اعتراض المعتزلة على احتجاج أهل السنة وجوابهم لهم
اعترضت المعتزلة على احتجاج أهل السنة بقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} وسائر الآيات التي فيها لفظ التنزيل مثل قوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} أن هذا نظير إنزال المطر، أو إنزال الحديد فليس بمثل هذه الآيات حجة على أن القرآن غير مخلوق.
وأجاب أهل السنة: أن إنزال المطر مقيد بأنه منزل من السماء، كما قال اللَّه: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} وفي آية أخرى: {مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} وهي السحاب.
وأما إنزال القرآن فمذكور بأنه إنزال من اللَّه كقوله تعالى: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} .
وإنزال الحديد والأنعام مطلق، فكيف يشبه هذا الإنزال بهذا الإنزال، فالحديد إنما يكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
من المعادن التي في الجبال، وهي عالية على الأرض، وقد قيل: إنه كلما كان معدنه أعلى كان حديده أجود.
والأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا قال أنزل ولم يقل نزل، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها عند الوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى سفل، وعلى هذا فيحتمل قوله: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ} وجهين:
أحدهما: أن تكون (من) لبيان الجنس.
الثاني: أن تكون (من) لابتداء الغاية.
وهذان الوجهان يحتملان في قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} .
واعترضوا ثانيا على قول أهل السنة في احتجاجهم أن الكلام صفة للَّه؛ لأن اللَّه أضافه إلى نفسه؛ حيث قال: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} ، وقال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
قالوا في اعتراضهم: أن الإضافة للتشريف كبيت الله، وناقة الله، فلا تقتضي أن تكون صفة … وأجاب أهل السنة: أن الإضافة نوعان:
(1) إضافة أعيان: كالبيت والناقة، فهذه للتشريف والتنويه لما فيه من الصفات العظيمة.
(2) إضافة المعاني: كعلم اللَّه وقدرته وكلامه فهي من إضافة الصفة للموصوف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
للمعتزلة شبهات عقلية على اتصاف الله بالصفات عمومًا، والكلام خصوصًا
(1) قالوا ما معناه: من المعلوم الثابت عقلًا ونقلًا وفطرة أن اللَّه واحد فرد، قديم أزلي، وعلى ذلك جميع المسلمين فإذا وصفناه بصفات عديدة، كصفة العلم والسمع والبصر والكلام، وقلنا كلها قديمة أزلية، لزم تعدد القدماء، وقد كفرت النصارى بالتثليث، فكيف بهذه الصفات العديدة؟
والجواب:
أولًا: لا ينبغي لمن كان مسلمًا مؤمنًا أن ينكر ما ثبت للَّه في القرآن وفي السنة الصحيحة بمثل هذه التشكيكات القبيحة، بل عليه الإيمان والتسليم، ويجزم أن عقله قاصر مهما بلغ وعلا وارتقى أن يدرك كنه ذاته تعالى أو صفاته.
فإذا كان لا يدرك كنه كثير من المخلوقات كالروح والعقل، فكيف يمكنه أن يدرك كنه اللَّه أو صفاته؟
وإذا كان لا يدرك، فهل ينكر؟ لا بل يجب أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
يؤمن ويسلم؛ لأن الشرائع لا تأتي بما يحيله العقل، بل بما يدركه أو يحير فيه.
وأي عاقل يقول: إذا كنا لا ندرك حقيقة الروح والعقل والكهرباء، يجب علينا أن ننكرها. وثانيًا: يلزم تعدد القدماء لو قلنا بتعدد الذوات، أما تعدد الصفات لذات واحدة فلا يلزم ذلك، وليس فيه محذور.
(2) قالوا ما معناه: لو وصفنا اللَّه بالصفات المذكورة، وبالصفات التي تثبتها السلف، كصفة الرحمة والغضب والاستواء، لزم تمثيل اللَّه بخلقه وتشبيهه بهم، لأن هذه من صفات المخلوقين.
فالجواب:
أولًا: يفهم من الجواب السابق.
ثانيًا: معاذ اللَّه أن نقول بالمثلية والتشبيه، كيف وقد قال اللَّه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات -كما سبق- فكما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته.
ويلزم من قولهم أن القرآن مخلوق من تمثيل اللَّه وتشبيهه بخلقه؛ لأن القرآن طافح بصفات عديدة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
لله يعز استقصاؤها، ولو كان لقولهم أصل لثبت عن رسول اللَّه وأصحابه والتابعين بأن يؤولوها كما تزعم المعتزلة وسائر المؤولة، ولا يسع المسلم الصحيح إلا ما وسعهم، والبحث في هذا يطول، وقد تكلفت كتب أئمة السنة برد هذه الشبه الواهية، وقد مر بعض ذلك في أوائل البحث.
(3) في خصوص الكلام قالت المعتزلة: إذا كانت ذات البارئ بالاتفاق وصفاته- على حد تعبيركم أهل السنة، واحدة لا تتجزأ فمحال أن يكون القرآن كلام الله، على معنى أنه صفة من صفاته؛ لأنه لو كان كذلك لكان هو وذاته وبقية صفاته شيئا واحدًا، ونحن نرى أن في القرآن أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا، ووعدًا ووعيدًا، فهذه حقائق مختلفة، وخصائص متباينة.
ومن المحال أن يكون الواحد متنوعًا إلى خصائص مختلفة اهـ.
والجواب: أن نقول الحمد للَّه على نعمة العقل والهداية للإسلام والعقيدة الصحيحة، والحمد للَّه الذي عافانا مما ابتلاهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
يزعم هؤلاء أنهم لا يثقون بالنقل، ويلجئون إلى العقل، أو يرجحونه على النقل، ويقولون: نبني عقائدنا على القواعد العقلية، لأنه يسلم بها كل عاقل ولو كان كافرًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
هكذا زعموا.
ونحن نقول: أي عقل هذا يحكم أن الكلام إذا كان أمرًا ونهيًا ووعدًا ووعيدًا فإنه ينافي الوحدة؛ لأنه يحصل تغيير في ذات المتكلم كما يفهم من كلامهم.
ونقول ثانيًا -أن الله جل جلاله واحد في ذاته وفي صفاته، والكلام صفة من صفاته، والأمر والنهي والوعد والوعيد من أنواع الكلام، والتنوع في الكلام لا في ذاته، فأي استحالة في هذا؟ وأين المحذور الذي زعموه؟.
والمتكلم البشري إذا نوع كلامه من خبر إلى أمر إلى نهي فهل يقال إنها خصائص مختلفة؟ وأنها تؤثر على ذات الإنسان؟ والله أعلى من أن تضرب له الأمثال، ولكن له المثل الأعلى في صفاته العلى.
(4) قالوا- إذا كان الكلام أزليا وهو صفة من صفاته، ترتبت على ذلك أمور مستحيلة، منها: أن الأمر لا قيمة له ما لم يصادف مأمورًا إلا إذا كان هناك مأمورون بالصلاة، ولا كتب عليكم الصيام إلا إذا كان هناك مأمورون بالصيام.
ومن المسلم به، أن في الأزل لم يكن هناك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
مأمور بالصلاة والصيام، ومحال أن يكون المأمور معدومًا.
ثانيًا: يلزم من ذلك أن يكون الكلام من غير مكلم، وهذا من المستحيلات.
ثالثًا: الخطاب مع موسى غير الخطاب مع محمد، ومناهج الكلامين مع الرسولين مختلفة.
ويستحيل أن يكون معنى واحدًا هو في نفسه كلام مع شخص على معان ومناهج، وكلام مع شخص آخر على معان ومناهج أخرى، ثم يكون الكلامان شيئا واحدًا ومعنى واحدًا.
الجواب:
أن هذه الأمور التي ذكرتها المعتزلة من أنها تترتب على الكلام الأزلي، وهو صفة من صفاته أو نقول- هذه الشبهات التي ذكروها ترد على الأشاعرة القائلين بالكلام النفسي كما سيأتي مذهبهم- لا علينا معشر السفليين.
لأننا نقول: "كلام اللَّه من حيث هو صفة له، وهو من صفات الذات والفعل".
وأما خطابه لموسى بقوله: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} ، ولنبينا محمد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
صلى اللَّه عليه وسلم بقوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} فقد حصل كل واحد من الخطابين في وقته لا في الأزل.
وكذلك الأوامر والنواهي القرآنية حصلت بعد ما أرسل اللَّه الرسول، وآمن بعض الناس لا في الأزل، إلا أمر تبليغه الرسالة فقد حصل قبل أن يؤمن أحد.
(5) قالوا "قال اللَّه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} والمسموع حادث؛ لأنه لا يكون إلا حرفًا وصوتًا.
والجواب:
نحن قائلون اللَّه يتكلم بحرف وصوت خلافًا للأشاعرة وغيرهم.
ودليلنا على الحرف ما ورد في الحديث الصحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله عشر حسنات» .
وأما الصوت- فقد ورد في الحديث الصحيح: «أن اللَّه ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
والنداء لا يكون إلا بصوت، ولكن لا يماثل صوت المخلوقين.
في شرح البخاري - ومن نفى الصوت، يلزمه أن اللَّه تعالى لم يسمع أحدًا من ملائكته ولا رسله كلامه، بل ألهمهم إياه إلهامًا، قال: "وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهدت ذات مخارج، كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة، ولئن سلم فيمنع القياس المذكور؛ لأن صفة الخالق لا تقاس على صفة المخلوقين.
وحيث ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به.
وقال ابن حجر أيضًا في موضع آخر من شرح البخاري "قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب، كما يسمعه من بعد» حمله بعض الأئمة على مجاز يأمر من ينادي فاستتبعه بعض من أثبت الصوت، لأن في قوله: «يسمعه من بعد» إشارة إلى أنه ليس من المخلوقات، لأنه لم يعهد مثل هذا عنهم، وبأن الملائكة إذا سمعوا صعقوا، وإذا سمع بعضها بعضًا لم يصعقوا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
قال: "فعلى هذا صوته صفة من صفات ذاته ليس يشبه صوت غيره، إذ ليس يوجد شيء من صفات المخلوقين.
قال: "وهكذا قرره المصنف يعني الإمام البخاري في كتاب خلق أفعال العباد، اهـ.
فإن قيل: إن هذه أحاديث آحاد لا تفيد إلا الظن والعقائد ينبغي أن تبنى على العلم والقطع.
الجواب:
أن هذا القول اخترعه المتكلمون من المعتزلة، واغتر به بعض السنة، وهو قول باطل فيه هدم لكثير من العقائد والشرائع، ومن المستحسن أن نذكر بعض الأدلة على قبول ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
بعض الأدلة على قبول خبر الآحاد
الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل الرسل إلى ملوك العرب وغيرهم، يدعوهم إلى الإسلام، ومعلوم أن المرسل من الرسول كان رجلًا واحدًا أو اثنين ومعه كتاب، ولم تكن تلك الرسالة بدرجة التواتر، ومع ذلك أسلم من أسلم ورأى أن الحجة قد قامت على من أبى بواسطة إرسال ذلك الرسول، ولو لم تقم الحجة على المرسل إليهم بإرسال الرسول أو المرسولين، ويجب عليهم أن يقبلوا خبر رسول الرسول ويسلموا. لما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى كسرى وقيصر، وملك اليمامة وابني الجلندي ملك عمان وغيرهم.
كما أنه أرسل معاذا إلى اليمن وقال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، -وفي رواية-: إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
الثاني: أن المسلمين لما أخبرهم العدل الواحد وهم بقباء في صلاة الصبح، أن القبلة قد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
حولت إلى الكعبة قبلوا خبره، وتركوا الجهة التي كانوا عليها، واستداروا إلى القبلة، ولم ينكر عليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ بل شكروا على ذلك، وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى.
فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به، المعلوم لخبر لا يفيد العلم، وغاية ما يقال فيه أنه خبر اقترن به قرينة، وكثير منهم يقول: "لا يفيد العلم بقرينة ولا غيرها، وهذا في غاية المكابرة".
ومعلوم أن قرينة تلقي الأمة له بالقبول وروايته قرنا بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها، فبأي قرينة فرضتها، كانت أقوى منها.
والثالث: قوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} الإسراء- 36- أي لا تتبعه ولا تعمل به، ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ويعملون بها، ويثبتون للَّه تعالى بها الصفات، فلو كانت لا تفيد علمًا لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم.
الرابع: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية» وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: «أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت» .
ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ، ويحصل به العلم، ولو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة اللَّه على العباد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم.
وقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه، فتقوم الحجة على من بلغه.
وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسنته، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة، أو دون عدد التواتر، وهذا من أبطل الباطل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
فيلزم من قال أن أخبار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا تفيد العلم أحد أمرين:
إما أن يقول أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ غير القرآن، وما رواه عنه عدد التواتر وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ.
وإما أن يقول: "أن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علمًا، ولا يقتضي عملًا، وإذا بطل هذان الأمران بطل القول بأن أخباره صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علمًا، وهذا أمر ظاهر لا خفاء به.
الخامس: قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر وهم أولو الكتاب والعلم، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علمًا، وهو سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر، بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقًا، فلو كان واحدًا لكان سؤاله وجوابه كافيًا.
السادس: أن هؤلاء المنكرين لإفادة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم العلم، يشهدون شهادة جازمة قاطعة على أئمتهم بمذاهبهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وأقوالهم أنهم قالوا، ولو قيل لهم أنها لم تصح عنهم لأنكروا ذلك غاية الإنكار وتعجبوا من جهل قائله، ومعلوم أن تلك المذاهب لم يروها عنهم إلا الواحد أو الاثنان والثلاثة ونحوهم لم يروها عنهم عدد التواتر، وهذا معلوم يقينًا.
فكيف حصل لهم العلم الضروري أو المقارب للضروري بأن أئمتهم ومن قلدوهم دينهم أفتوا بكذا وذهبوا إلى كذا، ولم يحصل لهم العلم بما أخبر به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وسائر الصحابة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا بما رواه عنهم التابعون وشاع في الأمة وذاع، وتعددت طرقه وتنوعت، وكان حرصه عليه أعظم بكثير من حرص أولئك على متبوعيهم. إن هذا لهو العجب العجاب.
وهذا وإن لم يكن نفسه دليلًا لكنه يلزمهم أحد أمرين:
إما أن يقولوا أخبار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وفتاواه وأقضيته تفيد العلم.
وإما أن يقولوا أنهم لا علم لهم بصحة شيء مما نقل عن أئمتهم، وأن النقول عنهم لا تفيد علما.
وإما أن يكون ذلك مفيدًا للعلم بصحته عن أئمتهم دون المنقول عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فهو من أبين الباطل.
السابع: قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
وهذا يعم كل مخالف بلغه أمره صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة بمخالفة ما لا يفيد علمًا للفتنة والعذاب الأليم، فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر.
الثامن: أن التفريق بين العقيدة والأحكام العملية وإيجاب الأخذ بحديث الآحاد في هذه دون تلك، إنما بني على أساس أن العقيدة لا يقترن معها عمل، والأحكام العملية لا يقترن معها عقيدة، وكلا الأمرين باطل.
قال بعض المحققين: المطلوب في المسائل العملية أمران: العلم والعمل، والمطلوب في العمليات العلم والعمل أيضًا، وهو حب القلب وبغضه، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبغضه للباطل الذي يخالفها فليس العمل مقصورًا على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، فكل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، وذلك عمل بل هو أصل العمل،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان؛ حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه. فإن كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي صلى الله عليه وسلم غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق، عمل القلب من حب ما جاء به والرضا به وإرادته، والموالاة له والمعاداة عليه.
فلا تهمل هذا الموضوع فإنه مهم جدًا، به تعرف حقيقة الإيمان، فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية، فإن الشارع لم يكتف من المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العمليات بمجرد العلم دون العمل.
ومما يوضح لك أنه لا بد من اقتران العقيدة في العمليات أيضًا أو الأحكام أنه لو افترض أن رجلًا يغتسل أو يتوضأ للنظافة أو يصلي تريضًا أو يصوم تطبيبًا، أو يحج سياحة، لا يفعل ذلك معتقدًا أن اللَّه تبارك وتعالى أوجبه عليه وتعبده به لما أفاده ذلك شيئا، كما لا يفيده معرفة القلب إذا لم تقترن بعمل القلب الذي هو التصديق كما تقدم.
فإذن كل حكم شرعي عملي يقترن به عقيدة لا بد وأن يرجع إلى الإيمان بأمر غيبي لا يعلمه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
إلا اللَّه تعالى، ولولا أنه أخبرنا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لما وجب التصديق به والعمل به؛ ولذلك لم يجز لأحد أن يحرم أو يحلل بدون حجة من كتاب أو سنة، قال اللَّه تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} فأفادت هذه الآية الكريمة أن التحريم والتحليل بدون إذن منه كذب على اللَّه تعالى وافتراء عليه، فإذا كنا متفقين على جواز التحليل والتحريم بحديث الآحاد، وأننا به ننجوا من التقول على الله، فكذلك يجوز إيجاب العقيدة بحديث الآحاد، ولا فرق، ومن ادعى الفرق فعليه البرهان من كتاب اللَّه وسنة رسوله، ودون ذلك خرط القتاد.
التاسع: أن القائلين بهذه العقيدة الباطلة لو قيل لهم أن العكس هو الصواب، لما استطاعوا رده، فإنه من الممكن أن يقال: لما كان كل من العقيدة والعمل يتضمن أحدهما الآخر، فالعقيدة يقترن معها عمل، والعمل يقترن معه عقيدة على ما سبق بيانه آنفًا، ولكن بينهما فرقًا واضحًا من حيث إن الأول إنما هو متعلق بشخص المؤمن ولا ارتباط له بالمجتمع، بخلاف العمل فإنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)