل حاجة المرأة إلى المال دون حاجة الرجل، ولا شك أن التفاوت لتفاوت الحاجة عدل، والمساواة عند تفاوتها ظلم، وهي من المساواة الظالمة لا العدالة.
ثالثتها: أن الشريعة الغراء بنص القرآن وصحيح الحديث تتجه بالميراث إلى التوزيع دون التجميع، كما أشرنا، فالقرآن لم يجعل الميراث في وارث واحد يستبد به دون الباقين، فلم يجعلها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
للولد البكر، ولم يحعلها للأبناء دون الآباء، بل وزع التركة بين عدد من الورثة، والصور التي يستبد فيها وارث بالتركة نادرة جداً، وهي تكون حيث يقل الأقارب، وما كان نظام التوريث ليخلق القرابة بل يوزعها بالعدالة والقسطاس بين القرابة فيوزع بمقدار قربها وقوتها، ولذا ترى الأولاد حميعاً يشتركون في الميراث بحكم القرآن، وقد يشاركهم أولاد الأولاد وإن كان آباء، فإنهم يشاركونهم لا محالة وكل ذلك فيه توزيع لا تجميع.
وإذا انتقل الميراث من عمود النسب إلى الحواشي يوزع بينهم من غير أن تستبد قرابة دون قرابة، فإذا كان إخوة أشقاء ولأب ولأم، وزع بينهم الميراث، فأولاد الأم يأخذون عند وجود الأشقاء مع تعارف الناس جميعاً على أن الأشقاء أقوى قرابة، ولكن قرر القرآن ذلك لكيلا تتحيز التركة في جانب واحد، وفوق ذلك يكون في ذلك إعلان لنصرة الأمومة وقوة علاقتها، وأنها تربط بين أولادها كما يربط فيشعر الإخوة الذين تربطهم الأم بأنهم في قوة القرابة بدرجة تقرب من قوة الأب، وإن هذا قد يؤدي إلى ألا ينفر الأولاد من زواج أمهاتمهم، ولا يعضلوهن لتوهم عار أو نحوه، لأنهم يعلمون أنهم بهذا الزواج يصلون قرابات بقرباتهم، ويزيدون الأنصار والأولياء، وإنهم يرثون بمقتضى أحكام القرآن مع وجود الأم، فيكون للأم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
وأولادها من غير أبي المتوفي بذلك قدر موفور من التركة، يصل إلى نصفها أحياناً، وما يئول للأم يئول إليهم بعضه، فيكون لهم قدر كبير.
ومما بني على هذا المنهاج الذي سلكه القرآن هو توزيع التركة بين الأقربين دون تجميعها، ما استنبطه الفقهاء من أحكام القرآن من أن مَن اتصل بالمبيت من طريق وارث لا يرث مع وجود من اتصل به، إذ لو كان كلاهما يرث فيرث الابن وابنه أو الأب والجده، لكان ذلك جمعاً للتركة في حيز واحد، أو على الأقل يكون جمعاً لشطر كبير منها في ذلك الجانب، والقرآن وزع التركة وعمم في التوزيع للقرابة القريبة، ثم التي تليها، ثم البعيدة، تقوية لدعائم الأسرة، ووصلا لحبل المودة، وتقريباً للبعيد، ولقد أخر الإسلام ذوي الأرحام في الميراث، وهم الذين تتصل قراباتهم بالميت عن طريق النساء، فيما عدا الإخوة لأم، لأن هؤلاء ينتمون إلى أسر أخرى غير أسرة المتوفي، ولهم غالباً ثروات آلت أو تئول إليهم من طريق تلك الأسر، فكان المعقول ألا يزاحموا الذين ليست لهم أسرة أخرى، ينالون الميراث عن طريقها، فبنت البنت لا تزاحم بنت الابن لأن هذه ليست لها أسرة تنال منها ميراثاً غير أسرة أبيها، أما ابنة البنت فأسرة أبيها قد= يكون فيها فضل مال يغنيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
إن قسمة المواريث قولاها القرآن بنصوصه الصريحة في الأرقام، فهي قسمة الله العادلة وتوزيعه الحكيم، ولم يعرف البشر توزيعاً قريباً منه في عدله، وقد تولى سبحانه بيانها لكيلا يصل الناس، لإغن تركوها بعد البيان فعن بينة تركوها، وقد قال سبحانه بعد بيان المواريث: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
حكم القرآن.... والحريات
إن مجموعة الأحكام التي اشتمل عليها القرآن في تنظيم الجماعة الإسلامية، وإقامة بنياتها، تتجه إلى تكوين نظام عام تحمي فيه الأنفس والأديان والأنساب والعقول، ويكون للجماعة سياج قوي من الفضلية والأخلاق الكريمة لتكون تلك الجماعة مثالاً صالحاً يحتذي في المعاملات الإنسانية، وتقوم علاقته بغيره على أسس من التعارف الإنساني وتكريم الإنسانية، في كل إنسان سواء أكان عدواً أم كان ولياً: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}
فنظام القرآن العام يقرر تلك الكرامة الإنسانية في داخل الدولة الإسلامية، ويقررها في كل العلاقات الإنسانية ليكون التآخي العام أو يكون تنازع البقاء تحت ظل الفضيلة الحاكمة، لا تحت ظل الغابات والأحكام التي يحكم فيها الظفر والغاب وحدهما.
إن أول ما تجه إليه الإسلام هو حماية الحريات العامة والخاصة، ذلك لأن الحرية هي الإنسانية، في معناها ومغزاها، فمن أهدر الحرية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
فقد أهدر الإنسانية، وإن من يستلب منه ذخص بعض حريته التي استحقها بمقتضى ناموس الوجود، والفطرة التي فطر الناس عليها، فقد نقصه بعض إنسانيته وسلبه بعض شخصيته. بيد أن تلك الحرية التي يحميها القرآن، ليست هي الحرية المطلقة، فالحرية المطلقة كالحقيقة المطلقة، أمور معنوية تتخيل ولا تحي، ولا تتحق في ذلك الوجود اللاغب المتناحر، وإن الذين ينطلقون في حرياتهم انطلاقاً يخلعون الربقة، ويهتكون الحمى، يضيعون من حرية غيرهم بمقدار ما ينطلقون، ولذلك لم يبح الإسلام الحرية المنطلقة من كل القيود، لأنها هدم وليست ببناء. وإنما حمى الإسلام الحرية المقيدة بشكائم من الأخلاق وحماية حق الغير، وما يتصل بالحرية العامة التي تستمتع بها الجماعة الفاضلة، وإن هذه الحرية العامة هي الحرية الكلية التي تجتمع من أجزاء قد أخذت من حريات الآحاد انتفاضاً عادلاً، ستكون الحرية العامة التي تظل الجميع، و"كل تقييد للحرية لابد أن يكون له مبرر من قواعد الحرية ذاتها وإلا كان ظلماً … " - كما قال سعد زغلول رحمه الله.
لقد دعا القرآن إلى الحريات بكل أنواعها على أن تكون غير منطلقة إلى الهدم كما بينا، فسوّغ حرية التدين ونادى في قوة: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" وقال في وضوح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
وجلاء لمخالفيه: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} بيد أنه في هذه افباحة الكريمة التي لم تكن معروفة قط في عصر نزوله، ولم يدرك الناس معناها إلا في العصور الأخيرة، لم يسوغها مطلقة غير مقيدة حتى لا يترتب على الاطلاق تقييد حرية الغير العادلة، فأباح للنصارى أن يتدينوا بدينهم تحت ظل المسلمين، وأباح لليهود مثل ذلك، بل اباح للمجوس أن يقيموا طقوسهم الدينية في معابدهم، ومع هذه الإباحة لم يسوغ الزندقة من الذين كانوا يظهرون الإسلام، ويبطنون غيره، لأن ذلك تضليل لا مجرد استمتاع بالحرية الدينية، ولم يسوغ لذوي الأهواء. أن يعبثوا بالأديان فيدخل في الإسلام لغاية ثم يخرج منه لغاية، بل أعتبر ذلك لعباً بالدين وتضليلاً للمتدينين، ولذ عاقب المرتدين وقال مبين القرآن وشارحه صلوات الله عليه: "من بدّل دينه فاقتلوه" واعتبر القرآن ذلك أشد التضليل فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا}
وإن الإسلام قد سوغ حرية التدين تحت ظله وحماها فجعل لغير المسلمين الذين يكونون في ولايته، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، أن يستمتعوا بحريتهم الدينية كاملة حتى أنهم ليستبيحون لأنفسهم تحت ظله ما لا يبيحه الإسلام لأهله،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
فالإسلام حرم الخمر وأقام الحد على شاربيها، ومع ذلك أبيح لهم أن يشربوها إن كانوا تحت حكم المسلمين.
* * *
والإسلام حرم الخنزير واعتبره رجساً وأبيح لغير المسلمين أن يأكلوه، بل أكثر من ذلك أن الإسلام - ككل الأديان السماوية حرم الزواج من البنات والأمهات وغير ذلك، وكان المجوس يسيبيحون ذلك، فلم يمنعهم الإسلام من تلك الاستباحة التي تنفر منها الطبائع الإنسانية، بل لقد الغ الإسلام في حماية حرية المخالفين إن عاشوا تحت حكمه واستظلوا برايته العادلة، وإنه ليعاقب على من يعتدي على خمر أو خنزير يستبيحها ذمى، فإن أراق مسلم خمراً لذمى يعيش تحت الراية الإسلامية، أو قتل خنزيراً له أوجب الإسلام على مقتضى استنباط الإمام أبي حنيفة وكثيرين من الفقهاء، أن يدفع قيمة ما أتلف، ولقد همَّ الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز أن يمنع غير المسلمين الذين يعيشون في ظل الإسلام من أن يشربوا الخمر أو يأكلوا الخنزير ويتزوجوا البنات، فاستئار في ذلك واعظ التابعين الحسن البصري فمنعه، وبين له أن الصحابة ساروا على ذلك، ثم بين أن مخالفتهم بدعة في الدين لا تجوز، وقال له في قوة وحزم: "إنما أنت متبع لا مبتدع".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وإنه لكي يكون غير المسلمين في حرية دينية كاملة إن رضوا بالإقامة مع المسلمين في ظل دولتهم، أبيح لهم أن يتخاصموا في أمورهم الدينية أو ما يتصل بها، وفي المعاملات الخاصة بهم إلى غير القاضي المسلم العام، الذي يحكم بين المسلمين، إلا إذا كان في القضية خصم مسلم، فإنه في هذه الحال لا يسوغ للقاضي غير المسلم الذي أعطى ولاية خاصة أن يحكم على المسلم، وإن ذلك صريح القرآن الذي يؤخذ منه من غير تأويل: "فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" وفي ظل القرآن الكريم وجدت امتيازات طائفية كان الأصل فيها العدل المطلق والحرية السامية التي أعطاها الإسلام لغير المسلمين الذين ارتضوا ولايته، وإذا كان الإسلام العادل قد أعطاها فاتخذوها ذريعة للانتقاض على الحكم، والعبث بدولته، فليس العيب على الإسلام العادل، إنما العيب في الإنسان الناقص الذي استغل العدل ليتخذ منه بناء الظلم، واتخذ الحرية التي منحها أهل العدل ليفسد بها أمر العادلين، ويهزع حكم المتقين، وفي ظل الحرية الدينية التي أعطاها القرآن والرسول الذي بين القرآن وجدنا غير المسلمين في القرون الأولى يعيشون في ظل القرآن، في حرية دينية لم ينعموا بها في الأمم التي تتدين بدينهم، فإن القوارق المذهبية ومحاولة كل فريق أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
يجعل الآخر على مذهبه بسيف القوة وعنفوان السلطان، إن كان أحد المذهبين له سلطان، كان يذهب بالحرية الدينية، بل إن تلك المعاملة الإسلامية الرقيقة وتلك الحرية العادلة كان سبباً في أن الذين صفت نفوسهم ولم يستول عليها التعصب الطائفي، يدخلون في الإسلام أفواجاً أفواجاً، وإنه لإدراك الخلفاء الراشدين لمعنى الحرية الدينية العادلة لم يرهقوا أحدا أي عسر بسبب دينه، بل وجدنا الفاروق عمر بن الخطاب تحضره الصلاة في كنيسة فلا يصلي فيها، حتى لا يتخذها الناس مسجداً فيظلموا أهلها، بل لقد وجدنا ذلك الإمام العادل يتقدم بنفسه لإزالة التراب عن هيكل لليهود، فقد رأى عند دخوله بيت المقدس وعقده المعاهدة مع أهله رأس هيكل قد دفن في التراب ثم علم أنه هيكل لليهود وطمره الرومان، فأخذ عمر يزيل عنه التراب يفضل ثوبه فاتبعه كل جيشه فيما صنع فلم يمض وقت حتى زال التراب عن الهيكل، ولو أنطقه الله تعالى لقال: إن ذلك عدل الإسلام وحرية الإسلام وتسامح أهل القرآن.
ولقد كان عمر يتحرى عن أعمال الولاة الذين يوليهم الأمر في الأقاليم وكان كثير من أهلها ذميين، وأول من يسأل عن أعمالهم عو معاملتهم لأهل الذمة، فإن علم أنهم يأخذونهم بالرفق كان أمارة العدل، وإلا كان العزل، بل كان النكال والعقاب.
وعمر الحاكم بحكم القرآن هو الذي أمر الفتى القبطي با، يقتص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
بيده من ابن عمرو بن العاص، حاكم مصر، وأن يكون القصاص في حضرته لكي يكون كاملا، ولكي يشفي صدر المظلوم، ثم يرسلها حكمة خالدة في الإنسانية قائلا لعمرو بن العاص: "منذ كم يا عمرو تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" فكانت شعار الأحرار في كل الأعصار والأمصار.
هذه هي الحرية التي أعطاها القرى، لمن يكفرون به، أعطاها لهم سمحاً كريماً لأ، هـ يكوَّن المسلم الحر الصادق في حريته، والحر حقاً وصدقاً هو الذي يقدر الحرية في غيره كما يقدرها في نفسه، وليس حراً كذلك الذي ينطلق في مآربة ويقيد حرية غيره تقييداً ظالما، وليس حراً ذلك الذي يوسع ما له ويضيق ما لغيره، ولقد بهرت هذه الحريةالدينية التي أعطاها القرآن لمن لا يؤمنون به أنظار العلماء المحققين من الاوربيين، الذين يميلون إلى الإنصاف أحياناً عندما يتكلمون في شئون الإسلام، واقرأ ما كتبه جوستاف لوبون في في كتابه حضارة العرب، فهو يقول:
"قد أدرك الخلفاء السابقون الذي كان عنهم من العبقرية ما ندر وجوده في دعاة الديانات، أن نظر الأديان ليست مما يفرض قسرا فعاملوا أهل سوريا ومصر وأسبانيا وكل قطر استولوا عليه برفق عظيم، تاركين لهم نظمهم ومعتقداتهم، غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة إذا ما قيست بما كانوا يدفعونه فيما مضى على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
أن تكون تلك الجزية في مقابل حفظ الأمن بينهم، فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا ديناً سمحا مثل دينهم".
تلك هي حرية المخالفين للمسلمين في اعتقادهم التي أعطاها لهم الإسلام، وليوازن المنصفون بين هذه الحرية التي استمتع بها اليهود والنصارى تحت ظل القرآن، وبين ما يفعله أهل أوربا اليوم مع مخالفيهم من المسلمين، سلوا فرنسا التي تزعم أنها قادت العالم إلى الحرية والإخاء والمساواة، ماذا صنعت في المسلمين الذين يقيمون في فرنسا عاملين في مصانعها منتجين في اقتصادها، ماذا صنعت لهم وماذا أعطتهم من حرية دينية؟ وسلوها ماذا صنعت في الجزائر وتونس والمغرب وما أرهقت وما ضيقت من حرية دينية، بل سلوها عما سنعت يوم صوبت الرصاص على أهل دمشق، فلما وجه لوم إلى قائدهم اعتذر بأنه لم يقتل مسيحيا واحدا. بل كان كل صرعاه من المسلمين، ثم وازنوا بين عمل ذلك القائد وعمل ابن تيمية شيخ الإسلام في القرن السابع الهجري، عندما ذهب إلى قازان ملك التتار يكلمه في شأن الأسرى الذين أسرهم ففك أسرى المسلمين، ولم يفك أسرى اليهود والنصارى. فأبى ابن تيمية إلا أن يفك أسرى المسلمين ومن كانوا في ذمتهم من اليهود والنصارى، لأن لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ثم ليوازن المنصفون بين القرآن وما صنعت جماعة الأمم المتحدة في فلسطين، فلقد خربت الديار وأخرجت ألف ألف أو يزيدون عراة يأكلهم الجوع والعري والحر والقر، ولم ترع عهداً ولا خلقاً ولا اجتماعاً ولا أي معنى من المعاني الإنسانية التي تربط بين بني الإنسان، ولكن الموازنة في الحقيقة لا تتحقق مقاييسها ولا تنضبط موازينها لأنها موازنة بين حكم الله الخالق العادل، وحكم عبد المخلوق الظالم، وموازنة بين حكم يقوي الروح، وحكم تسيطر عليه المادة والشهوة، وموازنة بين حكم الخوة الإنسانية الرابطة الجامعة التي وثقها مُنزل القرآن، وبين حكم القلب ووحشية بني الإنسان، هذه الحرية التي يعطيها الإسلام بنص القرآن لمن يستظاون بلوائه ممن يخالفونه، أما الحرية التي يعطيها جماعة المسلمين فهي الحرية المقيدة بالفضيلة وأحكام الدين وحقوق الغير، وقد كفل القرآن الكريم الحريات كلها دائرة الفضيلة واحترام الحقوق، فللمسلم بمقتضى حكم القرآن حرية الفكر، بل إنه حرص عليه ودعا إليه ومنع المسلم من أن يتبع الآباء، ونعى على الذين قالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}
وإذا كان الإسلام دين العقل حقاً وصدقاً فأول ما اتجه إليه القرآن هو تحرير العقول من الأوصام ومن ربقة التقليد، ودعا إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
النظر المجرد في الكون وما فيه والناس وما هم عليه، والأنفس وما استكن فيها من نزوع ومواهب: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} ؟
وأطلق القرآن حرية القول من غير اعتداء حتى لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم الذي ينزل عليه الوحي، يستمع إلى ناقديه، بل لقد تجاوز بعضهم الحد وخلع الربقة واستعمل حرية القول في غير موضعها، فأرشد النبي ودعاه إلى الهدى ونهاه عن الهوى، وعن الخروج على الجادة في رفق وحلم وأناة وصبر.
وأطلق القرآن حرية العمل بشرط ألا يتجاوز حدود الفضيلة، ولا يعتدي على حق غيره" فله أن يعمل كل ما ليس شراً وقد تكافأت الفرص وتسهلت السبل وذلل له الإسلام كل صعب، ولم يحاجز بينه وبين خير يريده، وبر يبتغيه: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} .
أما الحرية الشخصية فقد وضع القرآن أصولها وسبق كل الشرائع فيها سبقاً بعيداً، وأتى فيها بما لم يكن معروفاً عند العرب ولا عند غيرهم من الفرس والرومان الذين كان لهم السلطان، وكانوا يحملون صور المدنية القديمة وينشرون آراء الفلاسفة الذين توجت بهم المدنية اليونانية والرومانية
ونستطيع أن نقول في غير تهجم على الحقائق: إن الحرية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
الشخصية كانت منقوصة في حكم اليونان والرومان والعرب وغيرهم من أمم العالم، حتى نزل القرآن فكان أول من كمل هذه الحرية ودعا إليها دعوة صريحة قوية، وإن أمارة نقصها عند الأقدمين، وكمالها في القرآن الكريم، حال المرأة والرقيق، فإن كليهما لم يكن له حرية شخصية بالمعنى الذي يليق بالآدمية الكريمة، فالرقيق لم يكن له في الأحكام التي أعطته إياه الشرائع السالفة على شريعة القرآن أي حق من الحقوق، بل كان يأخذ حكم البهائم وكان يعامل كأنه لعنة الإنسانية في هذه الأرض، فلم يكن إلا مالاً كسائر الأموال، ومن اعتدى عليه فقد اعتدى على مال الغير، أما إن اعتدى عليه صاحبه فلا حق لأحد قبله، كمن يتلف ماله ليس لأحد عليه من سبيل.
والمرأة كانت كالمتاع في البيت ليس لها حقوق الإنسانية الكاملة، بل كانت ناقصة لا يرعى لها حق في مال ولا زواج، بل أمر زواجها إلى غيرها، والزواج بالنسبة لها كان رقاً أو يشبه الرق حتى كانت تورث زوجيتها عند بعض القبائل العربية.
جاء القرآن بأمر جديد في هذا لم يكن معروفاً ولم تصل إليه مدارك الفلاسفة، فلم يذكر في أي لفظ صريح فيه إباحة الرق، ولكن ذكر فيه فيه العتق، فاستنبط الناس من الأمر بالعتق وإيحابه في أحوال كثيرة، أن القرآن يبيح الرق، وحسب الشريعة القرآنية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
ذلك شرفاً أن يكون دليل إباحة الرق فيها هو إزالته وتخفيف ويلاته.
وجد الإسلام الرق حقيقة مقررة في الوجود في عصر نزول القرآن، وأسساً من أسس الاقتصاد، وقاعدة من قواعد الحرب المعترف بها في تلك الأزمنة، فلا يمكن تغييره إلا باتفاق الدول في ذلك الإبان لتكون المعاملة بينها بالقساط المستقيم، فلم يجد الإسلام مناصاً من تركه ولكنه خفف ويلاته بطرائق ثلاث تجعله بين المسلمين صورياً إن نفذت أوامر على وجهها:
وأول هذه الطرق: تضييق سبب الرق فلم يجعل الإسلام له إلا سبباً واحداً جوازياً، وليس إجبارياً وهو الأسر في الحري العادلة، التي لم تكن بغياً من قبل المسلمين، ولا اعتداء، فإن الإسلام لم يجوز البغي ولا الاعتداء أصلاً، فإن أسر المسلمون أسرى في هذه الحرب جاز استرقاقهم، أو المن عليهم، أو فداؤهم بالمال، وليس ولي الأمر ملزماً بواحد من الثلاثة، بل يفعل منها ما يراه المصلحة للمسلمين، وماا يسجل أن ذلك كان علاجاً وقتياً أو خضوعاً للأمر الذي لم يكن ثمة سبيل لتغييره. وإلا كلب الأعداء المسلمين وصاروا يسترقون المسلمين ولا يسترق أحد منهم، ومما يسجل ذلك أن إباحة الاسترقاق في الأسرى ثبتت بعمل الصحابة، ولم تقبت بالقرآن، فإن الله سبحانه وتعالى قال في الأسرى: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)