وأدهى من ذلك وَأَمَرُّ ما يضعه بعض علماء السوء في كل جيل تقربًا إلى الطبقة الحاكمة، وكسبًا للحظوة عندها: كما صنع غياث بن إبراهيم النخَعي الكوفي، فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حَدِّثْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا سَبَقَ إِلَاّ فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ». فَأَمَرَ لَهُ المَهْدِيُّ بِبَدْرَةٍ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ: «أَشْهَدُ عَلَى قَفَاكَ أَنَّهُ قَفَا كَذَّابٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»، ثُمَّ أَمَرَ بِذَبْحِ الحَمَامِ، وَرَفَضَ مَا كَانَ فِيهِ (1).

وأحيانًا، يكون التعالم بين العامة سببًا في وضع الأحاديث، وذلك حين يظهر جاهل بزي العلماء، ويحرص على أن يظل في أعين العامة عالمًا يشار إليه بالبنان، فلا يستر جهله إلا كثرة وضعه للغرائب التي تخلب ألباب العامة في جميع الأجيال. روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: «صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ. فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَاصٌّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهَ خَلَقَ اللهُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ طَيْرًا مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجَانَ!» وَأَخَذَ فِي قِصَّتِهِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ وَرَقَةً! فَجَعَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْظُرُ إِلَى يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَجَعَلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَنْظُرُ إِلَى أَحْمَدَ. فَقَالَ لَهُ: «حَدَّثْتَهُ بِهَذَا!؟»--------------------------------------------
(1) " شرح النخبة ": ص 20، و" التدريب ": ص 103، و" التوضيح ": 2/ 76. وللحديث أصل في " السنن الأربعة " إلا أن أصحابها لم يذكروا «الجَنَاحَ». انظر " لقط الدرر ": ص 82.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)