9214 - عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته قال:"ما قبضَ الله نبيًا إلا في الموضع الذي يُحب أن يدفن فيه".
حسن: رواه الترمذي في سننه (1018) وفي الشمائل (372) والبزار في مسنده (60)، وأبو يعلى (1/ 46) كلهم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، فذكرته.
قال الترمذي:"هذا حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يُضعف من قِبل حفظه، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، فرواه ابنُ عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: ابن أبي مليكة مختلف في توثيقه، وخلاصته أنه يُحسّن حديثه إذا يوجد ما يؤيّده، وهذا منه.
فقد روي أيضا عن ابن عباس كما قال الترمذي أنه قال:"لقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له، فقال قائلون: يدفن في مسجده، وقال قائلون يدفن مع أصحابه، فقال أبو بكر: إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما قبض نبيّ إلا دُفنَ حيث يُقبض".
رواه ابنُ ما جه (1628)، والبزار (18)، وأحمد (260) والبيهقي في دلائل النبوة (7/ 260) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وفيه حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف. وبه أعله الحافظ ابن حجر في الفتح (5/ 529) فقال:"حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف"، وقال:"وله طريق أخرى مرسلة، ذكرها البيهقي في الدلائل".
وفيه أيضا محمد بن إسحاق، وهو مدلس إلا أنه صرح بالتحديث عند ابن ماجه وغيره.
ومنه ما رواه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدروا أين
يقبرون النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكر الصديق: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لن يقبر نبي إلا حيث يموت". فأخروا فراشه، وحفروا له تحت فراشه.
رواه الإمام أحمد (27) من حديث عبد الرزاق، وهو في مصنفه (6534) قال: أخبرني ابنُ جريج قال: أخبرني أبي فذكره. ورواه إسحاق بن راهويه (1348) عن عيسى بن يونس، نا ابن جريج بإسناده نحوه.
وابن جريج هو عبد الملك، وأبوه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، وعبد العزيز الماجشون لم يُدرك أبا بكر الصديق.
وكذا أعلّه أيضا ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 136).
ومنه: ما رواه أبو بكر بن عمر بن حفص عن أبي بكر قال: سمعت خليلي يقول:"ما مات نبيٌّ قط في مكان إلا دفن فيه".
رواه ابن سعد (2/ 923) عن الفضل بن دكين قال: أخبرنا عمر بن ذر قال: قال أبو بكر فذكره. وأبو بكر بن عمر بن حفص لم يلق أبا بكر الصديق.
ومنه: ما رواه القاسم بن محمد قال: كان الناس اختلفوا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبي يموت إلا يدفن حيث يُقبض، فخُطّوا حول فراش النبي صلى الله عليه وسلم، تم أدفنوه حيث قُبِضَ.
رواه إسحاق، أخبرنا بشر بن عمر الزهراني قال: سمعت سليمان بن بلال يحدث قال: سمعت يحيى بن سعيد، يحدّث عن القاسم بن محمد قال: فذكره. وهو مرسل.
قال ابن حجر في المطالب (17/ 544):"رواه أحمد متصل ضعيف في أثناء حديث، وأخرجه أيضا بسند معضل، وهذه الطريق المرسلة أصحّ مخرجا، وهي تعضد ذلك المتصل، وتُشعر بأن له أصلا".
قلت: وهو كما قال؛ فإن هذه الطرق باختلاف مخارجها يُقوّي بعضُها بعضًا، وقد رُويَ أيضا موقوفا، وهو ما رواه سالم بن عبيد وكان من أصحاب الصفة -، عن أبي بكر في قصة مرض النبي صلى الله عليه وسلم، ووفاته، والصلاة عليه، وفيه قالوا: يا صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، هل يدفن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قالوا: وأين يدفن؟ قال: في المكان الذي قبَض الله فيه روحَه؛ فإن الله لم يقبضْ روحَه إلا في مكانٍ طيبٍ.
رواه الترمذي في الشمائل (379)، والنسائي في الكبرى (1/ 395)، والبيهقي في دلائل النبوة (7/ 259) كلهم من حديث سلمة بن نبيط، عن أبيه نبيط بن شريط الأشجعي، عن سالم بن عبيد فذكره.
قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح لكنه موقوف.
قلت: وهو كما قال، ولكن له حكم الرفع.
قلت: وكذلك رواه عروة وغيره، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهذه الأسانيد كلها صحيحة، ولم
يخالف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول أبي بكر، فصار كالإجماع، ويعد هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه دُفِنَ في البيت الذي مات فيه، ولا يجوز لأحد أن ينكر وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس في الأرض قبر نبي معلوم بالتواتر والإجماع إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم. مجموع الفتاوى (27/ 254).
وفيه صيانة لقبره صلى الله عليه وسلم من أن يتخذ مسجدًا، كما ورد التحذير في حديث عائشة عند البخاري في صحيحه (1390) ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خُشي أن يتخذ مسجدا. أي لو دُفِنَ في مقابر المسلمين العامة.
قوله:"خُشِيَ أو خَشِي" - بالضم - أي أن الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الناس، - وبالفتح - أي أن النبي صلى الله عليه وسلم خاف أن يتخذ قبره مسجدًا.
وبهذا تحقق دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء عن أبي هريرة"اللَّهم لا تجعلْ قبري وثنًا، لعنَ الله قومًا اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ" رواه الإمام أحمد (7358) وابنُ سعد (2/ 241، 242) وغيرهما من حديث سفيان عن حمزة بن المغيرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل حمزة بن المغيرة فإنه حسن الحديث.
ورَوى الحاكم في المستدرك (3/ 60) من حديث الحميدي، ثنا سفيان قال: سمعتُ يحيى بن سعيد يحدث عن سعيد بن المسيب قال: قالت عائشة: رأيتُ كأنّ ثلاثة أقمار سقطت في حُجْرتي فسألتُ أبا بكر فقال: يا عائشة إن تصدُقْ رؤياك يُدفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ودُفن، قال لي أبو بكر: يا عائشة هذا خير أقمارك، وهو أحدها.
وأخرجه أيضًا البيهقي في الدلائل (7/ 262) من وجه آخر عن سفيان. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ثم قال الحاكم: وقد كتبناه من حديث أنس بن مالك مسندًا، ثم أخرجه من طريق موسى بن عبد الله السلمي، عن عمر بن حماد بن سعيد الأبَحّ، عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعجبه الرؤيا .." فذكرتْ عائشةُ رؤياها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول أبي بكر.
ولكن قال الذهبي: عمر بن سعيد بن حماد الأبَحّ أحد الضعفاء، تمرّد به عنه موسى بن عبد الله السلمي، لا أدري مَن هو؟ .
ورَوى الإمام أحمد (25660) ومن طريقه الحاكم وصحّحه، فقال: ثنا حماد بن أسامة، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنتُ أدخلُ بيتي الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني واضعٌ ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر معهم، فوالله ما دخلتُ إلا وأنا مشدودةٌ عليّ ثيابي، حياءً من عمر" أي أن عائشة رضي الله عنها بعد دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم تكن تدخل حجرتها إلا في حجابها، حتى أقامتْ جدارا بينها وبين القبور كما سيأتي في أخبارها، ثم بعد
وفاتها سُدّت أبواب الحجرة، وفي إحدى الليالي الممطرة سقط جدار الحجرة النبوية، ففزع لذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله وأمر ببناء الجدار، فأخذوا في بنائه فبدتْ لهم قدَمٌ، ففزعوا، وظنُّوا أنها قدمُ النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا، والله، ما هي قدمُ النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي إلا قدمُ عمر صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري في الجنائز (1390) عن فروة ثنا علي عن هشام بن عروة عن أبيه به.
ولما احتاج المسلمون إلى الزيادة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم زاد فيه عمر رضي الله عنه، وبناه علي بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غيّره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة، وجعل عُمُده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج كما في صحيح البخاري (446).
ثم لما ولي الوليد بن عبد الملك عام أمرَ عمرَ بن عبد العزيز - وكان عاملَه على المدينة آنذاك - بهدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وإدخالها في المسجد، وقد عارضه علماء المدينة وفقهاؤها في إدخال قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد إلا أن عمر بن عبد العزيز بنى حيطانًا مرتفعًا، وجدارَين من الشرق والغرب يلتقيان في الشمال برأس مثلث فصار لا يتأتى لأحد استقبال القبور عند الصلاة أو الدعاء، لأنه ينحرف به عن القبلة.
ولم يكنْ ثمة قبةٌ، والقبة الموجودة الآن بُنيتْ في عهد السلطان الأشرف قايتباي - سلطان مصر - وجُعلت دعائمها في الأرض، وجعلوها حائزة على جميع الحجرة، وما اتصل بها من المثلث الشمالي، وكان ذلك عام (889 هـ) في أواخر القرن التاسع الهجري.
وعلى هذا صارت القبور الثلاثة محجوزة بعدة حواجز: جدار حجرة عائشة، وجدار عمر بن عبد العزيز، والجدار الذي عليه القبةُ، ثم الحاجز الحديدي من ناحية القبلة، والغرب، وعليه فلا يمكن لأحد أن يصِل إلى القبور.
وتم بهذه الجهود المبذولة في بناء الحواجز عبر القرون تحقيقُ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم:"اللَّهم لا تجعلْ قبري وثنًا".
حسن: رواه الترمذي في سننه (1018) وفي الشمائل (372) والبزار في مسنده (60)، وأبو يعلى (1/ 46) كلهم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، فذكرته.
قال الترمذي:"هذا حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يُضعف من قِبل حفظه، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، فرواه ابنُ عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: ابن أبي مليكة مختلف في توثيقه، وخلاصته أنه يُحسّن حديثه إذا يوجد ما يؤيّده، وهذا منه.
فقد روي أيضا عن ابن عباس كما قال الترمذي أنه قال:"لقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له، فقال قائلون: يدفن في مسجده، وقال قائلون يدفن مع أصحابه، فقال أبو بكر: إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما قبض نبيّ إلا دُفنَ حيث يُقبض".
رواه ابنُ ما جه (1628)، والبزار (18)، وأحمد (260) والبيهقي في دلائل النبوة (7/ 260) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وفيه حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف. وبه أعله الحافظ ابن حجر في الفتح (5/ 529) فقال:"حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف"، وقال:"وله طريق أخرى مرسلة، ذكرها البيهقي في الدلائل".
وفيه أيضا محمد بن إسحاق، وهو مدلس إلا أنه صرح بالتحديث عند ابن ماجه وغيره.
ومنه ما رواه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدروا أين
يقبرون النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكر الصديق: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لن يقبر نبي إلا حيث يموت". فأخروا فراشه، وحفروا له تحت فراشه.
رواه الإمام أحمد (27) من حديث عبد الرزاق، وهو في مصنفه (6534) قال: أخبرني ابنُ جريج قال: أخبرني أبي فذكره. ورواه إسحاق بن راهويه (1348) عن عيسى بن يونس، نا ابن جريج بإسناده نحوه.
وابن جريج هو عبد الملك، وأبوه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، وعبد العزيز الماجشون لم يُدرك أبا بكر الصديق.
وكذا أعلّه أيضا ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 136).
ومنه: ما رواه أبو بكر بن عمر بن حفص عن أبي بكر قال: سمعت خليلي يقول:"ما مات نبيٌّ قط في مكان إلا دفن فيه".
رواه ابن سعد (2/ 923) عن الفضل بن دكين قال: أخبرنا عمر بن ذر قال: قال أبو بكر فذكره. وأبو بكر بن عمر بن حفص لم يلق أبا بكر الصديق.
ومنه: ما رواه القاسم بن محمد قال: كان الناس اختلفوا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبي يموت إلا يدفن حيث يُقبض، فخُطّوا حول فراش النبي صلى الله عليه وسلم، تم أدفنوه حيث قُبِضَ.
رواه إسحاق، أخبرنا بشر بن عمر الزهراني قال: سمعت سليمان بن بلال يحدث قال: سمعت يحيى بن سعيد، يحدّث عن القاسم بن محمد قال: فذكره. وهو مرسل.
قال ابن حجر في المطالب (17/ 544):"رواه أحمد متصل ضعيف في أثناء حديث، وأخرجه أيضا بسند معضل، وهذه الطريق المرسلة أصحّ مخرجا، وهي تعضد ذلك المتصل، وتُشعر بأن له أصلا".
قلت: وهو كما قال؛ فإن هذه الطرق باختلاف مخارجها يُقوّي بعضُها بعضًا، وقد رُويَ أيضا موقوفا، وهو ما رواه سالم بن عبيد وكان من أصحاب الصفة -، عن أبي بكر في قصة مرض النبي صلى الله عليه وسلم، ووفاته، والصلاة عليه، وفيه قالوا: يا صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، هل يدفن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قالوا: وأين يدفن؟ قال: في المكان الذي قبَض الله فيه روحَه؛ فإن الله لم يقبضْ روحَه إلا في مكانٍ طيبٍ.
رواه الترمذي في الشمائل (379)، والنسائي في الكبرى (1/ 395)، والبيهقي في دلائل النبوة (7/ 259) كلهم من حديث سلمة بن نبيط، عن أبيه نبيط بن شريط الأشجعي، عن سالم بن عبيد فذكره.
قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح لكنه موقوف.
قلت: وهو كما قال، ولكن له حكم الرفع.
قلت: وكذلك رواه عروة وغيره، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهذه الأسانيد كلها صحيحة، ولم
يخالف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول أبي بكر، فصار كالإجماع، ويعد هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه دُفِنَ في البيت الذي مات فيه، ولا يجوز لأحد أن ينكر وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس في الأرض قبر نبي معلوم بالتواتر والإجماع إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم. مجموع الفتاوى (27/ 254).
وفيه صيانة لقبره صلى الله عليه وسلم من أن يتخذ مسجدًا، كما ورد التحذير في حديث عائشة عند البخاري في صحيحه (1390) ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خُشي أن يتخذ مسجدا. أي لو دُفِنَ في مقابر المسلمين العامة.
قوله:"خُشِيَ أو خَشِي" - بالضم - أي أن الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الناس، - وبالفتح - أي أن النبي صلى الله عليه وسلم خاف أن يتخذ قبره مسجدًا.
وبهذا تحقق دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء عن أبي هريرة"اللَّهم لا تجعلْ قبري وثنًا، لعنَ الله قومًا اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ" رواه الإمام أحمد (7358) وابنُ سعد (2/ 241، 242) وغيرهما من حديث سفيان عن حمزة بن المغيرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل حمزة بن المغيرة فإنه حسن الحديث.
ورَوى الحاكم في المستدرك (3/ 60) من حديث الحميدي، ثنا سفيان قال: سمعتُ يحيى بن سعيد يحدث عن سعيد بن المسيب قال: قالت عائشة: رأيتُ كأنّ ثلاثة أقمار سقطت في حُجْرتي فسألتُ أبا بكر فقال: يا عائشة إن تصدُقْ رؤياك يُدفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ودُفن، قال لي أبو بكر: يا عائشة هذا خير أقمارك، وهو أحدها.
وأخرجه أيضًا البيهقي في الدلائل (7/ 262) من وجه آخر عن سفيان. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ثم قال الحاكم: وقد كتبناه من حديث أنس بن مالك مسندًا، ثم أخرجه من طريق موسى بن عبد الله السلمي، عن عمر بن حماد بن سعيد الأبَحّ، عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعجبه الرؤيا .." فذكرتْ عائشةُ رؤياها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول أبي بكر.
ولكن قال الذهبي: عمر بن سعيد بن حماد الأبَحّ أحد الضعفاء، تمرّد به عنه موسى بن عبد الله السلمي، لا أدري مَن هو؟ .
ورَوى الإمام أحمد (25660) ومن طريقه الحاكم وصحّحه، فقال: ثنا حماد بن أسامة، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنتُ أدخلُ بيتي الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني واضعٌ ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر معهم، فوالله ما دخلتُ إلا وأنا مشدودةٌ عليّ ثيابي، حياءً من عمر" أي أن عائشة رضي الله عنها بعد دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم تكن تدخل حجرتها إلا في حجابها، حتى أقامتْ جدارا بينها وبين القبور كما سيأتي في أخبارها، ثم بعد
وفاتها سُدّت أبواب الحجرة، وفي إحدى الليالي الممطرة سقط جدار الحجرة النبوية، ففزع لذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله وأمر ببناء الجدار، فأخذوا في بنائه فبدتْ لهم قدَمٌ، ففزعوا، وظنُّوا أنها قدمُ النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا، والله، ما هي قدمُ النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي إلا قدمُ عمر صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري في الجنائز (1390) عن فروة ثنا علي عن هشام بن عروة عن أبيه به.
ولما احتاج المسلمون إلى الزيادة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم زاد فيه عمر رضي الله عنه، وبناه علي بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غيّره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة، وجعل عُمُده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج كما في صحيح البخاري (446).
ثم لما ولي الوليد بن عبد الملك عام أمرَ عمرَ بن عبد العزيز - وكان عاملَه على المدينة آنذاك - بهدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وإدخالها في المسجد، وقد عارضه علماء المدينة وفقهاؤها في إدخال قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد إلا أن عمر بن عبد العزيز بنى حيطانًا مرتفعًا، وجدارَين من الشرق والغرب يلتقيان في الشمال برأس مثلث فصار لا يتأتى لأحد استقبال القبور عند الصلاة أو الدعاء، لأنه ينحرف به عن القبلة.
ولم يكنْ ثمة قبةٌ، والقبة الموجودة الآن بُنيتْ في عهد السلطان الأشرف قايتباي - سلطان مصر - وجُعلت دعائمها في الأرض، وجعلوها حائزة على جميع الحجرة، وما اتصل بها من المثلث الشمالي، وكان ذلك عام (889 هـ) في أواخر القرن التاسع الهجري.
وعلى هذا صارت القبور الثلاثة محجوزة بعدة حواجز: جدار حجرة عائشة، وجدار عمر بن عبد العزيز، والجدار الذي عليه القبةُ، ثم الحاجز الحديدي من ناحية القبلة، والغرب، وعليه فلا يمكن لأحد أن يصِل إلى القبور.
وتم بهذه الجهود المبذولة في بناء الحواجز عبر القرون تحقيقُ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم:"اللَّهم لا تجعلْ قبري وثنًا".
আল-জামি` আল-কামিল (9214)