حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير (ح) وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى قال ابن خزيمة في حديثه، عن زيد، وقال ابن أبي داود: قال: ثنا زيد ثم اجتمعا جميعا فقالا: عن أبي سلام عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تأكلوا به" . قال أبو جعفر: فحظر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعوضوا بالقرآن شيئا من عرض الدنيا. فعارض ذلك بما حمل عليه المخالف معنى الحديث الأول، لو ثبت أن معناه كذلك، ولم يثبت ذلك إذا كان يحتمل تأويله ما وصفنا. وقد يحتمل أيضا معنى آخر، وهو أن الله عز وجل أباح لرسوله صلى الله عليه وسلم ملك البضع بغير صداق، ولم يجعل ذلك لأحد غيره، قال الله عز وجل: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]. فاحتمل أن يكون قد كان مما خصه الله عز وجل به من ذلك أن يملك غيره ما كان له ملكه بغير صداق، فيكون ذلك خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم كما قال الليث. ومما يدل على ذلك أيضا أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قد وهبت نفسي لك. فقام إليه ذلك الرجل فقال له: إن لم تكن لك بها حاجة، فزوجنيها. فكان هذا ما ذكر في ذلك الحديث، ولم يذكر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاورها في نفسها، ولا أنها قالت له: زوجني منه. فدل ذلك إذ كان تزويجه إياها منه لا بقول ثان به بعد قولها: قد وهبت نفسي لك، وإنما هو لقولها الأول فلم تكن قالت له، قد جعلت لك أن تهبني لمن شئت بالهبة التي لا توجب مهرًا جاز النكاح، وقد أجمعوا أن الهبة خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكرنا من اخلاص الله تعالى إياه بها دون المؤمنين. غير أن قوما قالوا: {خَالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50] أي: بلا مهر، وجعلوا الهبة نكاحا لغيره يوجب المهر. وقال آخرون: {خَالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50] أي أن الهبة تكون لك نكاحا، ولا تكون نكاحا لغيرك. فلما كانت المرأة المذكور أمرها في حديث سهل منكوحة بهبتها نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا، ثبت أن ذلك النكاح خاص له كما قال الذين ذهبوا إلى ذلك. فإن قال قائل: فقد يجوز أن يكون مع ما ذكر في الحديث سؤال من رسول الله صلى الله عليه وسلم لها أن يزوجها منه، وإن كان ذلك لم ينقل إلينا في ذلك الحديث. قيل له: وكذلك يحتمل أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم، قد جعل لها مهرًا غير السورة، وإن كان ذلك لم ينقل إلينا في الحديث، فإن حملت الحديث على ظاهره على ما تذهب إليه أنت لزمك ما ذكرنا من أن ذلك النكاح كان بالهبة التي وصفنا. وإن حملت ذلك على التأويل على ما وصفت فلغيرك أيضا أن يحمله أيضا من التأويل على ما ذكرنا، ثم لا تكون أنت بتأويلك أولى منه بتأويله. فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما وجهه من طريق النظر، فإنا قد رأينا النكاح إذا وقع على مهر مجهول لم يثبت المهر، ورد حكم المهر إلى حكم من لم يسم لها مهرًا، فاحتيج إلى أن يكون المهر معلوما كما تكون الأثمان في البياعات معلومة، وكما تكون الأجرة في الإجارات معلومة. وكان الأصل المجتمع عليه أن رجلا لو استأجر رجلا على أن يعلمه سورة من القرآن سماها بدرهم، أن ذلك لا يجوز. وكذلك لو استأجره على أن يعلمه شعرا بعينه بدرهم كان ذلك غير جائز أيضا، لأن الإجارات لا تجوز إلا على أحد معنيين: إما على عمل بعينه، مثل غسل ثوب بعينه، أو على خياطته، أو على وقت معلوم لا بد له فيها من أن يكون الوقت معلوما، أو العمل معلوما. وكان إذا استأجره على تعليم سورة، فتلك إجارة لا على وقت معلوم، ولا على عمل معلوم، إنما استأجره على أن يعلمه ذلك، وقد يتعلم بقليل التعليم وبكثيره، وفي قليل الأوقات وكثيرها. وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن، لم يجز ذلك للمعاني التي ذكرناها في الإجارات. فلما كان ذلك كذلك في الإجارات والبياعات، وقد وصفنا أن المهر لا يجوز على أموال ولا على منافع إلا على ما يجوز عليه البيع والإجارة من ذلك، وكان التعليم لا يملك به المنافع ولا أعيان الأموال، ثبت بالنظر على ذلك أن لا يملك به الأبضاع. فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله.تحقيق الشيخ لطيف الرحمن البهرائجي القاسمي : إسناده قوي، وهو مكرر سابقه.
শারহু মা’আনিল-আসার (4011)