وحدثني أبو شرحبيل قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا إسماعيل عن ابن أبي حسين عن سعيد بن المسيب … `.

وقال الطبري عقبه:

`وهذا خبر - عندنا - صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيماًغيرصحيح، لعلتين:

إحداهما: أنه خبر لا يعرف له مخرج عن طلحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصح إلا من هذا الوجه.

والئانية: أنه من نقل إسماعيل بن عياش، وفي نقل إسماعيل عن غير أهل بلده - عندهم - نظر `!

كذا قال! وهذا أسلوب منه غريب اتخذه عادة يكرره بين يدي الأحاديث التي

يسوق أسانيدها ويصححها، ويحكى عن (الآخرين) تضعيفهم إياها بعلل ينسبها إليهم، قد تكون قادحة أحياناً - كما هو الشأن هنا - ثم هو لا يدفعها، ولا يبين وجهة نظره في تصحيحه! فما أشبهه من هذه الحيثية ببعض علماء الكلام - كالفخر الرازي مثلاً - يحكي شبهة المعتزلة في بعض نصوص الصفات وتأويلهم إياها، ثم يسكت عنها ولا يردها! وقد كنت ذكرت هذا أو نحوه في تخريج حديت

آخر من رواية الطبري، لا يحضرني الآن مكانه.

ويرد على أسلوبه المذكور ما يأتي:

أولاً: مما لا شك فيه أنه يعني بقوله: ` الآخرين `: علماء الحديث، فمن هم؟!

وهو ينسب اليهم أنهم يعلون الخبر - ولو كان صحيح الإسناد - بأنه لا يعرف الا من هذا الوجه! فإن المعروف عن العلماء في (علم المصطلح) - وعليه عملهم - أن تفرد الثقة بالحديث لا يعتبر علة، وقد أشار إلى هذا الإمام الشافعي بقوله المأثور عنه:

` ليس الحديث الشاذ أن يروي الثقة ما لم يرو غيره، وإنما هو: أن يروي حديثاً يخالف فيه ما رواه الثقات ` (1) .

وطالما رأينا الإمام الترمذي يقول في عشرات الأحاديث:

`حديث صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه `، ونحوه. ومن ذلك قوله في الحديث المتفق على صحته: `انما الأعمال بالنيات … `.

`حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري `.

فما عزاه إليهم إذن غير صحيح، إلا أن يكون عنى فرداً أو أفراداً منهم، فكان

(1) انظر الحديث الشاذ، والغريب في كتب المصطلح.

عليه أن يسميهم، أو على الأقل أن لا يطلق العزو إليهم.

ثانياً: لقد حكى عنهم أن في نقل إسماعيل عن غيرأهل بلده نظراً، وهذا حق، فهو المعروف عن كبارهم - كالإمام أحمد، وابن معين، وابن المديني، ودُحيم، وعمرو بن علي، وكذا البخاري، والنساثي، ويعقوب بن شيبة، وابن

عدي وغيرهم كثير - ، كلهم ضعفوا حديثه عن غير الشاميين.

وإذا كان الإمام الطبري يرى أنه صحيح الحديث مطلقاً لا فرق عنده بين شامي وغيره، فلا يسعنا إلا اتباع الأئمة الخالفين له، لأن معهم زيادة علم لم يقف عليه الطبري، ومن علم حجة على من لم يعلم، وبخاصة أنه جرح، وهو مقدم على التعديل، وقد قال (دُحيم) - وهو من الحفاظ الشاميين العارفين بالمحدثين من أهل بلده - :

` إسماعيل في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين `.

إذا عرفت هذا، وتذكرت أن مدار إسنادي الطبري على إسماعيل - مرة عن عمرو بن دينار المكي، ومرة عن ابن أبي حسين المكي - ، يتبين لك أنه إسناد ضعيف من تخاليط إسماعيل عن غير الشاميين، وبذلك يبطل تصحيح الطبري

لإسناده.

وهذا نقوله على فرض صحة السند بذلك إلى إسماعيل، وهو غير مسلّم به عندي، لأنه من رواية شيخ الطبري (أبي شرحبيل) ، فإنه في عداد المجهولين، فقد أورده أبو أحمد الحاكم في كتابه الحافل ` الكنى والأسماء ` (ق 224/ 1) ،

وسماه (عيسى بن جابر البهراني الحمصي، ابن أخي أبي اليمان) مولى امرأة من (بهراء) ، يقال لها: (أم سلمة) كانت عند عمرو بن روبة التغلبي.

ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولا رأيته عند غيره، حتى ولا في `تاريخ دمشق` لابن عساكر. هذا مع مخالفة أبي زرعة الدمشقي لأبي شرحبيل، فقد أدخل (المثنى بن الصبّاح) بين إسماعيل وعمرو بن دينار، فالمثنى هو علة هذا

الاسناد، لأن أبا زرعة ثقة حافظ.

وعلة الإسناد الثاني عند الطبري: شيخه ورواية إسماعيل عن ابن أبي حسين، وهو مكي، فإنها ضعيفة - كما تقدم - والله سبحانه وتعالى أعلم.

ثم إن الطبري أتبع حديث طلحة بحديث طويل أشار إلى تضعيفه، وفيه بيان أن الأمير المنادى به من السماء هو المهدي، ساقه من رواية رواد بن الجراح العسقلاني بسنده عن حذيفة بن اليمان مرفوعأ:

` إذا كان رأس الخمس والعشرين والمائتين، نادى مناد من السماء: ألا أيها الناس! إن الله قطع مدة الجبارين والمناققين وأتباعهم … ووليكم المهدي … ` الحديث بطوله، وهو حديث جميل، كإنه يتحدث عن أحوال المسلمين الحاضرة،

وتسلط الكفار والمنافقين عليهم، ولكن يد الصنع ظاهرة عليه، ورواد بن الجراح مختلف فيه، وقد أنكرت عليه أحاديث، هذا منها، بل قال الذهبي: إنه ` حديث باطل`.

‌‌

সিলসিলাতুল আহাদীসিদ দ্বাঈফাহ ওয়াল মাওদ্বুআহ (686)