ويوضح لنا سيد القمني في هذه الفقرة أنه لا دليل على صدق الإسلام، وبالتالي فلا يجوز استثناء شيء من النقد، قال: إن شرط العلمانية هو السماح بالنقد الموضوعي دون حدود ولا سقوف حمراء، لذلك أفهم أن تكون مسلما أو مسيحيا وأن تكون أيضا علمانيا، أي أنك لا تفرض دينك على غيرك، وتقبل نقد دينك لأنه لا دليل على صدقه. لذلك لا نصدقه إنما نؤمن به، والفرق عظيم في آليات الموقفين. فكل دين يزعم المؤمنون به أنه الصدق المطلق، وهو ما يعني عدم الصدق بالمرة، لتناقض الأديان تناقضا تاما والمصدر واحد إذا سلمنا بالإيمان. انتكاسة القمني، عفوا انتكاسة المسلمين (315).
وزاد في انتكاسته (315): إن من يزعم العلمانية وينزعج من نقد دينه هو منافق يرتد عند أول ناصية ويبيعنا جميعا عند أول موقف.
وكل العقائد والمسلمات هي تحت مطرقة نقد العلمانيين، فأركون مثلا يهدف إلى إعادة التفكير الجذري بالرؤيا الأخلاقية والسياسة في الإسلام عن طريق وضع القيم العقائدية والإيمانية التكرارية على محك التاريخ وجعلها إشكالية ( Problematique) لا مطلقة أو نهائية تتجاوز التاريخ. ويتأسف على عدم ظهور هذا المشروع الكبير الواسع في العالم الإسلامي (1).
وأكد على مشروعه حول ما سماه تحرير الفكر الإسلامي من سياجاته العقائدية الخاصة به (2).
وكيف سيتم ذلك؟ أجاب أركون على الفور: لا يمكن أن ينجح ما دامت--------------------------------------------
(1) الإسلام الأخلاق والسياسة (17).
(2) الأنسنة والإسلام (34).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
الأطر والأسس التاريخية القصصية للإيمان غير مهدمة، كما هدمت أسس الإيمان المسيحي منذ القرن الثامن عشر (1).
وبعبارة أكثر صراحة حسب أركون: تهدف العلمانية إلى بناء مجتمع بدون إله، كما عبر «جيل فيري» (2).
وفي كتاب آخر له يقول أركون: وهكذا نلمح تلك الاستمرارية المحزنة إن لم تكن المحبطة للآمال والتي ارتكبتها الأديان عن طريق تشكيل امبراطوريات مرتكزة على الكيل بمكيالين (3).
واتهم الأديان بالتعصب وأنها أقوى من المحبة والتسامح والإخاء. وأنها تتميز بالنظرة الاحتقارية للآخر وأنها فعلت مجازر في حق الأقليات (4). إلى آخر كلامه.
وفي كتاب آخر له اسمه «العلمنة والدين» (72) بين أركون أن العلمانية تحذف كليا الموقف الديني وتعتبره شيئا قديما باليا.
لكن عند أركون فالعلمانية لا تهمل الدين كعامل مؤثر في الدراسة لا لصدقه في نفسه، يقول عن العلمانية: وهي تحاول أن تعيد دمج العامل الديني في الدراسة وليس استبعاده وإهماله. قلت العامل الديني وليس الأديان أو العقائد بحد ذاتها أو بمضامينها التفصيلية (81).
بمعنى أن العامل الديني مُعطى أثر في الظاهرة الإنسانية فلا يهمل كعامل--------------------------------------------
(1) نفس المرجع
(2) نفس المرجع (61).
(3) نحو نقد العقل الإسلامي (178).
(4) نفس المرجع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
مؤثر في الدراسات التاريخية والسوسيولوجية، وليس لأن له قيمة في حد ذاته، أي: هو مادة للدراسة العلمية كما قال مترجمه وظله هاشم صالح (109).
فالدين مادة للدراسة لا شرع يُتبع ويتدين به وليست له أية قيمة معيارية.
وفي كتاب ثالث «الإسلام الأخلاق والسياسة» تحدث أركون عن الحاجة والضرورة الملحة لإعادة التفكير بتراث الإسلام بدءا من أسسه وجذوره (171).
وفي كتاب رابع يرى أركون أنه لا بد من النقد التاريخي الصارم الذي لا هوادة فيه لكل المنظومة الإسلامية، وأنه لا بد من الحل الجذري الراديكالي أي: المتطرف، كما بين مترجمه وتلميذه هاشم صالح. نحو نقد العقل الإسلامي (12 - 19).
وزاد مجنون أركون: وذلك لأن الفلسفة العقلانية التنويرية الحديثة (أي: العلمانية) تخترق كل الأديان والمذاهب وتتعالى عليها (14).
فالعلمانية فوق الأديان وتتعالى عليها كما قال هاشم صالح. الذي تساءل في كتابه الإسلام والانغلاق اللاهوتي (30): لماذا لا يحق لنا أن ننقد الدين ونصول ونجول في كل القضايا الدينية من دون أن يزعجك أحد.
ويطمئننا هاشم صالح أن علمانيته لا تريد بتفكيك الدين عملا سلبيا ولا تخريبيا، بل هو عمل إبداعي خلاق لا يمكن لأي ثقافة أن تنهض بدونه (43).
هكذا بهذه الكلمات الثعلبية المعسولة يخاطب عواطفنا لعل تمائمنا تستسلم لسحره، ويزيد مضغضغا تلك العواطف مبينا أنه لا يريد تدمير الإسلام، وإنما من أجل التوصل إلى فهم عقلاني حر لدين الإسلام (44).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
يقصد فهما عقلانيا يتم فيه تجاوز وإقصاء كل المفاهيم الدينية ذات البنية الغيبية: الله، الملائكة، الجن، إبليس، الجنة، والنار … إلخ، وتجاوز كل التشريعات الإسلامية المختلفة تحريم الربا والميسر والخنزير وإيجاب الحجاب والحدود وغير ذلك. لأن كل هذه العقائد والتشريعات كانت استجابة لظروف تجاوز التطور الطبيعي للعقل البشري لها.
وفي مقابل طعن أركون في القرآن والسنة وعلوم الإسلام دافع أركون عن عقائد منحرفة عديدة عن الدين، بل عدها العلماء خارج إطار الإسلام، فقال عن البهائية والإسماعيلية: إنها حققت مكانة عالمية محترمة بفضل جهود الآغاخان وانفتاحه الإنساني المعروف (1).
وقال عن رجال الكنيسة: وهكذا تغير وجهها من رجعي ظلامي ومحاكم تفتيش إلى تقدمي عقلاني مستنير نسبيا (2).
بعد أن سردنا ما يكفي من النصوص العلمانية المؤكدة على ضرورة نقد الإسلام نقدا لا هوداة فيه كما قال هاشم صالح نخصص الفقرات التالية لذكر نماذج موثقة لهذا النقد، بل النقض والطعن والسخرية والاستهزاء بالدين وأحكامه، عسى أن نبين لعصيد أن (عصيدته) طعمها مُر حنظل لا يستساغ إلا من أمثاله.--------------------------------------------
(1) نحو نقد العقل الاسلامي (323).
(2) نفس المرجع (324).
ودافع كذلك من العلمانيين عن التبشير المسيحي: العفيف الأخضر اعتبر أن صدور قانون يمنع التبشير في الجزائر وفي المغرب يمثل انتهاكا مرفوضا لحرية التدين المقدسة. الحوار المتمدن العدد: - 2006/ 3
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
نقض أصول الإسلام وطعن في الدين:
نبدأ هذه الفقرات بعلماني قمامي من الدرجة الممتازة، حيث اعتبر سيد القمامة القمني أن سبب نكبتنا وتخلفنا هو رجوعنا واعتمادنا على كتاب واحد (أي: القرآن) أو كتابان (أي القرآن والسنة). شكرا ابن لادن (159).
وصرح اللعين أن عجز الإسلام كمشروع ومعه النبي والقرآن والبخاري وجبريل والملائكة ورب الأكوان والمؤمنون في المشارق والمغارب عن إقامة دولته المنشودة عبر تجربة ألف وأربعمائة عام. شكرا ابن لادن (159).
وعرَّى عاشق القمامة عن سوأته مباشرة وبغير حياء ولا خجل، وأكد أن المشكلة ليست في الخطاب الديني كما مر في (عصيدة) عصيد وغيره، بل في الدين نفسه.
وهذه عبارته بحروفها: هذا رغم أن المشكلة في الخطاب الديني لا يمكن ألا تكون إلا بمشكلة أعظم في الدين نفسه. خاصة أن في تكوين الإسلام مفردات تكوينية يتفرد بها عن معظم الأديان الأخرى، كانت سببا مباشرا في احتواء الدين على كثير من التناقضات الداخلية، سواء في المفاهيم أو في الأحكام … شكرا ابن لادن (160).
وصرح أن كتابه أهل الدين والديمقراطية مع الوطن والتاريخ والجغرافيا وليس مع وطن هلامي اسمه الإسلام (9).
وأنه رد وتفنيد لكثير من المسلمات ونقد للثوابت وخروج عن الخطوط الحمراء (9).
وقال: وسنفرض وجودنا وشروطنا على خريطة مستقبل سنشارك في رسمه وتخطيطه بأيدينا، ولن يرسمه لنا بعد ذلك أحد كان في الأرض كان أو في السماء (10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وللقمني طعون أخرى في الإسلام وأحكامه وتشريعاته ستأتي معنا في هذا الفصل قريبا وفي الفصول التالية عبر تسلسلها وتتابعها. علما أن القمني يلجأ أحيانا للمناورة، فقد كثرت عليه الضغوط والتحدي من قبل المسلمين في بلاده، فأعلن الشهادتين في التلفزيون المصري، كما ذكر في كتابه انتكاسة المسلمين (316).
وزاد أن بعض العلمانيين أخذوا عليه هذه التصريحات الإيمانية، بل حاربوه في موقع الحوار المتمدن. لكنه سارع إلى طمأنتهم وتبديد مخاوفهم (1) فقال: ومن ثم تتغير مواقفي أحيانا بدرجة أو بأخرى حسب طبيعة الضغوط ونوع المعركة، فأمارس أحيانا التقية المشهورة لديهم لأتقي شرهم، وأحيانا آخذ خطوة إلى الخلف لآخذ بعدها خطوتين إلى الأمام (315).
هذه الكلمات تلخص في نظري استراتيجية العلمانيين العرب في موقفهم من الدين.
ولقد أحسن صديق القمني نادر قريط العلماني في «محنتي مع سيد القمني» حيث قال: القمني كما أراه الآن تحول من مفكر إلى مفكر بأمره، ومن صاحب مشروع إلى سجال بدون موضوع (2).
وقال: لغة سجال القمني ليست أكاديمية كثيفة دالة، ترضي المثقف اللماح، ولا ميسرة أنيقة تبهر الذواق، إنها للأسف لغة عربية متثائبة تتحرك ببطء على إيقاع سيارات وسط البلد في القاهرة، وتنفث عوادمها في وجوه الناس، ولا تصل إلى--------------------------------------------
(1) كما قال تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} البقرة 14.
(2) انتكاسة المسلمين (307).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
مبتغاها إلا بشق الأنفس (1).
لنتابع حديثنا وننتقل لعلماني آخر اسمه عزيز العظمة، قال: وليس الدين والتراث أفيونا للشعوب لأنه مخدر لها بأفكار أخروية ووعود سماوية فحسب، بل أيضا وأساسا لأنه اغتصاب للواقع وتغييب للآن (2).
واعتبر أن ما سماه «منطق تاريخي أدبي» كفيل بإيصالنا اليوم إلى نقض أساطير القرآن والحديث والتراث بعمومه (3).
فالدين أفيون للشعوب ومخدر واغتصاب للواقع وتغييب للحاضر وأساطير.
فما رأي أحمد عصيد في كل هذا؟
لنتابع مع عزيز العظمة، قال عن الله سبحانه: والذي يرد كل ما يلتحق به مباشرة إلى اللاشكل واللامعنى والفوضى التامة (74).
وقال عن ما يتفرع عن فكرة الألوهية التي تشكل الإسلام: يولد مواضيع خاصة ذات مرتبة أدنى: من لاهوت متجمد مهووس وتشريع شعائري غير متميز مهووس وتشريع شعائري غير متميز نموذجيا عن اللاهوت وعن العبادات عامة (74).
وقال: أضحى الإسلام وأضحت رموزه فولكلورا يعتاش في ثنايا المجتمع المدني (59).
يؤكد العظمة على ضرورة قطع أيّ اتصال مع التراث، بل يرى أن التواصل العضوي مع الماضي أو ماتبقى منه سر وهن الحاضر (13).--------------------------------------------
(1) انتكاسة المسلمين (312).
(2) التراث بين السلطان والتاريخ (25).
(3) نفس المرجع (31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
بل يرى أن مفهوم الأصالة الذي ينادي بعضهم به مستعار من مجال العشائرية ومجال تربية البهائم (13).
والأصالة عنده تعني إلغاء التاريخ، بل والمجتمع (14).
والواجب هو تجاوز ما يسمى أصالة.
واعتبر أن القول بأن الأمة ذات هوية قومية وكينونة ذاتية مستقلة استبدادي المآل أسطوري المحتوى في اعتماده على التراث والإرادة (15).
فحسب العظمة لا ينبغي التمسك بهوية الأمة، أو اعتبار الإسلام هويتها، فكلها عقائد بالية يجب تجاوزها بل يدعو العظمة إلى قطيعة تامة مع الدين، فهو ينتقد العلمانيين الذي يحاولون العمل من داخل التراث أو الربط بين الأصالة والمعاصرة كالجابري وحسن حنفي، ولو كان في هذا الربط طبعا إفراغ للأصالة (التراث) من محتواها. (18 - 19 - 20). واعتبر هو أنه إما الأصالة وإما المعاصرة ولا واسطة بينهما، وسمى أصحاب هذا الاتجاه بالمنهج التلفيقي (21).
أما أركون فينهج سياسة تدريجية في نقد الدين، مع أن المتتبع لكتبه يقتنع بما لا يدع مجالا للشك أن الرجل ملحد لا يؤمن بدين أصلا، لكنه يراوغ في الكلام ولا يفصح، ولهذا فهو ينصح بعدم مهاجمة العقائد الدينية مباشرة إلا بعد التمهيد الطويل وتحضير الأذهان والعقول لاستقبال الدين الجديد، قال: لا ينبغي أن نفكك هذه العقائد وتلك اليقينيات إلا أن نكون قد قمنا بعمل تمهيدي طويل يحضر الأذهان والعقول لاستقبال الفكر الحديث عن الدين. نحو نقد العقل الإسلامي (315).
فالمشكلة عنده ليست في نقد العقائد من أجل تجاوزها، وإنما في التدرج للوصول لهذا الهدف.
ولهذا فهو يتحفظ في كلامه كثيرا ويغلف أفكاره الأساسية بالكثير من أساليب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
الحذر والاحتياط (1)، واعتبر أنه نظرا للضغوط التي تلاحقه فهو مضطر لممارسة الرقابة الذاتية على نفسه وعلى كتاباته لتقديم تنازلات عن خطه النقدي. قضايا في نقد العقل الديني (25).
واستمر في حديث طويل (من 22 إلى 32) عن معاناته مع الغرب ومفكريه وعلمائه، وكيف أنهم لا يقبلون منه إلا الكفر الصريح والإلحاد الصريح عوض اللف والدوران.
وليست العقائد الإسلامية هي التي تستحق الاحترام، وإنما مشكلة التواصل من أجل نشر أفكاره هي التي تحتم عليه الحذر والاحتياط في اختيار العبارات المناسبة، قال: وأعترف بأني أنا شخصيا أمارس الرقابة الذاتية على نفسي. وذلك في كتاباتي ومحاضراتي ليس من أجل حماية قناعاتي الشخصية أو إخفائها، وإنما من أجل الحفاظ على خيط التواصل مع الآخرين (2).
واعتبر أن لحظة الغربلة النهائية وإقامة الحساب الختامي التاريخي والمحصلة النهائية للأديان التوحيدية لم تحن بعد (3).
وأنا أقرأ في هذه المراوغات قوة الإسلام التي لا تقاوم، فإن له جبروتا عظيما حتى على أعدائه والحاقدين عليه ومن يريد كسر قوته وإضعاف شوكته تحت ستار النقد التاريخي.
ولما أصدر أركون كتابه من أجل نقد العقل الإسلامي بالفرنسية سنة--------------------------------------------
(1) قضايا في نقد العقل الديني (313).
(2) نفس المرجع (58).
(3) نحو نقد العقل الإسلامي (2
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
1984، وترجمه إلى العربية سنة 1986 غيَّر اسمه: إلى تاريخية الفكر العربي الإسلامي.
قال المعجب به وبفكره علي حرب في نقد النص (61): وقد عمد أركون إلى هذا التغيير تخفيفا لوطأة المصطلح النقدي على القارئ المسلم الذي لا يتقبل عقله بعد نقد ما يندرج تحت اسم الإسلام من الصفات والمحمولات.
ثم بين حرب أن خشية أركون هذه قد زالت بعد فأصدر كتيبا باسم: من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي.
وليس هذا خاصا بأركون فأغلب العلمانيين يحاولون انتقاء الألفاظ المناسبة لعدم إثارة المشاعر الإسلامية، ولكي لا يفتضحوا من أول وهلة.
لكن الحقيقة مهما حاولنا حجبها والتستر عليها فهي واضحة بين الأسطر، وأحيانا في داخل الأسطر نفسها، كما هو واضح من خلال هذا الكتاب.
الإسلام عند أركون سلسلة من التلاعبات والاستخدامات الاستغلالية.
قال: ونحن نعلم أن كلمة إسلام هي كليا وبدون أيّ تردد أو حصر عبارة عن سلسلة من التركيبات المصطنعة والتلاعبات والاستخدامات الاستغلالية التي يقوم بها البشر (الإنسان) بصفتهم فاعلين حاسمين وشبه حصريين للتاريخ الأرضي المحسوس (1).
فالإسلام عنده ليس إلا تلاعبات للفاعلين، أي: اختراع بشري محض.
والله في نظره في حاجة بذاته إلى شهادة الإنسان له (2).--------------------------------------------
(1) نحو نقد العقل الإسلامي (214).
(2) الإسلام الأمس والغد (183).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
والإسلام متعصب ويحتكر الحقيقة.
قال أركون: ثم يزداد الطين بلة فيما يخص الإسلام، فهو يزيد إلى هذه العاهة المشتركة مع الدينين الآخرين، أقصد عاهة التعصب واحتكار الحقيقة الإلهية المطلقة، عاهة أخرى إذ يرفض مناهج ونتائج علوم الإنسان والمجتمع بحجة أنها ولدت في الغرب ومن أجل الغرب فقط … ثم إن الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك في نسيان العقل والتشكيك به ثم رفضه في نهاية المطاف (1).
واعتبر أن مفهوم الإسلام في قوقعة انغلاقية، هي مدعاة الإشكال وسوء الفهم، ولذلك حاول هو أن يزيل عنه طابع التناقض والغموض الشديد الذي يلفه ويحيط به، كما قال (2).
وقال في صدد حديثه عما تعانيه الشعوب العربية والإسلامية من مآس: … واجترار مقدس متفكك ومدنس بألف طريقة وطريقة في نفس اللحظة (3). يقصد الإسلام.
وأكد أن هدفه في أبحاثه هو نزع الأسطرة عن الأديان التوحيدية الغارقة في ضباب التقديس الأسطوري بسبب قدمها وغوصها في أعماق الزمن السحيق (4).
وبسبب مواقف أركون هذه وغيرها كثير مما سنقرأه في هذا الكتاب كان الطلبة المسلمون في السربون وغيره يرفضون أفكاره في نقد الدين، كما صرح--------------------------------------------
(1) نحو نقد العقل الإسلامي (252).
(2) نحو نقد العقل الإسلامي (250).
(3) نفس المرجع (242).
(4) نفس المرجع (317).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
بنفسه (1)، بل بعضهم كانوا يخرجون من قاعة المحاضرات في الجامعة احتجاجا على ما سماه هو نقدا تاريخيا للدين، وحكى أنه كان كثيرا ما يهاجم مباشرة ويشتم في بعض المحاضرات العامة (2).
وزاد أركون أنه إلى جانب ما تعرض له في الأوساط الإسلامية، فقد تعرض للإعراض واللامبالاة في الأوساط العلمانية العربية والغربية (3).
وهكذا لم يجن أركون من نقده للإسلام إلا الحسرة والندم، فالأوساط الإسلامية لفظته ورفضته، كما صرح بنفسه، والأوساط الغربية لم تهتم به ولم تعبأ به. كما تقدم في الكتاب الأول.
وهي طبعا لم تفعل ذلك اعتباطا، بل لأسباب عقلانية وجيهة في نظرها: إما لأن أبحاثه لا ترقى إلى مستوى البحث الأكاديمي الجيد في نظرها.
وإما أن هذه الأبحاث لا تقدم شيئا سوى جعجعة من غير طحن.
فمع أنه ركع للغرب وانبطح إلى الأرض مُقبِّلا أعتابه إلا أنه همشه ولم يعترف به.
وذلك جزاء من يجعل القرآن تحت مطرقة نقده، عوض أن يكرس جهوده لنقد الغرب وفكره وفلسفته، وبالأخص فرنسا التي دفعتها هذه الفلسفة إلى استعمار بلده الجزائر وقتل أبناء وطنه واستغلال خيراته، ولا تزال إلى الآن تتحكم في مصائره وتغذي الطغم الفاسدة فيه.
وليت منهج النقد التاريخي الذي عاش حياته من أجله قاده إلى إدراك أنه لا--------------------------------------------
(1) نفس المرجع (343).
(2) نفس المرجع (3
(3) نحو نقد العقل الإسلامي (252).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
يعدو هو نفسه أن يكون من مخلفات الاستعمار الفكرية، وأنه ليس أكثر من جندي مجند خلف السياسة التغريبية المحاربة لحضارته وإرثه الثقافي والديني. {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} البقرة120.
وأغلب العلمانيين يتهمون الإسلام بالتعصب والعنف، وقد تقدم كلام أركون، وكذا فعل علي حرب قال: إن الإسلام في حد ذاته يؤول إلى التعصب والضيق والإلغاء والإرهاب (1).
وعند الشرفي ليس الإسلام فقط، وإنما جميع الأديان تشترك في عدم التسامح والركون إلى العنف (2).
وسيأتي معنا كلام القمني وآخرين.
أما العلماني السوري طيب تيزيني فهو أحد أكثر العلمانيين الماركسيين تطرفا، ولنترك تركي علي الربيعو يشرح لنا حقيقة الدين عند طيب تيزيني، قال: حيث يظهر لنا مشروع الدكتور تيزيني أن الدين في النهاية هو نسق معرفي بسيط، لنقل لعبة معرفية جاء بها كبار الكهنة، وهذا ما حذر منه ماركس (3). والدين وهم إيديولوجي كبير ابتدعه كبار الكهنة (4). والدين في المفهوم الماركسي العربي انعكاس لعلاقات اجتماعية اقتصادية إنتاجية (5)، وهو تعبير حي عن علاقات طبقية (6).
ومن بني بلده علماني آخر ذو أصل شيعي، لكنه ملحد لا يؤمن بدين ويهاجم--------------------------------------------
(1) الممنوع والممتنع (178).
(2) الإسلام والحرية (194).
(3) أزمة الخطاب التقدمي العربي (86).
(4) نفس المرجع (91).
(5) نفس المرجع (87 - 91).
(6) نفس المرجع (87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
جميع الأديان ويسخر منها في كل تعليقاته على كتب أركون، وكذا في كتبه التي ألف. قال معلقا على كتاب أركون نحو نقد العقل الإسلامي (6) بعد تأكيده على ضرورة إجراء عملية جراحية خطيرة للإسلام كي يوافق الحداثة.
قال عن المسلمين: وصلوا إلى مفترق طرق: فإما أن ينخرطوا في هذه العملية الجراحية الخطيرة الضرورية لمصالحة الإسلام مع الحداثة، وإما أن يستسلموا للمقادير وينقطعوا عن حركة التاريخ كليا في عصر العولمة الكونية ويصبحوا مهمشين ومرميين في مؤخرة كل الأمم.
ومقصوده بالعملية الجراحية الخطيرة طبعا تطويع أحكام الإسلام لترضى عنها العلمانية الغربية أو بالأحرى بترها والبراءة منها وجعلها شيئا من الماضي فقط تدرس تاريخيا ومعرفيا كما تدرس باقي الثقافات.
وتأمل كيف يستعمل لغة دينية لا يؤمن بها: يستسلموا للمقادير.
مع أن الذي يستحق البتر والقطع هو علمانيته الغربية.
وزاد مجنون أركون فكرته الإستئصالية وضوحا وتأكيدا فقال (6): لو لم تخض أوروبا معركتها مع نفسها، لو لم تُصَفِّ حساباتها مع ذاتها التاريخية- أي: مع تراثها المسيحي القديم بكل رواسبه- لما استطاعت أن تقلع حضاريا وأن تسيطر على العالم.
هنا يكون هاشم صالح واضحا وصريحا، إنها تصفية حسابات مع الإسلام، الذي يخيف أوروبا وفي طليعتها عملاؤها وروادها العرب.
وزاد (7 - 6) فأكد أن الوعي الإسلامي وصل إلى درجة خطيرة من التفاقم حتى ظهر للأمة المهدي والمنقذ من الضلال محمد أركون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وأركون وحده عند هاشم صالح من يستطيع فعل ذلك، بل حتى الجابري في نظره لا يملك التكوين المنهجي ولا العدة المفهومية والمصطلحية للقيام بذلك (7).
وهكذا فلتكن عبادة الأشخاص.
يرفض هاشم صالح أن يُحكَم بالإسلام وفقهه، قال في الإسلام والانغلاق اللاهوتي (44): نحن لسنا محكومين بالماضي وقيمه ومعاييره إلى أبد الآبدين، إذا كان الماضي محكوما بفقه القرون الوسطى وتقسيم الناس إلى مؤمنين وكفار بحسب أماكن ولادتهم وغصبا عنهم، فإنا نرفضه.
وبيَّن أن الهدف هو الإطاحة بكل العقائد الدوغمائية التي تفرض نفسها عن طريق الهيبة الفوقية للنصوص التراثية أو لرجال الدين لا عن طريق المحاجة والإقناع (44).
يجب تفكيك كل العقائد والثوابت الإسلامية والإطاحة بها.
هكذا يقول هاشم صالح قال: هذا ما فككه ديكارت وأطاح به، يمكن أن نقول الشيء ذاته عن العقائد اللاهوتية الإسلامية التي لم تتعرض لأي تفكيك حتى الآن والتي تفرض نفسها كحقائق مطلقة لا تقبل النقاش. الإسلام والانغلاق اللاهوتي (45).
وزاد: هناك ركام هائل من اليقينيات المطلقة المعصومة التي تنتظر أن تفكك ويطاح بها، نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر: كل التصورات المثالية العذبة ولكن اللاتاريخية التي يحملها عامة المسلمين عن بدايات الإسلام الأولى وعن كيفية تشكل المصحف وكتب الحديث والسيرة النبوية وشخصيات الأئمة والصحابة والسلف والتابعين وتابعي التابعين .. إلخ إن كل هذا ينبغي أن يغربل غربلة شديدة على ضوء منهج الشك الديكارتي أو المنهجية التاريخية النقدية التي طبقت على التراث المسيحي من قبل، وأثبتت فعاليتها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وأدت إلى تحرير الوعي المسيحي الأوروبي من كل تلك التصورات التبجيلية والأسطورية الموروثة عن العصور القديمة (45).
فكل الدين بجميع أصوله وفروعه وعلومه ورجاله يجب تفكيكه من أجل تجاوزه كما فعل الغرب مع مسيحيته.
واعتبر أنه لا فرق بين المذاهب، بل والأديان، وزاد: فالمنظور القروسطي الظلامي للدين يهيمن على كل فرق السنة والشيعة دونما استثناء: التخويف من النار وعذاب القبر ومنكر ونكير وكره الحياة الدنيا والشعور بالإثم والخطيئة والذنب وكل الرعب الذي يلف الدين موجود لدى كل الطوائف والمذاهب، نحن جميعا غاطسون في غياهب العصور الوسطى (22).
بل الدين كله مرعب، قال: إن التدين القروسطي مرعب فعلا، وقد تربيت عليه منذ نعومة أظفاري، قارن بينه وبين التدين المسيحي في أوروبا، هذا التدين المبتسم المتفائل الحر الخالي من كل الإكراهات القمعية والصور الإرهابية التي لا يمكن أن يعلموها للأطفال (24).
ومواقف هاشم صالح هذه تنم عن كونه يعاني أزمة نفسية أكثر من موقف فكري تحرري.
وقد تحدث عن هذه الأزمة في مستهل كتابه هذا، حيث تحدث عن الرعب والخوف الذي انتابه وهو صغير من تربية والده وتحدث عن الكوابيس بسبب ملك الموت ومنكر ونكير وأفكار الخوف والرعب التي لقنها له والده الشيعي، بل هاجم والده مهاجمة شديد وتحدث عن «موقفه اللامسؤول الذي لا أستطيع أن أغفره له مهما حاولت»، هكذا قال: (22 - 23 - 24 - 26).
وقال قبل هذا: وكنت طفلا صغيرا تملؤه هذه الحكايات (منكر ونكير)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
بالوسواس والرعب واليقين المطلق بصحتها في ذات الوقت، وكنت أتساؤل متحيرا: كيف يمكن أن يستجوبناني وأنا في القبر تحت الأرض، ألا تكفيني ملاحقات في حياتي حتى ألاحق بعد موتي؟ وهل سأنتقل من كابوس إلى كابوس؟ وما هذا التدين المظلم البائس؟ وكنت أشعر برعب لا يوصف، وحتى الاسم منكر ونكير أرعبني فعلا، وحتى عزرائيل كنت أخاف منه خوفا شديدا بعد أن وصفوه لي (23).
إذن المسألة أزمة نفسية حادة نتيجة تربية منحرفة أكثر منها قناعة فكرية، ويزيدها قوله بعد أن حكى قصة حكاها له والده أن رجلا دفن وهو حي بعد أن ظنوا أنه ميت، فاستيقظ في القبر محاولا رفع التراب فوقه. وقال: هذه القصة الكابوسية انغرست في ذهني إلى درجة أنني لا أستطيع التخلص منها حتى الآن، إنها تشكل أكبر رعب في حياتي (23).
الرجل مكانه مستشفى الأمراض النفسية، فيريحنا ويريح نفسه.
والدين في نظره رمز للقتل والإبادة، فزعم أن الفلسفة ما قتلت شخصا واحدا في حين قتل الملايين باسم الاهوت الديني. (356)
هكذا بكل صفاقة وجه!! ومن قتل ملايين المسلمين والغجر والسلاف في سيبيريا وألبانيا؟ أليست الفلسفة الماركسية، وباسم من قتل النازيون الملايين والفرنسيون في البلدان المستعمرة؟
ولا يَقِل صادق جلال العظيم في التطرف عمن سبقه، فعنده: الإسلام يتعارض مع العلم ومع المعرفة العلمية قلبا وقالبا، روحا ونصا. وهما على طرفي نقيض (1)--------------------------------------------
(1) نقد الفكر الديني (15).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
و «الدين بديل خيالي عن العلم» (1).
وجعل الإسلام الإيديولوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي (2).
والإسلام المصدر الرئيس لتبرير الأنظمة الرجعية وأنه مؤهل لأن يلعب هذا الدور، وقد لعبه في جميع العصور بنجاح (3).
تجاوز الدين والمفاهيم الدينية وإقصاؤها.
قال أركون مبينا موقف العلمانية من الدين: أما الموقف العلماني فيتميز بإحداث القطيعة الجذرية مع كل ما يشرط الموقف الديني ويتحكم به. وهو يفترض - متسرعا- أن فرضية الله أو وجود الله ليست ضرورية من أجل العيش، وبالتالي فالوحي يشكل بالنسبة له ظاهرة أو معطى، مثله في ذلك مثل أيّ معطى آخر، ويمكننا أن ندرسه كمؤرخين وكعلماء اجتماع. ولكن لا يمكننا التقيد به وقبول ما يدعوه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور: بالاختيار المُسْتَعْبَد، المقصود بهذا المصطلح خضوع العقل لمعطى خارجي عليه، إن الموقف العلماني يذهب في توجهه حتى هذه النقطة … وإذن فيوجد بالفعل هنا قطيعة أساسية وجذرية مع الوحي أو معطى الوحي، لكي ينتقل المرء إلى تحقيق الاستقلالية الكلية للعقل. العلمنة والدين (71 - 72).
وهذا كلام في غاية الوضوح أن مراد العلمانية إهمال الدين ومفاهيمه كالله ونحوه من المفاهيم الدينية وإحداث قطيعة نهائية معها.
ويزيد أركون هذا المعنى وضوحا في كتاب آخر له عن الأنسنة والإسلام (160):--------------------------------------------
(1) نفس المرجع (17).
(2) نفس المرجع (16).
(3) نفس المرجع (17).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
إن السلوك الأنسني (1) الذي أدافع عنه في كتابي هذا لا يهدف إلى إصلاح ما هو داخل في إطار الانغلاق العقائدي فحسب، بل إلى الخروج من هذا الإطار بالمعنى الذي يقصده مارسيل جوشيه وغيره من المفكرين كجياني فاتيمو عندما يتحدثون عن الخروج من الدين أو عن مسيحية غير دينية.
وهذا كلام واضح كذلك، ويزيده تأكيدا قوله في نفس الكتاب (144): ذلك لأن المواضيع المطروحة في هذا الكتاب وخاصة في هذا الفصل تهدف إلى فتح الطرق وإلى اقتراح أدوات تفكير تقود إلى الخروج نهائيا وبغير رجعة من التكراريات العقائدية والمنتجات الفكرية للعصور الوسطى.
وتحدث قبل هذا (71) عن فهم الخلاص ومعايشته، وتحدث عن ما بعد الغيبية، وما بعد اللاهوت، بل تحدث عن ما بعد الإسلام وإسلام غير ديني.
مراده بما بعد الغيبية نهاية الغيبية، وما بعد الإسلام: نهاية الإسلام.
وإسلام غير ديني يقصد إسلام يتحدث عن بعض الروحانيات وبعض الأخلاق الفاضلة التي ترضى عنها العلمانية، لا إسلام طقوسي شعائري كما يعبر أركون في بعض كتبه.
وإذا كان مشروع أركون وكذا غيره من العلمانيين يهدف إلى تجاوز الدين، فلابد عنده من تطبيق العمليات التفكيكية التالية: الانتهاك، فالزحزحة، فالتجاوز والتخطي.
قال: هذه العمليات ينبغي تطبيقها بالطبع على التراث الديني (2).
وقال:--------------------------------------------
(1) أي: العلماني. والأنسنة هي العلمانية نسبة إلى الإنسان. إذ مرجع العلمانية هو العقل الإنساني فحسب، وتبعد كل ما هو خارج عنه كالغيب والماورائيات التي هي عمدة الدين.
(2) نحو نقد العقل الإسلامي (321).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
نحن نهدف من خلال هذه الدراسة كلها إلى زحزحة مفهوم الوحي وتجاوزه (1).
بهذا الوضوح رغم الرقابة الذاتية التي يمارس على نفسه على حد تعبيره السابق لكي لا يثير حفيظة الجماهير المسلمة.
بل ذهب أركون إلى وجوب تخطي الحوار بين الأديان وبين الثقافات إلى تجاوز هذه الأديان نفسها، قال: ينبغي الانطلاق من الحوار بين الأديان وبين الثقافات أو من تحالف الحضارات بصفته أسطورة معاصرة، لكي نصل إلى تجاوز كل المواريث أو التراتاث العتيقة البالية التي عفى عليها الزمن من أجل الإعلاء من شأن التراث العام المشترك للبشرية (2).
فحوار الأديان أو الحضارات أسطورة في نظر أركون، بل المطلوب هو تجاوز هذه الأديان من أجل ما سماه التراث العام المشترك للبشرية.
أي: سيقوم بعملية دمج بين الأديان الثلاثة، واستخراج دين مشترك ترضى عنه العلمانية يدعو المساواة والعدل وحقوق الإنسان، قال: وبما أن اليهودية هي السابقة زمنيا فإنها تصبح عندئذ مرجعية إجبارية بالنسبة للمسيحية والإسلام (3).
إذن فقاعدة الأديان هي اليهودية فهي المرجع لباقي الأديان.
ولا يعني هذا الاعتراف بشرعية أيّ دين، فمشروعه يهدف إلى أرخنة الأصول الأولى للأديان التوحيدية، أي: الكشف عن تاريخيتها أو المغطاة بستار كثيف من--------------------------------------------
(1) القرآن من التفسير الموروث (76).
(2) نحو نقد العقل الإسلامي (322).
(3) نفس المرجع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)