وغير ذلك كثير لا نطيل به، فقد بلغ مبلغ التواتر المعنوي، فضلاً عن تواتر الحديث الأول بنفسه كَمَا بَيَّنَّا، نحيل القارئ للتوسع فيه إلى المراجع.
ج - إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ:
فقد تواتر عنهم العمل بخبر الواحد، حتى تركوا لأجله اجتهادهم. قال الإمام الغزالي في " المستصفى " (20): «تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ فِي وَقَائِعَ شَتَّى لَا تَنْحَصِرُ وَإِنْ لَمْ تَتَوَاتَرْ آحَادُهَا فَيَحْصُلُ العِلْمُ بِمَجْمُوعِهَا» أي أنها بمجموعها تبلغ درجة التواتر المعنوي، فتفيد بمجموعها العلم اليقيني القطعي.
وقال العَلَاّمَةُ المُحَقِّقُ محب الله بن عبد الشكور في كتابه "مُسَلَّم الثبوت" (21):
«ثَانِيًا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَفِيهِمْ عَلِيٌّ، بِدَلِيلِ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُمْ مِنَ الاِحْتِجَاجِ وَالعَمَلِ بِهِ فِي الوَقَائِعِ التِي لَا تُحْصَى مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَذَلِكَ يُوجِبُ العِلْمَ عَادَةً … ».
ومن أمثلة عمل الصحابة بخبر الواحد:
1 - عمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحديث عبد الرحمن بن عوف في قضية المجوس، وهم عبدة النار، حيث شهد عبد الرحمن بن عوف «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» يعني الجزية. فأخذ بذلك عمر. أخرجه " البخاري " وغيره (22).
2 - كذلك عمل عمر بن الخطاب في دية الجنين، كما رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ عُمَرَ نَاشَدَ النَّاسَ فِي الجَنِينِ فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [بِمِسْطَحٍ] فَقَتَلَتْهَا، وَجَنِينَهَا، «فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي [جَنِينِهَا] بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا». أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذي، وأخرجه ابن حِبَّان في " صحيحه " والحاكم في " المستدرك " (23)، وأصله في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة.
فقد عمل الصحابة بحديث الواحد ولم يختلفوا في الاحتجاج بأخبار الآحاد، حتى تم إجماعهم على العمل بموجبها كما في الحديثين اللذين ذكرناهما، مما يدل على استقرار قضية العمل بخبر الواحد الصحيح لديهم، وأنها قضية مسلمة عندهم إجماعاً.
إِشْكَالٌ عَلَى عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ:
اعترض المخالفون على ما ذكرنا ببعض ما ورد من تحري الصحابة وتثبتهم، فجعلوه اعتراضًا على دلائل إجماعهم على وجوب العمل بخبر الواحد، ولعل أشهر ذلك وأقواه هذان الحديثان:
1 - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِالمَدِينَةِ فِي مَجَالِسِ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ أَبُو مُوسَى فَزِعًا لَهُ، فَقَالُوا: مَا أَفْزَعَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرَ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنًا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا، فَلَمْ تَرُدُّوا عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ».
قَالَ: لِتَأْتِيَنِي عَلَى هَذَا بِالبَيِّنَةِ!.
فَقَالُوا: لَا يَقُومُ إِلَاّ أَصْغَرُ القَوْمِ، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ مَعَهُ فَشَهِدَ لَهُ.
فَقَالَ عُمَرُ لأَبِي مُوسَى: «إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم». أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (24).--------------------------------------------
(20) ج 1 ص 148.
(21) ج 2 ص 132 من نسخة " شرحه " مع " المستصفى ".
(22) " نصب الراية ": ج 3 ص 448.
(23) " نصب الراية " للزيلعي: ج 4 ص384.
(24) " فواتح الرحموت ": ج 2 ص133.
ج - إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ:
فقد تواتر عنهم العمل بخبر الواحد، حتى تركوا لأجله اجتهادهم. قال الإمام الغزالي في " المستصفى " (20): «تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ فِي وَقَائِعَ شَتَّى لَا تَنْحَصِرُ وَإِنْ لَمْ تَتَوَاتَرْ آحَادُهَا فَيَحْصُلُ العِلْمُ بِمَجْمُوعِهَا» أي أنها بمجموعها تبلغ درجة التواتر المعنوي، فتفيد بمجموعها العلم اليقيني القطعي.
وقال العَلَاّمَةُ المُحَقِّقُ محب الله بن عبد الشكور في كتابه "مُسَلَّم الثبوت" (21):
«ثَانِيًا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَفِيهِمْ عَلِيٌّ، بِدَلِيلِ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُمْ مِنَ الاِحْتِجَاجِ وَالعَمَلِ بِهِ فِي الوَقَائِعِ التِي لَا تُحْصَى مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَذَلِكَ يُوجِبُ العِلْمَ عَادَةً … ».
ومن أمثلة عمل الصحابة بخبر الواحد:
1 - عمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحديث عبد الرحمن بن عوف في قضية المجوس، وهم عبدة النار، حيث شهد عبد الرحمن بن عوف «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» يعني الجزية. فأخذ بذلك عمر. أخرجه " البخاري " وغيره (22).
2 - كذلك عمل عمر بن الخطاب في دية الجنين، كما رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ عُمَرَ نَاشَدَ النَّاسَ فِي الجَنِينِ فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [بِمِسْطَحٍ] فَقَتَلَتْهَا، وَجَنِينَهَا، «فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي [جَنِينِهَا] بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا». أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذي، وأخرجه ابن حِبَّان في " صحيحه " والحاكم في " المستدرك " (23)، وأصله في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة.
فقد عمل الصحابة بحديث الواحد ولم يختلفوا في الاحتجاج بأخبار الآحاد، حتى تم إجماعهم على العمل بموجبها كما في الحديثين اللذين ذكرناهما، مما يدل على استقرار قضية العمل بخبر الواحد الصحيح لديهم، وأنها قضية مسلمة عندهم إجماعاً.
إِشْكَالٌ عَلَى عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ:
اعترض المخالفون على ما ذكرنا ببعض ما ورد من تحري الصحابة وتثبتهم، فجعلوه اعتراضًا على دلائل إجماعهم على وجوب العمل بخبر الواحد، ولعل أشهر ذلك وأقواه هذان الحديثان:
1 - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِالمَدِينَةِ فِي مَجَالِسِ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ أَبُو مُوسَى فَزِعًا لَهُ، فَقَالُوا: مَا أَفْزَعَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرَ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنًا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا، فَلَمْ تَرُدُّوا عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ».
قَالَ: لِتَأْتِيَنِي عَلَى هَذَا بِالبَيِّنَةِ!.
فَقَالُوا: لَا يَقُومُ إِلَاّ أَصْغَرُ القَوْمِ، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ مَعَهُ فَشَهِدَ لَهُ.
فَقَالَ عُمَرُ لأَبِي مُوسَى: «إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم». أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (24).--------------------------------------------
(20) ج 1 ص 148.
(21) ج 2 ص 132 من نسخة " شرحه " مع " المستصفى ".
(22) " نصب الراية ": ج 3 ص 448.
(23) " نصب الراية " للزيلعي: ج 4 ص384.
(24) " فواتح الرحموت ": ج 2 ص133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)