تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر)القسم: العقيدة
الكتاب: تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي
المؤلف: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
الناشر: غراس للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1424هـ/2003م
عدد الصفحات: 397
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
مقدمة
…
تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي
تأليف: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين: نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
. أمَّا بعد؛ فهذا شرح مبسَّط، وبيان ميسَّر لكتاب الحافظ أبي محمد تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجمَّاعيلي الصالحي رحمه الله الذي ألَّفه في بيان المعتقد الحق: معتقد أهل السنة والجماعة
. وهو مؤلف قيم فذ، عرض فيه مؤلفه رحمه الله مسائل العقيدة بأسلوب شيق، وتحقيق متين. وهو معدود في أهم المختصرات المؤلفة في بيان عقيدة السلف الصالح رحمهم الله.
وشرحي لهذا الكتاب هو في الأصل دروس ألقيتها في دورة علمية أقيمت في المدينة النبوية، وقد أشار عليَّ عدد من الأخوة بأن تفرغ من الأشرطة وتجعل في كتاب ليكون نفعها أعم وفائدتها أكبر، وشجعني على ذلك أنه لا يوجد للكتاب شرح مطبوع، مع اعترافي بقلة العلم وقصور الفهم وعدم الأهلية، وقد قام أحد الأخوة الأفاضل جزاه الله خيراً بتفريغ الشرح من الأشرطة، وجرى تصحيح المتن، وحذف المكررات، وتوثيق النقول ونقل ألفاظها من مصادرها، وعزو الآيات والأحاديث، مع إضافة جملة من الفوائد واللطائف، وسميته: " تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي " 1 وأسأل الله عز وجل أن يتقبل هذا الجهد بقبول حسن، وأن ينفع--------------------------------------------
1 للسيوطي رحمه الله جزء مطبوع بعنوان: " تذكرة المؤتسي فيمن حدث ونسي ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
به، وأن يكتب له القبول، وأن يجزي كلَّ من ساعد في إخراجه بأيِّ نوع من المساعدة ـ سواء في تسجيله، أو تفريغه من الأشرطة، أو مراجعته وتصحيحه، أو طباعته ونشره ـ خير الجزاء، إنه سبحانه خير مسؤول، وهو أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتبه عبد الرزاق البدر
عفا الله عنه وغفر له ولوالديه
ولجميع المسلمين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
ترجمة مختصرة لمؤلف الكتاب
اسمه ونسبه وكنيته: هو الإمام الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني"ابن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي الجمَّاعيلي الدمشقي الصالحي.
مولده: ولد بجماعيل من أرض نابلس، سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
بعض شيوخه: قال الذهبي: " سمع الكثير، بدمشق، والإسكندرية وبيت المقدس، ومصر، وبغداد، وحران، والموصل، وأصبهان، وهمذان، وكتب الكثير " 1.
سمع أبا الفتح ابن البطي، وعلي بن رباح الفراء، وعبد القادر الجيلي، وأبا بكر بن النقور، والحافظ أبا طاهر السلفي، والحافظ أبا موسى المديني وطائفة غيرهم.
بعض تلاميذه: حدَّث عنه ابن خالته الشيخ موفق الدين ابن قدامة، وأولاده الحافظ عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى عبد الله، والفقيه أبو سليمان، والحافظ الضياء المقدسي.
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: الشيخ عبد الغني المقدسي إمام من الأئمة، وعلم من الأعلام، ومن أوعية السنة، قال الضياء المقدسي: " كان شيخنا الحافظ لا يكاد يسأل عن حديث إلا ذكره وبيَّنه، وذكر صحته أو سقمه، ولا يسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان الفلاني ويذكر نسبه، فكان أمير المؤمنين في الحديث " 2--------------------------------------------
1 السير 21/444
2 السير 21/448
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
وقال الحافظ أبو موسى المديني ـ متحدثاً عن كتاب"تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة"للحافظ عبد الغني ـ: " قلَّ من قدم علينا من الأصحاب يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ـ زاده الله توفيقاً ـ وقد وُفِّق لتبيين هذه الغلطات، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا لما فهم " 1.
وقال الموفق ابن قدامة: " كان جامعاً للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمَّل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم إياه وقيامهم عليه، ورُزِق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها " 2.
شمائله: من يطلع على ترجمة هذا الرجل يجد حياة حافلة بالجد والنشاط، والاجتهاد والعطاء، وبذل الوقت في طلب العلم وتحصيله، والرحلة إلى العلماء والأخذ عنهم. حياةً حافلة بالعبادة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فالرجل كان من العباد الذين يعرفون بحسن العبادة والبكاء والخشوع والإقبال على الله، والمحافظة على السنن والصيام، ويذكرون له في حياته أموراً عجيبة في هذا المجال.--------------------------------------------
1 ذيل طبقات الحنابلة 4/8 ـ 9
2 ذيل طبقات الحنابلة 4/11
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
حياةً جادة في النصح للمسلمين، والدعوة لدين الله، ونصرة العقيدة ونصرة السنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت لا تأخذه في الله لومة لائم. وفي ترجمته نماذج رائعة ومؤثرة جداً في هذا الجانب.
وفاته: يقول الحافظ أبو موسى ابنه ـ واصفاً اللحظات الأخيرة من حياته ـ: " مرض أبي في ربيع الأول مرضاً شديداً، منعه من الكلام والقيام، واشتد ستة عشر يوماً، وكنت أسأله كثيراً: ما تشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمة الله. لا يزيد على ذلك. فجئته بماء حار فمد يده فوضأته وقت الفجر، فقال: يا عبد الله قم فصل بنا وخفف، فصليت بالجماعة، وصلى جالساً، ثم جلست عند رأسه، فقال: اقرأ يس، فقرأتها، وجعل يدعو وأنا أؤمن، فقلت: هنا دواء قد عملناه تشربه؟ فقال: يا بني ما بقي إلا الموت. فقلت: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله تعالى. فقلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى والله، أنا عنك راض وعن إخوتك. فقلت: ما توصي بشيء؟ قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد عليَّ شيء. قلت: توصيني؟ قال: أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته. فجاء جماعة يعودونه فسلموا، فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون، فقال: ما هذا؟ اذكروا الله، قولوا: لا إله إلا الله، فلما قاموا جعل يذكر الله بشفتيه، ويشير بعينيه، فقمت لأناول رجلاً كتاباً من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه رحمه الله، وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ست مائة " 1.--------------------------------------------
1 سير أعلام النبلاء 21/467 ـ 468، وذيل طبقات الحنابلة 4/28 ـ 29
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
بخلاف أهل الأهواء والمبتدعة فإنهم يتكلفون إنشاء معتقدات من قبل أنفسهم، وبآرائهم وأهوائهم وتصوراتهم وظنونهم الفاسدة، وينشرونها بين الناس على أنها دين الله عز وجل الذي ينبغي أن يدان به.
فشتان بين هؤلاء وهؤلاء: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 1.فأهل السنة اعتقادهم مأخوذ من الكتاب والسنة، وأهل الأهواء اعتقاداتهم مأخوذة من تصورات فاسدة، وآراء منْحلَّة. ومن أراد معرفة الفرق بين الطريقتين فلينظر إلى كتب هؤلاء وكتب هؤلاء، فكتب أهل السنة في الاعتقاد: من أولها إلى آخرها قائمة على الدليل، تجد الإمام منهم يذكر العقيدة ويتبعها بدليلها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. بينما أهل الأهواء لا يذكرون في ذلك أي دليل، ولا يعتمدون على حجة.
وبما أننا مع كتاب للحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله، فإني أذكر حول هذا الأمر قصتين لطيفتين في حياته هو رحمه الله.
الأولى: أنه وشى به بعض المبتدعة عند الملك الكامل، وقالوا: إنه فاسد المعتقد، وتكلموا فيه. فطلبه الملك العادل، وأُحضِرَ إليه، وأُمِر أن يكتب اعتقاده. فكتب: أقول كذا لقول الله: كذا، وأقول: كذا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا. حتى فرغ من المسائل التي يخالفون فيها، فلمَّا وقف عليها الملك الكامل قال: إيش في هذا؟ يقول بقول الله عز وجل، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم. فخلى سبيله 2. وعرف أن هذه وشاية حاسدين؛ لأنه وجد أنَّ كل كلمة يقولها في معتقده مقرونة بدليلها من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
1 الآية 22 من سورة الملك.
2 انظر: ذيل طبقات الحنابلة 4/26
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
الثانية: ذكر ابن رجب رحمه الله في أثناء ترجمته للحافظ عبد الغني كلاماً حول حال أهل الأهواء، وأنهم لا يقيمون معتقدهم على الكتاب والسنة، وفي أثناء هذا الحديث قال: " ولقد عُقد مرة مجلس لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، فتكلم فيه بعض أكابر المخالفين، وكان خطيب الجامع، فقال الشيخ شرف الدين عبد الله أخو الشيخ: " كلامنا مع أهل السنة، وأما أنت: فأنا أكتب لك أحاديث من الصحيحين، وأحاديث من الموضوعات ـ وأظنه قال: وكلاماً من سيرة عنتر ـ فلا تميز بينهما، ـ أو كما قال ـ فسكت الرجل " 1.
فلا يميز الواحد منهم بين الحديث الصحيح، والحديث الموضوع، والقصة التي هي من قصص عنترة بن شداد. فأهل الأهواء بعيدون كلَّ البعد عن الأدلة، وعن النصوص، وعن كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في وصفهم: " نجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلم صحة الحديث، وربما قال: لقوله عليه السلام كذا. وتكون آية من كتاب الله. وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر " 2.
فأين هؤلاء من أئمة السلف ودعاة السنة رحمهم الله، الذين يذكرون المعتقد في كلِّ جانب من جوانبه مقروناً بدليله: قال الله، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم. إن أهل السنة رحمهم الله اعتنوا بهذه العقيدة عناية فائقة: بتقريرها وبيانها وبسط أدلتها، والرد على المخالف لهم فيها، وبذلوا في ذلك جهوداً كبيرة.--------------------------------------------
1 ذيل طبقات الحنابلة 4/23
2 نقض المنطق ص82
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
ومن هذه الجهود: هذا الكتاب الذي بين أيدينا للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله.
فعلى طالب العلم أن يعتني بهذه العقيدة، وأن يهتم بها. وأقل القليل أن يعتني بمتن من هذه المتون المختصرة، يضبطه ويفهمه، ويعتني بشروحه، ويقرأه على أهل العلم؛ فإن الشبه تتزايد وتكثر، وإذا لم يكن لدى طالب العلم أصل ثابت، وأساس راسخ، مبني على الدليل فإن الشبهات تجرفه، وتأخذه إلى أبعد ما يكون. وأهل العلم ـ مثل المقدسي رحمه الله إنما ألَّفوا هذه المختصرات لهذا الغرض.
وأنا أجد شبهاً كبيراً بين كتاب"العقيدة الواسطية"لشيخ الإسلام، وكتاب"عقيدة عبد الغني المقدسي رحمه الله"فبين هذين الكتابين تشابه ظاهر، وعبد الغني متقدم على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
الأمر الثاني: كلمة"عقيدة":
كثير من مؤلفات السلف رحمهم الله موصوفة بهذا الوصف: عقيدة، عقيدة فلان، العقيدة الواسطية، الاعتقاد لفلان. وهذه الكلمة: كلمة عربية، واضحة المعنى، ظاهرة الدلالة، دالة على المقصود في هذا الموضع على أتم ما يكون؛ لأن العقيدة أو الاعتقاد مأخوذة في اللغة من العقد، وهو الربط والحزم والشد والتوثيق. وأهل العلم من السلف رحمهم الله أطلقوا هذا الوصف على أصول الإيمان لأنه مطلوب من المسلم أن يربط عليها قلبه، ويوثق عليها جنانه، وأن يكون إيمانه بها إيماناً جازماً لا شك فيه ولا ريب ولا تردد، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} 1 أي أيقنوا ولم يشكوا.--------------------------------------------
1 الآية 15 من سورة الحجرات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
بين يدي الشرح
قبل الشروع في هذا الشرح، أود أن أتحدث عن بعض الأمور:
الأول: عن أهمية عناية طالب العلم بعقيدة السلف: عقيدة أهل السنة والجماعة، المبنية على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فالعقيدة للعلوم والأعمال كلها بمثابة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار. فكما أن البناء لا يقوم إلا على أساسه، والشجر لا يقوم إلا على أصوله، فإن أعمال المرء وعلومه لا تنفع إلا إذا قامت على اعتقاد صحيح
فالعناية بالعقيدة مقدمة على العناية بسائر الأمور من طعام وشراب ولباس؛ لأن العقيدة هي التي يحيى بها المؤمن الحياة الحقيقية، وتزكو بها نفسه، وتستقيم بها أعماله، وتُتَقبَّل بها طاعاته، وترتفع بها درجاته عند الله عز وجل. وإذا اختلت العقيدة، أو فسدت، أو ذهبت انعكس ذلك على شؤونه كلها، وأعماله جميعها. ولهذا فإن للعقيدة الفاسدة شؤماً على صاحبها في أعماله وأخلاقه، وهي مردية ومهلكة له.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وأيضاً المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال؛ إما عن سوء عقيدة ونفاق، وإما عن مرض في القلب وضعف إيمان، ففيهم من ترك الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب ما هو ظاهر لكل أحد، وعامة شيوخهم يرمون بالعظائم " 1.
بينما إذا صلحت العقيدة واستقام أمرها، وبنيت على كتاب الله وسنة نبيه--------------------------------------------
1 نقض المنطق ص45
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
صلى الله عليه وسلم فإنَّ الإنسان يصلح؛ لأنَّ أساس الصلاح والاستقامة موجود فيه، كما قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} 1، فجعل سبحانه أصول الإيمان وأسسه ـ التي هي الاعتقاد ـ بمثابة الأصل الذي تقوم عليه الشجرة، وإذا كان الأصل راسخاً ثابتاً كان ذلك أكمل في الشجرة: في نمائها، وزكائها، وطيب ثمرها، بحسب صلاح هذا الأصل. قال شيخ الإسلام: " ومن المعلوم أن العلم أصل العمل، وصحة الأصول توجب صحة الفروع" 2.
ولهذا لزم أن تكون العناية بالعقيدة مقدمة على العناية بكل أمر، لاسيما والفساد في الاعتقاد قد كثر في الناس، وتعددت الانحرافات فيه في جوانب مختلفة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً " 3. وقال صلى الله عليه وسلم: " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة " 4. وهذا الافتراق والانقسام هو بسبب الأهواء الباطلة المحدثة التي تجر الناس إلى اعتقادات منحرفة، وأعمال باطلة ليست من دين الله تبارك وتعالى.
فيتعين على المسلم أن يقف على المعتقد الحق الصحيح، الذي أُخِذ من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ذلك المعتقد المبارك الذي سمعه الصحابة من--------------------------------------------
1 الآية 24 من سورة إبراهيم.
2 نقض المنطق ص45
3 أخرجه أبو داود رقم 4607، والترمذي رقم 2676 وقال: حسن صحيح، وابن ماجه رقم 43، وأحمد 4/126، وابن أبي عاصم في السنة رقم 54 وقال الألباني: إسناده صحيح، وابن حبان في صحيحه رقم 5، والحاكم في المستدرك 1/174ـ176 وقال: هذا حديث صحيح وليس له علة.
4 أخرجه أبو داود رقم 4597، وابن ماجه رقم 3992، وأحمد 4/102، وابن أبي عاصم في السنة رقم 2، 3 وصححه الألباني في الصحيحة رقم 203
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
النبي صلى الله عليه وسلم، وبلَّغوه للتابعين، وبلَّغه التابعون لمن بعدهم، ولا يزال محفوظاً بحفظ الله تبارك وتعالى، له أنصاره وأعوانه ومؤيدوه، إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها. وفي الحديث: " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس " 1. فالعقيدة باقية محفوظة بحفظ الله تبارك وتعالى.
ومن الوسائل التي هيأها الله عز وجل لعباده لحفظ هذا المعتقد: هذه الرسائل التي كتبها أهل العلم رحمهم الله في بيان العقيدة، والدفاع عنها، والرد على أهل الباطل فيها. فلهم مؤلفات كثيرة في الاعتقاد تقريراً وتأصيلاً، وردّاً على الباطل وإزهاقاً للشبهات التي يثيرها أهل الباطل، ولكثير منهم متون مختصرة، وكتابات مطولة في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة. جهود متضافرة، وأعمال مباركة، ومساعٍ مشكورة قام بها هؤلاء العلماء، وكان هذا من الأسباب التي قيَّضها الله عز وجل لعباده لحفظ هذه العقيدة.
وعندما يؤلف الواحد منهم مختصراً في الاعتقاد أعني ـ من كان على سَنن أهل السنة وطريقتهم ـ يؤلفه مبنياً على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمر العقيدة عند السلف ليس للناس، وإنما هو لله تبارك وتعالى.
لم يكن أحد من أهل السنة والجماعة ينشئ للناس اعتقاداً من قِبَل نفسه، بل هم يتبعون ولا يبتدعون: يتبعون ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون، كما وصفهم بذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: " إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر " 2،--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري رقم 3641، ومسلم رقم 4932
2 رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد رقم 106
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
فكلمة عقيدة أو اعتقاد تصدق على هذا المعنى، وتدل عليه بأبلغ ما يكون، والألفاظ قوالب المعاني، وإذا دل اللفظ على المعنى المراد فما ثمة إشكال.
ولهذا درج كثير من السلف رحمهم الله منهم من كان متقدماً في القرون الثلاثة المفضلة ـ على تسمية أصول الإيمان بالعقيدة أو الاعتقاد. وإذا شئت مثالاً على ذلك فانظر مقدمة اللالكائي لكتابه شرح الاعتقاد، فقد ذكر رسائل مختصرة عديدة للسلف في الاعتقاد، كثير منها بهذا الاسم، وبعضهم في القرون الثلاثة المفضلة.
فهذه الكلمة: كلمة واضحة، ومن يثير حولها جدلاً يثيره بلا مبرر ولا مسوغ.
وعندما تضاف هذه الكلمة إلى إمام من أئمة السلف، كأن يقال مثلاً: عقيدة ابن تيمية، عقيدة أحمد بن حنبل، عقيدة عبد الغني المقدسي وهكذا، فهذه الإضافة أيضاً صحيحة؛ لأنها إضافة نسبية، حيث أضيفت إليه إما باعتبار جمعه لها، وجمع أدلتها، وعنايته بترتيبها وتبويبها وتصنيفها. أو باعتبار أنه مؤمن بها، ويدين الله عز وجل بمدلولها ومضمونها، فهي عقيدته التي يدين الله بها.
ومن هنا نعلم أنه لا وجه لمنع مثل هذا الإطلاق:"عقيدة عبد الغني"بحجة أنها عقيدة المسلمين أو عقيدة الإسلام، وليست خاصة بأحد. فنقول: نعم هي عقيدة الإسلام، لكن الإضافة هنا إضافة نسبية بالاعتبارين المذكورين.
والشأن في هذه الكلمة ـ أعني عقيدة فلان ـ مثل كلمة دين، فيقال: دين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
الله: باعتبار أنه هو تبارك وتعالى أمر به وشرعه. ويقال: دين الرسول صلى الله عليه وسلم: باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم آمن به وبلغه ودعا إليه. ويقال: دين المسلمين: باعتبار أنهم آمنوا به واعتقدوه. فالإضافة في كل موضع بحسب من أضيف إليه. ومن الشواهد اللطيفة على هذا المعنى: أن ابن أبي داود رحمه الله لمَّا ختم منظومته في العقيدة"الحائية"، وهي منظومة رائعة وجميلة، بدأها بقوله:
تمسك بحبل الله واتبع الهدى … ولا تكُ بدعياً لعلك تفلحُ
في ثلاث وثلاثين بيتاً، وهي من أحسن المنظومات المختصرة في عقيدة أهل السنة والجماعة، لما ختمها قال: هذه عقيدتي، وما أدين الله به. ثم صار رواة هذه القصيدة ـ بعده ـ كل واحد منهم يقول: وأنا أقول: هذه عقيدتي، وما أدين الله به.
فقول ابن أبي داود: هذه عقيدتي. أي باعتبار أنه يدين الله عز وجل بمضمونها، وإلا فإن العقيدة المأخوذة من الكتاب والسنة هي عقيدة جميع المسلمين.
إذاً فدور الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله في هذه العقيدة إنما هو في جمعها، وترتيبها، وتنظيمها. وليس له فيها شيء أنشأه من قبل نفسه، وشاهد هذا أنك لا تجد فيها شيئاً إلا وهو مستند إلى دليل من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل إنه ذكر في بدايتها ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ أن العقيدة إنما تبنى ويقام أمرها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإن لم تكن كذلك أخذت بصاحبها إلى سبيل الردى والهلاك.
وهذا بخلاف قول صاحب الهوى: هذه عقيدتي. فإن صاحب الهوى إذا أطلق هذه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
المقالة فمقصوده: أنَّ هذا هو التصور الذي عندي، وخلصت إليه بعقلي، ووصلت إليه بفكري. فيقال عقيدة فلان؛ لأن عقائدهم خلاصات للآراء والتجارب والتصورات. بينما عقيدة أهل السنة مأخوذة من الكتاب والسنة، ودورهم فيها إنما هو الجمع والترتيب.
ولهذا ذكروا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مرة المعتقد وطلبوا منه تصنيف مختصر فيه، فقال لهم كلمة تدل على هذا المعنى، فقال: " أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم " 1.
فلمَّا ألحوا عليه ألَّف كتابه العقيدة الواسطية، ولم يذكر فيه شيئاً إلا وعليه دليل من الكتاب والسنة. فهذا سَنن أهل السنة، ليس فيهم من ينشئ معتقداً من قبل نفسه، وإنما معتقدهم هو الإيمان بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
هذا التأصيل المبارك الذي نشأ عليه هؤلاء الكرام ترتب عليه ثبات هذه العقيدة على مر الأيام، فلو نظرت في كتب أهل السنة في العقيدة: قديمها وحديثها، على اختلاف بلدانهم، وتباين ألسنتهم، وتباعد أزمانهم، تجدها عقيدة واحدة، وذلك لاتحاد وصفاء المنبع وسلامة المصدر الذي أخذت منه. فالعقيدة التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وآمنوا بها، هي العقيدة التي يعتقدها أهل السنة في هذا الزمان، الذين يأخذون عقيدتهم من كتاب الله وسنة نبيه--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 3/161، والعقود الدرية ص223، وانظر: مجموع الفتاوى 3/203
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
صلى الله عليه وسلم؛ لأنها مأخوذة من منبع واحد.
قال أبو المظفر السمعاني: " ومما يدل على أن أهل الحديث على الحق: أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة، أولها وآخرها، قديمها وحديثها، وجدتها مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار، في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون عنها، قلوبهم في ذلك على قلب واحد، ونقلهم لا ترى فيه اختلافاً ولا تفرقاً في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا " 1.
ولا يُعلَم أحدٌ منهم تنقَّل من دين إلى دين، أو من معتقد إلى آخر، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن " 2. بينما أهل الأهواء، الذين جعلوا المنبع: الهوى، أو الرأي، أو الوجد، أو الذوق، أو العقل، أو المنطق، أو الفلسفة، أو غير ذلك، فتجد عقيدة التلميذ مخالفة لعقيدة الشيخ؛ لأن الكل عنده تصورات وقناعات. بل تجد الشيخ نفسه له عقيدة، وبعدها بأيام تتغير إلى عقيدة أخرى.--------------------------------------------
1 مختصر الصواعق 2/425 وانظر: رسالة لي بعنوان: ثبات عقيدة السلف وسلامتها من التغيرات.
2 نقض المنطق ص42
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول، وجزماً بالقول في موضع، وجزماً بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر. وهذا دليل عدم اليقين " 1. ولهذا قال السلف في التحذير من أهل الأهواء: " إياكم والتلون في دين الله، فإن دين الله واحد " 2؛ لأن التقلب صفة لأهل الأهواء، يتقلبون من معتقد إلى آخر.
وقال معن بن عيسى: " انصرف مالك يوماً من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الجويرية ـ كان يتهم بالإرجاء ـ فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني شيئاً أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيي. قال: فإن غلبتني؟ قال: فإن غلبتك اتبعتني. قال فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال نتبعه. قال مالك: يا عبد الله، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بدين واحد، وأراك تتنقل من دين إلى دين " 3.
الأمر الثالث: وُجِد لهذه العقيدة ـ فيما أعلم ـ خمس نسخ خطية، اثنتان منها على ضوئهما حقق الكتاب بهذه الطبعة التي بعنوان:"الاقتصاد في الاعتقاد"، فقد اعتمد محققها الشيخ أحمد عطية الغامدي حفظه الله على نسختين خطيتين للكتاب.
وهناك طبعة ثانية، طبعت في الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بتحقيق الشيخ عبد الله البصيري حفظه الله، حققها على ثلاث نسخ خطية، والنسخ الثلاث التي اعتمد عليها غير النسختين الخطيتين--------------------------------------------
1 الفتاوى 4/50
2 انظر: الإبانة 2/505
3 الإبانة 2/508
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
اللتين اعتمد عليهما الشيخ أحمد، فتحصَّل من مجموع التحقيقين خمس نسخ خطية لهذا الكتاب.
وقد طبع الكتاب لأول مرة ـ فيما أعلم ـ عام 1391هـ، بعناية وتحقيق الشيخ العلامة عبد الله بن حميد رحمه الله ضمن مجموع بعنوان"المجموعة العلمية السعودية"، جُمِع فيها بعض متون العقيدة المهمة، من بينها: عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي.
الأمر الرابع: أن هذه الطبعة التي بين أيدينا طبعت بعنوان"الاقتصاد في الاعتقاد"، وجميع النسخ الخطية الخمس المتوفرة أُثبِت اسم الكتاب عليها بعنوان"عقيدة عبد الغني المقدسي"أو"عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي"أو"عقيدة الشيخ عبد الغني المقدسي"، وليس في نسخة منها ـ بما في ذلك النسختان الخطيتان اللتان اعتمد عليهما محقق هذه الطبعة ـ، لكنه ـ وفقه الله ـ اعتمد في ذلك على ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي، فقد ذكروا في ترجمته أن له جزءً في الاعتقاد اسمه"الاقتصاد في الاعتقاد"، فغلب على ظنه أنه هذا الكتاب. لكن الذي يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن الاقتصاد في الاعتقاد كتاب آخر للمؤلف وليس هذا لأسباب، منها:
أولاً: أن"الاقتصاد في الاعتقاد"وُصِفَ ـ كما في ترجمة عبد الغني المقدسي ـ بأنه جزء كبير 1، وهذا فيما يظهر لي ـ والله أعلم ـ لا ينطبق على هذا الجزء الذي بين أيدينا، فهو يعتبر من الأجزاء الصغيرة.
ثانياً: أن النسخ الخطية الخمس للكتاب كلها عُنونت باسم"عقيدة--------------------------------------------
1 انظر: ذيل طبقات الحنابلة 4/19
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
عبد الغني المقدسي"، ولا يوجد في أي نسخة منها تسمية الكتاب:"الاقتصاد في الاعتقاد".
ثالثاً: أن بعض من ترجم لعبد الغني المقدسي ذكر له كتاباً باسم العقيدة، وهو مطابق لما وُجد في نسخ هذا الجزء الصغير. ولهذا فالذي يترجح لي ـ حسب فهمي القاصر والله تعالى أعلم ـ أن اسم هذا الكتاب"عقيدة عبد الغني المقدسي". ثم لعله من المناسب هنا أن أوضح دلالة هذا العنوان:"الاقتصاد في الاعتقاد"سواء كان هو اسم كتابنا أو اسم كتاب آخر للحافظ عبد الغني رحمه الله. الاقتصاد في اللغة: هو التوسط والاعتدال، قال الله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} 1، وفي الحديث يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: " القصد القصد تبلغوا " 2 أي عليكم بالقصد. ويقول ابن مسعود"رضي الله عنه": " اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة " 3. والمراد بالاقتصاد في الاعتقاد: التوسط فيه. ومن المعلوم أن عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة وسط بين أهل الغلو وأهل الجفاء، أهل الإفراط وأهل التفريط. يقول ابن القيم رحمه الله: " فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم--------------------------------------------
1 الآية 19 من سورة لقمان.
2 أخرجه البخاري رقم 6463
3 رواه المروزي في السنة رقم 89، والطبراني في الكبير 10/208، واللالكائي في شرح الاعتقاد رقم 115
كما رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد رقم 116 عن أبي الدرداء رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطاً، وهي الخيار العدل؛ لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل: هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها " 1.
الأمر الخامس: أود التنبيه على شيء قد نغفل عنه عند دراسة العقيدة. يقول ابن القيم رحمه الله: " كل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة فمدخول، وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول " 2، يعني دخله شيء، إما رياء، أو إرادة الدنيا، أو نحو ذلك. فلا يُنتفع به، ولا يبارك فيه.
ولهذا فإن حسن النية في دراسة العقيدة، ودراسة أمور الدين عموماً أمر لا بد منه. فعندما يتعلم العبد العقيدة لا يدرسها من أجل زيادة الاطلاع وكثرة المعرفة، وإنما عليه أن يتعلمها لأنها دين الله الذي أمر به عباده، ودعاهم إليه، وخلقهم لأجله، وأوجدهم لتحقيقه. فيجتهد في فهم أدلتها، ويتقرب إلى الله عز وجل باعتقادها والإيمان بها، ويرسخها في قلبه، ويُمكِّن لها في فؤاده.فإذا درس العقيدة بهذه النية أثمرت فيه ثمرات عظيمة، وأثرت في سلوكه وأعماله وأخلاقه، وفي حياته كلها. أما إذا كانت دراسته للعقيدة مجرد جدل ونقاش، ولم يعتن بجانب تزكية القلب بالإيمان والثقة والاطمئنان بهذا الاعتقاد الذي أمر الله عز وجل به عباده لم تكن مؤثرة.
ومن الأمثلة على ذلك ـ فيما يتعلق بالإيمان برؤية الله ـ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر، لا تُضامُون ـ وفي رواية:"لا--------------------------------------------
1 إغاثة اللهفان 1/201
2 الفوائد ص 86
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)