918) .

ووجه المخالفة واضح جدّاً: ففيه أن الرفع المستنكر إنما هو رفع الأيدي عند

السلام في آخر التشهد، وأنه وقع في عهده صلى الله عليه وسلم فأنكره. وفي حديث الإباضية

أنه سيقع بعده صلى الله عليه وسلم! وقد حملوه على رفع الأيدي عند الإحرام والركوع المتواتر

فعله عن الصحابة والسلف رضي الله عنهم. فقد ترجم له مرتب `مسند الربيع بن

حبيب ` يوسف بن إبراهيم السدراني الوارجلاني (ت 570) فقال:

` ما جاء في منع الاقتداء بمن يرفع يديه في الصلاة`!

وعلى هذا مشى شارحه الشيخ عبد الله ابن حميد السالمي؛ فقال في شرحه

لحديثهم (1/317) :

` المشار إليهم في هذا الحديث هم قومنا (يعني: أهل السنة) ؛ فإنهم هم

الذين اختصوا برفع أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس، حتى نقل غير

واحد منهم الإجماع على رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، ولم يتركه إلا النادر

منهم (!) فقد نقل عن مالك أنه لا يستحب. وحكاه الباجي عن كثير من

متقدميهم. ونقل عن الزيدية أنه لا يجوز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولا

عند غيرها. وقيل: لم يقل بتركه منهم إلا الهادي يحيى بن الحسين وجده

القاسم بن إبراهيم. والحق: المنع … لحديث الباب؛ وحديث جابر بن سمرة:

`ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة` رواه

مسلم. وروى الحاكم في `المدخل ` من حديث أنس: `من رفع يديه في الصلاة؛

فلا صلاة له `.

وقد روى قومنا أحاديت الرفع عن العدد الكثير من الصحابة، فإن صح ذلك

- ولا أراه يصح (!) - ؛ فمنسوخ بما ذكرنا (!) ، ويمكن أنه صلى الله عليه وسلم رفع مرة واحدة؛ كما

قيل: أنه أراد أن يفضح المنافقين الذين علقوا الأصنام تحت آباطهم، فإذا رفعوا؛

أيديهم؛ سقطت وانكشفت، فيفتضحون بذلك فلا يفعلونه مرة أخرى، وإن لم

يرفعوا؛ افتضحوا بالمخالفة (!) ، وعلى الحالين فهو زجر لهم. فرواه قومنا سنة مسلوكة،

رغبوا فيها؛ بل أوجبها بعضهم، وقد كشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سيفعلونه بعده؛

فأخبرنا به تحذيراً بقوله: (كأني بقوم يأتون بعدي يرفعون … ) ` إا

هذا كلامه بالحرف الواحد! عامله الله بما يستحق إا

ولقد أكد لي حين وقفت عليه أن ثناء الأستاذ عز الدين التنوخي عليه - في

تقديمه لـ `شرح مسند الربيع بن حبيب` (ص: ك) ، وقوله فيه: `أن أبحاثه تدل

على اعتدال في التحقيق، وبُعْد عن التعصب `، أن ذلك - إنما كان منه تزلفاً إليه،

ومداهنة … ولا أقول مداراة، اللهم! إلا إن كان التنوخي لا علم عنده مطلقاً

بالأحاديث وفقهها؛ فإن شرح الشيخ السالمي لهذا الحديث وتعليقه عليه فقط يؤكد

أنه من كبار أهل الأهواء المتعصبين لمذاهبهم، والمتكلفين لرد أدلة الحق المخالفة

لهم. وإليك البيان:

أولاً: قوله: `لم يتركه إلا النادر منهم ` … هذا من عندياته؛ فإنه لم يذكر

أحداً من أهل العلم ترك الرفع عند تكبيرة الإحرام، بل هو مخالف للإجماع الذي

حكاه هو عن أهل السنة - ومنهم الطحاوي في `شرح معاني الآثار` (1/134) - ،

ومن الظاهر أنه لا يعتد بإجماعهم، ولا بما كان عليه جماهير الصحابة والسلف في

الرفع كما سيأتي.

ث! انيأ: فقد نقل عن مالك أنه لا يستحب!

فأقول: هذا كالذي قبله، والكلام في الرفع عند تكبيرة الإحرام؛ فإنه خلاف

ما في `المدونة` (1/68) و`الموطأ، (1/97) ، وخلاف ما نقله العلماء عنه كابن

رشد في `البداية`: أن مذهبه الرفع عند تكبيرة الإحرام، دون أي خلاف عنه،

بخلاف الرفع عند الركوع، فعنه روايتان، رجح الباجي في `المنتقى` (1/142)

الرفع، وهو الموافق لما في ` الموطأ! .

ثالثاً: قوله: `وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم `!

قلت: نص كلام الباجي:

`وروي عن بعض المتقدمين المنع من ذلك `.

فأنت ترى أن الشيخ السالمي حرّف لفظة: (بعض) … إلى: (كثير) ! فهل

كان ذلك عن غير قصد؟ الجواب في المثالين الأولين! ثم إن الباجي أشار إلى

تمريض الرواية بذلك!

رابعاً: قوله: `ونقل عن الزيدية أنه لا يجوز … `.

قلت: فيه إيهام خبيث: أن الناقل هو الباجي! وليس كذلك؛ فهو من كلام

السالمي نفسه، فكان عليه أن يدفع الإيهام بمثل قوله: `ونقل بعضهم … ! .

والناقل هو ابن المنذر والعبدري؛ كما في `نيل الأوطار` للشوكاني (2/149) ،

ثم رده بقوله:

`وهو غلط على الزيدية؛ فإن إمامهم زيد بن علي رحمه الله ذكر في كتابه

المشهور بـ `المجموع ` حديث الرفع (1) ، وقال باستحبابه أكابر أئمتهم المتقدمين

والمتأخرين … `.

ولذلك انتقد الشوكاني رحمه الله مؤلف كتاب `حدائق الأزهار` الذي لم

يذكر هذه السنة في (فصل سنن الصلاة) ` فقال في `السيل الجرار` (1/226) :

`وكان ينبغي له أن يذكر في هذا الفصل المشتمل على ذكر سنن الصلاة:

السنة العظمى والخصلة الكبرى التي هي أشهر من شمس النهار، وهي العلم الذي

في رأسه نار؛ وذلك: سنة الرفع عند افتتاح الصلاة؛ فإنها قد ثبتت من طريق

خمسين من الصحابة منهم العشرة المبشرة بالجنة.

(1) ` مسند الإمام زيد` (ص 90) . واعلم أن هذا `المسند` حاله عندنا كحال `مسند الربيع

ابن حبيب ` أو أسوأ؛ فإنه من رواية عمرو بن خالد أبي خالد الواسطي عن الإمام زيد.

والواسطي هذا اتفق أئمتنا على أنه كذاب وضاع؛ فراجع ترجمته في `الميزان` وغيره.

ثم سنة الرفع عند الركوع وعند الاعتدال منه، ثم سنة ضَمّ اليد اليمنى على

اليسرى؛ فإن هذه سنن ثابتة بأحاديث متواترة … ، إلخ.

خامساً: قال: `والحق: المنع … لحديث الباب `.

قلت: قد عرفت أن الحديث منكر سنداً، باطل متناً، وإن مما يؤكد ذلك أن

ابن عباس الذي نسبوا الحديث إليه قد صح عنه من طرق أنه كان يرفع يديه عند

افتتاح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.



أخرجه عبد الرزاق في (المصنف ` (2/69) ، وابن أبي شيبة أيضاً (1/235)

بسندٍ صحيح عنه.

ثم أخرجه عبد الرزاق بسند آخر صحيح عن طاوس قال:

رأيت عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير يرفعون أيديهم

في الصلاة.

قلت: فلو كان الحديث صحيحاً عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ، وبالمعنى الذي حملوه عليه؛

لم يخالفه ابن عباس ولا غيره من الأصحاب - كما هو ظاهر - .

سادساً: قال: `وحديث جابر بن سمرة: (ما لي أراكم … ) ` الحديث.

فأقول: هذه رواية مختصرة، قد فسرتها رواية أخري لمسلم وغيره، وبينت أن

الإنكار كان على رفع الأيدي عند السلام - كما تقدم - . وبهذا أجاب الشوكاني،

ولكنه قال عقبه:

`ورُدّ هذا الجواب بأنه قصر للعام على السبب، وهو مذهب مرجوح - كما تقرر

في الأصول - . وهذا الرد متجه؛ لولا أن الرفع قد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم ثبوتاً متواتراً

- كما تقدم - ، وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك

العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر. وربما نازع

في هذا بعضهم فقال: قد تقرر عند بعض أهل الأصول: أنه إذا جُهل تاريخ العام

والخاص أُطْرِحَا! وهو لا يدري أن الصحابة قد أجمعت على هذه السنة بعد موته

صلى الله عليه وسلم، وهم لا يجتمعون إلا على أمر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه. على أنه قد ثبت

من حديث ابن عمر عند البيهقي أنه قال - بعد أن ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع

يديه عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الاعتدال - :

فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى.

وأيضاً؛ المتقرر في الأصول بأن العام والخاص إذا جُهل تاريخهما؛ وجب

البناء. وقد جعله بعض أئمة الأصول مجمعاً عليه؛ كما في `شرح الغاية`

وغيره `. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله.

ولقد كابر الزيلعي في `نصب الراية` (1/393) والمعلق عليه، فأبيا تفسير

الرواية المختصرة بالرواية المفصلة، وتجاهلا ما ذكره الزيلعي عن البخاري في رده على

الحنفية، وهو قوله:

إ ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضاً منهيّاً عنه؛ لأنه

لم يستثن رفعاً دون رفع، بل أطلق `.

ورفع اليدين في تكبيرات العيدين هو قول أبي حنيفة وصاحبيه كما في

`مختصر الطحاوي ` (ص 37) ، و`الهداية` (2/43) ، وروي رفعهما في تكبيرات

الجنازة أيضاً عن أبي حنيفة، وتعجب منه ابن حزم في `المحلى` (5/128) ؛ لأنه

- كما قال - لم يأت قط عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنعه في سائر الصلوات، وقد صح عن

النبي صلى الله عليه وسلم!!

وكابر المعلق أيضاً على `نصب الراية` (2/285) فقال عقبه:

`قلت: هذه النسبة منه أعجب `.

وأقول: لا عجب؛ فإن قول أبي حنيفة هذا منقول في `حاشية ابن عابدين `

وغيره، وعليه عمل أئمة بلْخ الحنفيين؛ خلافاً لحنفية اليوم!

سابعاً: قوله: `وروى الحاكم في `المدخل `: … من رفع يديه في الصلاة؛

فلا صلاة له `.

قلت: هذا غاية الضلال. أن يحتج بهذا الحديث وهو موضوع باتفاق العلماء!

حتى الحنفية منهم؛ كالزيلعي والقاري، فقال في `موضوعاته`:

`هذا الحديث وضعه محمد بن عكاشة الكرماني قبَّحه الله `.

وأورده ابن الجوزي في `الموضوعات ` (2/96 - 98) من حديث أنس وغيره،

وقال:

`وما أبله من وضع هذه الأحاديث الباطلة ليقاوم بها الأحاديث الصحيحة!

ففي `الصحيحين، من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة؛ رفع

يديه … ` الحديث.

وقول الشيخ الإباضي: `وروى الحاكم … ` يوهم أنه رواه بإسناده إلى محمد

ابن عكاشة! وليس كذلك؛ فإنه إنما ذكره تحت جماعة وضعوا الحديث في الوقت

لحاجتهم إليه، منهم ابن عكاشة هذا! راجع `نصب الراية` (1/404 - 405) ،

وإنما رواه ابن الجوزي بإسناده إليه، وأقره السيوطي على وضعه في `اللآلي` (2/19

و470) وغيره. انظر الكلام عليه فيما تقدم برقم (568) .

وإن احتجاج الإباضي بهذا الحديث الموضوع لهو من أكبر الأدلة على جهله

بهذا العلم أو تجاهله، وهو هنا شر من الجهل؛ لدخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم: `من حدث

عني بحديث يرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبين `. رواه مسلم وابن حبان وغيرهما.

والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثامنأ: قال: `وقد روى قومنا أحاديث الرفع عن العدد الكثير من الصحابة،

فإن صح ذلك - ولا أراه يصح - ؛ فمنسوخ `.

قلت: هذا إعلان صريح منه أنه لا يقيم وزناً للأحاديث الصحيحة! ولو كانت

متواترة، وعمل بها الصحابة ومن بعدهم ممن سلك سبيلهم! وأن التصحيح

والتضعيف عنده خاضع لهواه! وأن من كان على شاكلته لا يفيد البحث معهم إلا

بعد الاتفاق على الأصول والقواعد. وهيهات هيهات!

وقد وقفت حديثاً على رسالة لأحدهم في الرفع وضم اليدين في الصلاة؛

ذهب فيها إلى تضعيف أحاديث الرفع والضم كلها! وإن مما يُضحك الثكلى أنه

صرح بأن حديث ابن عمر في الرفع المذكور آنفاً موضوع! وأن علته الإمام الزهري!!

وقد رددت عليه ردّاً موجزاً في مقدمة الطبعة الجديدة لكتابي `صفة الصلاة`.

وأما ادعاء النسخ فقد سبق الجواب عنه من كلام الشوكاني، وفيه مَقْنَغٌ لكل

منصف. وكيف يستقيم في لُبِّ مسلم غير سكران بالهوى أن يتصور استمرار الصحابة

على الرفع بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو منسوخ؟! وقد صح عن الحسن البصري أنه قال:

كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم إذا ركعوا، وإذا رفعوا رؤوسهم من

الركوع … كأنما أيديهم مراوح.

وعن سعيد بن جبير: أنه سئل عن رفع اليدين في الصلاة؛ فقال: هو شيء

يزين به الرجل صلاته، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم في الافتتاح،

وعند الركوع، وإذا رفعوا رؤوسهم.

أخرجهما البيهقي (2/ 75) .

وقال محمد بن عمرو بن عطاء: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة - ، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول

الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: فاعرض. قال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة؛ رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه،

ثم كبر … الحديث بطوله، وفيه الرفع عند الركوع والرفع منه، وفي آخره:

قالوا: صدقت؛ هكذا كان يصلي صلى الله عليه وسلم.



أخرجه أبو داود وغيره بإسناد صحيح على شرط مسلم، وصححه الترمذي وابن

الجارود وابن حبان وغيرهم، وهو مخرج في `الإرواء` (2/13/305) ، و`صحيح

أبي داود` (720) .

وماذا عسى أن يقول القائل في رجل يتجرأ على تضعيف ما تواترت صحته

عنه صلى الله عليه وسلم، ثم هو لا يخجل أن يقول؛ `ويمكن أنه صلى الله عليه وسلم رفع لعذر مرة واحدة كما

قيل … ` إلى آخر هراثه وخرافته التي لا تعرف إلا من روايته` {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى

الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .

‌‌

সিলসিলাতুল আহাদীসিদ দ্বাঈফাহ ওয়াল মাওদ্বুআহ (916)