أقول: في هذا الكلام شيء من المبالغة؛ لأن معرفة هذه الوجوه كلها لا يترتب عليها فوائد ذات بال.
ومعرفتها جميعًا من فضول العلم لا من أصوله، وقوله: "مَنْ لم يعرفها ويميِّز بينها لم يحِلّ له أن يتكلم في كتاب الله تعالى" حكم غير صحيح، فإن أراد بعضها كمعرفة المكي والمدني، فمسلم.
والصحابة -رضوان الله عليهم- لم يكونوا يعرفون هذه الوجوه جميعًا، ومع ذلك كانوا يتكلمون في كتاب الله تعالى بما انتهى إليه علمهم عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، أو وصل إليه فهمهم للآيات إذا لم يكن فيها بيان عن الرسول صلى الله عليه وسلم بقولٍ منه أو بفعل.
نقل الزركشي في البرهان عن القاضي أبي بكر في الانتصار: إن هذا يرجع إلى حفظ الصحابة وتابعيهم، غير أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول، ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أنَّ قدر ما نزل بمكة كذا، وبالمدينة كذا، وفصَّله لهم، ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله؛ لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة.
وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليُعْرَف الحكم الذي تضمنها، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله هذا هو الأول المكي، وهذا هو الآخر المدني.
وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبوا أنَّ من فرائض الدين تفصيل جميع المكي والمدني مما لا يسوغ الجهل به، لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكي أو مدني، وأن يعملوا في القول بذلك ضربًا من الرأي والاجتهاد، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذِكر المكي والمدني، ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه، مكية أو مدنية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
فيجوز أن يقف في ذلك، أو يغلب على ظنه أحد الأمرين، وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا، أو شهرته في الناس، ولزوم العلم به لهم، ووجوب ارتفاع الخلاف فيه.
لهذا لا يجب أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن كل هذه الوجوه التي ذكرها أبو القاسم النيسابوري، ولكننا نكتفي بما تتعلق به فائدة في معرفة حكم من أحكام الدين.
وأشهر ما يعنى به العلماء من هذه الوجوه معرفة المكي والمدني.
وفيما يلي بيان ما اصطلحوا على تسميته مكيًّا، وما اصطلحوا على تسميته مدنيًّا، ومناقشة هذه المصطلحات بإيجاز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
المبحث التاسع: المكي والمدني
مدخل
…
البحث التاسع: المكي والمدني
للعلماء في معنى المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات:
الأول -وهو الأولى والأشهر: أن المكي ما نزل قبل هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بمكة.
وهذا التعريف جامع مانع، روعي فيه زمان النزول، وهو أولى من رعاية المكان؛ لأن معرفة التدرج في التشريع ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك من الفوائد متوقفة على معرفة المتقدِّم والمتأخِّر في الزمان، لهذا كان هذا التعريف هو المعتمد عند أكثر أهل العلم.
وعليه تكون آية:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم} 1 -مثلًا- مدنية، مع أنها نزلت يوم الجمعة بعرفة في حجة الوداع.
وكذلك آية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} 2.
فإنها مدنية مع أنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم.
وقل مثل ذلك فيما نزل بأسفاره عليه الصلاة والسلام؛ كفاتحة سورة الأنفال، وقد نزلت ببدر، فإنها مدنية لا مكية على هذا الاصطلاح المشهور.
الثاني من المصطلحات: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، ويدخل في مكة ضواحيها، كالمنزَّل على النبي صلى الله عليه وسلم بِمِنَى وعرفات والحديبية، ويدخل في المدينة ضواحيها أيضًا، كالمنزَّل عليه في بدر وأحد، وهذا التقسيم لوحظ فيه مكان النزل كما ترى.--------------------------------------------
1 المائدة: 3.
2 النساء: 58.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
وهذا التعريف لما روعي فيه المكان لم يكن ضابطًا صحيحًا لاختلاف الأماكن التي نزل فيها القرآن، بخلاف التعريف الأول، فإنه يحدِّد المكي بزمان معين، وهو ما قبل الهجرة، ويحدِّد المدني بزمان معين، وهو ما كان بعد الهجرة، ونحن نعلم أن من القرآن ما لم ينزل بمكة ولا بالمدينة، بل أنزل بأماكن أخرى متباعدة.
فقوله تعالى -مثلًا- في سورة التوبة: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} 1، نزلت بتبوك.
وقوله -جل شأنه- في سورة الزخرف: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا} 2.
فإنها نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء.
الثالث: أن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة.
وعليه يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قال: إن ما صدر في القرآن بلفظ: {يَا أَيُّهَا النَّاس} فهو مكي، وما صدر فيه بلفظ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فهو مدني؛ لأن الكفر كان غالبًا على أهل مكة؛ فخوطبوا بيا أيها الناس، وإن كان غيرهم داخلًا فيهم، ولأن الإيمان كان غالبًا على أهل المدينة، فخوطبوا بيا أيها الذين آمنوا، وإن كان غيرهم داخلًا فيهم أيضًا، وأَلْحَق بعضهم صيغة {يَا بَنِي آَدَم} بصيغة {يَا أَيُّهَا النَّاس} .
أخرج أبو عبيد في فضل القرآن عن ميمون بن مهران قال: "ما كان في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّاس} أو {يَا بَنِي آَدَم} فإنه مكي، وما كان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فإنه مدني.--------------------------------------------
1 آية: 42.
2 آية: 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وهذا التعريف غير ضابط، لأنه لوحظ فيه المخاطبون، فإن في المكي ما صدر بيا أيها الذين آمنوا، وفي المدني ما صدر بيا أيها الناس.
وفيهما ما لم يصدر بأحداهما.
سورة الحج -مثلًا- مكية وفي آخرها:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 1.
وسورة النساء مدينة وأولها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} 2.
ومن ذلك في المكي والمدني كثير.
ويمكننا أن نقول: إن هذا التعريف يجري مجرى الغالب، إلّا أنه من شأن التعريف أن يكون جامعًا مانعًا، وجريانه مجرى الغالب لا يجعله كذلك.
فالمراد لا يدفع الإيراد -كما يقولون.--------------------------------------------
1 آية: 77.
2 النساء: 1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ضوابط كلية لتمييز المكي من المدني:
علمنا أن طريق معرفة المكي والمدني من القرآن النقل الصحيح عن الصحابة، ثم عن التابعين ومَنْ بعدهم، وعلمنا أن أشهر المصطلحات وأصحَّها في تعريف المكي والمدني، هو أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، ونريد أن نعرف هنا أن هناك ضوابط كلية لمعرفة كلٍّ منهما، مبناها على الغالب والكثير ترجع إلى اللفظ، أو إلى أمور معنوية، وأن هناك أيضًا خواص ومزايا، ومقاصد وأغراض، انفرد بها كلٌّ منهما عن الآخر، وهي أمور دقيقة يتوقف إدراكها على شيء من إعمال الفكر، وإنعام النظر، ومعرفة واسعة بعلوم الشريعة واللغة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ويلاحظ أن هذه الضوابط توجد في بعض السور دون بعض، فإذا وجد في سورة من السور شيء من هذه الضوابط عُلِمَ أنها مكية أو مدنية.
فيما يلي بيان بعض هذه الضوابط بإيجاز:
1- كل سورة فيها لفظ "كَلَّا" فهي مكية، وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة، كلها في النصف الأخير؛ لأن هذا النصف نزل أكثره بمكة، وأكثرهم جبابرة، فتكررت فيه على وجه التهديد.
2- كل سورة في أولها حرف من حروف المعجم مثل "المص -ق - ن" فهي مكية، إلّا الزهراوين1، وفي الرعد خلاف.
3- كل سورة فيها سجدة فهي مكية.
4- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الماضية، فهي مكية سوى البقرة فهي مدنية، وكذا آل عمران.
5- كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية، سوى البقرة.
6- كل سورة فيها ذكر الجهاد، من الإذن فيها وبيان أحكامه، فهو مدنية، وكذا ما يتعلق به كالمعاهدات.
7- كل سورة فيها ذِكْرُ المنافقين فهي مدينة، ما عدا سورة العنكبوت، والتحقيق أن سورة العنكبوت مكية ما عدا الآيات الأولى منها، وهي إحدى عشرة، فإنها مدنية، وهي التي ذُكِرَ فيها المنافقون.
8- كل سورة فيها ذكر الحدود والفرائض فإنها نزلت بالمدينة، والمراد بالفريضة هنا فريضة الميراث، لا مطلق الفريضة، وإلّا ففي المكي فرائض كثيرة كالصلاة والعدل، والتواضي بالحق، والتواصي بالصبر، والوفاء بالعهد وغيرها.
وقد اشتهرت أحكام الميراث باسم الفرائض، حتى قال صلى الله عليه وسلم -كما روى الإمام أحمد بإسناد صحيح: "أفرضكم زيد".--------------------------------------------
1 البقرة، وآل عمران.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
مقاصد المكي والمدني:
القرآن الكريم بوجه عام كتاب هداية، ومنهج حياة، بيَّن الله فيه للناس ما يجب لهم، وما يجب عليهم، وما يحل لهم، وما يحرم عليهم، بأسلوب واضح ناصع البيان، وقد كان في مرحلته الأولى يمتاز بمميزات تأسيسية عقدية وشرعية مجمَلة، وكان في مرحلته الثانية يمتاز بمميزات فرعية تابعة لما سبقها، مفصِّلَةٌ لها، ومبينة لشروطها وأسبابها وعللها، وغير ذلك مما يقتضيه مقام البيان والتفصيل.
فما نزل بالمدينة تابع لما نزل بمكة في أصوله العامة، ومحمولٌ عليه، ومؤيِّدٌ لها.
وإليك بيان ما امتاز به القرآن المكي عن القرآن المدني، وبيان ما امتاز به المدني عن المكي بوجه عام:
1- يعنى القرآن المكي أولًا بترسيخ الأصول الاعتقادية التي جاءت بها جميع الشرائع السماوية.
وهي توحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبادة، وتنزيهه عن كل ما لا يليق بذاته تعالى، وتصديق الرسل في كل ما جاءوا به، والإيمان بالكتب المنزَّلة، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر، إلى آخر ما هنالك من الأصول الاعتقادية.
2- وعُنِيَ القرآن المكي أيضًا كلَّ العناية بالقضاء على ما ورثوه عن آبائهم، وما ابتدعوه من عند أنفسهم من عادات سيئة، ومعتقدات فاسدة، كسفك الدماء، وأكل مال اليتيم، ووأد البنات، والتطفيف في الكيل والميزان، وغير ذلك من الرذائل.
3- ودعاهم إلى أصول التشريعات العامة، والآداب السامية، بوصفها برهانًا عمليًّا على سلامة الفطرة وصحة الاعتقاد.
وهذه الأصول التي دعاهم إليها القرآن المكي فصَّلها القرآن المدني، ووضع لها الشروط والقواعد والضوابط، كما سيأتي بيانه بعد قليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
4- ولتثبيت هذه الأصول والمعتقدات الصحيحة في قلوب الناس جميعًا؛ مؤمنين وكافرين، عُنِيَ القرآن المكي عناية فائقة بأخبار الأنبياء والأمم السابقة، لما فيها من عظاتٍ وعِبَرٍ وتبيانٍ لسنة الله تعالى في هلاك المكذبين، ونجاة المؤمنين.
ولقد كان إيراد القصص في القرآن المكي بكثرةٍ من أبلغ الأدلة على أن القرآن كان وحيًا من الله تعالى.
ولو تأخَّر إيراده إلى العهد المدني، لقال الكفار: تعلمه محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب،
ولكان لقولهم هذا مبرِّرٌ على نحوٍ ما؛ لأن أهل الكتاب كانوا على علمٍ ما بقصص الأنبياء، وأخبار الأمم.
ولقد قال المشركون في مكة: إنما يعلمه بشر، وادعوا أنه يخلو إلى غلام رومي، ويتلقى عنه هذا القرآن، ولم يكن لقولهم هذا شاهد من العقل، ولا من الواقع.
قال تعالى: {لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} 1.
فلو قالوا عن القرآن المدني: تعلَّمه محمد من اليهود حين جاورهم واتصل بهم، قيل لهم: ومَنْ الذي علمه القرآن الذي نزل عليه بمكة، متضمنًا من أخبار الأولين والآخرين ما لا يعلمه اليهود ولا غيرهم.
5- ومن خواص هذا القسم قِصَرُ معظم آياته وسوره، ولا سيما أوائل ما نزل، ولعل ذلك كان كذلك ليتمكن المؤمنون من حفظه بسهولة ويسر، فهم في أول عهدهم به لم تتعوَّد ألسنتهم على النطق به مرتلًا كما أمر الله تعالى أن يُتْلَى، وفيهم الشيخ الكبير، والمرأة المسنة، والطفل الصغير، وأكثرهم أمِّيُّون، فكيف يستطيعون قراءة الآيات الطويلة المقاطع، وهم لم يتعودوا بعد على مثل--------------------------------------------
1 النحل: 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
ذلك، فكان من رحمة الله بهم أن أنزل الله هذه السور القصيرة في آيتها ومقاطعها ليتمكنوا من حفظها وتلاوتها في يسر ونشاط.
وأمَّا مقاصد القرآن المدني فهي -كما قلنا- تابعة للمقاصد السابقة، ومبنية عليها، ومبيِّنَة لمجملها، ويمكننا أن نجملها فيما يلي:
1- بيان الأحكام العقدية والشرعية بالتفصيل، بيانًا يكشف دقائقها وأسبابها، وشروط صحتها، والحكمة من تشريعها.
2- ظهرت في العهد المدني تشريعات لم تكن في العهد المكي، مثل مشروعية الصوم، ومشروعية القتال، وفريضة الحج، وتحريم الخمر، وتحريم الربا، وغير ذلك.
3- الكشف عن أحوال المنافقين الذين كانوا أشدَّ الناس خطرًا على الإسلام والمسلمين، وبيان ما انطوت عليه نفوسهم من خبث ومكر وخداع، وحرصٍ وطمع، وإعلام المسلمين بمآلهم بعد إعلامهم بحالهم، وإيصائهم باتخاذ الحيطة والحذر من كيدهم وألاعيبهم، ومراقبتهم في جميع تصرفاتهم المغرضة، ومجاهدتهم بالحجة والبرهان، والإغلاظ عليهم في القول والمعاملة، مع بذل النصح لهم بالرجوع إلى الله تعالى، والتمسُّك بدينه الحنيف.
4- دعوة أهل الكِتَاب إلى الإسلام ومجادلتهم بالحُجَّة والبرهان في معتقاداتهم الباطلة، وشبههم المزيفة، وبيان جناياتهم على الكتب السماوية بالتحريف والتبديل، وردِّهم عن غيِّهم إلى الرشد الذي جاءهم به الإسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
فائدة العلم بالمكي والمدني:
بعد أن عرفنا ما هو المكي والمدني، وخصائص كلٍّ منهما، يجدُر بنا أن نختم هذا البحث ببيان ما يعود على الباحثين فيه من الفوائد، فنقول:
1- تمييز الناسخ من المنسوخ، فيما لو وردت آيتان أو أكثر مختلفة الحكم، وعلمنا أن إحداها مكية، والأخرى مدنية، فإننا نحكم حينئذ بأن المدنية ناسخة للمكية لتأخرها عنها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
2- معرفة تاريخ التشريع، والوقوف على سنة الله في التدرج بالأمة من الأصول إلى الفروع، ومن الأخفِّ إلى الأثقل، وهذا يترتب عليه الإيمان بسموِّ السياسة الإسلامية في تربية الفرد والجماعة.
3- تفيد هذه الدراسة في الوقوف على الخصائص البلاغية لكلٍّ من المكي والمدني، والكشف عن ظواهرها المختلفة، ومقارنة بعض هذه الظواهر ببعض، والبحث في مواضع الجمال في كلٍّ منهما من غير تفضيل ولا موازنة، لأن القرآن كله متساوٍ في الفصاحة والبلاغة، والحلاوة والطلاوة والجمال، على ما سيأتي بيانه عند الكلام على أسلوب القرآن وبيان إعجازه.
لهذا عُنِيَ المسلمون عناية فائقة بتتبُّع ما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة، بل عُنِيَ بعضهم بتتبع جهات النزول في أمكانها وأوقاتها المختلفة، وبذلوا في ذلك جهودًا مضنية.
وفي ذلك دليل على سلامة القرآن من أي تغيير أو تحريف، فقد تلقَّاه الجمع الغفير من التابعين عن الجمع الغفير من الصحابة، وتلقَّاه الأواخر عن الأوائل بالمشافهة والتلقين، مع الوقوف على أماكن نزوله وأوقاته وأسبابه، وغير ذلك مما يتصل بألفاظه ومعانيه ومقاصده.
قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1.--------------------------------------------
1 الحجر: 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
المبحث العاشر: آيات القرآن وترتيبها
معنى الآية
…
المبحث العاشر: آيات القرآن وترتيبها
عرفت فيما سبق أن القرآن الكريم قد نزل منجَّمًا في نحو ثلاث وعشرين سنة، على حسب الحوادث والوقائع ومقتضيات الأحوال.
وتعرف في هذا البحث -إن شاء الله تعالى: معنى الآية وطريق معرفتها، وسبب اختلاف العلماء في عد الآي، وفوائد معرفة الآي، وخلاف العلماء في ترتيبها، وغير ذلك مما يقتضيه مقام البحث.
معنى الآية:
1- تطلق الآية في اللغة على المعجزة، والعلامة، والدليل، والعبرة، والأمر العجيب.
وهذه المعاني كلها مرادة في تسمية القطعة ذات المبتدى والمنتهى، المدرَجَة في السورة من القرآن.
فالآية القرآنية معجزة، يعجز الجن والإنس عن الإتيان بمثلها، إذا كانت في مثل سورة الكوثر طولًا1.
وهي أمر عجيب غاية في العجب لما لها من حلاوة وطلاوة، وتأثير خاص يأخذ بتلابيب العقول، ومجامع القلوب.
وهي علامة على أنها من عند الله تعالى، لا يسع القارئ والسامع إلّا أن يشهد بذلك طوعًا أو كرهًا.
وهي دليل قاطع على صدق من نزلت عليه؛ لأنه أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجلس في حياته إلى معلم.
وهي عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن اتعظ، تقشعرُّ منها جلود الذين يخشون ربهم، وتلين قلوبهم إلى ذكر الله.--------------------------------------------
1 سيأتي مقدار المعجز من القرآن بالتفصيل عند الكلام على إعجازه -إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
ولسنا في حاجة إلى ذكر الشواهد على ذلك، فهي كثيرة قد استوعبها هذا الكتاب المبين.
2- والآية القرآنية في اصطلاح العلماء: طائفة من القرآن لها مبدأ ومقطع، مندرجة في سورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
طريق معرفة الآي:
طريق معرفة الآية القرآنية هو السماع من النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد كان يحدِّد بقراءته مبادئ الآيات وخواتيمها، حتى علم ذلك أصحابه، فنلقوا إلينا عدد الآيات في كل سورة كما وقفوا عليه من قراءته صلى الله عليه وسلم.
قال الزمخشري: الآيات علم توقيفي لا مجال للقياس فيه، ولذلك عدوا {الم} حيث وقعت -وهي ست- و {المص} ، ولم يعدوا {المر} ولا {الر} وهي في خمسة سور، وعدوا {حَم} آية في سورها، وهي سبعة، و {حم، عسق} آيتان.
وكذا {طه} و {يس} ، ولم يعدوا {طس} النمل و"طسم" آية في الشعراء والقصص.
ومما يدل على أنه توقيفي أيضًا، قول ابن العربي: ذكر النبي -صلى اله عليه وسلم- أن الفاتحة سبع آيات، وسورة الملك ثلاثون آية، وصحَّ أنه قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران.
قال: وفي آياته طويل وقصير، ومنه ما ينقطع ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون في أثنائه كقوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم} على مذهب أهل المدينة، فإنه يعدونها آية، وينبغي أن يعوَّل في ذلك على فعل السلف1.--------------------------------------------
1 البرهان ج1 ص268، والإتقان ج1 ص66، 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
سبب الخلاف في عد الآي:
سبب اختلاف السلف في عد الآي، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف على رءوس الآي ليعلمهم أوائلها وأواخرها، فلما رآهم قد عرفوا ذلك صار يقف أحيانًا على ما يتم به المعنى، فحسب بعضهم أن ما وقف عليه رأس آية.
ومن هنا اختلفوا في عد الآي.
أضف إلى ذلك أن بعضهم كان يَعُدُّ البسملة آية من السورة.
فسورة الفاتحة -مثلًا- عند الجمهور سبع آيات، لكنهم اختلفوا فيما بينهم في البسلمة، هل هي آية من الفاتحة أم ليست بآية منها.
فمن عدَّها آية من الفاتحة كالكوفيين والمكيين، لم يعتبر: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم} رأس آية.
ومن لم يعدها آية من الفاتحة -وهم من سوى أهل الكوفة وأهل مكة- يعدون: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم} آية، ويقفون عليها.
فوائد معرفة الآي:
لمعرفة الآيات فوائد كثيرة منها:
1- إدراك الحد الذي يقع به الإعجاز، فقد صحَّ عند المحققين أن الآية الواحدة إذا كانت في طول سورة "الكوثر" وقع بها التحدي، وثبت عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثلها، وسيأتي بيان ذلك بشيء من التفصيل عند الكلام على الإعجاز -إن شاء الله تعالى.
2- معرفة ما يجزئ من القراءة في الصلاة بعد الفاتحة، فإن أقلَّ ما يجزئ فيها قراءة سورة أو آية في طولها أو ثلاث آيات، تقوم مقامها على خلاف يسير في ذلك بين الفقهاء.
3- اعتبارها فيمن جهل الفاتحة، فإنه يجب عليها بدلها سبع آيات، واعتبارها في خطبة الجمعة، فإنه يجب فيها قراءة آية كاملة، ولا يكفي شطرها -قاله السيوطي في الإتقان.
والعجيب فيمن يجهل الفاتحة كيف يحفظ من القرآن سبع آيات تقوم مقامها في الصلاة.
4- معرفة الوقف والابتداء، فإنَّ مَنْ عرف أوائل الآيات وأواخرها أمكنه أن يقف على رأس كل آية، والبدء بالآية التي بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
ترتيب الآي:
اتفق العلماء على أن ترتيب آيات القرآن كانت بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه من ربه عز وجل بطريق الوحي.
وقد حكى الإجماع في ذلك غير واحد من المحققين.
كما ذكر الزركشي في البرهان، والسيوطي في الإتقان وغيرهما، وقد ورد في ذلك نصوص مترادفة تدل على ذلك منها:
ما أخرجه أحمد بإسناد حسن، عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شَخَصَ ببصره، ثم صوَّبَه، ثم قال: "أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذه الموضع من هذه السورة".
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} 1. إلى آخرها.
ومنها ما أخرجه البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} 2 قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئًا منه من مكانه.
ومن النصوص الدالة على ذلك إجمالًا ما ثبت من قراءته صلى الله عليه وسلم لسور عديدة كسورة البقرة وآل عمران في الصلاة وغيرها، بمسمَعٍ من الصحابة، وما كان الصحابة ليرتِّبوا ترتيبًا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك التواتر.
وروى الترمذي والحاكم وابن حبَّان وأبو داود وأحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض مَنْ كان يكتب، فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". حسَّنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم.--------------------------------------------
1 النحل: 90.
2 البقرة: 240.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
المبحث الحادي عشر: سور القرآن وترتيبها
تعريف السورة
…
المبحث الحادي عشر: سور القرآن وترتيبها
نتكلم في هذا المبحث عن معنى السورة لغة واصطلاحًا، وعن الحكمة من تسوير القرآن، وتقسيم السور بحسب الطول والقصر، وعن أسماء السور، هل كانت بتوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم أم باجتهاد من الصحابة -رضوان الله عليهم.
ثم نتحدث عن ترتيب السور، هل كان بالتوقيف أم بالاجتهاد، أم كان بعضها بالتوقيف، وبعضها بالاجتهاد، مع بيان الراجح من هذه الأقوال بالدليل، والله المستعان.
تعريف السورة:
عرفت فيما سبق تعريف الآية لغة واصطلاحًا، ونذكر لك هنا تعريف السورة أيضًا لغة واصطلاحًا، فنقول:
السورة في اللغة إما أن تكون مشتقة من سور المدينة، شبهت به لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور.
أو من التسوّر، بمعنى التصاعد والتركيب، لعلوِّ شأنها وشأن قارئها.
والسورة -في اللغة أيضًا- تطلق على المنزلة الرفيعة، قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة
ترى كل ملك حولها يتذبذب
وهي في الاصطلاح: طائفة من الآيات القرآنية لها بدء ونهاية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
حكمة تسوير القرآن:
ذكر العلماء في ذلك حكمًا تلمَّسوها بخواطرهم، واستنبطوها بعقولهم، فكان مما قالوه:
1- "إنَّ جَعْلِ القرآن سورًا ييسر حفظه، فتجزئة العمل باعث على إنجازه، مبيِّنٌ للقدر الذي أنجز، والقدر الذي بقي، باعث على المواصلة للإحاطة به واستكماله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وفي كونه سورًا طويلة وقصيرة وترتيبه الترتيب المعروف -تيسير آخر لتعليم الأطفال، والتدرج بهم من السور القصار إلى ما فوقها.
2- وإن جعل القرآن سورًا يشوق قارئ القرآن ودارسه إلى المواصلة، ويبعث فيه الهمة والنشاط لاستيعابه.
3- وإن في جعل القرآن سورًا رسوخًا لموضوعات السور، ودلالة على عناصر كل منها، وما تناولته من أحكام.
4- وإن جعل القرآن سورًا طوالًا وقصارًا يشير إلى أن الطول ليس شرطًا في التحدي والإعجاز، فالسور معجزة برأسها، وإن بلغت في القصر ثلاث آيات.
5- وقال الزمخشري في فوائد تجزئة القرآن: إن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابًا واحدًا.
وعلى هذا النمط ألَّفَ المؤلفون كتبهم، وبوَّبوا مصنفاتهم أبوابًا، صدَّروا كل باب بعنوان خاص.
6- وإن التفصيل لتلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض يساعد على ملاحظة المعاني وأسرار النظم الكريم" أ. هـ.1.--------------------------------------------
1 انتهى بتصرف يسير من "اللآلئ الحسان في علوم القرآن" ص34، 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)