*1873* - (حديث: ` أن الرسول صلى الله عليه وسلم خير بريرة حين عتقت تحت العبد ` (ص 160 ـ 161) .

تحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني: * صحيح.

وهو من حديث عائشة رضى الله عنها ، وله طرق:

الأولى: عن عروة عنها فى قصة بريرة قالت: ` كان زوجها عبدا ، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاختارت نفسها ، ولو كان حرا ، لم يخيرها `.

أخرجه مسلم (4/214) وأبو داود (2233) والنسائى (2/102 ـ 203) والترمذى (1/216) والطحاوى (2/48) والبيهقى (7/221) من طريق جرير بن عبد الحميد عن هشام بن عروة عن أبيه به.

إلا أن النسائى قال: ` قال عروة ، فلو كان حراما خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم `.

فدل على أن هذه الجملة الأخيرة منه مدرجة فيه من كلام عروة ، وهو الذى جزم به الحافظ فى ` الفتح ` (9/338 ـ البهية) وسبقه الزيلعى فى ` نصب الراية ` (3/207) وقال: ` وكذلك رواه ابن حبان فى ` صحيحه ` ، وأخرجه أبو داود أيضا ، وزاد فى آخره: إن قربك فلا خيار لك `.

قلت: هذه الزيادة عند أبى داود (2236) من طريق محمد بن إسحاق عن أبى جعفر ، وعن أبان بن صالح عن مجاهد ، وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ` أن بريرة أعتقت وهى عند مغيث ـ عبد لآل أبى أحمد فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لها: ` … ` فذكرها.

قلت: وإسناده جيد لولا عنعنة ابن إسحاق.

وتابعه يزيد بن رومان عن عروة به مختصرا جدا بلفظ: ` كان زوج بريرة عبدا `.

أخرجه مسلم (4/215) والنسائى وابن الجارود (742) والبيهقى (7/221) وتابعه الزهرى عن عروة به بلفظ: ` كانت بريرة عند عبد فعتقت ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها بيدها `.

أخرجه البيهقى من طريق محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن مسلم الزهرى به.

قلت: وهذا سند حسن.

الثانية: عن القاسم بن محمد عنها قالت: ` كانت بريرة مكاتبة لأناس من الأنصار ـ فذكر الحديث فى الولاء وفى الهدية قالت: كانت تحت عبد ، فلما عتقت ، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت تقرين تحت هذا العبد ، وإن شئت تفارقينه `.

أخرجه البيهقى وأحمد (6/180) عن عثمان بن عمر قال: ثنا أسامة بن زيد قال: حدثنا القاسم بن محمد به.

قلت: وهذا إسناد جيد على شرط مسلم إن كان أسامة بن زيد هو الليثى وأما إن كان العدوى فهو ضعيف ، وظاهر كلام الحافظ فى ` الفتح ` أنه الأول ، فإنه قال (9/338) : ` وأسامة فيه مقال `.

وقد تابعه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه به بلفظ: ` أن بريرة خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان زوجها عبدا `.

أخرجه مسلم (4/215) وأبو داود (2234) والنسائى والبيهقى وأحمد (6/115) من طريق سماك عن عبد الرحمن بن القاسم به.

ولم يتفرد به سماك كما يشعر به كلام بن التركمانى الحنفى ، بل تابعه هشام بن عروة عن عبد الرحمن بن القاسم به بلفظ: ` إن بريرة حين أعتقتها عائشة ، كان زوجها عبدا ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضها عليه ، فجعلت تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس لى أن أفارقه؟ قال: بلى ، قالت: فقد فارقته `.

أخرجه الدارمى (2/169) والطحاوى (2/48) وأحمد (6/45 ـ 46) من طرق ثلاثة عن هشام بن عروة به ، واللفظ للدارمى.

قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.

وتابعه أيضا شعبة عن عبد الرحمن به دون قوله: ` فجعل يحضها عليه ` ، ولكنه قال عقب قوله: ` وكان زوجها عبدا `

` ثم قال بعد ذلك ما أدرى `.

أخرجه النسائى هكذا (2/103) ، ومسلم وكذا البخارى (2/132) والبيهقى والطيالسى (1417) وأحمد (6/172) إلا أنهم قالوا: ` فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حرا.

قال شعبة: ثم سألته عن زوجها فقال: لا أدرى `.

قلت: وفى هذه الروايات عن عبد الرحمن بن القاسم ما يدل على أنه كان يضطرب فى هذا الحرف ، فتارة يجزم بأن الزوج كان عبدا كما فى رواية سماك وهشام بن عروة عنه ، وكذا فى رواية شعبة عند النسائى.

وتارة يجزم بأنه كان حرا ، كما فى رواية الجماعة عن شعبة عنه.

وتارة يتوقف فيقول: ` لا أدرى ` كما فى الرواية المذكورة.

ومما لاشك فيه عند أهل العلم أن الأخذ بقول الأول ، أنه كان عبدا أولى لوجوه:

الأول: أنه اتفق على روايتها عنه ثقتان: سماك بن حرب وهشام بن عروة ، بخلاف القول الآخر فإنه تفرد به عنه شعبة ، والإثنان أحفظ من الواحد.

الثانى: أنه لم يشك فى روايتهما عنه.

الثالث: أنها موافقة لرواية عروة فى الطريق الأولى.

الرابع: أن لها شاهدا من حديث ابن عباس كما يأتى بخلاف القول الآخر.

الطريق الثالثة: عن عمرة عن عائشة مختصرا بلفظ: ` أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرها ، وكان زوجها مملوكا `.

أخرجه البيهقى من طريق عثمان بن مقسم عن يحيى بن سعيد عن عمرة.

قلت: وهذا سند ضعيف من أجل عثمان بن مقسم وهو البرى ، قال الذهبى: ` أحد الأعلام ، على ضعف فى حديثه `.

الرابعة: عن الأسود عنها: ` أن زوج بريرة كان حرا حين أعتقت ، وأنها خيرت ، فقالت: ما أحب أن أكون معه ، وإن لى كذا وكذا `.

أخرجه البخارى (4/289) وأبو داود (2235) والسياق له والنسائى (2/102) والترمذى (1/216) والدارمى (2//169) وابن ماجه (2074) والطحاوى (2/48) والبيهقى (7/223) وأحمد (6/42 و170 ، 175 ، 186) من طريق إبراهيم عنه به إلا أن البخارى جعل قوله ` كان حرا ` من قول الأسود ، وليس من قول عائشة فإنه قال بعد قوله: ` وقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه `.

` قال الأسود: وكان زوجها حرا `.

وقال عقبه: ` قول الأسود منقطع ، وقول ابن عباس: ` رأيته عبدا ` أصح `.

قلت: ومعنى قول البخارى هذا أن قول الأسود المذكور مدرج فى الحديث ليس من قول عائشة ، وهو الذى استظهره الحافظ فى ` الفتح ` (9/360) ، وعلى هذا فلا يصح معارضة الطريق الأولى وفيها أن الزوج كان عبدا بطريق الأسود هذه ، لكونها معلولة بالإدراج.

قال الحافظ: ` وعلى تقدير أن يكون موصولا ، فيرجح رواية من قال: كان عبدا ` بالكثرة ، وأيضا فآل المرء أعرف بحديثه ، فإن القاسم (يعنى الطريق الثانية) ابن أخى عائشة ، وعروة (يعنى الطريق الأولى) ابن أختها ، وتابعهما غيرهما ، فروايتهما أولى من رواية الأسود ، فإنهما أقعد بعائشة ، وأعلم بحديثها `.

قلت: أضف إلى ذلك أن حديث الأسود ليس له شاهد ، بخلاف حديث عروة وغيره ، فله شواهد ، فلنذكر ما صح منها:

الأولى: عن ابن عباس: ` أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث ، كأنى أنظر إليه يطوف خلفها يبكى

ودموعه تسيل على لحيته ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ، ومن بغض بريرة مغيثا؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لو راجعتيه؟ قالت: يا رسول الله تأمرنى؟ قال: إنما أنا شافع ، قالت: لا حاجة لى فيه `.

أخرجه البخارى (3/467) وأبو داود (2231) والدارمى (2/169 ـ 170) وابن الجارود (741) والبيهقى (7/221 ـ 222) وأحمد (1/215 ، 281 ، 361) وابن سعد فى ` الطبقات ` (8/190) ولفظه: ` كان زوج بريرة يوم خيرت مملوكا لبنى المغيرة يقال له مغيث … `.

قلت: وإسناده صحيح.

وفيه حجة قاطعة على إبطال ما ذهب إليه الطحاوى وتبعه ابن التركمانى من تصحيح رواية كونه كان حرا ، والجمع بينها وبين الروايات القائلة بأنه كان عبدا ، بأنه كان حرا آخر الأمر فى وقت ما خيرت بريرة ، عبدا قبل ذلك!

فإن رواية ابن سعد هذه صريحة فى أنه كان عبدا فى الوقت المذكور ، فبطل الجمع المزعوم ، وثبت شذوذ رواية الأسود المتقدمة ، وقد روى البيهقى (7/224) عن الحافظ إبراهيم بن أبى طالب: ` خالف الأسود بن يزيد الناس فى زوج بريرة ، فقال: إنه حر ، وقال الناس: إنه كان عبدا `.

الثانى: عن صفية بنت أبى عبيد: ` أن زوج بريرة كان عبدا `.

أخرجه البيهقى (7/222) عن وهيب حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عنها وقال: ` هذا إسناد صحيح `.

وكذا قال الحافظ فى ` الفتح ` (9/361) إلا أنه عزاه للنسائى ، فلعله يعنى ` السنن الكبرى ` له [1] .

وقد عارضه ما روى ابن سعد (8/190) : أخبرنا عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله ابن عمر به إلا أنه قال:

` حرا ` مكان ` عبدا `!

وهذا سند صحيح أيضا ، فإحدى الروايتين خطأ ، ويرجح الأولى أن صفية هذه هى زوجة عبد الله بن عمر ، وقد روى عنه ما يوافق هذه الرواية ، فقال الشافعى (1613) : أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: ` أن زوج بريرة كان عبدا `.

لكن القاسم هذا قال الحافظ فى ` التقريب `: ` متروك رماه أحمد بالكذب `.

إلا أنه روى بإسناد آخر خير من هذا ، يرويه أبو حفص الأبار عن ابن أبى ليلى عن نافع عن ابن عمر به ، أخرجه البيهقى (7/222) .

وابن أبى ليلى سيىء الحفظ.

ثم إن فى تصحيح البيهقى والحافظ لإسناد صفية المذكورة نظرا ، يدل عليه قول الحافظ نفسه فى ترجمتها من ` التقريب `: ` زوج ابن عمر ، قيل لها إدراك ، وأنكره الدارقطنى ، وقال العجلى: ثقة `.

فهى من الثانية `.

يعنى أنها تابعية وليست بصحابية ، فهى إذن لم تدرك مغيثا ، وقصته فعليه يكون إسنادها مرسلا ، ومن المحتمل أن تكون أخذت ذلك عن زوجها ابن عمر والله أعلم.

ইরওয়াউল গালীল (1873)