واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع
في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها فتفيد لزوم التعلم والتحرز … وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنبه على ذلك، فتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم».(1)
ب. بعض المسائل المهمة
1. مجرد النطق بالشهادتين كافي في الحكم بإسلام الشخص: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وقد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم، واتفقت عليه الأمة، أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما والعدو وليا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال»(2). يقول الحافظ ابن حجر: « … وفي حديث ابن عباس: (حديث بعث معاذ إلى اليمن من الفوائد: الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين».(3)
"بعض الباحثين يخلطون بين الحكم الدنيوي والأخروي، فيظنون--------------------------------------------
(1) كشف الشبهات، 45 - 46، للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(2) ينظر: درء تعارض العقل (8/ 7).
(3) فتح الباري (13/ 367).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
أنه يلزم من الحكم بإسلام الشخص، الحكم له بالنجاة في الآخرة، أو يظنون أن الشروط التي ذكرها العلماء لكلمة التوحيد من العلم والإخلاص واليقين .. إلخ، لا يحكم بإسلام الشخص إلا بعد فهم هذه الشروط، ولكن الحقيقة أن مجرد النطق بكلمة التوحيد لا ينجي العبد عند الله إلا بالإتيان بشروطها.
أما بالنسبة للحكم الدنيوي فمجرد النطق كاف في الحكم بإسلام المرء حتى يتبين لنا ما يناقض ذلك بعد قيام الحجة وبذلك ندرك الخطأ الذي وقع فيه من يرى أن من يقعون في شيء من الشرك من نذر وذبح لغير الله وطواف على القبور ممن شهد بشهادة التوحيد كفار أصليون باعتبارهم لم يفهموا التوحيد.»(1)
2. قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص: قال ابن تيمية رحمه الله: «وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرا مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة؛--------------------------------------------
(1) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (1/ 237).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول».(1)
ويمكن أن يقاس على حديثي العهد بالإسلام و من نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «و إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من و ينبههم»(2)
يقول الدكتور الوهيبي بعد نقله نصوصا لأهل العلم حول المسألة: «يمكن أن نستخلص من أقوال الأئمة السابقة ما يلي:
اتفاق الأئمة على أن حديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة يعذر بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة
كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم شرب الخمر .. الخ.
أن من أنكر هذه الأمور في دار إسلام وعلم ولم يكن حديث عهد بإسلام أنه يكفر بمجرد ذلك، وبذلك ندرك خطأ من يظن أن الجاهل لا يكفر مطلقا.
" أن هناك أحكاما ظاهرة متواترة مجمع عليها، ومسائل خفية--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (11/ 407).
(2) مجموعة الشيخ فتاوى ومسائل (9/ 11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
غير ظاهرة ولكنها لا تعرف إلا من طريق الخاصة من أهل العلم؛ فهذه من أنكرها من العامة لا يكفر، ولكن من أنكرها من الخاصة يكفر إذا كان مثله لا يجهلها.
* أيضا يمكن أن يقاس على حديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد»(1).
3. كيفية قيام الحجة على المعين: لا بد من قيام حجة تنفي عن من تقام عليه أي شبهة أو تأويل، يقول ابن تيمية: وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها».(2)--------------------------------------------
(1) نواقض الإيمان الاعتقادية (1/ 242).
(2) مجموع الفتاوى (23/ 346).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
ويقول الإمام بن حزم رحمه الله: «وكل ما قلناه فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه، معذور مأجور و إن كان مخطئا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق»(1) ومن هنا يتبين دور العلماء في إقامة الحجة على الجاهل بحيث تنتفي عنه الشبه ويزول الجهل.
ثانيا: القصد شرط، ومانعه الخطأ:
من ضوابط تكفير المعين عند أهل السنة أن يكون من تلبس بالكفر مريدا له وقاصدا غير مخطئ.
القصد لغة: استقامة الطريق، قصد يقصد قصدا، فهو قاصد، وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9] أي على الله تبيين الطريق المستقيم، والقصد العدل(2).
و اصطلاحا. الإرادة.(3)--------------------------------------------
(1) الإحكام، (1/ 67)، لابن حزم.
(2) لسان العرب، (3/ 303) مادة (ق ص د).
(3) حاشية العطار، (2/ 59).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
والخطأ لغة: ضد الصواب.(1)
واصطلاحا: كل ما يصدر عن المكلف من قولٍ أو فعلٍ خال عن إرادته وغير مقترن بقصد منه.(2)
أ. الأدلة على شرط القصد، والعذر بالخطأ:
1. قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286] وثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال: فقد فعلت.(3)
2. قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]
3. حديث النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي--------------------------------------------
(1) لسان العرب، (1/ 65 - 68) مادة (خ ط أ).
(2) ينظر: المفردات، 102.
(3) أخرجه مسلم كتاب الإيمان (1/ 80، 81) 344، 345.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح»(1).
4. قوله صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن عباس: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه»(2)، قال الحافظ
ابن رجب في شرحه لهذا الحديث: "الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئا فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلما، والنسيان أن يكون ذاكرا الشيء فينساه عند الفعل، وكلاهما معفو عنه: يعني لا إثم فيه، ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم، ولو قتل مؤمنا خطأ فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ بظنه أنه مال نفسه .. "(3)
5. قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، و إذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»(4)، قال الحافظ الخطيب--------------------------------------------
(1) رواه مسلم في كتاب التوبة (8/ 91) 7136.
(2) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة (1/ 659)، والطبراني في الأوسط (8/ 161) وقال البوصيري عن هذا الإسناد: هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع. مصباح الزجاجة (1/ 314)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (5/ 45). والحديث مروي من طرق عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي ذر وأبي الدرداء وثوبان ?.
(3) جامع العلوم والحكم، 352.
(4) رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/ باب أجر الحاكم إذا اجتهد (18/ 344) 7352، ومسلم في الأقضية (3/ 1342) 1716.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
البغدادي رحمه الله: «فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطئ فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم أقرب لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل للمخطئ أجرا على خطئه، و إنما جعل له أجرا على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، و أما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته».(1)
يقول شيخ الإسلام: "وأما "التكفير"؛ فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدي، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقا، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته.(2)
وبعد إيراد الأدلة يتبين لنا إعذار المخطئ وأن حكمه حكم الجاهل و المتأول، فلا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه إن كان مجتهدا فيما يسوغ فيه الاجتهاد فله أجر اجتهاده ولو أخطأ، أما إن لم يكن مجتهدا وأخطأ فيأثم لتفريطه.--------------------------------------------
(1) الفقيه والمتفقه، (1/ 191).
(2) مجموع الفتاوى، (12/ 180).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
ثالثا: الإرادة شرط ومانعها الإكراه:
من شروط تكفير المعين عند أهل السنة أن يكون مريداً لفعله غير مكره عليه.
والإرادة لغة: المشيئة.
واصطلاحا: وفي استعمال الفقهاء هي " القصد»، أي اعتزام الفعل والاتجاه إليه(1).
أما الإكراه لغة هو: القهر والإجبار بدون محبة ورضا واختيار.»(2)
وفي الاصطلاح هو: "إلزام الغير بما لا يريده. أو " الإلجاء إلى فعل الشيء قهرا(3).
أ. أنواع الإكراه:
قسم جمهور الأصوليين والفقهاء الإكراه إلى نوعين إكراه ملجئ وهو الإكراه التام، وإكراه غير ملجئ وهو الإكراه الناقص
الإكراه الملجيء (التام): وهو الذي يقع على نفس المكره: ولا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، كأن يهدد الإنسان بقتله أو بقطع عضو--------------------------------------------
(1) الموسوعة الفقهية الكويتية _ (2/ 315).
(2) انظر: لسان العرب 13/ 534.
(3) انظر: فتح الباري 12/ 311، حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب 2/ 390.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
من أعضائه كيده أو رجله، أو بضرب شديد يفضي إلى هلاكه أو بإتلاف جميع ماله، فمتى غلب على ظنه أن ما هدد به سيقع عليه، جاز له القيام بما دفع إليه بالتهديد، باعتباره في حالة ضرورة شرعية(1).
بالإكراه غير الملجيء (الناقص): وهو التهديد أو الوعيد بما دون تلف النفس أو العضو، كالتخويف بالضرب أو القيد أو الحبس أو إتلاف بعض المال، وهذا النوع يفسد الرضا، ولكنه لا يفسد الاختيار لعدم الاضطرار إلى مباشرة ما أكره عليه لتمكنه من الصبر على ما هدد به(2).
وقد يلحق بهذا النوع، التهديد بحبس الأب أو الابن أو الزوجة و الأخت والأم والأخ، وهناك نزاع في اعتبار هذا القسم من أقسام الإكراه،(3) والاستحسان يعده من الإكراه، لأن المكره يلحقه الغم--------------------------------------------
(1) ينظر الإكراه وأثره في عقود المفاوضات المالية د. إبراهيم العروان، البدائع للكاساني 7/ 175 حاشية ابن عابدين 5/ 109، وينظر في الفرق بين الإكراه والضرورة، التشريع الجنائي 1/ 576، 577، والإكراه وأثره في التصرفات، د. محمد المعيني 37 - 44.
(2) ينظر كشف الأسرار للبزودي 4/ 383، تبيين الحقائق المزيلعي 5/ 181، حاشية ابن عابدين 5/ 109.
(3) ذهب بعض الأحناف إلى اعتبار هذا القسم نوعا ثالثا، أما بقية الفقهاء فقد أدخلوه في النوعين السابقين، ينظر كشف الأسرار 4/ 383، الإكراه وأثره في التصرفات د. عيسى شقرة 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
والاهتمام والحزن والحرج إذا أصاب أحدا من محارمه مكروه، فيندفع إلى الإتيان بما أمر به كما لو وقع الضرر به أو أشد(1).
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: (وإن توعد بتعذيب ولده، فقد قيل ليس بإكراه لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى أن يكون إكراها لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا)(2)(3)
ب. الأدلة على شرط الإرادة، والعذر بالإكراه:
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن الإكراه على الكفر بضوابطه الشرعية وشروطه يعتبر من موانع التكفير في حق المعين، والأدلة على ذلك:
1. قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106]--------------------------------------------
(1) ينظر الإكراه وأثره في التصرفات، د. عيسي شقرة، 60، 61 وينظر في ترجيح ذلك المبسوط للسرخسي 24/ 143، 144.
(2) المغني 7/ 120، ينظر في ذلك مغني المحتاج للشربيني 3/ 290، أسني المطالب 3/ 283 فتح الباري 12/ 324.
(3) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي ج 2 ص 15 - 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
والمشهور في سبب نزولها ما رواه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: (أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير قال: (كيف تجد قلبك)، قال: مطمئنا بالإيمان، قال: (إن عادوا فعد)(1).
قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}: (فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظة مكرها، لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله»(2). وقال الإمام الشوكاني: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} أي اعتقد وطابت به نفسه، واطمأن إليه(3) إذا لابد من طمأنينة القلب بالإيمان، وبغض وكراهية الكفر،--------------------------------------------
(1) رواه الطبري في تفسيره (17/ 304)، وابن سعد في الطبقات (3/ 249) والبيهقي في الكبرى (8/ 208) والحاكم في المستدرك (2/ 389)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وذكر ابن حجر له طرقا أخرى مرسلة ثم قال: وهذه المراسيل تقوي بعضها ببعض (الفتح 12/ 312).
(2) تفسير ابن كثير 2/ 587.
(3) فتح القدير 3/ 196.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وهذا شرط مجمع عليه)(1)(2).
2. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)(3).
ت. شروط الإكراه
ليس كل من ادعى الإكراه يقبل منه، بل لابد من شروط يجب توافرها ليكون الإكراه معتبرا ومؤثرا فيما يقدم عليه المكلف من أقوال أو أفعال أوترك، وهذه الشروط هي:--------------------------------------------
(1) اشترط بعض الفقهاء للنطق بكلمة الكفر، أن يكون الإكراه تاما (ملجئا)، واشترط آخرون التعريض والتورية بالكفر حال الإكراه، ولم يسندوا كلامهم بأدلة معتبرة، ينظر بعض هذه الأقوال في بدائع الصنائع 7/ 177 حاشية ابن عابدين 6/ 134، أحكام القرآن لابن العربي 3/ 1178 وأحكام الجصاص 3/ 192، 194، والإكراه وأثره في التصرفات، د. عيسي شقرة 115 - 118، والإكراه وأثره في الأحكام د. عبد الفتاح الشيخ 63 - 66.
(2) نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير للدكتور محمد الوهيبي ج 2 ص 17 - 18.
(3) من حديث ابن عباس، أخرجه ابن حبان (16/ 202)، والبيهقي في الكبرى (7/ 356) (10/ 60) وفي المعرفة (12/ 2299 (15/ 327) والطبراني في الكبير (9/ 340)، والصغير (2/ 52)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 95)، وابن حزم في الأحكام (5/ 713)، وحسن إسناده النووي في الأربعين ح 39، وصححه الألباني في المشكاة لطرقه (3/ 372). والحديث مروي من طرق عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي ذر وأبي الدرداء وثوبان رضي الله عنهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
1. أن يكون المكره قادرا على تحقيق ما أوعد به، لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة، فإن لم يكن قادرا لم
يكن للإكراه معنى ولا اعتبار.
2. أن يكون المكره عاجزا عن الدفع عن نفسه بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة ونحو ذلك.
3. أن يغلب على ظنه وقوع الوعيد، إن لم يفعل ما طلب منه(1).
لكن ينبغي أن نعلم، أنه وإن جاز قول الكفر أو فعله بسبب الإكراه إلا أن الصبر أفضل وأعظم أجرا، قال ابن بطال رحمه الله: (أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل، أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة)(2).
ويقول الإمام ابن العربي رحمه الله: (إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد، ولا خلاف في ذلك، وعليه تدل آثار الشريعة التي يطول سردها … )(3).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (والأفضل والأولى أن يثبت--------------------------------------------
(1) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (2/ 15).
(2) فتح الباري 12/ 317، وانظر تفسير القرطبي 10/ 188.
(3) أحكام القرآن 3/ 1179.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله)(1).
واستدلوا لذلك بأحاديث كثيرة:
من أشهرها حديث خباب بن الأرت ? وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه)(2)
قال الإمام القرطبي رحمه الله: (فوصفه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر، وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة … )(3).
ويتأكد الصبر حق من يقتدي به العوام ويتبعونه في تصرفاته وأقواله، وفي هذا المعنى قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله حين سئل عن العالم وهل يأخذ بالتقية قال: (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟)(4)--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير 2/ 588، وانظر المغني 8/ 146، وأحكام القرآن للجصاص 3/ 192.
(2) رواه البخاري، كتاب الإكراه/ باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر (17/ 364) 6943.
(3) تفسير القرطبي 10/ 188.
(4) ينظر: نواقض الايمان للوهيبي ج 2 ص 18
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
رابعا: عدم التأويل شرط ومانعه التأويل:
التأويل في اللغة: مادة (أول) في كل استعمالاتها اللغوية تفيد معنى الرجوع، والعود.(1)
والتأويل اصطلاحا: للتأويل في اصطلاح العلماء ثلاثة معان:
الأول: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53]، ومنه قول عائشة ?: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد: اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)(2).
الثاني: يراد بلفظ التأويل: (التفسير) وهو اصطلاح كثير من المفسرين.
الثالث: أن يراد بلفظ (التأويل): صرف اللفظ من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به(3)، وهذا التأويل الذي--------------------------------------------
(1) لسان العرب 11/ 32 - 34 مادة (أ و ل)
(2) رواه البخاري الأذان، باب التسبيح والدعاء في السجود (2/ 228) 817، ومسلم، الصلاة (2/ 50) 1113.
(3) مجموع الفتاوي 4/ 68 - 70، وينظر 3/ 54 - 68، 5/ 28 - 36، 13/ 277 - 313، الصواعق المرسلة 1/ 175 - 233، شرح الطحاوية 231 - 236.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في مسألة الصفات والقدر ونحوها.
وهو من أعظم أصول الضلال والانحراف حيث صار ذريعة لغلاة الجهمية والباطنية والمتصوفة في تأويل التكاليف الشرعية على غير مقصودها أو إسقاطها أو تأويل جميع الأسماء والصفات.
ومعنى التأويل المقصود هنا هو: التلبس والوقوع في الكفر متأولا من غير قصد لذلك.(1)
أ. أنواع التأويل
• المتأول المعذور بخطئه: المجتهد إذا أصاب فله أجران. وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، والمتأول مجتهد. فهل هو مأجور معذور في خطئه دائما وأبدا؟
بين أيدينا عدد من النصوص يفهم منها:
أن المتأول المخطئ يعذر إذا كان الحامل له على تأويله دليل مسوغ في الظاهر. وإن كان خاطئا في حقيقة الأمر. وقد عقد البخاري بابا فيما جاء في المتأولين في كتاب «استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم» في صحيحه، وذكر فيه أربعة أحاديث تدل على الحالة التي يعذر فيها المتأول ولا يؤاخذ فيها بخطئه. فذكر:--------------------------------------------
(1) الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة لعبد الرحمن المحمود ص 127.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
1. حديث إنكار عمر بن الخطاب على هشام بن حكيم قراءته سورة الفرقان على غير ما أقرأه إياها رسول الله
صلى الله عليه وسلم وتكذيبه له في أنه سمعها من الرسول صلى الله عليه وسلم(1).
ووجه الشاهد في الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر تكذيبه لهشام بن حكيم وقسوته عليه بجره من تلابيبه، لأن عمر كان معذورا، لظنه أن القرآن لا تتعدد وجوه قراءته.
فعمر أخذ بظاهر الحال فكان تأويله سائغا قال ابن حجر: "ومناسبته للترجمة من جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ عمر بتكذيب هشام، ولا بكونه لببه بردائه، وأراد الإيقاع به، بل صدق هشاما فيما نقله، وعذر عمر إنكاره، ولم يزد على بيان الحجة في جواز القراءتين»(2).
2. وحديث تأويل الصحابة للظلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، على عمومه وأن ذلك شق عليهم حتى فسره لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه الشرك كما في آية لقمان {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري بشرح العسقلاني 12/ 216.
(2) المرجع السابق 12/ 323.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
والشاهد في الحديث: هو أن الصحابة كانوا معذورين في فهمهم حين حملوا الظلم على إطلاقه وعمومه وهو كل المعاصي لأنه هو المعنى الظاهر المألوف في لسان العرب. فكان تأويلا سائغا وإن كان خاطئا في حقيقة الأمر. ولذلك لم ينكر صلى الله عليه وسلم عليهم فهمهم ذلك.
قال ابن حجر: «ووجه دخوله في الترجمة من جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ الصحابة بحملهم الظلم في الآية على عمومه حتى يتناول كل معصية، بل عذرهم لأنه ظاهر في التأويل، ثم بين لهم المراد بما رفع الأشكال»(1).
3. وحديث عتبان بن مالي يقول: " غدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: أين مالك بن الدخشن؟ فقال رجلٌ منا: ذلك منافقٌ لا يحب الله ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تقولوه يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» قال: بلى. قال: " فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار».
والشاهد في الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ القائلين في حق مالك بن الدخشن بما قالوا حيث وصفوه بالنفاق بل بين أن إجراء أحكام الإسلام على الظاهر دون ما في الباطن(2).
4. الحديث الذي طلب فيه عمر بن الخطاب من رسول صلى الله عليه وسلم أن--------------------------------------------
(1) فتح الباري 12/ 318.
(2) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
يضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة بعد أن أرسل إلى قريش يخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم لفتح مكة، فطلب عمر ضرب عنقه قائلا: «أنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين» وفي بعض الروايات وصفه بالنفاق وفي بعضها الآخر بالكفر(1).
والشاهد في الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر ولم يؤاخذ عمر بإغلاظه القول لحاطب بسبب مكاتبته قريشا، ووصفه له بالخيانة، بل عذره لأن ظاهر الحال كان يدل على ذلك(2)
فإن التجسس على الجيش المسلم بما يؤدي إلى إفشال خطته بالكامل والإيقاع به لا يفعله عادة إلا منافق أو كافر خائن، فلذلك لم يوبخ الرسول صلى الله عليه وسلم عمر على قوله وهمه بقتله.
أقوال العلماء في التأويل الذي يعذر به صاحبه:
1. قال ابن حجر في بيان ضابط التأويل المردود الذي يعذر صاحبه ولا يذم: «قال العلماء. كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم».(3)
وهو ما نصت عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية بقولها: «إن المخطئ المعذور من أخطأ في المسائل النظرية الاجتهادية، لا من أخطأ فيما ثبت بنص صريح، ولا--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)