فخلاصة ما سبق أن أول من احتفل بالمولد النبوي هم بنو عبيد القداح (الفاطميون) ، ويدلُّ على ذلك: ما ذكره المقريزي في خططه - وسبق وذكرته - وما ذكره القلقشندي في صبح الأعشى (1) .
وقد رجع هذا وأخذ به جماعة من العلماء المتأخرين (2) وصرَّحُوا به.
وأمَّا ما ذكره أبو شامة في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) : من ثنائه على الاحتفال بالمولد النبوي، وأنه من أحسن ما ابتدع في زمانه (3) ، وأن أول من احتفل بذلك بالموصل (4) ، والشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين،--------------------------------------------
(1) - يراجع: صبح الأعشى (3/498، 499) .
(2) - منهم: محمد بخيت المطيعي في كتابه أحسن الكلام ص (44) ، وعلي محفوظ في كتابه الإبداع ص (251) ، وحسن السندوبي في كتابه تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ص (62) ، وعلي الجندي في كتابه نفح الأزهار ص (185، 186) ، وإسماعيل الأنصاري في كتابه القول الفصل ص (64) ، وغيرهم من المؤلفين في هذا المجال.
(3) - ما ذكره أبو شامة هو وغيره من الاستحسان للاحتفال بالمولد النبوي خطأ واضح، مخالف لما عليه المحققون من علماء هذه الأمة، ويعتبر من زلات العلماء وأخطائهم، عفا الله عنا وعنه.
(4) - هي المدينة المشهورة، ومحط الركبان، وهي باب العراق، ومفتاح خرسان وسميت بالوصل؛ لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، أو بين دجلة والفرات، وتقع على نهر دجلة، وأول من عظمها من الخلفاء: مروان بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية، وصفها العلماء بصحة الهواء، وعذوبة. يراجع: معجم البلدان (5/223-225) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل (1) : فلا يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي، هو صاحب إربل؛ لأمرين:
أحدهما: أن أبا شامة رحمه الله قيَّد هذه الأولوية بقوله: (أول من فعل ذلك بالموصل) (2) . فكلامه يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل هو صاحب إربل اقتداءً بالشيخ عمر بن محمد الملا، وليس فيه دلالة على أن أول من احتفل بالمولد النبوي على الإطلاق هو صاحب إربل.
ولكن السيوطي-رحمه الله أطلق ذلك في كتابه (حُسن المقصد في عمل المولد) - الذي ضمنه كتابه الحاوي- فقال: (وأوَّلُ من أحدث فعل ذلك- الاحتفال بالمولد النبوي- صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن--------------------------------------------
(1) - إربل: - بالكسر ثم السكون ثم ياء مكسورة -: من الربل أو الريبال، وهو نوع من أنواع النبات، وهي قلعة حصينة، ومدينة كبيرة، على تل عال من التراب وهي من أعمال الموصل، وبينهما مسيرة يومين، وقد قام بعمارتها الأمير كوكبوري، فأقام بها وقامت بمقامه بها - وهو المراد بقول أبي شامة: صاحب إربل - وأكثر أهلها من الأكراد. وتقع في شمال العراق شرقي مدينة الموصل. يراجع: معجم البلدان (5/127-139) .
(2) - يراجع: الباعث الحثيث ص (21) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
بكتكين، أحد الملوك الأمجاد) . ا. هـ (1) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (وهذه البدعة- الاحتفال بالمولد- أول من أحدثها أبو سعيد كوكبوري في القرن السادس الهجري) . ا. هـ (2) .--------------------------------------------
(1) - يراجع: الحاوي (1/189) الكتاب رقم (24) .
(2) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (3/59) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وقال الشيخ حمود التويجري: (إن الاحتفال بالمولد بدعة في الإسلام أحدثها سلطان إربل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع) . ا. هـ (1) .
فإذا عرفنا ذلك، فلا شكَّ أن العبيديين هم أول من احتفل بالمولد النبوي، حسب ما ورد في كتب التاريخ والسير؛ لأنَّ العبيديين دخلوا مصر وأسسوا ملكهم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، واستمرت دولتهم القرن الخامس، ونصف القرن السادس الهجري.
فقد دخل المعز معد بن إسماعيل القاهرة في سنة 362هـ (2) في رمضان، وكان--------------------------------------------
(1) - يراجع: الرد القوي ص (89) .
(2) - يراجع: البداية والنهاية (11/306) ، واتعاظ الحنفا (1/134) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
ذلك بداية حكمهم في مصر (1) . وقيل: في سنة 363هـ (2) .
وكان آخر خليفة فيهم هو العاضد، توفي سنة 567هـ (3) .
وأما مظفر الدين صاحب إربل، فلولادته كانت في سنة 549هـ. وتوفي سنة 630هـ (4) .
فهذا دليلٌ قاطعٌ على العبيديين سبقوا صاحب إربل - الملك المظفر - بالاحتفال بالمولد النبوي.
فصاحب إربل ليس أول من احتفل بالمولد النبوي، وإنما سبقه إلى ذلك العبيديون بحوالي قرنين من الزمان، وهذا لا يمنع أن يكون صاحب إربل هو أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل؛ لأنَّ احتفالات العبيديين كانت في دولتهم - وهي في مصر كما ذُكِرَ في كتب التاريخ -، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) - أما أول من حكم منهم: فهو المهدي عبيد الله، وكان ذلك سنة 296هـ وبنى المهدية وذلك في المغرب، ثم جاء بعده ابنه القائم محمد ثم ابنه المنصور إسماعيل ثم ابنه المعز معد وهو أول من دخل منهم ديار مصر وأول من ملكها منهم.
يراجع: البداية والنهاية (11/283) .
(2) - يراجع: أخبار ملوك بني عبيد ص (88) .
(3) - يراجع: البداية والنهاية (11/280) ، واتعاظ الحنفا (1/324، 332) .
(4) - يراجع: وفيات الأعيان (4/120) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
المبحث الثاني
حالة المجتمع في ذلك العصر
كانت سياسة العبيديين موجهة إلى غاية واحد، هي العمل بكل جدِّ وإخلاص لحمل الناس على اعتناق مذهبهم، وجعله سائداُ في كافة أنحاء الديار المصرية، وغيرها من البلاد التي كانوا يحكمونها، والمجاورة لهم.
فقد كان عبد العزيز يعطف على النصارى واليهود، كما كان أبوه - المعز معد أبو تميم - قبله، ولكن العزيز كان أكثر عطفاً على النصارى، لِما كان بينه وبينهم من صلة النسب (1) .
ورفع العزيز عيسى بن نسطورس إلى كرسي الوزارة، كما عيَّن منشأ--------------------------------------------
(1) - فقد تزوج بنصرانية واستعمل أخويها على بعض الكنائس. يراجع الدولة الفاطمية ص (202) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
اليهود، والياً على الشام، فأظهر ابن نسطورس ومنشأ محاباة جليَّة لبني ملتهم، فعينوهم في مناصب الدولة بعد أن أقصوا المسلمين عنها، فقدم المسلمون الاحتجاجات على تلك المحاباة التي أظهرها الخليفة لغير المسلمين وبلغ من حال هؤلاء الساخطين أن كتبت امرأة إلى العزيز: بالذي أعز اليهود بمنشأ، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك ألا كشفت ظلامتي (1) .
فأمر بالقبض على ابن نسطورس، وكتب إلى الشام بالقبض على منشأ وغيره من الموظفين اليهود، وأمر برد الدواوين والأعمال إلى الكتاب المسلمين، وعيَّن القضاة للإشراف على أعمالهم في جميع أنحاء الدولة، لكن الأمير ست الملك ابنة الخليفة شفعت لابن نسطورس فردّ العزيز الوزارة إليه ثانية، وشرط عليه استخدام المسلمين في الحكومة.
ولقد تقلد أهل الكتاب أرقى المناصب وأعلاها في عهد العزيز (365-376) ، وشغلوا في عهد المستنصر (427-487) ، ومن جاء بعده من الخلفاء، معظم المناصب المالية في الدولة، بل تقلَّدُوا الوزارة أيضاً.--------------------------------------------
(1) - يراجع: البداية والنهاية (11/358) ، والمنتظم (7/190) ، واتعاظ الحنفا (1/297) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
ولم تقتصر هذه المعاملة على ما تقدم، فقد ولع بعض الخلفاء العبيديين: كالحافظ مثلاً (524-544هـ) بزيارة أديرة (1) النصارى، وكان الآمر (495- 524هـ) يعطي الرهبان (2) في بعض الأديرة عشرة آلف درهم كلما خرج للصيد، بل قد ازدادت موارد الكنائس (3) المصرية زيادة عظيمة في عهد العبيديين (4) .
فقد كان العبيديون يعاملون النصارى معاملة تنطوي على العطف والرعاية والمحاباة، فإذا كان هذا موقفهم من اليهود والنصارى فما موقفهم من أهل السنة؟!
لقد عمل العبيديون على لعن الخلفاء الثلاثة- أبي بكر، وعمر، وعثمان--------------------------------------------
(1) - أديرة: جمع دير، وهوخان النصارى، وبيت يتعبد فيه الرهبان، ويكون في الصحاري ورؤوس الجبال، وإذا كان داخل المصر فهو كنيسة أو بيعة. يراجع: لسان العرب (4/300، 301) مادة (دير) ، ومعجم البلدان (2/495) .
(2) - الراهب: المتعبد في الصومعة، وأحد رهبان النصارى، وكانوا يترهبون بالتخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والزهد فيها. يراجع: لسان العرب (4/437، 438) .
(3) - الكنائس: جمع كنيسة، والكنيسة متعبد اليهود أو النصارى أو الكفار. يراجع: القاموس المحيط (2/256) باب السين فصل الكاف.
(4) - يراجع: تاريخ الدولة الفاطمية ص (202-216) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
-رضي الله عنهم أجمعين- وغيرهم من الصحابة؛ إذ عدّوهم أعداءً لعلي رضي الله عنه، وتفشت فضائل علي وأولاده من بهده على السكة (1) وعلى جدران المساجد، وكان الخطباء يلعنون الصحابة على كافة منابر مصر.
وقد ألزم العبيديون جميع الموظفين المصريين أن يعتنقوا المذهب العبيدي الباطني، كما حتم على القضاة أن يصدروا أحكامهم وفق قوانين هذا المذهب.
بل إن الحصول على مناصب الدولة مشروط بالتحول إلى المذهب الشيعي، مما دفع بعض الذميين (2) إلى اعتناق الإسلام، واتخاذ التشيع مذهباً لهم (3) .
وكان من عدائهم للسنة وأهلها: أن أمر العزيز بقطع صلاة التراويح من جميع البلاد المصرية، وذلك سنة 372هـ. وكذلك في سنة 393هـ قبض على ثلاثة عشر رجلاً، وضربوا وشهروا على الجمال، وحبسوا ثلاثة أيام، من أجل أنهم صلُّوا صلاة الضحى.
وفي سنة 381هـ ضرب رجل بمصر، وطيف به المدينة من أجل أنه وجد عنده كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله.
وفي سنة 395هـ في شهر صفر كتب على سائر المساجد، وعلى الجامع العتيق (4) بمصر، من ظاهره وباطنه، ومن جميع جوانبه، وعلى أبواب الحوانيت، والحجر،--------------------------------------------
(1) - السكة: حديدة منقوشة، يضرب عليها الدراهم، وتطلق ويُراد بها الدينار والدرهم المضروبين، سمي كل واحد منهما سكة؛ لأنه طبع بالحديدة المعلمة له. يراجع: القاموس المحيط (3/316) فصل السين، باب الكاف، ولسان العرب (10/440، 441) مادة (سكك) .
(2) - الذميين: نسبة إلى الذمَّة والذمام: وهما بمعنى العهد والأمان والضمان والحركة والحق، وسمي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم، وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكذلك المجوس؛ لأن لهم شبهة كتاب. يراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (2/168) ، والإفصاح لابن هبيرة (2/292) .
(3) - يراجع: تاريخ الدولة الفاطمية ص (218) .
(4) - ويقع بمدينة فسطاط مصر، ويقال له: تاج الجوامع، وجامع عمرو بن العاص، وهو أول مسجد أسس بديار مصر في الملة الإسلامية بعد الفتح. يراجع: الخطط المقريزي (2/246) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
وعلى المقابر، سبّ السلف ولعنهم، ونقش ذلك، ولون بالأصباغ والذهب، وعمل ذلك على أبواب الدور، والقياسر (1) وأكره الناس على ذلك (2) .
فكان لعن السنيين تفيض به ألسنة الناس من على المنابر في كافة أنحاء مصر طوال الحكم العبيدي تقريباً، حتى أن العاضد - آخر الخلفاء العبيديين - كان شديد التشيع، متغالياً في سبّ الصحابة- رضوان الله عليهم- وإذا رأى سنياً استحل دمه (3) .
وأشد من ذلك كله أن الحاكم العبيدي قد ادَّعى الألوهية، فأمر الناس أن يقوموا على أقدامهم صفوفاً إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه، إعظاماً لذكره، واحتراماً لاسمه، وقد فُعِل ذلك في سائر ممالكه، حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجداً له، حتى أنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم، ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره، ويسجدون للحاكم، حتى أن قوماً من الجهال إذا رأوه يقولون له: يا واحدنا يا واحدنا، يا محيي يا مميت.
وأمر السودان أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال، والمتاع، والحريم، فامتثلوا لأمره، وسبوا النساء، وفعلوا فيهن الفاحشة، والمنكرات، وأحرقوا ثلث مصر، ونهبوا نصفها (4) .
فما تقدَّم يعطي فكرة موجزة عن حالة المجتمع في عهد العبيديين، الذي هم أول من ابتدع الاحتفال بالموالد، وسبق وذكرت أن احتفالاتهم تلك ليست نابعة من محبة للرسول صلى الله عليه وسلم وآله؛ لأنَّ من بدر منه ما سبق ذكره آنفاً- وإن ادَّعى محبته- صلى الله عليه وسلم ومحبة آله، فليس صادقاً ولا يعقل أن يصدر منه ذلك.--------------------------------------------
(1) - القياسر: هي كالخان العظيم تغلق عليها أبواب حديد، وتطيف بها دكاكين وبيوت بعضها على بعض، وهي في الواقع مجموعة من المباني العامة على هيئة رواق، وبها حوانيت، ومصانع، ومخازن، وأحياناً مساكن. يراجع: تاريخ الدولة الفاطمية ص (620) . وقد ذكرها المقريزي في الخطط بشيء من التفصيل في (2/86-91) .
(2) - يراجع: الخطط المقريزي (2/341) .
(3) - يراجع: وفيات الأعيان (3/110) .
(4) - يراجع: البداية والنهاية (12/ 10، 11) ، والمنتظم (7/298) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
وإنما كان هدفهم الوحيد هو بلوغ أغراضهم السياسية، ونشر مذهبهم الإسماعيلي الباطني، واستمالة عامة الناس بإقامة الاحتفالات التي تتجلى فيها مظاهر الكرم، والهدايا النفسية من النقود، والجوائز للشعراء، وكتَّاب القصر، والعلماء، وكذلك الإحسان للفقراء، وإقامة الولائم. وكل هذه الأمور جديرة بأن تستميل كثيراً من الناس إلى اعتناق مذهبهم.
وبما أن نفقاتهم تلك على الاحتفالات والولائم كان القصد منها محاربة دين الله ورسوله، وإبعاد الناس عن العقيدة الصحيحة، والمنهج السليم، فقد ابتلاهم الله بالجوع ونقص الأموال والثمرات. فالبرغم من رخاء مصر، وعظم ثرائها، والأموال التي كانت تفيض بها خزائن العبيديين، والتي كانوا ينفقونها على ملذاتهم، وقصورهم، وبطانتهم الفاسدة، واحتفالاتهم وموالدهم البدعية، فقد حصل لأهل مصر من المجاعة ما تحدثت به كتب التاريخ، ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في (المنتظم) فقال في حوادث سنة 462هـ - وهي من سني خلافة المستنصر -:
(وفي ذي القعدة ورد من مصر والشام عدد كثير من رجال ونساء، هاربين من الجرف (1) والغلاء، وأخبروا أن مصر لم يبق بها كبير أحد من الجوع والموت، وأن الناس أكل بعضهم بعضاً، وظُهِرَ على رجل قد ذبح عدة من الصبيان والنساء وطبخ لحومهم وباعها، وحفر حفيرة دفن فيها رؤوسهم وأطرافهم، فقتل. وأكلت البهائم فلم يبق إلا ثلاثة أفراس لصاحب مصر - المستنصر -بعد ألوف من الكراع، وماتت الفيلة، وبيع الكلاب بخمسة دنانير، وأوقية (2) زيت بقيراط (3) ، واللوز والسكر بوزن الدراهم، والبضة بعشرة قراريط، والراوية من الماء بدينار لغسل الثياب، وخرج وزير صاحب مصر إلى السلطان، فنزل عن بغلته وما معه إلا غلام واحد لعدم ما يطعم--------------------------------------------
(1) - الجرف: الأخذ الكثير، وجرفت الشيء أجرفه أي: ذهبت به كله أو جله وقد جرفه الدهر أي: اجتاح ماله وأفقره. يراجع: لسان العرب (9/25، 26) .
(2) - الأوقية: زنة سبعة مثاقيل، وزنة أربعين درهماً، أو نصف سدس الرطل. يراجع: النهاية (5/217) ، باب الواو مع القاف. يراجع: لسان العرب (15/404) مادة (وقى) .
(3) - القيراط: جزء من أجزاء الدنيا، وهو نصف عشره في أكثر البلاد. وأهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين. يراجع: النهاية (4/42) ، يراجع: لسان العرب (7/375) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
الغلمان، فدخل، وشُغِل الركابي (1) عن البلغة لضعف قوته فأخذها ثلاثة أنفس ومضوا بها فذبحوها وأكلوها، فأنهى ذلك إلى صاحب مصر فتقدم بقتلهم وصلبهم، فصُلِبُوا، فلما كان من الغد وجدت عظامهم مرمية تحت خشبهم وقد أكلهم الناس، وباع رجل داراً بمصر كان ابتاعها بتسعمائة ديناراً فاشترى بها دون الكارة (2) من الدقيق) . ا. هـ (3) .
فخلاصة الكلام: أن العبيديين لما دخلوا مصر وأرادوا نشر مذهبهم الباطني، متخذين التشيع ستاراً يحجب أنظار الناس عن حقيقة دعوتهم، استعملوا في سبيل ذلك شتى الوسائل: فأغروا العامة ورعاع الناس بالهدايا والولائم والاحتفالات كأداة من أدوات نشر مذهبهم، وبالمقابل استعملوا القتل والسجن والأذى لمن عارضهم من أهل السنة المدركين لحقيقة دعوتهم. فعامة الناس كانوا متطلعين إلى هذه الاحتفالات البدعية لحاجتهم لما يُنْفق فيها من الأموال، ولرغبتهم في ترويح أنفسهم، والاستجابة لهواها. والخوف من السلطان ومن يعلم بدعية هذه الاحتفالات وغيرها من المحدثات لا يستطيع الإنكار لما ينتظره من القمع والتعذيب.
فكان مناخاً مناسباً لانتشار البدع، وتعويد الناس عليها، وتعليقهم بها، لما يعلموا من وراء ذلك من الترغيب والترهيب من السلطان الظالم.
بالإضافة إلى أنهم كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم -والله أعلم- بأنهم أدعياء على النسب الشريف، فظنُّوا- وتحقق ظنهم - أن إقامة الموالد للنبي صلى الله عليه وسلم وآله تثبت للناس صحة نسبهم وانتسابهم إلى آل البيت، فابتدعوا تلك الموالد وأنفقوا عليها الأموال الطائلة، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) - الركابي: نسبة إلى الركاب، والركاب: هو ما يركب من دابة. يراجع: لسان العرب (1/430) مادة (ركب) .
(2) - الكارة: هي من الثياب ما يجمع ويشد، وهي مقدار أو معلوم من الطعام يحمله الرجل على ظهره. يراجع: الإفصاح في فقه اللغة (2/722) .
(3) - يراجع: المنتظم (8/257، 258) . يراجع كذلك: وفيات الأعيان (5/230) ترجمة المستنصر، البداية والنهاية (12/107) ، واتعاظ الحنفا (1/279، 296- 299) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
المبحث الثالث
بعض الشبه التي عرضت للقائلين بهذه البدعة والجواب عنها.
لما أحدثت بدعة الاحتفال بالمولد النبوي في عهد العبيديين، وفشت وانتشرت بين الناس لوجود الفراغ الروحي والبدني معاً، وترك المسلمون الجهاد وتأصلت هذه البدعة في النفوس، وأصبحت جزءاً من عقيدة كثير من أهل الجهل، لم يجد بعض أهل العلم كالسيوطي رحمه الله بُدا من محاربة تبريرها بالبحث عن شبه يمكن أن يُستشهد بها على جواز بدعة المولد هذه، وذلك إرضاء للعامة والخاصة أيضاً من جهة، وتبريراً لرضى العلماء بها، وسكوتهم عن إنكارها لخوفهم من الحكام والعوام من جهة أخرى.
ومن هذه الشبه:
1- الشبهة الأولى:
قال اليسوطي- رحمه الله: (وقد استخرج له- أي المولد -إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر- العسقلاني- أصلاً من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانياً.... فقد سُئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر - العسقلاني - عن عمل المولد، فأجاب بما نصه:
(أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا. قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو: ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجَّى موسى، فنحن نصومه شكراً لله تعالى (1) ، فُيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء--------------------------------------------
(1) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (4/244) كتاب الصوم، حديث رقم (2004) . ورواه مسلم في صحيحه (2/796) كتاب الصيام، حديث رقم (1130) (128) وفيه: ((فصامه موسى شكراً لله)) بدلاً من: ((فنحن نصومه شكراً لله تعالى)) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة- عليه السلام في ذلك اليوم.
وعلى هذا، فينبغي أن يُتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى عليه السلام-في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قومٌ فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلق بأصل عمله … ) . ا. هـ (1) .
الجواب عن هذه الشبهة: من وجوه:
الوجه الأول:
أن ابن حجر-رحمه الله صرح في بداية جوابه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح، من القرون الثلاثة، وهذا كافٍ في ذمِّ الاحتفال بالمولد؛ إذا لو كان خيراً لسبق إليه الصحابة والتابعون، وأئمة العلم والهدى من بعدهم.
الوجه الثاني:
أن تخريج ابن حجر في فتواه عمل المولد على حديث صوم عاشوراء، لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه أول تلك الفتوى بأن ذلك العمل بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحاً؛ إذا لو كان صحيحاً لم يعزب عن فهم السلف الصالح، ويفهمه من بعدهم.
كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلاً عليه؛ إذا لو كان دليلاً عليه لعمل به السلف الصالح، فاستنباط ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي من حديث صوم يوم عاشوراء، مخالف لما أجمع عليه السلف، من ناحية فهمه، ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى.
وقد بسط الشاطبي رحمه الله الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه--------------------------------------------
(1) - يراجع: الحاوي (1/196) كتاب رقم (24) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
الموافقات في أصول الأحكام (1) .
الوجه الثالث:
أن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء، إنما هو من التكلُّف المردود؛ لأنَّ العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع (2) .
الوجه الرابع:
أن صيام يوم عاشوراء قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ورغب فيه، بخلاف الاحتفال بمولده، واتخاذه عيداً، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبين ذلك لأمته لأنَّهُ صلى الله عليه وسلم لا خير إلا وقد دلَّهم عليه، ورغَّبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذَّرهم منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه، وحذرهم منه.
قال صلى الله عليه وسلم: ((وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (3) .
قال صلى الله عليه وسلم: ((أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) (4) . (5) .
2- الشبهة الثانية:
قال السيوطي رحمه الله بعد ذكره تخريج ابن حجر عمل المولد على صوم يوم عاشوراء: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو: ما أخرجه البيهقي--------------------------------------------
(1) - يراجع: الموافقات (3/41-44) ، المسألة الثانية عشرة من كتاب: الأدلة الشرعية.
(2) - يراجع: الرد القوي ص (32) .
(3) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1/18) ، المقدمة. وفي سنده عبيد بن ميمون المدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (1/545) .
(4) - رواه أحمد في مسنده (3/310) ورواه مسلم في صحيحه (2/592) كتاب الجمعة، حديث (867) . ورواه النسائي في سننه (3/188، 189) كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة. ورواه ابن ماجه في سننه (1/17) المقدمة، حديث (45) .
(5) - يراجع: الرد القوي ص (32) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة (1) . مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فُيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريعاً لأمته، كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات، وإظهار المسرات (2) .
الجواب عن هذه الشبهة:
أن هذا الحديث لم يثبت عند أهل العلم:
أ-فقد قال عبد الرزاق في مصنفه:--------------------------------------------
(1) - رواه البيهقي في سننه (9/300) كتاب الضحايا، وقال: قال عبد الرزاق: إنما تركوا عبد الله بن محرر لحال هذا الحديث، وروي من وجه آخر عن أنس وليس بشيء.
(2) - يراجع: الحاوي (1/196) كتاب رقم (24) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
أنبأنا عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوة (1)
قال ابن قيم الجوزية بعد إيراده هذا الحديث وعزوه إلى عبد الرزاق في مصنفه قال عبد الرزاق: (إنَّما تركوا ابن محرر لهذا الحديث) (2) .
ب- وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أن هذا الحديث لا يثبت، ونسبه للبزار، وقال: قال البزار: تفرد به عبد الله - محرر - وهو ضعيف (3) .--------------------------------------------
(1) - رواه عبد الرزاق في مصنفه (4/329) حديث رقم (7960) .
(2) - يراجع: تحفة المودود ص (88) . ودكره ابن حجر في فتح الباري (9/595) .
(3) - يراجع: فتح الباري (9/595) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
جـ - قال النووي في المجموع شرح المهذب: وأما الحديث الذي ذكره في عق النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه فرواه البيهقي بإسناده عن عبد الله بن محرر- بالحاء المهملة، والراء المكررة -، عن قتادة، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة. وهذا حديث باطل، وعبد الله بن محرر ضعيف متفق على ضعفه، وقال الحفاظ: متروك. والله أعلم (1) .
د- قال الذهبي في ميزان الاعتدال- بعد أن ذكر ترجمة عبد الله بن المحرر، وكلام الحفاظ فيه، وأنه متروك، وليس بثقة - ومن بلاياه - عبد الله بن المحرر - روى عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعدما بُعِث (2) .
3- الشبهة الثالثة:
قال السيوطي: ثم رأيت إمام القرَّاء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال--------------------------------------------
(1) - يراجع: المجموع شرح المهذب (8/431، 432) .
(2) - يراجع: ميزان الاعتدال (2/500) ترجمة رقم (4591) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
في كتابه المسمى (عرف التعريف بالمولد الشريف) ما نصه:
(قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم، فقيل له ما حالك؟ فقال: في النار، إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه-وأن ذلك بإعتاقي لثويبة، عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر، الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحة ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم به، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم) . ا. هـ (1) .--------------------------------------------
(1) - يراجع: الحاوي (1/196، 197) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
الرد على هذه الشبهة:
أن هذا الخبر رواه البخاري مرسلاً في باب: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} (1) ، و ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) (2) من صحيحة، بعد أن ذكر الحديث بسنده عن عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله! انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: ((أو تحبين--------------------------------------------
(1) - سورة النساء: الآية23.
(2) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (5/253) كتاب الشهادات، حديث رقم (2645) ، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (2/1071) كتاب الرضاع، حديث رقم (1447) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)