وسيأتي معنا في الرسالة الثانية «ماذا يعني تطبيق الشريعة الإسلامية في المذهب المالكي» نقل نصوص عديدة عن المالكية في إلزام الحاكم بجمع الزكاة إن شاء الله.
أول من بدل الزكاة الشرعية بضريبة الترتيب.
وَقَفَ خَلْف إبدال الزكاة بالضريبة دول غربية على رأسها فرنسا وإنجلترا، بل تم التنصيص في المادة 11و 12 من اتفاقية مؤتمر مدريد سنة 1297هـ/1880م على إحداث ضريبة الترتيب (1).
وفي 30 مارس 1881 تم إقرار القانون المنظم لضريبة الترتيب تنفيذا لمقررات مؤتمر مدريد (2). لكنه لم يأت بديلا للزكاة والأعشار الشرعية. وهذا يشبه ما كان يفرض من المكوس سابقا.
وبعض المصادر (3) تذكر أن الوزير عبد الكريم بن سليمان الإسلامي أحد عملاء الاستعمار (4) هو الذي ابتدع هذه الضريبة على إثر سفارة قام بها لفرنسا وموسكو في عهد السلطان المولى الحسن الأول، أي: بإيعاز منهم.--------------------------------------------
(1) المغرب والاستعمار (63) والمخزن والضريبة والاستعمار (187). ضم هذا المؤتمر الدول التالية: فرنسا، ألمانيا، النمسا، المجر، بلجيكا، الدانمارك، إسبانيا، إنجلترا، إيطاليا، هولندا، البرتغال، السويد، الولايات المتحدة الإمريكية.
(2) المخزن والضريبة والاستعمار (189).
(3) فواصل الجمان (94 - وما بعدها). نقلا عن الوطنية في النثر المغربي الحديث (28) والمخزن والضريبة والاستعمار (248).
(4) الذي أخرجه المغاربة من قبره بعد دفنه ثم قطعوا رأسه وعلقوها، ثم تركوا أشلاءه للكلاب. التاريخ السياسي (6/ 107 - 224).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
وتذكر مصادر أخرى (1) أن وزير الحرب المنبهي تعهد للإنجليز بوضع الترتيب، وكان هذا من بين الشروط التي لم تفصح عنها اتفاقية المنبهي مع انجلترا يوم الجمعة 11 ربيع الأول 1319هـ/28 يونيو 1901م (2).
وبالفعل تم إنشاء ضريبة الترتيب بإشارة الإنجليز كما قال المؤرخ المشرفي (3).
فأصدر ظهيرا بذلك بتاريخ 10 جمادى 2 عام 1319هـ/ شتنبر 1901م (4).
ولقد لقي هذا الإجراء معارضة العلماء، بل أهم موجبات خلع السلطان عبد العزيز من قبل علماء مراكش وفاس هو إسقاط الأحكام الشرعية كتغيير الزكاة بالترتيب وإحداث البنك المؤدي للربا، واستسلاف الأموال العظيمة وصرفها في غير مصالحها وعقد الاتفاقيات المضرة بمصالح البلاد.--------------------------------------------
(1) الحلل البهية (2/ 250) والمخزن والضريبة والاستعمار (246 - 247) نقلا عن بوعشرين في التنبيه المعرب (67) والحجوي في انتحار المغرب الأقصى بيد ثواره (8).
(2) الحلل البهية (2/ 250).
(3) نفس المرجع (2/ 260).
تولى المولى عبد العزيز سنة 1311/ 1894 وعنده من العمر 11 سنة، ويوم أقر الترتيب كان عمره 18 سنة.
(4) التاريخ السياسي (6/ 107). ونص الظهير في ص 124 منه، وفي مظاهر يقظة المغرب (2/ 85) والحلل البهية (2/ 260) والمخزن والضريبة والاستعمار (251 - 252). وانظر تاريخ المغرب في القرن العشرين (46).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
هكذا جاء في الرسم المؤرخ بـ 28 ذو القعدة 1326هـ/2 يناير 1908م (1).
وفي جواب للعلامة السباعي ذكر من أسباب خلع بيعته (2) تعطيل ركن الزكاة وهي التهمة التي استوجبت عنده الكفر (3).--------------------------------------------
(1) الحركة الحفيظية (220) نقلا عن غنية الإنجاد في مسائل الجهاد لعبد الهادي المكناسي. الحسنية 12313. وهكذا في فتوى علماء فاس بذلك، كما سيأتي.
وقد عرف تاريخ المالكية نماذج عديدة لقيام العلماء ضد الحاكم في ثورة شعبية أو ما أشبهها:
منها: قيام علماء مراكش وفاس على السلطان عبد العزيز التي نتحدث عنها هنا.
ومنها: قيام مجموعة من علماء فاس منهم محمد بن إبراهيم الدكالي وأبو بكر المنجرة وغيرهم بخلع السلطان المولى سليمان لعجز السلطان عن تنفيذ الأحكام. المغرب قبل الاستعمار (321).
ومنها: قيام ثورة عام 1291هـ/1874م ضد السلطان الحسن الأول بسبب رفضه إسقاط المكوس. وذلك بتحريض وإفتاء من جماعة من العلماء المغاربة منهم: أحمد بن الطالب بن سودة المري، وعبد الله بن إدريس البدراوي الحسني، وعبد الواحد بن المواز السليماني الحسني. مظاهر يقظة المغرب (1/ 382 - 383).
ومنها: قيام 72 من العلماء والصلحاء على الحكم بن هشام منهم يحيى بن يحيى بن كثير المالكي الذي دارت عليه الفتوى بالأندلس وعيسى بن دينار ويحيى بن مضر القيسي اليحصبي. ترتيب المدارك (3/ 126 - 127 - 392) وتاريخ ابن الفرضي (429 - 432).
ومنها: قيام مظاهرات عديدة في سنة 1931 ضد الظهير البربري بقيادة جماعة من العلماء والسياسيين منهم محمد بن الحسن الوزاني ومحمد علال الفاسي وعبد الواحد الفاسي الفهري وإبراهيم بن أحمد الكتاني. إتحاف المطالع (2/ 457).
(2) خلع المولى عبد العزيز يوم الجمعة سادس رجب عام 1325 بناء على فتوى علماء مراكش، وأعلن خلعه بفاس يوم 12 ذو القعدة عام 1325. الإتحاف (1/ 518).
(3) نفس المصدر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ولهذا كان من شروط البيعة الحفيظية: رفع المكوس (1).
جاء في وثيقة بيعة أهل مراكش لعبد الحفيظ أن من أسباب خلع عبد العزيز ترك جمع الزكاة وتعويضها بالضرائب، ونص ما جاء فيها: كيف ومن ذلك ما علم بالضرورة أن الصلاة والزكاة شقيقتان قرينتان، أو هما للدين بمنزلة الرأس من الجسد، وهما قواعد الدين وأساسه المعتمد، ومن فرق بينهما كفر بالكتاب والسنة وخرق الإجماع بدون خلاف ولا نزاع، وحيث توافق المتولون على نبذ الزكاة لفظا ومعنى وحكما، وبدلوا ذلك بقانون الكفرة من ضوابطهم وتسميتهم المشتهرة، أليس هذا من سلوكهم الكفر الصراح الذي السكوت عنه لا يحل ولا يباح (2).
فلله دركم يا علماء مراكش.
«فقد أعلنوا مخالفتها لتعاليم القرآن، ورفضها الشعب المغربي بقوة واعتبرها وسيلة غير شرعية لابتزاز المزيد من الأموال التي ينفقها السلطان بسخاء في اللهو واللعب والتسلية» (3).--------------------------------------------
(1) نفس المصدر (1/ 524) ومظاهر يقظة المغرب (2/ 352).
وانظر نص بيعة أهل فاس للمولى عبد الحفيظ. الإتحاف (1/ 520) ومظاهر يقظة المغرب (2/ 349).
ونص بيعة أهل مراكش له. مظاهر يقظة المغرب (2/ 354).
(2) مظاهر يقظة المغرب (2/ 356).
(3) الوطنية في النثر المغربي الحديث (29 - 30) بتصرف يسير جدا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وقد استنكر محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي (1) الحسني الفاسي ت 1334هـ/1916م الترتيب واعتبره مخالفا للشريعة وجعله من سوء تدبير القائمين بأمر الدولة، وبيَّن سماحة الشريعة في الزكاة والتيسير على الناس بخلاف ضريبة الترتيب (2).
وزاد: «ومن كانت هذه حالته تيقن بسقوط بيته سريعا، وهم يزعمون أن في ذلك إصلاحا لبيت المال وللمسلمين، ومن لم تصلحه السنة لا أصلحه الله. وانظر لمن كان يقتصر على ما أوجبته السنة على الرعية من الخلفاء وملوك الإسلام بعدهم، كيف كان حالهم وانتصارهم على عدوهم، واتساع مملكتهم وعزمهم الشامخ وفتوحاتهم المتعددة وتخليد ذكرهم في الصالحات، وفوزهم في الدارين، مع حال من لم يقتصر على الواجب شرعا المبيح للمكوس، يتبع الرخص والتحيلات والاعتذارات الواهية. ولا يخفى على أهل العلم ما أوجبه الشرع على المسلمين، مما تعمر به بيت مالهم من الزكاة والفيء والركاز وإرث من لا عاصب له» (3).
ونقل نصا جيدا من جامع المعيار -وهو فيه (11/ 127 - فما بعدها) - عن القاضي أبي عمر بن منظور في عدم جواز ما عدا ما أوجبه القرآن والسنة كالزكاة والفيء والركاز وإرث من لا وارث له، إلا للضرورة بشروط ذكرها.--------------------------------------------
(1) في مظاهر يقظة المغرب (2/ 393) سماه المشرقي وجعل وفاته سنة 1337/ 1919. والصواب ما ذكرت.
(2) الحلل البهية (2/ 264).
(3) نفس المرجع (2/ 264).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
ونقل عن بعض أصحابه قصيدة في إنكار الترتيب ومحرضا على الدفاع وحماية بيضة الإسلام (1).
منها قوله:
ألا أيها الإسلام أهل المحبة … وإخواننا في الدين شرقا وقبلة
لقد ضاع هذا الدين أين أهيله … وحق لنا التغريد في كل بلدة
نرى الروم جاروا ثم نحن في غفلة … سكوتا نحاكي وصفنا كالبهيمة
أيا علماء الدين قوموا بوصفكم … وقولوا بقول الحق واخشوا من لعنة
أيا شرفاء الحل والعقد أنتم … حماة لهذا الدين من غير مرية
في أي كتاب جاءنا حل ترتيب … وترك زكاة بينوا وجه شبهة
دعائم هذا الدين صارت إلى ورا … ونحن سكارى في هوى وبلية
قوانين دين الكفر حلت بغربنا … فأين ولاة الأمر من خير نسبة
أما فيكم من ينصر دين ربنا … فناصره يحظى بنور وسطوة
أخفتم من الموت الذي يطلب الفتى … كلا إنه آت بوفق المشيئة
أخفتم به نقصا لدنياكم التي … بخلتم بها فالعذر أقبح زلة
دعوني من الخذلان وارعوا سؤالكم … إذا الناس في الحشر المهول وشدة
أليس صلاح الناس بالعالم الذي … يقول مقال الله من غير لومة
وبعده وال للأمور بعلمه … مشاور فيها مرة بعد مرة
وألا يكونا بالصفات فدعهما … فضرهما يسري وقل بقريحة
ألا أيها الإسلام صدقوا ربكم … بوعده في قتل العدو وجنة--------------------------------------------
(1) نفس المرجع (2/ 266 - 267).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
فشمروا ياأهل الصحاري لثأركم … وقوموا بساق الجد المنية
وسارعوا للخيرات كيما تحوزها … فان رجال العز بين الأسنة
ولا تسمعوا قول الرعاع بغربنا … فليس لهم في الحرب بأس وشدة
لأنهم باعوه ثم تقهقروا … وصاروا حيارى ماسكين بعمية
ووسدوا أمرهم إلى غير أهله … وحكموا كل قاسط في الولاية
وشاوروا في الأمر المهم عدونا … ولا يخفى ما أبدى لنا من مكيدة
ألا أيها الحبر الكريم سلالة … وقاضي قضاة العدل من خير نصرة
فحرض جموع المسلمين وسلهم … وعظهم بما في الذكر أي وآية
وخير مقول العبد قول إلهنا … ولا تحسبن يا خبيرا بحكمة
وفي الخبر المروي من سن سنة … فأجر له فيها ليوم القيامة
ألا أيها الشيخ المهذب نسبة … وحائز سبق الفضل من آل رتبة
بلغت بفضل الله للخير كله … وكنت بهذا الجمع كاشف كربة
فيا معشر الشجعان قوموا بحقه … وسددوا فيما بينكم بالسوية
وشاوروا ذا رأي وصالح وقتنا … فإن لهم سرا مصونا وغيرة
فيا رب وفقهم وسدد عقولهم … وضاعف لهم أجرا كثيرا في جنة
ووفق جميع المسلمين لرشدهم … وعنهم على أعدائنا بني صفرة
بحرمة خير الخلق طه محمد … وآله والأصحاب أولي السماحة
عليه صلاة الله ثم سلامه … بعد النبات والحصى مع رملة
فهذا مقالي للأحبة كلهم … ولولا نيران القلب ما خضت لجة
وأحمد ربي الله ثم عليكم … سلامي بِعَدِّ الزائرين لطيبة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وطلب يوسف بن تاشفين من أهل البلاد المغربية والأندلسية المعاونة بشيء من المال على ما هو بصدده من الجهاد وكتب إلى قاضي المرية أبي عبد الله محمد بن يحيى عرف بابن البراء يأمره بفرض معونة المرية ويرسل بها إليه فامتنع محمد بن يحيى من فرضها وكتب إليه يخبره بأنه لا يجوز له ذلك فأجابه أمير المسلمين بأن القضاة عندي والفقهاء قد أباحوا فرضها وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد فرضها في زمانه فراجعه القاضي عن ذلك بكتاب يقول فيه: فقد بلغني ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك، وأن أبا الوليد الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوه بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اقتضاها، فالقضاة والفقهاء إلى النار دون زبانية. فإن كان عمر اقتضاها فقد كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيره وضجيعه في قبره، ولا يشك في عدله، وليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بوزيره ولا بضجيعه في قبره، ولا ممن لا يشك في عدله. فإن كان القضاة والفقهاء أنزلوك منزلته في العدل فالله تعالى سائلهم وحسيبهم عن تقلدهم فيك. وما اقتضاها عمر رضي الله عنه حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر من كان معه من الصحابة رضي الله عنهم وحلف أن ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم واحد ينفقه عليهم. فليدخل أمير المسلمين المسجد الجامع بحضرة من هناك من أهل العلم وليحلف أن ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم ينفقه عليهم. وحينئذ تجب معونته، والله تعالى على ذلك كله. والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. فلما بلغ كتابه إلى أمير المسلمين وعظه الله بقوله ولم يعد عليه في ذلك قولا، والأعمال بالنيات (1).--------------------------------------------
(1) الاستقصا (2/ 59 - طبعة دار الكتاب).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
ومما أخذه عبد الحي الكتاني على عبد العزيز تبديله لأحكام الشرع، وتبديله قاعدة من قواعد الدين الخمسة، وهي الزكاة بالترتيب، مع إجماع الأمة على كفر من غيّر شيئا من معالم الدين وغير ذلك (1).
وبعد إقرار الضريبة دخل المغرب في أخطر أزمة مالية في تاريخه كانت السبب المباشر في الهيمنة الغربية عليه تمهيدا لاستعماره. فاقترض السلطان عبد العزيز في سنة 1903 مبلغ 22.5 مليون فرنك فرنسي من فرنسا وانجلترا واسبانيا، ليعود سنة 1904 ليقترض مبلغ 62.5 مليون فرنك، ليغرق البلاد في أزمة كبيرة (2).
وغالب هذه الأموال كانت لتلبية حاجات السلطان المراهق من الألعاب والمبتكرات العصرية.
وقد كان السلطان عبد العزيز يخالط الانجليز مخالطة مريبة، وكانوا يقيمون سهرات لهو معه تصاحبها أشياء أخرى مريبة، وكان العامة أساؤوا به الظن كثيرا، فكثر بذلك القيل والقال، وظن الناس به الظنون، وحكى العبيد والخدمة المطلعين على تلك الأحوال بما يوجب النفور منه، حسبما أفاد المشرفي وهو مؤرخ رسمي (3).--------------------------------------------
(1) مفاكهة ذوي النبل والإجادة (23) طبعة حجرية 1326/ 1908 العامة. نقلا عن الوطنية في النثر المغربي (97).
(2) المغرب والاستعمار (78).
(3) الحلل البهية (2/ 271). … =
= … كان السلطان عبد العزيز في بداية حكمه طفلا تستهويه الألعاب واللهو، التي كان يقضي فيها جل وقته. وقد حكى صديقه ومؤنسه غابرييل فير في كتابه في صحبة السلطان- المغرب (1901 - 1905) من ذلك أشياء كثيرة وغريبة.
وكان السلطان قد اتخذ بطانة سوء يستشيرهم. وخاصة الداهية الإنجليزي ماك لين (69) حتى أنه كان يستدعيه في ساعة متأخرة من الليل لاستشارته (75).
وقد عمل ماك لين على تسلية السلطان. (74) وجلب خمسة إنجليز آخرين لمساعدته في مهمته العسكرية بتدريب قوات المخزن (77).
وكان الصحفي والتربارتون هاريس من مخبري المفوضية الأوربية (78) هو الذي أشار على السلطان بإحداث ضريبة عامة على المواطنين، فاستحسنها السلطان (80).
كل هذا والمغرب يمر بأكبر أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية، ويتربص به الطامعون من كل جانب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
تطبيق الحدود الشرعية في عهد الدولة العلوية.
ظلت الدول التي تعاقبت على المغرب حريصة على تطبيق الشريعة ومن ضمن ذلك الحدود الشرعية، بل إن بعض الحكام مثل يعقوب المنصور (ت 595هـ) كان يقيم الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين كما أقامها في سائر الناس أجمعين فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات، كما قال الناصري في الاستقصا (2/ 199).
وكتب الخليفة عبد المومن الموحدي إلى أهل بجاية يوصيهم بإقامة الحدود (1).
وهذا ما دأبت عليه الدولة العلوية الحاكمة في المغرب إلى ما قبل الحماية ودخول الاستعمار الذي نحى الشريعة جانبا وحرص على بناء المنظومة القانونية المغربية بما يوافق قوانينه ومشروعه، وكانت الإقامة العامة -نظرا لانفرادها--------------------------------------------
(1) حضارة الموحدين للمنوني (125).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
بالسلطة التشريعية- قامت بإملاء ظهائر على السلطان الذي لم يكن يجد بدا من التوقيع (1).
وتدل كافة المصادر التاريخية أن السلاطين العلويين كانوا حريصين كل الحرص على تطبيق الحدود الشرعية التي يسخر منها العلمانيون في كل وقت وحين ويصفونها بالوحشية والعنف والتطرف (2).
فهذا المولى الرشيد المؤسس الثاني للدولة العلوية الذي تولى سنة 1076هـ حرص على إقامة الحدود على الزناة وشاربي الخمر (3).
ووصفه ابن زيدان بقوله: شديد الشكيمة على من عصاه أو هتك حرمة من حرم الله، يتولى القصاص وإقامة الحدود الشرعية بنفسه من غير أن تأخذه رأفة ولا رحمة في دين الله (4).
وفي ظهير للسلطان محمد بن عبد الله نص على أن من يشتغل بالفساد مثل السرقة أو غيرها من الفواحش يعاقب بالحدود الشرعية (5).
وقال: ومن ثبت عليه حد من حدود الله شرعا يطالعنا به لنأمر بإنفاذ حكم الله فيه (6).--------------------------------------------
(1) المغرب والاستعمار (117).
(2) كما فصلت ذلك في الكتاب الثاني: العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام. وقد طبع في المكتبة الإسلامية في مصر.
(3) الحسبة (32).
(4) الإتحاف (3/ 41).
(5) الإتحاف (3/ 236).
(6) الإتحاف (3/ 260).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وكانت الحدود تقام على عهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام (1).
وفي الحلل البهية (2/ 82) أن المولى عبد الرحمن كان قائما بحد الشريعة على البغاة.
وكتب السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام إلى ولده محمد سنة 1271هـ في شأن رجل مسلم قتله فرنسيون، وفيه الأمر بالقصاص من قاتله، وفيه: فليسلك معهم مسلك الشرع (2).
وكتب ظهيرا قرئ في المساجد والأسواق في إقامة الحدود الشرعية في الزنا والسرقة والقتل وأن من تركها (أي: الحدود الشرعية) مارق من الدين (3).
وفيه: ومن وجب عليه حد من حدود الله يرفع أمره إلينا لنأمر بإنفاذ حكم الله فيه، ولا يقال فسد الزمان وقلّ أهل الدين وفُقِد الناصر، فإن من قام لله وجد الله قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور} [الحج40] (4).
وأصدر ظهيرا للقائد المهدي الشرادي بإقامة رسوم الدين وإحياء السنة ومعاقبة تاركي الصلاة مؤرخ في 16 رمضان 1252هـ.--------------------------------------------
(1) الإتحاف (5/ 22).
(2) الإتحاف (5/ 108).
(3) الإتحاف (5/ 112).
(4) الإتحاف (5/ 115).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
وظهيرا آخر للقائد العربي بن علي السعيدي مؤرخ في 15 رمضان عام 1252هـ (1).
وهذه صورة الظهير الأصلي (2):--------------------------------------------
(1) الإتحاف (5/ 121 - 122).
(2) الإتحاف (5/ 121).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وفي سنة 1305هـ كتب السلطان الحسن الأول لخليفة فاس ما فعله ببعض البغاة وأنه أقام فيهم حد الحرابة الشرعي، ونقل نصوص المالكية في ذلك عن مالك وابن القاسم وأشهب وابن المواز وابن عرفة (1).
وذكر المشرفي في الحلل البهية (2/ 180) أن المولى الحسن لم يقم حدا من الحدود الشرعية في الجنايات والسرقة بسبب أنه لم يثبت عنده وقوع تلك الجنايات ثبوتا شرعيا.
فلم يتركها زهدا فيها أو تجاوزا لها لقوانين أخرى، وإنما لأنه لم يثبت عنده ثبوتا شرعيا وقوعها من أصحابها، ولو ثبت عنده ذلك لأقامه.
وأنكر السلطان العلوي محمد بن عبد الله رحمه الله التساهل في الزنا بالقبض والذعيرة وقال: وذلك من المنكر الذي لا يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، لأنه خرق للشريعة وإبطال لأحكام القرآن، وقد قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً}. وقال سبحانه: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} هذا في البكر، وأما الثيب فالرجم.
وزاد: ومنها التساهل في أمر السرقة والاكتفاء برجوعها وزجر السارق، وهذا مخالف للشرع، مبطل لحكمه الذي هو القطع، قال الله سبحانه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (2).
ثم ذكر التساهل في القتل وأن الواجب هو حكم الشرع: بالقصاص من القاتل.--------------------------------------------
(1) الإتحاف (2/ 302 - 303).
(2) الإتحاف (3/ 260).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
فهذا رد واضح من هذا السلطان العلوي رحمه الله على إبدال الحدود الشرعية بالقوانين الوضعية.
وتضمنت بيعة المولى عبد الحفيظ اشتراط: تطبيق الحدود الشرعية (1).
ولما خرج محمد بن المولى إسماعيل السلطان على أبيه وكان أبوه يحبه حبا شديدا ويفضله على باقي إخوته، لكنه كان عالما متضلعا في علوم الشريعة، فلما ظفر به أقام عليه الحد الشرعي يوم 4 ربيع الأول عام 1118. فقطع يده ورجله من خلاف، كما قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة33.
قال ابن زيدان معلقا: وفي إقامة هذا السلطان الجليل المقدار الحد الشرعي على فلذة كبده وعضده وساعده دلالة واضحة في وقوفه لدى حَدِّ ما حَدَّه الشرع الأقدس، لا يراعي في ذلك قاصيا ولا دانيا (2).
وهكذا فعل الوزير أحمد بن موسى لما جمع القضاة والعلماء لما قبض على بعض الثائرين حكموا عليه بما حكم به الشرع في المحاربين، وذلك في سنة 1313هـ (3).
بل حتى الخلاف بين الأجانب والمسلمين كان يحكم فيه بحكم الشريعة، كما ورد في اتفاق صلح بين السلطان محمد بن عبد الله ولويس 15 في ذي الحجة--------------------------------------------
(1) الإتحاف (1/ 522).
(2) الإتحاف (4/ 82).
(3) الإتحاف (1/ 452).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
عام 1180 الموافق 28 ماي عام 1767. وفيه الشرط الثالث عشر: إذا ضرب فرنصيصي (1) مسلما فلا يحكم فيه إلا بعد إحضار القونصو (2) ليجيب ويدافع عنه، وبعد ذلك ينفذ فيه الحكم بالشرع (3).
الخمر.
كان الخمر ممنوعا خلال تاريخ المغرب، ولم يرخص لغير اليهود والنصارى بيعه وشربه، كما سأذكر قريبا عند حديثي عن الجزية، وقد يقع شربه من بعض المسلمين لكنه في حدود ضيقة جدا، ولم يجرؤ أحد أن يجاهر بذلك، وكذا لم يعرف أن الدولة المغربية أعطت ترخيصا لمسلم لبيع الخمر إلا بعد مجيء الاستعمار.
في سنة (447هـ) دخل عبد الله بن ياسين سجلماسة فغيَّر ما وجد بها من المنكرات وقطع المزامير وآلة اللهو وأحرق الدور التي كانت تباع بها الخمور وأزال المكوس وأسقط المغارم المخزنية ومَحَا ما أوجب الكتابُ والسنة مَحْوَهُ (4).
وكتب الخليفة عبد المومن الموحدي إلى عامله ببجاية يوصيه بإتلاف الخمور وقطع دابر أهلها (5).--------------------------------------------
(1) أي: فرنسي.
(2) أي: القنصل.
(3) الإتحاف (3/ 317).
(4) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (2/ 13).
(5) حضارة الموحدين للمنوني (126).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وقال الناصري في الاستقصا (3/ 166): وكان المنصور (أي: السلطان الموحدي) يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر، وقتل العمال الذين تشكوهم الرعايا … وكان يعاقب على ترك الصلوات، ويأمر بالنداء في الأسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها أو اشتغل بمعيشته عزره تعزيرا بليغا.
وكان الفقيه أبو الحسن الزرويلي المعروف بالصُّغَير صاحب التقييد على المدونة المتوفى سنة (719هـ) قد شدد على أهل الفسوق والمناكر فسيق إليه ذات يوم أندلسي وهو سكران فأمر العدول فاستروحوه واشتموا منه رائحة الخمر وأدوا شهادتهم على ذلك فأمضى القاضي حكم الله فيه وجلده الحد (1).
وجعل أبو العباس القرطبي في المفهم (12/ 89) من أسباب خلع الحاكم ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين كترك إقامة الحدود أو إباحة المحرمات كشرب الخمر، والزنى قال: قوله: «على المرء المسلم السَّمع والطاعة». ظاهر في وجوب السمع والطّاعة للأئمة، والأمراء، والقضاة. ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية. فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولاً واحدًا، ثم إن كانت تلك المعصية كفرًا: وَجَبَ خَلْعُه على المسلمين كلهم. وكذلك: لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين. كإقام الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومَنَع من ذلك. وكذلك لو أباح شرب الخمر، والزنى، ولم يمنع منهما، لا يختلف في وجوب خَلْعِهِ.--------------------------------------------
(1) الاستقصا (3/ 102).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
وسيأتي معنا في المبحث الثاني «ماذا يعني تطبيق الشريعة؟» مزيد تفصيل لهذا.
ولا يفهم من كلامي هذا أنني أدعو إلى خلع الحاكم، أو الخروج عليه بطرق غير شرعية أو نحو ذلك. ولكنني في صدد بيان رأي المالكية في هذه النوازل وحكاية أقوالهم التي يدين المغاربة بها منذ عصور.
وهذا ظهير للمولى الحسن الأول بتاريخ 1304هـ في التحذير من الخمر وإقامة الحد على شاربها. أسوقه لمن يغضون الطرف عن الخمارات والنوادي الليلية والمراكز التجارية (مرجان وكارفور ونحوها) في بلد إسلامي ينص دستوره على أن دين الدولة الإسلام.
ونصه بعد الحمدلة والصلاة والطابع:
(خديمنا الأرضى القائد محمد بن سعيد السلوى، وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد: فقد بلغ لعلمنا الشريف ما استفز به اللعين رعاع المسلمين، واستهواهم بغوايته وضلاله المبين، وارتمى بهم الحال إلى أن صاروا يشربون الخمر جهارا، ويعربدون في الشوارع وهم صرعى أطوارا، من غير مراقبة من حرمها في صدر الإسلام، وأوعد من يقتحم شربها بأليم العقاب، وفوق إليهم السهام.
فعن مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبرا عن ذي الجلال، من شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من طينة الخبال، وهي ما يسيل من جلود أهل النار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
فاعتبروا يا أولي الأبصار، على أن المخالفة باقتحام عقبات المحرمات، موجبة لسخط الله ومجلبة للآفات. {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11] فيما يأتونه أو يذرونه، وقد ذم الله تعالى بني إسرائيل بما جعله بيانا لما اقترفوه. فقال: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة:79]. ويكفيك في الإيعاد كونها ـ أي الخمرـ من الخمس عشرة خصلة التي إذا فعلتها هذه الأمة حل بها الخسف أو المسخ أو غيرهما من أنواع البلاء، واستأصلتهم يد الخلاء والجلاء، بنص قوله سبحانه في كتابه المبين: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف:145].
وعليه فنأمرك تزجر من عثرت عليه من المسلمين معربدا، أو وجدته صريعا واللعين عليه مستحوذا، بأن تجلده ثمانين، وتودعه السجن حتى تتحقق توبته ويخلص من شؤم سمة المجانين، ويتدرع شعار المسلمين: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222] كما نأمرك أن تجعل عهدة من أخرج شيئا من الملاح على البوابين. وتتوعدهم عن ذلك إن غضوا الطرف عنه أو قبضوا عليه الرشا من المبتلين، وتزجر من المسلمين من عاد إلى مخالطة أهل الذمة في شيء من ذلك في الحين أو بعد حين، فإن ذلك مثلبة في الدين:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على … حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
إلا ما يتعاطاه أهل الذمة فيما بينهم فلا يتعرض لهم، لكونه مستحلهم في دينهم، وأعطوا العهد عليه، نعم يعزرون إن أظهروا السكر في غير محلهم جريا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
على مقتضيات الشريعة المطهرة في ذلك، والله ولي التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق، والسلام. 9 رجب الفرد الحرام عام 1304هـ (1).
وهذه صورة الظهير المذكور (2):--------------------------------------------
(1) الإتحاف (5/ 132 - 133).
(2) الإتحاف (5/ 134).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)