449 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ حَسَّانٍ الْمَدَائِنِيُّ ، ثنا الْحَسَنُ ⦗ص: 212⦘ بْنُ قُتَيْبَةَ ، ثنا يُونُسُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَلَطْتُمْ عَلِيَّ الْقُرْآنَ»
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ وَدِدْتُ أَنَّ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ تُرَابًا
أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ شَيْئًا ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإِنَّمَا أَرَادَ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ أَلَا تَرَى مَا حكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْهُ عُقَيْبَ الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي جَهْرِ بَعْضِ مَنْ كَانَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَلَطْتُمْ عَلِيَّ الْقُرْآنَ» وَالتَّخْلِيطُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِجَهْرِ الْمَأْمُومِ ، وَنَحْنُ نَكْرَهُ جَهْرَهُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ سَكَتَ عَلْقَمَةُ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ إِنْ صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: «خَلَطْتُمْ عَلِيَّ الْقُرْآنَ» أَوْ مَا مَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَقُلْ: وَدِدْتُ أَنَّ أَفْوَاهَكُمْ مُلِئَتْ تُرَابًا أَوْ جَمْرَةً أَوْ نَتْنًا ، كَمَا يَرْوُونَ عَنْهُ وَعَنْ أَمْثَالِهِ ثُمَّ قَدْ أَجَابَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله عَنْ أَكْثَرِ مَا وَرَدَ فِيهِ فَقَالَ: وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنِ ابْنِ بِجَادٍ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ رضي الله عنه: وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي فِيهِ جَمْرَةٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهَذَا مُرْسَلٌ ، وَابْنُ بِجَادٍ لَمْ يُعْرَفْ وَلَا سُمِّيَ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي فِيِّ الْقَارِئِ خَلْفَ الْإِمَامِ جَمْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَمْرَةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدٍ مَعَ إِرْسَالِهِ وَضَعْفِهِ قَالَ: وَرَوَى ابْنُ حُبَابٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رضي الله عنه: وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ نَتْنًا وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ وَقَالَ: رَضْفًا ، وَقِيلَ عَنِ الْأَسْوَدِ: تُرَابًا قَالَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِوُجُوهٍ:
أَمَا أَحَدُهَا: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا بِالنَّارِ وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَمْلَأَ أَفْوَاهُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَحُذَيْفَةَ رضي الله عنهم وَمَنْ ذَكَرْنَا رَضْفًا وَلَا نَتْنًا وَلَا تُرَابًا وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِذَا ثَبَتَ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ فَلَيْسَ فِي الْأَسْوَدِ وَنَحْوِهِ حُجَّةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: «لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيَتْرَكُ إِلَّا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: «وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ سَكَرًا» قَالَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله: وَقَالَ لَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ: ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ حُذَيْفَةُ رضي الله عنه يَقْرَأُ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله: وَفِي الْجُمْلَةِ بَلْ مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ عَلْمِ الْحَدِيثِ وَوَقَفَ عَلَى مَا يَصِحُّ بِهِ طُرُقُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ وَعَلِمَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنَ الْأَسَانِيدِ مِمَّا هُوَ أَضْعَفُ ثُمَّ خَشِيَ اللَّهَ تَعَالَى فَأَنْصَفَ اعْتَرَفَ بِأَنْ لَيْسَ فِي
هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَدِيثٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ثُمَّ حَدِيثِ أَبِي السَّائِبِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُنَا لَهُ ثُمَّ حَدِيثِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ غَيْرُ رَفْعِ الرَّجُلِ صَوْتَهُ بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَكَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَهْرَهُ بِقِرَاءَتِهِ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ وُجِدَ مِنْهُ عَلَى أَصْلِ الْقِرَاءَةِ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ وَنَحْنُ نَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَرِهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ رَفْعِ الرَّجُلِ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَجُمْلَةُ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ سَوَاءَ كَانَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا مَعَ ثُبُوتِ الدَّلَالَةِ فِيهِ عَنْ مِنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَهُوَ بِالْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ تَفْسِيرَهُمَا وَأَخَذَ بِتَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الَّذِي وُلِدَ بَعْدَهُمَا بِسِنِينَ وَلَمْ يُشَاهِدْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا شَاهَدَا حيْثُ قَالَ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه هَذَا لِمَنْ يصَلِّي وَحْدَهُ ، أَوْ أَخَذَ بِتَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ مَا تَأَوَّلَا مِنَ الْفُقَهَاءِ كَانَ تَارِكًا لِسَبِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ وَرَدِّهَا ، فَنَحْنُ إِنَّمَا صِرْنَا إِلَى تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي حَمَلَ الْحَدِيثَ لِفَضْلِ عِلْمِهِ بِسَمَاعِ الْمَقَالِ وَمُشَاهَدَةِ الْحَالِ عَلَى غَيْرِهِ فَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَى تَأْوِيلِ الْفُقَهَاءِ فَلَا تَجْعَلْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ ، وَلَوْ صَارَ تَأْوِيلُ سُفْيَانَ حُجَّةً لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي وَحْدَهُ إِنَّمَا يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهَ يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا مُوسَى الرَّازِيَّ الْحَافِظُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» فَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ عِنْدَنَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ إِنَّمَا اعْتَمَدَ مَشَايِخُنَا فِيهِ عَلَى الرِّوَايَاتِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالصَّحَابَةِ رضي الله عنهم قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رحمه الله: أَعْجَبَنِي هَذَا سَمِعْتُهُ فَإِنَّ أَبَا مُوسَى أَحْفَظُ مَنْ رَأَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمَا رضي الله عنهم قِرَاءَتَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِهَا خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِرَاقِيُّونَ يُخَالِفُونَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ يُخَالِفُونِ قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ إِلَى تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ وَوُجُوبِهَا فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ ، وَذَاكَ أَنَّ الْوِفَاقَ بَيْنَهُمْ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ وَبَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ وَرَكْعَةٍ مِنَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ ، فَالْوِفَاقُ فِي سِتِّ رَكَعَاتٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْخِلَافُ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَقَوْلُنَا أَقْرَبُ إِلَى أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَالَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْحِجَازِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ لِلْقُرْآنِ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ أَقْرَبُ إِلَى أَقَاوِيلِنَا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مَعَ تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ ظَاهِرَهُ فِي الْقَدِيمِ فَاسْتَبَيْنَا الْعِرَاقِيِّينَ بِحُجَجِ غَيْرِهِ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ
مِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ لِنَفْسِهِ خَطَأٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ ، وَمَنْ طَعَنَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قِرَاءَتِهِمْ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةٍ يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَقَوْلِهِ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِهَا» مَعَ مَا يَشْهَدُ لِرِوَايَتِهِ بِالصِّحَّةِ وَاحْتَجَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَحَكَمَ لَهَا بِالصِّحَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ كَثِيرَ مَعْرِفَةٍ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيلِ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ بِرِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ حرَامِ بْنِ حَكِيمٍ وَمَكْحُولٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنِ الْأَبِ وَالِابْنِ جَمِيعًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقَاوِيلَ الْحُفَّاظِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي شَوَاهِدِ حَدِيثِهِمَا عَنْ عُبَادَةَ حَدِيثَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: أَلَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ لَكَانَتْ فِيهِ الْحُجَّةُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَقُوَّةِ رِجَالِهِ وَشُهْرَةِ حَدِيثِهِ ، وَالرَّجُلُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا ثِقَةٌ ، وَفِي حَدِيثِهِ وَحَدِيثِ مَنْ تَابَعَهُ بَيَانُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَا لَا يَقْرَؤُهُ الْمَأْمُومُ وَلِمَا يَقْرَؤُهُ وَنَهْيُهُ عَنْ قِرَاءَتِهِ لِمَا لَا يَقْرَؤُهُ فَقَضَى بِهِ عَلَى كُلِّ عُمُومٍ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَقَدْ حَكَى بَعْضُ النَّاسِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِثْلَ مَذْهَبِ نَفْسِهِ ، وَمَذْهَبُهُمْ فِي كُتُبِ مَنْ جَمَعَ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَرَوْيَنَا نَحْنُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ كَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ التَّابِعِينَ ، وَكَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ نَحْوَ مَذْهَبِنَا وَعَنْ بَعْضِهِمْ نَحْوَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ فَلَا أَدْرِي كَيْفَ اسْتَجَازَ هَذَا الرَّجُلُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ لِنَفْسِهِ فِيمَا هُوَ فِي غَيْرِ رِوَايَتِهِ بِخِلَافِ مَا فِي رِوَايَتِهِ؟ أَوْ كَيْفَ اسْتَحلَّ تَرْكَ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ بِمَا رُوِيَ فِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ وَهُوَ يَدَّعِي بِالْأَخْبَارِ مَعْرِفَةً؟ أَوْ كَيْفَ حَمَلَ جُمْلَةَ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِتَأْوِيلِ
سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَهُوَ لَا يُوجِبُ تَعْيِينَ الْقِرَاءَةِ بِالْفَاتِحَةِ لَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُوجِبُهُ وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ كُلُّهَا تُوجِبُهُ؟ فَاعْتَذَرَ لِتَرْكِ التَّعْيِينِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} يَمْنَعُ التَّعْيِينَ ، وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِغَيْرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ بِأُصُولِ الْعِلْمِ ، فَالْآيَةُ وَرَدَتْ فِي نَسْخِ وُجُوبِ قِيَامِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِقِيَامِ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَذَكَرْنَا مَا فِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ وَدِدْتُ أَنَّ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ تُرَابًا
أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ شَيْئًا ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإِنَّمَا أَرَادَ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ أَلَا تَرَى مَا حكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْهُ عُقَيْبَ الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي جَهْرِ بَعْضِ مَنْ كَانَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَلَطْتُمْ عَلِيَّ الْقُرْآنَ» وَالتَّخْلِيطُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِجَهْرِ الْمَأْمُومِ ، وَنَحْنُ نَكْرَهُ جَهْرَهُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ سَكَتَ عَلْقَمَةُ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ إِنْ صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: «خَلَطْتُمْ عَلِيَّ الْقُرْآنَ» أَوْ مَا مَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَقُلْ: وَدِدْتُ أَنَّ أَفْوَاهَكُمْ مُلِئَتْ تُرَابًا أَوْ جَمْرَةً أَوْ نَتْنًا ، كَمَا يَرْوُونَ عَنْهُ وَعَنْ أَمْثَالِهِ ثُمَّ قَدْ أَجَابَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله عَنْ أَكْثَرِ مَا وَرَدَ فِيهِ فَقَالَ: وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنِ ابْنِ بِجَادٍ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ رضي الله عنه: وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي فِيهِ جَمْرَةٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهَذَا مُرْسَلٌ ، وَابْنُ بِجَادٍ لَمْ يُعْرَفْ وَلَا سُمِّيَ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي فِيِّ الْقَارِئِ خَلْفَ الْإِمَامِ جَمْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَمْرَةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدٍ مَعَ إِرْسَالِهِ وَضَعْفِهِ قَالَ: وَرَوَى ابْنُ حُبَابٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رضي الله عنه: وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ نَتْنًا وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ وَقَالَ: رَضْفًا ، وَقِيلَ عَنِ الْأَسْوَدِ: تُرَابًا قَالَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِوُجُوهٍ:
أَمَا أَحَدُهَا: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا بِالنَّارِ وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَمْلَأَ أَفْوَاهُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَحُذَيْفَةَ رضي الله عنهم وَمَنْ ذَكَرْنَا رَضْفًا وَلَا نَتْنًا وَلَا تُرَابًا وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِذَا ثَبَتَ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ فَلَيْسَ فِي الْأَسْوَدِ وَنَحْوِهِ حُجَّةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: «لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيَتْرَكُ إِلَّا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: «وَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ سَكَرًا» قَالَ الْبُخَارِيُّ رحمه الله: وَقَالَ لَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ: ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ حُذَيْفَةُ رضي الله عنه يَقْرَأُ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله: وَفِي الْجُمْلَةِ بَلْ مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ عَلْمِ الْحَدِيثِ وَوَقَفَ عَلَى مَا يَصِحُّ بِهِ طُرُقُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ وَعَلِمَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنَ الْأَسَانِيدِ مِمَّا هُوَ أَضْعَفُ ثُمَّ خَشِيَ اللَّهَ تَعَالَى فَأَنْصَفَ اعْتَرَفَ بِأَنْ لَيْسَ فِي
هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَدِيثٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ثُمَّ حَدِيثِ أَبِي السَّائِبِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُنَا لَهُ ثُمَّ حَدِيثِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ غَيْرُ رَفْعِ الرَّجُلِ صَوْتَهُ بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَكَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَهْرَهُ بِقِرَاءَتِهِ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ وُجِدَ مِنْهُ عَلَى أَصْلِ الْقِرَاءَةِ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ وَنَحْنُ نَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَرِهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ رَفْعِ الرَّجُلِ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَجُمْلَةُ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ سَوَاءَ كَانَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا مَعَ ثُبُوتِ الدَّلَالَةِ فِيهِ عَنْ مِنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَهُوَ بِالْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ تَفْسِيرَهُمَا وَأَخَذَ بِتَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الَّذِي وُلِدَ بَعْدَهُمَا بِسِنِينَ وَلَمْ يُشَاهِدْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا شَاهَدَا حيْثُ قَالَ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه هَذَا لِمَنْ يصَلِّي وَحْدَهُ ، أَوْ أَخَذَ بِتَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ مَا تَأَوَّلَا مِنَ الْفُقَهَاءِ كَانَ تَارِكًا لِسَبِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ وَرَدِّهَا ، فَنَحْنُ إِنَّمَا صِرْنَا إِلَى تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي حَمَلَ الْحَدِيثَ لِفَضْلِ عِلْمِهِ بِسَمَاعِ الْمَقَالِ وَمُشَاهَدَةِ الْحَالِ عَلَى غَيْرِهِ فَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَى تَأْوِيلِ الْفُقَهَاءِ فَلَا تَجْعَلْ قَوْلَ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ ، وَلَوْ صَارَ تَأْوِيلُ سُفْيَانَ حُجَّةً لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي وَحْدَهُ إِنَّمَا يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهَ يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا مُوسَى الرَّازِيَّ الْحَافِظُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» فَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ عِنْدَنَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ إِنَّمَا اعْتَمَدَ مَشَايِخُنَا فِيهِ عَلَى الرِّوَايَاتِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالصَّحَابَةِ رضي الله عنهم قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رحمه الله: أَعْجَبَنِي هَذَا سَمِعْتُهُ فَإِنَّ أَبَا مُوسَى أَحْفَظُ مَنْ رَأَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمَا رضي الله عنهم قِرَاءَتَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِهَا خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِرَاقِيُّونَ يُخَالِفُونَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ يُخَالِفُونِ قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ إِلَى تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ وَوُجُوبِهَا فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ ، وَذَاكَ أَنَّ الْوِفَاقَ بَيْنَهُمْ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ وَبَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ وَرَكْعَةٍ مِنَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ ، فَالْوِفَاقُ فِي سِتِّ رَكَعَاتٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْخِلَافُ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَقَوْلُنَا أَقْرَبُ إِلَى أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَالَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْحِجَازِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ لِلْقُرْآنِ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ أَقْرَبُ إِلَى أَقَاوِيلِنَا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مَعَ تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ ظَاهِرَهُ فِي الْقَدِيمِ فَاسْتَبَيْنَا الْعِرَاقِيِّينَ بِحُجَجِ غَيْرِهِ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ
مِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ لِنَفْسِهِ خَطَأٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ ، وَمَنْ طَعَنَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قِرَاءَتِهِمْ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةٍ يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَقَوْلِهِ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِهَا» مَعَ مَا يَشْهَدُ لِرِوَايَتِهِ بِالصِّحَّةِ وَاحْتَجَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَحَكَمَ لَهَا بِالصِّحَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ كَثِيرَ مَعْرِفَةٍ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيلِ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ بِرِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ حرَامِ بْنِ حَكِيمٍ وَمَكْحُولٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنِ الْأَبِ وَالِابْنِ جَمِيعًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقَاوِيلَ الْحُفَّاظِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي شَوَاهِدِ حَدِيثِهِمَا عَنْ عُبَادَةَ حَدِيثَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: أَلَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ لَكَانَتْ فِيهِ الْحُجَّةُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَقُوَّةِ رِجَالِهِ وَشُهْرَةِ حَدِيثِهِ ، وَالرَّجُلُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا ثِقَةٌ ، وَفِي حَدِيثِهِ وَحَدِيثِ مَنْ تَابَعَهُ بَيَانُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَا لَا يَقْرَؤُهُ الْمَأْمُومُ وَلِمَا يَقْرَؤُهُ وَنَهْيُهُ عَنْ قِرَاءَتِهِ لِمَا لَا يَقْرَؤُهُ فَقَضَى بِهِ عَلَى كُلِّ عُمُومٍ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَقَدْ حَكَى بَعْضُ النَّاسِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِثْلَ مَذْهَبِ نَفْسِهِ ، وَمَذْهَبُهُمْ فِي كُتُبِ مَنْ جَمَعَ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَرَوْيَنَا نَحْنُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ كَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ التَّابِعِينَ ، وَكَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ نَحْوَ مَذْهَبِنَا وَعَنْ بَعْضِهِمْ نَحْوَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ فَلَا أَدْرِي كَيْفَ اسْتَجَازَ هَذَا الرَّجُلُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ لِنَفْسِهِ فِيمَا هُوَ فِي غَيْرِ رِوَايَتِهِ بِخِلَافِ مَا فِي رِوَايَتِهِ؟ أَوْ كَيْفَ اسْتَحلَّ تَرْكَ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ بِمَا رُوِيَ فِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ وَهُوَ يَدَّعِي بِالْأَخْبَارِ مَعْرِفَةً؟ أَوْ كَيْفَ حَمَلَ جُمْلَةَ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِتَأْوِيلِ
سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَهُوَ لَا يُوجِبُ تَعْيِينَ الْقِرَاءَةِ بِالْفَاتِحَةِ لَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُوجِبُهُ وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ كُلُّهَا تُوجِبُهُ؟ فَاعْتَذَرَ لِتَرْكِ التَّعْيِينِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} يَمْنَعُ التَّعْيِينَ ، وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِغَيْرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ بِأُصُولِ الْعِلْمِ ، فَالْآيَةُ وَرَدَتْ فِي نَسْخِ وُجُوبِ قِيَامِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِقِيَامِ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَذَكَرْنَا مَا فِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ
কিতাবুল কিরাআত খালফাল ইমাম লিল বায়হাক্বী (449)