2909 - عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئتَ أخّرتُ ذاك فهو خير. فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضي الي، اللهم شّفعْه فيَّ.



صحيح: رواه الترمذي (3578)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (659)، وابن ماجه (1358)، وأحمد (17240)، وصحّحه ابن خزيمة (1219)، والحاكم (1/ 519) كلهم من طريق شعبة، عن أبي جعفر المدني، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف فذكره.



وإسناده صحيح، وأبو جعفر المدني هو: عمير بن يزيد بن عمير الخطمي، وقد اختلف عليه، والصحيح حديث شعبة كما قال أبو زرعة. علل ابن أبي حاتم (2064).



وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمي".



وقال ابن ماجه:"قال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح".



وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد".

وقوله:"وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعاء نبيك كما يدل عليه بداية الحديث، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمه هذا الدعاء، فعاد بصيرا، وهذا خاصٌّ بحياة النبي صلى الله عليه وسلم.



وقوله:"اللَّهم شفّعه فيّ" أي تقبّل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حاجتي هذه.



وفي الباب ما رُوي عن عبد الله بن أبي أوفي، وابن عباس، وأنس، وأبي الدّرداء.



فأمّا حديث ابن أبي أوفي، فرواه الترمذي (479)، وابن ماجه (1384) كلاهما من طريق فائد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من بني آدم فليتوضّأ فليحسن الوضوءَ، ثم ليصل ركعتين، ثم ليُثْنِ على الله، وليُصلِّ على النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم ليقلْ: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله ربّ العرش العظيم، الحمد لله ربّ العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كلّ بر، والسّلامة من كلّ إثم، لا تدعْ لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرّجته، ولا حاجةً هي لك رضًا إلا قضيتها يا أرحم الرّاحمين".



واللّفظ للترمذيّ، ولم يذكر ابن ماجه قوله:"يا أرحم الرّاحمين". ولكنه زاد في آخر الحديث:"ثم يسأل الله من أمر الدّنيا والآخرة ما شاء فإنّه يُقَدَّر".



قال الترمذيّ:"هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال؛ فائد بن عبد الرحمن يُضعَّف في الحديث، وفائد هو أبو الورقاء" انتهي.



قلت: بل فائد بن عبد الرحمن الكوفيّ أبو الورقاء ضعيف جدًّا، قال الحافظ في"التقريب":"متروك اتّهموه".



وأمّا قول الحاكم في"المستدرك" (1/ 320):"فائد بن عبد الرحمن أبو الورقاء كوفيّ، عداده في التابعين، وقد رأيت جماعة من أعقابه، وهو مستقيم الحديث إلا أنّ الشيخين لم يخرجا عنه، وإنّما جعلتُ حديثه هذا شاهدًا لما تقدّم".



يعني شاهدًا لحديث ابن عباس في صلاة التسبيح فليس كما قال، ولذا تعقبه الذهبي فقال:"بل متروك".



وقد جاء في"التهذيب" عن الحاكم نفسه أنه قال:"روي عن ابن أبي أوفي أحاديث موضوعة". فلعله غفل عن هذا، فأتي بكلام متناقض، والخلاصة أن فائد بن عبد الرحمن ضعيف جدًّا كما قلت.



وأمّا حديث ابن عباس، فرواه الأصبهانيّ في"الترغيب" (1280) من طريق محمد بن زكريا البصري، نا الحكم بن أسلم، نا أبو بكر بن عياش، عن أبي الحصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"جاء جبريل عليه السلام بدعوات فقال: إذا نزل بك أمرٌ من أمر دنياك، فقدِّمْهنّ، ثم سلْ حاجتَك: يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا صريخ المتصرّخين، يا غياث المستغيثين، يا كاشف السّوء، يا أرحم الرّاحمين، يا مجيب دعوة

المضطّرين، يا إله العالمين، بك أُنزل حاجتي، وأنت أعلم، فاقضِها".



وفيه محمد بن زكريا وهو الغلابيّ، قال الدارقطني في"الضعفاء والمتروكين" (483):"يضع الحديث".



والحديث أورده المنذريّ في"الترغيب والترهيب" (1030) وعزاه إلى الأصبهانيّ وقال:"وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وله شواهد كثيرة".



قلت: إنما هو أبو بكر بن عياش، والتعليل بمحمد بن زكريا أولى وأمّا حديث أنس، فرواه أيضًا الأصبهاني (1278) عن إسحاق بن الفيض، نا المضاء، حدّثني عبد العزيز، عن أنس، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"يا على، ألا أُعلِّمُك دعاءً إذا أصابك غمٌّ أو هَمٌّ تدعو به ربَّك، فيُستجابَ لك بإذن الله، ويفرَّج عنك، توَضَّأ وصلِّ ركعتين، واحمد الله وأثْنِ عليه، وصلِّ على نبيِّك، واستغفرْ لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم قلْ: اللَّهمّ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، لا إله إلا الله العليّ العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله ربّ السّماوات السّبع وربّ العرش العظيم، الحمد لله ربّ العالمين، اللَّهمَّ، كاشفَ الغمِّ، مُفرِّج الهمِّ، مجيب دعوة المضطرّين إذا دعوْكَ، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فارْحمني في حاجتي هذه بقضائها ونجاحها، رحمةً تُغنيني بها عن رحمة مَنْ سواك".



وفيه رجال لا يعرفون، والمضاء هو ابن الجارود الدينوريّ، قال ابنُ أبي حاتم عن أبيه:"شيخ دينوري، ليس بمشهور، محلّه الصّدق".



وأورده المنذريّ في الترغيب والترهيب (1278) وسكت عليه.



وأورده الشّوكاني في"الفوائد المجموعة" (ص 55) ونقل عن"اللآلي" تضعيف إسناد حديث أنس من ابن حجر، وقال:"وأخرجه الطبراني، وفي إسناده أبو معمر عباد بن عبد الصّمد ضعيف جدًّا". قال:"وللحديث طريق أخرى عن أنس في"مسند الفردوس" وفي إسناده أبو هاشم، واسمه: كثير بن عبد الله كأبي معمر في الضّعف وأشدّ". انتهى نقله من"اللآلي".



وأمّا حديث أبي الدّرداء، فرواه الإمام أحمد (27497) عن محمد بن بكر، قال: حدّثنا ميمون -يعني أبا محمد المرَائيّ التّميميّ-، قال: حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: صحبتُ أبا الدّرداء، أتعلَّمُ منه، فلما حضره الموت قال: آذِن النّاسَ بموتي، فآذنْتُ النّاسَ بموته، فجئتُ وقد مُلئَ الدّار وما سواه، قال: فقلت: قد آذنتُ النّاس بموتك، وقد مُلئ الدّار وما سواه. قال: أخرجوني، فأخرجناه. قال: اجلسوني. قال: فأجلسناه، قال: يا أيُّها النَّاس! إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من توضَّأ فأسبغ الوضوء، ثم صلّى ركعتين يُتِمُّهما، أعطاه الله ما سأل مُعجَّلًا أو مُؤخّرًا".



قال أبو الدّرداء: يا أيُّها النّاس! إيَّاكم والالتفات، فإنّه لا صلاةَ لملتفت، فإن غُلبتُمْ في التّطوُّع، فلا تُغْلبُنَّ في الفريضة".

ففيه ميمون أبو محمد المرائي التميميّ لا يُعرف. قال عثمان الدارمي ليحيى بن معين: ميمون أبو محمد شيخ يروي عنه البرساني (وهو محمد بن بكر)؟ فقال:"لا أعرفه". قال ابن عدي بعد نقل هذا القول:"فعلى هذا يكون مجهولًا". وفي"الميزان":"لا يعرف أهو المرئي".







قال البيهقي (3/ 52):"وكذلك رواه جماعة من المشهورين عن محمد بن رافع".



والمرسل أيضًا ضعيف فإن إبراهيم بن الحكم بن أبان ضعيف ثم اختلف عليه فرواه عنه محمد ابن رافع مرسلًا، ورواه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عنه موصولًا ومن طريقه رواه الحاكم وقوَّاه.



والخلاصة: أنَّ إسناد هذا الحديث لا يزال في حاجة إلى عاضد وهو مع ضعفه أحسن شيء في هذا الباب كما سبق.



قال الحافظ في التلخيص (2/ 7):"والحق أن طرقه كلها ضعيفة، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن، إلا أنه شاذ لشدة الفردية فيه، وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر، ومخالفة هيئتها لهيئة باقي الصلوات، وموسي بن عبد العزيز وإن كان صادقًا صالحًا فلا. يُحتمل منه هذا التفرد. وقد ضعَّفها ابن تيمية، والمزي، وتوقف الذهبي، حكاه ابن الهادي عنهم في أحكامه"، انتهى.



وحديث أبي رافع رواه الترمذي (482)، وابن ماجه (1386) كلاهما من طريق زيد بن حُباب العُكْلِي، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني سعيد بن أبي سعيد مولى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس:"يا عم! ألا أصِلُك، ألا أحْبُوك، ألا أنفعُك؟" قال: بلى يا رسول الله! قال:"يا عم!" فذكر نحوه إلا أنه لم يذكر فيه"فإن لم تفعل ففي عمرك مرة".



قال الترمذي:"حديث غريب من حديث أبي رافع" وقال قبله في حديث أنس:"وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم غير واحد في صلاة التسبيح ولا يصح منه كبير شيء".



قلت: وأما في الإسناد المذكور فزيد بن حُباب"صدوق يخطئ" وشيخه موسي بن عبيدة"ضعيف" وشيخه سعيد بن أبي سعيد"مجهول".



وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فروي مرفوعًا وموقوفًا، فأما المرفوع فرواه أبو داود (1298) وعنه البيهقي (3/ 52) عن رجل كانت له صحبة -يرون أنه عبد الله بن عمرو، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ائتِني غدًا أَحْبُوك وأُثيبك وأُعطيك" حتى ظننتُ أنه يُعطيني عطية، قال:"إذا زال النهار فقُم فصلُ أربع ركعات" فذكر نحوه (أي نحو حديث ابن عباس) قال:"ثم ترفع رأسك -يعني من السجدة الثانية- فاستوِ جالسًا، ولا تقم حتى تصبح عشرًا، وتحمد عشرًا، وتكبر عشرًا، وتهلل عشرًا، ثم تصنع ذلك في الأربع الركعات" قال:"فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنبًا غُفر لك بذلك" قلت: فإن لم أستطع أن أصليها تلك الساعة؟ قال:"صَلِّها من الليل والنهار".



رواه عن محمد بن سفيان الأبلي، حدثنا حبان بن هلال أبي حبيب، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء قال: حدثني رجل كانت له صحبة يرون أنه عبد الله بن عمرو فذكره.

وفيه عمرو بن مالك وهو: النُكري الراوي عن أبي الجوزاء ذكره ابن حبان في الثقات (7/ 228) وقال:"يعتبر حديثُه من غير رواية ابنه عنه، يخطئ ويغرب".



قلت: وهو كما قال، فإنه أخطأ فيه، لأن غيره يرويه عن أبي الجوزاء موقوفًا، قال أبو داود:"رواه المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، ورواه رَوح بن المسيب وجعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قوله، وقال في حديث روح فقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم"، انتهى.



وهذا كله من أوهام النكري، والمستمر بن الريان الأيادي من رجال مسلم وهو أوثق من النُكري، فلا تُقبل مخالفته له، ولذا وصفه الحافظ في التقريب بأنه"صدوق له أوهام". ووصف المستمر بن الريان بأنه"ثقة عابد".



ولكن ذكر البيهقي (3/ 52) فقال: رواه أبو جناب عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا غير أنه جعل التسبيح خمس عشرة مرة قبل القراءة وجعل ما بعد السجدة الثانية بعد القراءة.



قلت: أبو جناب هو: يحيى بن أبي حية ضعيف مدلس. قال الحافظ في التقريب:"ضعَّفوه لكثرة تدليسه" فلا تُقبل متابعته.



وفي الباب أحاديث أخرى لا يسلم منها شيء كما قال الترمذي وغيره، وعلى فرض صحة إسناد بعض هذه الأحاديث ففيها نكارة لاختلاف هيئتها كما قال الحافظ بن حجر وغيره.



وقد كثر الكلام في صلاة التسبيح فذهب أكثر المحققين إلى أنها بدعة، لم يثبت قولًا ولا فعلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عنِ الخلفاء الراشدين، ولا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين، وإنما صلى بها بعض أتابع التابعين كما ذكره الحاكم (1/ 329) منهم عبد الله بن المبارك كما ذكره البيهقي في"شعب الإيمان" وقال:"وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض، وفيه تقوية للحديث المرفوع".



قلت: كذا قال رحمه الله تعالى. وفيه نظر، فإن عمل الصالحين لا يُقَوِّي الحديثَ الضعيفَ ولا يَشْرَعُ شيئًا جديدًا في الدين، والله المستعان، انظر للمزيد:"المنة الكبرى" (2/ 421).



وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله تعالي عن حديث صلاة التسبيح، فقال:"والصواب أنه ليس بصحيح؛ لأنه شاذ، ومنكر المتن، ومخالف للأحاديث الصحيحة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة، الصلاة التي شرعها الله لعباده في ركوعها وسجودها وغير ذلك؛ ولهذا الصواب: قول من قال بعدم صحته لما ذكرنا؛ ولأنّ أسانيدها كلها ضعيفة""مجموع فتاويه" (11/ 426).







والعشاء ثنتي عشرة ركعة بستّ تسليمات، كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، والقدر ثلاثًا، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثنتي عشرة مرة، فإذا فرغ من صلاته قال:"اللهم صَلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آله" -بعد ما يُسلم- سبعين مرة، ثم يسجد سجدة ويقول في سجوده:"سُبُّوح قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح"، سبعين مرة، ثم يرفع رأسه ويقول:"رب اغفر لي وارحم وتجاوزْ عما تعلم، إنك أنت العلي الأعظم" - وفي أخرى- الأعز الأكرم- سبعين مرة، ثم يسجد ويقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله -وهو ساجد- حاجته، فإن الله لا يرد سائله" فهو حديث موضوع.



قال ابن الأثير في"جامع الأصول" (6/ 154):"هذا الحديث مما وجدته في كتاب رزين، ولم أجده في أحد من الكتب الستة، والحديث مطعون فيه" انتهى.



قلت: رزين هو: أبو الحسن رزين بن معاوية بن عمار الأندلسي المتوفي (سنة 535 هـ) له تصانيف منها: كتاب"تجريد الصحاح" جمع فيه ما في"الخمسة" و"الموطأ" من الأحاديث الصحيحة، واستفاد منه ابن الأثير عند تأليفه"جامع الأصول في أحاديث الرسول" وذكر الزيادات التي وجدها في كتاب رزين. والحديث المذكور باسم"صلاة الرغائب" لم يكن معروفًا في القرون الثلاثة.



ويدل عليه ما قال العز بن عبد السلام:"ومما يدل على ابتداء هذه الصلاة، أن العلماء الذين هم أعلام الدين، وأئمة المسلمين، من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، وغيرهم ممن دوَّن الكتب في الشريعة، مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسنن، لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دوَّنها في كتابه، ولا تعرض لها في مجالسه، والعادة تُحيل أن تكون مثل هذه سنة، وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين، وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن، والحلال والحرام، وهذه الصلاة لا يصليها أهل المغرب الذين شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لطائفة منهم أنهم لا يزالون على الحق حتي تقوم الساعة، ولذلك لا تُفعل بالإسكندرية لتمسكهم بالسنة، ولما صحَّ عند السلطان الملك الكامل رحمه الله أنها من البدع المفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطلها من الديار المصرية، فطوبى لمن تولي شيئًا من أمور المسلمين فأعان على إماتة البدع، وإحياء السنن""المساجلة العلمية" (ص 9، 10).



وقال النووي في"المجموع" (4/ 56):"الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي ثنتي عشرة ركعة تصلي بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكرتان قبيحتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب"قوت القلوب" (لأبي طالب مكي) و"إحياء علوم الدين" (للغزالي المتوفى سنة 505 هـ) ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل. ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابها، فإنه غالط في ذلك، وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتابًا

نفيسًا في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد رحمه الله" انتهى.



وقال نحو ذلك في"الخلاصة" (1/ 215 - 217) وزاد:"وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"، وقال صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهاتان محدثتان لا أصل لهما" انتهى.



وقال الحافظ ابن الصلاح:"هذه الصلاة شاعت بين الناس بعد المائة الرابعة، ولم تكن تعرف، وقد قيل: إن منشأها من بيت المقدس -صانها الله تبارك وتعالى والحديث الوارد بها بعينها وخصوصها ضعيف، ساقط الاسناد عند أهل الحديث، ثم منهم من يقول: هو موضوع، وذلك الذي نظنه. ومنهم من يقتصر على وصفه بالضعف، ولا يستفاد له صحة من ذكر رزين بن معاوية إياه في كتابه في"تجريد الصحاح"، ولا من ذكر صاحب كتاب"الإحياء" له فيه، واعتماده عليه، لكثرة ما فيهما من الحديث الضعيف، وإيراد رزين مثله في مثل كتابه من العجب" انتهى.



وقد جرتْ مساجلةٌ علميةٌ بين العِزّ بن عبد السلام وبين ابن الصلاح، فإن الأخير بعد ما ذكر بأن الصلاة المذكورة لم تشتهر إلا في القرن الرابع، وإن الحديث الوارد فيها موضوع قال:"ثم إنه لا يلزم من ضعف الحديث بطلان صلاة الرغائب والمنع منها، لأنها داخلة تحت مطلق الأمر الوارد في الكتاب والسنة بمطلق الصلاة، فهي إذا مستحبة بعمومات نصوص الشريعة الكثيرة الناطقة باستحباب مطلق الصلاة … ثم ذكر بعض هذه الأحاديث.



وقد فَنَّد العز بن عبد اللام أدلة ابن الصلاح واحدة تلو أخرى ومما قال فيه:"أن تعاطي صلاة الرغائب يوقع العامة في أن يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينسبوه إلى أنه سنَّها بخصوصياتها فيكون متسببًا إلى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف الصلاة التي مثَّل بها"."المساجلة" (ص 33).



وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هل صلاةُ الرغائب مستحبة أم لا؟ فأجاب:"هذه الصلاة لم يصلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من السلف، ولا الأئمة. ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها -والحديث المروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك، ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة" مجموع الفتاوي (1/ 149).



انظر للمزيد"مساجلة علمية بين الإمامَين الجليلين العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة".







الترغيب والترهيب (3/ 30، 31) كلهم من طريق معاذ بن فضالة، عن يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن صفوان بن سليم، قال بكر: أحسبه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.



وفي الإسناد من العلل: الأولى: الشك من بكر في رفعه.



الثانية: بكر بن عمرو المعافري المصري لم توثقه أحد من النقاد، بل قال فيه ابن القطان: لا نعلم عدالته. وقال الحاكم: سألت الدارقطني عنه فقال: ينظر في أمره.



وأما ابن حبان فوثقه على قاعدته في توثيق من لم يعرف فيه جرح ولا تعديل.



الثالثة: ويحيى بن أيوب هو الغافقي، سيئ الحفظ كما قال أحمد. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب. وفيه كلام آخر عن أئمة النقاد وإن كان بعضهم حسن الرأي فيه ولكن الغالب عليه الوهم والخطأ.



ولعل هذا مما أخطأ فيه، إنما المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل البيت كان يصلي ركعتين أحيانا قضاء فجعله أمرا.



قال ابن رجب في"فتح الباري" (3/ 316، 317) بعد أن ذكر حديث البزار:"في إسناده ضعف". وقال أيضًا:"روى الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"صلاة الأوابين" أو قال:"صلاة الأبرار ركعتان إذا دخلت بيتك، وركعتان إذا خرجت منه" وهذا مرسل.



ويروى عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: ما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي قط إلا صلي ركعتين. قال أبو بكر الأثرم: هو خطأ. كأنه يشير إلى أنه مختصر من حديث الصلاة بعد الصلاة" انتهى.



وفي معناه مراسيل أخرى، ولا يصح منها شيء. ثم إن هذا حكم لا يؤخذ إلا ممن عرفناهم، وقد قال العباس بن محمد: سمعت أحمد بن حنبل وسئل، وهو على باب أبي النضر هاشم بن القاسم، فقيل له: يا أبا عبد الله ما تقول في موسي بن عبيدة، وفي محمد بن إسحاق؟ قال: أما موسي بن عبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدث بأحاديث مناكر عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث -كأنه يعني المغازي ونحوها- فأما إذا جاءك الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا، وقبض أبو الفضل -يعني العباس- أصابع يده الأربع من كل يد، ولم يضم الإبهام.



وقال عبد الرحمن بن مهدي: إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال تساهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال.



وبكر بن عمرو ويحيى بن أيوب ممن لا يقبل تفردهما في حكم لم يعمل به في عهد الصحابة والتابعين.



وأما ما روي عن عبد الله بن رواحة أنه كان يصلي إذا دخل بيته، وإذا خرج، ففي إسناده نظر.

আল-জামি` আল-কামিল (2909)