ولا ريب أن هذا تحكيم للعقل في نصوص الكتاب والسنة، بل تقديم له عليهما، وفتح لباب الضلال والانحراف، فكل طائفة لا تقبل عقول أهلها أمرا تؤوله ليوافق العقل، وهذا باب واسع لا ينحصر، يفقد معه الفهم الصحيح لمعاني كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتنعدم الثقة بدلالتهما، وإرشادهما للعباد، إذ اصبح الميزان هو العقل، والعقول تختلف وتتفاوت1.
أهل التفويض:
ومنهجهم: أن نصوص الصفات من آيات وأحاديث لا تعقل معانيها، ولا يعلمها إلا الله، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم معانيها ولا جبريل ولا السلف السابقون، ثم تناقضوا في ذلك:
فمنهم من قال: تجري على ظواهرها وتأويلها بما يخالفه باطل، ولا يعلم تأويلها إلا الله.
ومنهم من يقول: المعنى المراد بها خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعلم هذا المعنى أحد من الأنبياء ولا غيرهم.
وهذا تناقض عجيب، إذ يقولون تجري على ظاهرها، ثم يقولون الظاهر غير مراد، ويقولون مع هذا لها تأويل لا يعلمه إلا الله، وهذا يخالف معنى التفويض الذي حقيقته ألا يحكم المفوض بنفي ولا إثبات.--------------------------------------------
1 انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 216
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
ومنشأ غلطهم وتناقضهم أنهم جعلوا نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فضلوا بذلك عن الفهم الصحيح الذي فهمه سلف الأمة وأتباعهم بإحسان، إذ لم يرد عنهم أنهم جعلوا نصوص الصفات من
المتشابه، وفهموا وبينوا معنى قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللَّهُ} وعقلوا المعنى الصحيح للتأويل من تفسير الشيء أو حقيقته التي يؤول إليها.
ومنهج أهل التفويض هذا له نتائجه الخطيرة التي من أخطرها:
أ - أن الله أمر الناس بألفاظ مجردة لا يعلمونها ولا يعقلون معانيها، وهو في الوقت نفسه يأمرهم بالتدبر والتفكر في أمور لا يعلمها حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فضلا عن غيرهم.
ب - أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم جاهلون بربهم لا يعلمون ما وصف به نفسه، وكانوا يكلمون الناس ويبلغونهم ما لا يعلمون معناه.
ت - أن هذا يؤدي إلى إنكار صفات الله تعالى الثابتة بالكتاب والسنة وتعطيلها ورد ما رضيه الله تعالى لنفسه ورضيه له رسوله عليه الصلاة والسلام1.--------------------------------------------
1 انظر: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول بهامش منهاج السنة لابن تيمية 1/116و118
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
المبحث الرابع: منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى التوحيد
سبق الكلام عن الحالة التي وصلات إليها جزيرة العرب قبيل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بلغته من انحطاط عقدي وخلقي واجتماعي، حتى مقت الله تعالى أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم تدارك من شاء منهم برحمته إذ بعث نبيه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، فهدى به من شاء هدايته فأخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشاد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبلغ رسول الله عليه الصلاة والسلام دعوة ربه كما أمره ربه وجاهد في سبيله حق الجهاد حتى أتاه اليقين وانتشرت هذه الدعوة في العالمين، وربى عليها أصحابه رضي الله عنهم في مكة ثلاث عشر سنة ثم في المدينة فكانوا خير من حمل لواء هذه الدعوة دعوة التوحيد وبلغوها إلى الناس وجاهدوا في سبيلها وحموا حماها يقودهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بعده خلفاؤه الراشدون الذين أوصى عليه الصلاة والسلام باتباع هديهم، واقتفاء أثرهم، وكذلك سائر الصحابة جاهدوا في سبيل هذه الدعوة ونشرها والدفاع عنها وحمايتها من كل شك وشرك كما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورباهم.
وفيما يلي سأتحدث عن المنهج الذي نهجه رسول صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وترسيخ هذا النوع من التوحيد في نفوس الأمة، وتحصينها من الوقوع فيما يناقضه أو يخالفه، إذ هو أول واجب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
على العبد، وأساس إيمانه وإسلامه، كما هو محور دعوة الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام.
والحديث عن ذلك فيما يلي:
أولا: بيان أن دعوته صلى الله عليه وسلم إنما كانت تدور حول تحقيق التوحيد
تقدم الكلام عن دعوة الأنبياء والرسل وأنها كانت كلها إلى التوحيد، كما جاء بيان ذلك في القرآن الكريم، فكلما انحرف الناس عن عقيدة التوحيد واندرست معالمه، بعث الله رسولا يجدد هذه الدعوة، ويعيد الناس إلى الصراط المستقيم، ويجدد لهم ما اندرس من هذه العقيدة، التي هي أول واجب عليهم، وأساس كل عمل يعملونه طاعة لربهم، فمن أجل ذلك خلق الله الخلق، وبعث الرسل وأنزل الكتب، وبسببه قامت الخصومة بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبين أعدائهم في كل زمان ومكان، وفي سبيله جاهد الرسل وأتباعهم، وكذلك كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فهو خاتم الأنبياء والرسل ورسالته خاتمة الرسالات، وبعثته لجميع العالمين، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} 1.
وقال عليه الصلاة والسلام: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منها: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" 2.--------------------------------------------
1 الآية 28 من سورة سبأ.
2 صحيح البخاري مع الفتح 1/435.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
فكانت دعوته عليه الصلاة والسلام أعظم دعوة إلى التوحيد، فالقرآن كله يدعو إلى التوحيد ويأمر به ويبين الأدلة ويضرب الأمثلة لتقريره والنهي عما يخالفه من الشرك وغيره، ويحكي أخبار أهل التوحيد من الرسل وأتباعهم وكيف كانت العاقبة لهم، وأخبار أعدائهم، وكيف كانت الدائرة عليهم، وما وعد الله أهل توحيده من ثواب ونعيم وما توعد به أعداءهم من عقاب وعذاب.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو ذلك على الناس ويبينه لهم قولا وعملا في مكة ثلاث عشرة سنة، وعشر سنوات في المدينة كلها كانت في سبيل دعوة التوحيد، باللسان والسنان، والحجة والبيان، يرسل الرسل ويأمرهم بأن يكون التوحيد أول ما يدعون إليه الناس كما بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن وقال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"1.
وكان يكتب الرسائل إلى الملوك يدعوهم وأقوامهم إلى توحيد الله ويحذرهم من الشرك به سبحانه ويحملهم إثم من تبعهم على ما هم عليه.
وحين أذن الله له في الجهاد أعلن في الناس قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" 2 وفي الوقت نفسه يبين لأصحابه مكانة هذا التوحيد وفضله، وينهاهم عن كل--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه ص 198.
2 تقدم تخريجه ص 197.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
ما يدنسه أو يكون ذريعة إلى ما يخالفه، صيانة لهذا التوحيد وحماية له من كل ما يعارضه.
ثانيا: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك
وهذا أساس دعوةته عليه الصلاة والسلام ومن قبله جميع المرسلين، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت} 1.
{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} 2.
وكما سبق ذكره أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت كلها إلى التوحيد، وتفصيل ذلك سيأتي، وفي هذا المبحث سأذكر أمثلة مما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في دعوته لهذا التوحيد ونهيه وتحذيره من الشرك.
منها: قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله … " الحديث3.
وقوله عليه الصلاة والسلام كما سبق ذكره في بعثه لمعاذ رضي الله عنه: "إنك تأتي قوما أهل كتاب … "الحديث4.--------------------------------------------
1 الآية 36 من سورة النحل.
2 الآية 25 من سورة الأنبياء.
3 سبق تخريجه 197.
4 سبق تخريجه 198.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
وقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه معاذ رضي الله عنه قال: "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ "فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به"، فقلت يا رسول الله: أفلا أبشر الناس، قال: "لا تبشرهم فيتكلوا".
وما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله حرم الله عليه النار" 1.
وما رواه جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" 2.
وما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار" 3.
وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه وقد كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عزوة تبوك ثم ذكر من حديثه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله لا يلفى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة" 4.--------------------------------------------
1 صحيح مسلم بشرح النووي 1/57، 58.
2 صحيح مسلم بشرح النووي 1/94.
3 صحيح مسلم بشرح النووي 8/176.
4 صحيح مسلم بشرح النووي 1/55، 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
وما رواه جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "أني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، أني أنهاكم عن ذلك" 1.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" 2.
والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة جدا، منها ما يأمر بالتوحيد، ومنها ما يحذر من الشرك وينهى عنه، ومنها ما يحذر من الوسائل والذرائع المفضية إلى الشرك حتى ولو لم تكن شركا، كل ذلك لتقرير هذا التوحيد وترسيخه في القلوب وصيانته من كل ما يخالفه.--------------------------------------------
1 صحيح مسلم بشرح النووي 1/377، 378.
2 صحيح البخاري مع الفتح 6/478.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
الفصل الرابع: أنواع الشرك
المبحث الأول: الشرك الأكبر
…
كما أن التوحيد أنواع فكذلك الشرك أنواع بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذّر من الوقوع فيها حماية لجناب التوحيد وحرصاً على أهله من الشرك أيا كان نوعه لأنه إما أن يخرج صاحبه من الإسلام ويحرمه نعمة التوحيد، ويورده النار وبئس المصير، وإما أن ينافي كماله فيحرم العبد تمام نعمة التوحيد، وقد ينتهي به إلى الخروج من الإسلام آخر الأمر، أو يخدش توحيده ويلوث صفاءه.
المبحث الأول: الشرك الأكبر
وهو اتخاذ الأنداد من دون الله، ودعوتهم ومحبتهم والتقرب إليهم من دون الله تعالى، وهو أعظم الذنوب، وأشد المحرمات لا يغفره الله تعالى لمن لم يتب منه توبة نصوحا، ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} 1.
وقال: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} 2.
وقال: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} 3.--------------------------------------------
1 الآية 116 من سورة النساء.
2 الآية 151 من سورة الأنعام.
3 الآية 72 من سورة المائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
وقال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} 1.
وقال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} 2.
وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار" 3.
وعنه رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" 4.
وهذا النوع من أنواع الشرك ينقسم إلى أقسام:
أحدها: شرك الدعاء:
كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} 5.
وهذا إخبار عن حال المشركين وأنهم في حال الرخاء يدعون غير الله ويسألون غيره، فإذا نزلت بهم مصيبة لجأوا إلى الله وسألوه كشف الضر عنهم، حتى إذا كشفه عنهم واستجاب لهم وتحقق مطلبهم عادوا إلى ما--------------------------------------------
1 الآية 13 من سورة لقمان.
2 الآية 48 من سورة النساء.
3 تقدم تخريجه ص 288.
4 صحيح البخاري مع الفتح 8/163.
5 الآية 65 من سورة العنكبوت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
كانوا عليه من الشرك بالله والإعراض عنه، ثم خلف من بعدهم خلف أشد منهم شركا وإعراضا فهم على شركهم وعنادهم في الرخاء والشدة فهم أسوأ حالا من أسلافهم.
فهؤلاء أشركوا مع الله تعالى غيره في الدعاء الذي هو العبادة، كما يفعله مشركوا اليوم ممن ينتسبون إلى الإسلام، وهو منهم براء كغلاة المتصوفة والرافضة وأضرابهم.
الثاني: شرك النية والقصد والإرادة:
ومن أدلته قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1.
وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الاخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} 2.--------------------------------------------
1 الآية 15 من سورة هود.
2 الآيات من 18- 20 من سورة الإسراء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
الثالث: شرك في الطاعة:
وذلك بطاعة غير الله تعالى في معصيته سبحانه، كطاعة العلماء والأمراء والسلاطين وغيرهم، إذ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" و"إنما الطاعة في المعروف ".
فمن أطاع أحداً في تحليل ما حرم الله تعالى أو تحريم ما أحله فقد اتخذ ذلك المطاع ربا من دون الله بقدر طاعته له، قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 1.
الرابع: شرك المحبة:
بأن يصرف المحبة لغير الله تعالى مما يجب أن يكون لله، ومن أدلته قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه} 2.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" 3.--------------------------------------------
1 الآية 31 من سورة التوبة.
2 الآية 165 من سورة البقرة.
3 البخاري مع الفتح 1/60، ومسلم بشرح النووي1/66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
فهذه أقسام الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، ويخلده في النار إذا لم يتب منه ولا يقبل الله منه عملا، كما قال تعالى عن المشركين: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} 1.
وقال مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 2.
وقال بعد ذكر عدد من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 3.--------------------------------------------
1 الآية 23 من سورة الفرقان.
2 الآيتان 65، 66 من سورة الزمر.
3 الآية 88 من سورة الأنعام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
المبحث الثاني: الشرك الأصغر.
وهو دون الشرك الأكبر لا يخرج من الملة، ولا يخلد صاحبه في النار، ولا يحبط غيره من الأعمال، وهو مع هذا أكبر الكبائر، ومن أشد الذنوب، وصاحبه على خطر عظيم قد يصل به على الشرك الأكبر، وأنواعه كثيرة - منها:
الحلف بغير الله تعالى:
قال صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" 1.
وقول: ما شاء الله وشئت:
لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" 2.
ولما قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" 3.
ومنها: الرياء
وهو العمل أو تحسينه أو تركه من أجل الناس، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه--------------------------------------------
1 مسند الإمام أحمد 2/34. وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي.
2 مسند الإمام أحمد 5/384. وسنن البيهقي 3/216 وهو حديث صحيح.
3 مسند الإمام أحمد 1/214، وهو حديث حسن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
فقال: "الرياء"1. قال شداد بن أوس رضي الله عنه: "كنا نعد الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر" 2.
وغير ذلك من الشرك في الأمثال والأقوال فيما هو دون الشرك الأكبر، وقد يكون هذا شركا أكبر حسب قصد فاعله أو قائله.--------------------------------------------
1 مسند الإمام أحمد 5/428. النسائي وابن معين وغيرهم.
2 تيسير العزيز الحميد ص 532.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
المبحث الثالث: الشرك الخفي
وهو الشرك في الإرادة والنيات كالرياء والسمعة، وهو الذي لا يكاد يسلم منه أحد إلا من عصمه الله تعالى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل"، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: قولوا: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" 1.
ويمكن تقسيم الشرك بالنسبة إلى أنواع التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الشرك في الربوبية: وهو نوعان:
شرك التعطيل: وهو أعظم أنواع الشرك وأقبحها، فالتعطيل أصل كل شرك وإلحاد، كشرك فرعون، وشرك الفلاسفة ومن شابههم من الملاحدة وأهل وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض، وكذا من عطل أسماء الرب وصفاته كغلاة الجهمية والقرامطة.
وشرك من جعل مع الله إلها آخر ولم يعطل أسماؤه ولا صفاته ولا ربوبيته: كشرك النصارى والقائلين بأن الله ثالث ثلاثة، والمجوس الذين يقولون بإلهين للخير والشر وهما النور والظلمة.
ومثلهم عباد الكواكب وغلاة عباد القبور الذين يرون الأولياء لهم--------------------------------------------
1 مسند الإمام أحمد 4/403 من حديث أبي موسى. وهو حديث حسن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
قدرة بعد موتهم على تفريج الكربات وقضاء الحاجات1.
القسم الثاني: الشرك في الألوهية:
وهو شرك الجاهلية الذي كانوا يعترفون بربوبية الله تعالى ولكنهم يشركون معه في ألوهيته أصنامهم ومعبوداتهم ويقولون كما حكى الله عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 2.
فلم يقبل ذلك منهم ولم ينفعهم إقرارهم واعترافهم بربوبية الله تعالى مع شركهم في ألوهيته، وهذا الشرك أكثر شرك أهل الأرض، وهو الذي من أجله بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت الكتب وقامت بسببه الخصومة بين الرسل وأممهم، ويدخل تحت هذا القسم من الشرك: الشرك الأكبر، والأصغر، واللذان سلف الكلام عنهما3.
القسم الثالث: الشرك في الأسماء والصفات: وهو نوعان:
أولهما: شرك من شبه الله تعالى بخلقه كمن يقول: له يد كيدي، أو استواء كاستوائي، أو سمع كسمعي أو نحو ذلك، وهذا هو شرك المشبهة.--------------------------------------------
1 انظر: كتاب التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تأليف سليمان ابن عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب ص 163، 164 وص 168، 169، وكتاب تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للمؤلف نفسه ص 43، 44.
2 الآية 3 من سورة الزمر.
3 انظر المصدرين السابقين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
وثانيهما: تسمية الآلهة بأسماء الله تعالى كتسمية المشركين آلهتهم بأسماء مشتقة من أسماء الله تعالى، وهو معنى قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الاسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1.
قال ابن عباس رضي الله عنه: يلحدون في أسمائه: يشركون، سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز--------------------------------------------
1 الآية 180 من سورة الأعراف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
الفصل الخامس: منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في حماية التوحيد
تقدم الكلام عن منهجه عليه الصلاة والسلام في دعوته إلى التوحيد، وجهاده في سبيله، وكيف كانت دعوته عليه الصلاة والسلام كلها تدور حول التوحيد، وتحقيقه، وترسيخه في النفوس، لأنه أول واجب على العبد، وأساس إيمانه، كما كان مفتاح دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي الوقت نفسه بيّن الشرك المضاد لهذا التوحيد وحذّر منه، ونهى عنه وبيّن أنواعه، وخطورته على الناس وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة.
سار عليه الصلاة والسلام على هذا المنهج وربى عليه أصحابه رضي الله عنهم حتى علت كلمة التوحيد، ورفرفت راية العقيدة، واختفى الشرك، وتحطمت معاقله، وسار الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
واستمر جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في حماية هذا التوحيد، وحراسة حماه، وكان عليه الصلاة والسلام دائم التعليم لأصحابه يبين لهم فضل الله عليهم بهذا التوحيد وما أعد لأهله من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ويحذرهم وينهاهم عن كل ما يخالفه أو يخل به، أو يكدر صفوه، أو يكون ذريعة إلى شيء من ذلك، وما توعد الله به أعداء توحيده، وخصوم أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام الذين أرسلهم ليخرجوا الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
وقام صرح عقيدة التوحيد واشتد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على حمايته خير قيام وأعظمه وأكمله، وسطع نور التوحيد وظهر في أنصع صوره وأجملها وأنقاها، وما ترك عليه الصلاة والسلام شيئا يخل بهذه الصورة إلا حذر منه ونهى عنه وإن لم يكن في نفسه شركا، سدا للذريعة، وحماية لجانب هذا التوحيد، وحراسة لحماه بكافة أنواعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)