فيما هو معلوم من الدين بالضرورة».(1)
2. يقول الإمام ابن حزم رحمه الله: (ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فلما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة).(2)
3. وقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع، واستدل بقصة الرجل من بني إسرائيل، وقدامة بن مظعون وغيرها، قال رحمه الله: (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فقد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا، وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني، ثم أسحقوني، ثم ذروني في اليم، فو الله لأن قدر الله على ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به--------------------------------------------
(1) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لأحمد الدويش 2/ 39.
(2) الدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم 414.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ذلك، فقال الله له ما حملك على ما فعلت، قال: خشيتك، فغفر اله)(1) فهذا الرجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا)(2)، وقال أيضا: (إن القول قد يكون كفرا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة، والزكاة، واستحل الخمر والزنا وتأول، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإن كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر)(3)، ففي غير ذلك--------------------------------------------
(1) مضى تخريجه.
(2) مجموع الفتاوى 3/ 231.
(3) كقدامة ابن مظعون وأصحابه رضي الله عنهم، أخرجه النسائي في الكبرى (3/ 253)، والبيهقي في الكبرى (8/ 315)، وعبد الرزاق في مصنفه (9/ 240) وأبو نعيم الأصبهاني في تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة (1/ 127)، و ابن شبة النميري في تاريخ المدينة النبوية (2/ 65)،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
أولى وأحرى … )(1)(2)
• المتأول غير المعذور بخطئه
وأما إن لم يكن للمتأول حجة ظاهرة على تأويله بأن أول القطعيات التي لا يعذر بجهلها أمثاله، فإنه يأثم وقد يكفر بتأويله حسب حاله، لأنه لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة، ونحو ذلك فإنه يستتاب وإلا قتل كافرا مرتدا. خلافا للمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة(3).
قال شارح الطحاوية: «إن الرجل يكون مؤمنا باطنا وظاهرا لكن تأول تأويلا أخطأ فيه، إما مجتهدا وإما مفرطا مذنبا، فلا يقال: إن إيمانه حبط لمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة (أي تكفيره مطلقا) ولا نقول لا يكفر (كالمرجئة).
بل العدل هو الوسط: وهو: أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول أو إثبات ما نفاه أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به: يقال فيها الحق، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر ويقال: من قالها فهو كافر …--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 7/ 619.
(2) نواقض الإيمان للدكتور محمد الوهيبي ج 2 ص 23 - 33.
(3) شرح العقيدة الطحاوية-بتحقيق الألباني - ص 316.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وأما الشخص المعين إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له، ولا يرحمه بل يخلده في النار فإن هذا حكم الكافر بعد الموت، لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا لمنع بدعته وأن نستتيبه فإن تاب وإلا قتلناه ..
إذا كان القول في نفسه كفرا: قيل أنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك إلا إذا كان منافقا زنديقا. فلا يتصور إن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين للإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا»(1).
فالمتأول قد يكفر ولا يعذر بجهله أو خطأه في اجتهاده، ويحكم على قوله بالكفر ويقال: من قال به فهو كافر، إلا أنه لا يكفر ولا يحكم عليه بالخلود في النار ولكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وأمره إلى الله.
وقد أورد شارح الطحاوية أدلة على ذلك منها:
1. استتابة الصحابة لقدامة بن مظعون لما شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، متأولين قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة: 93].--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
فاتفق عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا حد الخمر وإن أصروا على استحلالها قتلوا أي ردة.
وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام(1).
فعمر والصحابة لم يعذروا هؤلاء في جهلهم بتحريم الخمر ولا في تأويلهم. لأن ذلك كان قد عرف واشتهر واستقر. ولم يكونوا حديثي عهد بالإسلام، فلا عبرة بما يطرأ لهم من شبهة إن أصروا على استحلالها.
فمن حمل النصوص على معان بعيدة غير مرادة للشارع وأصر عليها بعد بيان الحجة فإنه يكفر إن أدى ذلك إلى استحلال المحرمات المتواترة أو إنكار الواجبات المتواترة.
وخلاصة القول في حكم المتأول المخطئ:
1. أن تأويله إذا كان له وجه في اللغة سائغ أو دلت عليه القرائن وظاهر الحال، فإن صاحبه معذور غير آثم، وإن كان تأويله خطأ في نفس الأمر.
2. أنه آثم موزور إن تكلف التأويل بدون مسوغ من اللغة أو قرائن الحال.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
3. أنه قد يكفر إذا تأول النصوص بما يؤدي إلى استحلال المحرمات المتواترة أو إنكار الواجبات المتواترة والتي لا يعذر بجهلها أمثاله.
4. أن الأقوال المبتدعة المحرمة المتضمنة إثبات ما نفاه النص أو نفي ما أثبته، أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به؛ يثبت لها الوعيد الثابت بالنصوص ويقال فيها: من قال بها فهو كافر مطلقا من غير تعيين.
هـ. وأن هذا التوقف في حكم المعين بالنسبة إلى أمر الآخرة لا يمنعنا من إجراء أحكام الدنيا عليه من استتابته، فإن تاب و إلا قتل.
6. أنه لا يشترط في المتأول المخطئ في القطعيات قصد
الخروج من الإسلام بل قد يكفر ويخرج من الملة دون قصد منه، مع اعتقاده في الإسلام إجمالا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
الخاتمة
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد أن من الله علي بإتمام هذا البحث، فإن من أهم النتائج والتوصيات:
1. بيان وسطية أهل السنة والجماعة بين غلو الخوارج
وتفريط المرجئة في مسألة التكفير.
2. التكفير حكم شرعي، وحق لرب العالمين، لا يجوز لعوام المسلمين الخوض فيه، لأنه مدحضة مزلة، وإنما يقوم به أهل العلم الراسخين
3. التفريق بين التكفير بالوصف، والتكفير بالشخص.
4. الاحتياط في تكفير المعين، وخطورة تكفيره دون بينة.
هـ. الأصل في المسلم العدالة، ولا يكفر إلا بعد اجتماع شروط التكفير من العلم والقصد والإرادة وعدم التأويل، وانتفاء الموانع من الجهل والخطأ والإكراه والتأويل.
6. إدراج مباحث التكفير، ومنهج أهل السنة والجماعة فيه، وتطبيقاته في مناهج التعليم العام، والتعليم العالي ولغير المختصين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
كأن يفرد في أحد وحدات مقرر الثقافة الإسلامية.
7. طباعة أبحاث التكفير بعد تيسيرها وتقريبها للعوام، وتوزيعها في أماكن التجمعات كالمستشفيات والمطارات، وتنزيلها على الشبكة العنكبوتية لتثقيف المجتمع بكافة شرائحه بمسائل التكفير، وتحصين المجتمع من فكر الجماعات المكفرة.
08 تبني الحملات التثقيفية في أساط الشباب داخل الجامعات وخارجها لمناقشة قضايا التكفير والإجابة على الشبهات حول هذه القضية، على أن يكون الطرح جاذبا حواريا.
9. إقامة المسابقات حول كتب التكفير عند أهل السنة والجماعة ورصد جوائز قيمة للفائزين.
10. عقد البرامج الإعلامية من قبل المختصين الشرعيين المناقشة مسائل التكفير والتسويق الجيد لهذه البرامج
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)