4527 - عن السّائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبيَّ بنَ كعب وتميمًا الدّاريَّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئُ يقرأُ بالمئين، حتى كنّا نعتمدُ على العصيِّ من طول القيام، وما كنّا ننصرف إلّا في فروع الفجر.



صحيح: رواه مالك في الصلاة في رمضان (4) عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، فذكره.

وإسناده صحيح، السائب بن يزيد صحابي صغير، ومحمد بن يوسف الأعرج من ثقات التابعين، وهو ابن أخت السائب بن يزيد كما صرّحت الرواية بذلك في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 496) من طريق مالك، وقد احتج به الشّيخان.



ورواه سعيد بن منصور في سننه من وجه آخر عن عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن يوسف بإسناده، مثله. انظر شرح الموطأ للزرقاني (1/ 354).



وكذلك رواه يحيى بن سعيد عند أبي بكر بن أبي شيبة (2/ 391)، وإسماعيل بن جعفر في حديث علي بن حجر (440)، ومحمد بن إسحاق كما عند محمد بن نصر في قيام الليل (ص 42) كلّ هؤلاء عن محمد بن يوسف، به، مثله. إلّا أن ابن إسحاق فإنه قال:"ثلاث عشرة ركعة".



وهذه المتابعات تدل على أنّ مالكًا لم يخطئْ في قوله:"إحدى عشرة ركعة" ولم ينفرد بها كما قال الحافظ ابن عبد البر.



قال البيهقيّ في"فضائل الأوقات" (ص 275) بعد أن أخرج الحديث من طريق مالك: هكذا في هذه الرواية، وهي موافقة لرواية عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في عدد ركعات قيامه في شهر رمضان وغيره. وكان عمر بن الخطاب أمر بهذا العدد زمانًا ثم أمر بما …" أي الآثار التي سوف تأتي عنه.



وأمّا ما رواه عبد الرزاق (7730) عن داود بن قيس وغيره، عن محمد بن يوسف، عن السائب ابن يزيد، أنّ عمر جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب، وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة، يقرؤون بالمئين، وينصرفون عند بزوغ الشمس".



هكذا قال في هذه الرواية"إحدى وعشرين" فيبدو أنه خطأ من عبد الرزاق، وهو وإن كان ثقة حافظًا فإنه قد عمي في آخر عمره فتغيّر، كما صرَّح به الحافظ في"التقريب".



فالصّحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بإحدى عشرة ركعة تأسيًا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لما رأى طول القيام، وشعر بمشقة الناس، وفيهم الكبير والضعيف، أمر بتخفيف القراءة وإكثار الركوع والسجود؛ لأنّ صلاة التراويح من الصلوات النافلة يجوز فيها الزيادة والنقصان، وعليه تدل الآثار الآتية:



منها ما رواه السائب بن يزيد نفسه، قال:"كانوا يقومون على عهد عمر في شهر رمضان بعشرين ركعة، وإن كانوا ليقرأون بالمئين من القرآن".



رواه أبو القاسم البغويّ في حديث"علي بن الجعد" المعروف بالجعديات (3387) ومن طريقه البيهقي (2/ 496) عن ابن أبي ذئب، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، فذكره.



ورواه الفريابي في كتاب الصيام (158) من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، به، مثله. وزاد:"حتى كانوا يتوكأون على عصيهم من شدة القيام".



ورواه البيهقي في"المعرفة" (5409) من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثني يزيد بن

خصيفة، عن السائب بن يزيد، قال:"كنا نقوم في زمان عمر بن الخطاب بعشرين ركعة والوتر".



ويزيد بن خصيفة ينسب إلى جدّه وهو يزيد بن عبد الله بن خصيفة ثقة، وثّقه الأئمة إلا أن أحمد قال فيه:"منكر الحديث" مع توثيقه له في رواية الأثرم عنه.



قال الحافظ ابن حجر في"هدي الساري" (ص 453):"هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يُغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله، وقد احتج بابن خصيفة مالك والأئمة كلّهم" انتهى.



وهذا الأثر صحّحه ابن الملقن في"البدر المنير" (4/ 350) بعد أن عزاه للبيهقي، والنووي في"الخلاصة" كما في نصب الراية (2/ 154).



وأظنه كذلك، فإمّا أن تكون هي الرّواية الثانية عن السائب بن يزيد، بأن عمر بن الخطاب لما رأى طول القيام فيه مشقة خفّف عنهم القراءة وجعلها عشرين ركعة، أو أن يزيد بن خصيفة انفرد برواية هذا الأثر، وهو مخالف لما رواه غيره، وثبت عن عائشة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد في رمضان أو في غير رمضان على إحدى عشرة ركعة، فحكم عليه الشذوذ؛ لأنّ يزيد بن خصيفة ومحمد بن يوسف كلاهما ثقتان يرويان عن السائب بن يزيد، والأول يقول في روايته:"إحدى وعشرين" والثاني يقول:"إحدى عشرة" فيرجح القول الثاني لأنه أوثق من صاحبه؛ ولذا اقتصر الحافظ في وصف يزيد بن خصيفة بأنه"ثقة" وقال في وصف محمد بن يوسف"ثقة ثبت".



ومنها ما رواه مالك في"الموطأ" في الصلاة في رمضان (5) عن يزيد بن رومان أنه قال:"كان الناسُ يقومون في زمان عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة" ولكن فيه انقطاع.



لأن يزيد بن رومان من أقران ابن شهاب الزهريّ -كما في تهذيب الكمال- توفي سنة (130 هـ) ولم يدرك زمن عمر رضي الله عنه، بل قال المزي: عن أبي هريرة مرسل.



ونصَّ الزيلعي في"نصب الراية" (2/ 154) بأنه لم يدرك عمر بن الخطاب، وقال العيني في"عمدة القاري" (11/ 126):"سنده منقطع".



وقال البيهقي في"فضائل الأوقات" (ص 277):"مرسل".



ومنها ما رواه ابن أبي شيبة (2/ 393) عن وكيع، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد:"أنّ عمر بن الخطاب أمر رجلًا يصلي بهم عشرين ركعة".



وفيه انقطاع أيضًا. لأنّ يحيى بن سعيد وهو الأنصاري لم يدرك عمر بن الخطاب.



قال علي بن المديني:"لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس" كما في"التهذيب" (11/ 223).



وكذلك منها ما رواه ابن أبي شيبة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن حسن (كذا ولعله: الحسن البصري، عن) عبد العزيز بن رفيع، قال:"كان أُبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث".

وعبد العزيز بن رُفيع لم يدرك أبي بن كعب فإنه مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، وقد أتى عليه نيّف وتسعون سنة، كما في تهذيب الكمال.



وعليه فتكون ولادته بعد الثلاثين، وأما أُبي بن كعب رضي الله عنه فإنه توفي سنة (19 هـ) أو (32 هـ).



وأيضًا فإنّ ابن رُفيع إنما يروي عن صغار الصحابة وكبار التابعين.



وروى الضياء المقدسي في المختارة (1161) من طريق أحمد بن منيع، أنا الحسن بن موسي، نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، أنّ عمر أمر أبيَّا أن يُصلي بالناس في رمضان، فقال: إنّ الناس يصومون النّهار ولا يحسنون أن يقرأوا فلو قرأتَ عليهم بالليل. فقال: يا أمير المؤمنين، هذا شيء لم يكن؟ فقال: قد علمتُ، ولكنه أحسن، فصلّى بهم عشرين ركعة. وفيه أبو العالية وهو رفيع ثقة ولكنه كان يرسل كثيرا، وفيه ربيع بن أنس البكري، صدوق له أوهام وخاصة فيما رواه عنه أبو جعفر الرازي، قال ابن حبان:"الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن في أحاديثه عنه اضطرابا كثيرا".



ومنها ما رواه عبد الرزاق (7733) عن الأسلميّ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن السائب بن يزيد، قال:"كنا نتصرف من القيام على عهد عمر وقد دنا فروع الفجر، وكان القيام على عهد عمر ثلاثة وعشرين ركعة".



وإسناده واهٍ جدًّا، من أجل الأسلميّ، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال الحافظ:"متروك".



وأمّا الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذباب، فمختلف فيه، فقال أبو حاتم:"يروي عنه الدراوردي أحاديث منكرة، ليس بالقوي". وقال أبو زرعة:"ليس به بأس".



ويظهر من هذه الآثار مع رواية يزيد بن خصيفة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أولًا بإحدى عشرة ركعة، ثم أمر بعد ذلك بإحدى وعشرين ركعة.



قال ابن عبد البر:"يحتمل أن يكون القيام في أول ما عمل به عمر بإحدى عشر ركعة، ثم خفّف عليهم طول القيام، ونقلهم إلى إحدى وعشرين ركعة، يخفّفون فيها القراءة، ويزيدون في الركوع والسجود". الاستذكار (5/ 154).



وإلى نحو هذا الجمع جنح البيهقي فقال في"السنن" (2/ 496):



"ويمكن الجمع بين الروايتين، فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث" اهـ.



وقال عبد الحق الإشبيلي في كتابه"الصلاة والتهجد" (ص 287):"ويروى أنّ الناس اشتدّ عليهم طول القيام فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر القارئين أن يخفِّفا من طول القيام ويزيدا في عدد الركوع، فكانا يقومان بثلاث وعشرين ركعة، ثم شكوا فنقصوا من طول القيام زيدوا في

الركوع حتى أتمّوا ستًا وثلاثين، والوتر بثلاث، فاستقرّ الأمر على هذا" اهـ.



ولذا ذهب بعض أهل العلم إلى الزيادة على ثلاثين وعشرين، فروى ابن القاسم في"المدونة" عن الإمام مالك أنها تسع وثلاثون، وهو الأمر القديم الذي أدرك عليه أهل المدينة.



وقال صالح مولى التوأمة: أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة، يوترون منها بخمس، ذكره صاحب المغني (2/ 604).



وكان الأسود بن يزيد يصلي أربعين ركعة ويوتر بسبع إلى غير ذلك من الأقوال المذكورة في كتب السنة والفقه. (انظر: مختصر كتاب قيام رمضان ص 41 - 45).



وكأنّهم رأوا أنّ الأمر فيه سعة؛ لأنه داخل في مطلق النوافل، وليس من السنن الرواتب.



قال الشافعي:"وليس في شيء من هذا ضيق، ولا حدّ ينتهي إليه، لأنه نافلة فإنْ أطالوا القيام وأقلُّوا السجود فحسن -وهو أحبُّ إليَّ-، وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن". المعرفة للبيهقي (4/ 42).



وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: كم من ركعة يصلَّي في قيام شهر رمضان؟ فقال: قد قيل فيه ألوان نحوًا من أربعين إنّما هو تطوّع. مختصر كتاب قيام رمضان (ص 45) إلا أن المختار عند الإمام أحمد عشرون ركعة، كما في المغني (2/ 604).



قلت: وقد يختلف باختلاف المصلين.



كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"المجموع" (22/ 272):"إن نفس قيام رمضان لم يوقت النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه عددًا معينًا، بل كان هو صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة، ثم يوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات، لأنّ ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث. وهذا كلّه سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه، فقد أحسن.



والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل" انتهى.

আল-জামি` আল-কামিল (4527)