المبحث الأول: منهجه عليه الصلاة والسلام في حماية توحيد الربوبية
عني الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا النوع من التوحيد عناية كبيرة مع أنه بعث في مجتمع لا ينكر ربوبية الخالق سبحانه وتعالى، فأكد على هذا النوع من التوحيد، وبيّن دلائله، وشواهده، وجاءت الآيات والأحاديث تبيّن ذلك وتؤكده لأمور أهمها:
1) بيان أن الله تعالى هو المتفرد بالربوبية المطلقة التي لا يشاركه فيها أحد، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو القادر على كل شيء، وله الخلق والأمر كلهم مخلوقون مربوبون، وهذا يستدعي العناية والحماية له لما له من أهمية في معرفة العبد ربه عز وجل، ولما له من ارتباط بغيره من أنواع التوحيد الأخرى.
2) أنه وجد من أنكر ربوبية الله تعالى، ونسب ما يجب لله لغيره، وإن كان ذلك قليلا، فكان لا بد من بيان ذلك والرد عليه.
3) أنه قد يأتي في زمن من الأزمنة من يقع في مثل ذلك، كما هو الحال في زماننا الذي انتشر فيه الإلحاد وإنكار ربوبية الله عز وجل، كالشيوعية الملحدة، وما يعتقده غلاة الصوفية في أوليائهم وغلاة الرافضة في أئمتهم، فكان من الضروري، العناية بهذا النوع من التوحيد.
إلزام الذين يقرون بهذا النوع بالإقرار بأنواع التوحيد الأخرى وإلا فلا معنى لإقرارهم بتوحيد الربوبية ولا ينفعهم ذلك، فقد كانت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
1) الآيات من القرآن الكريم تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تدعوهم إلى التفكر في آيات الله في الكون وأنه تعالى خالق كل شيء ومدبره ليؤكد ما يقرون به، من هذا التوحيد، ويحتج عليهم به، ويعيب عليهم تفريقهم بين توحيد الربوبية والألوهية، مع تلازمهما.
فلا يكفي توحيد الربوبية دون توحيد الألوهية، ولا يتأتى توحيد الألوهية دون توحيد الربوبية، بل هما متلازمان، فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية والعبادة يتضمن توحيد الربوبية ولا يتم إلا به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
المبحث الثاني: منهجه عليه الصلاة والسلام في حماية توحيد الألوهية
كان لتوحيد الألوهية والعبادة الاهتمام الأول في العناية والحماية، فهو الذي كان ينكره المشركون ويردّون دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام إليه، ويعجبون منها، كما قال الله تعالى حكاية عن المشركين: {أَجَعَلَ الالِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 1.
ولهذا فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا التوحيد أتم بيان ودعا إليه أعظم دعوة، وجلُّ القرآن الكريم نزل ليقرر هذا النوع من التوحيد ويدعو إليه، وجاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أعظم جهاد، وقام في حمايته وصيانة حماه حتى أتاه اليقين، بل إنه وهو في الرمق الأخير، وهو يعالج نزع الروح يبين لأمته أهمية هذا التوحيد، كما ربى أصحابه رضي الله عنهم على ذلك ليكونوا جنودا وحماة لهذا التوحيد ويسلّموا هذه الأمانة إلى من بعدهم صافية نقية، وقد كانوا كذلك رضي الله عنهم وأرضاهم.
وفيما يلي بعض الأمثلة من حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا النوع من التوحيد وبيانه والنهي عن كل ما يضاده من شرك أو بدعة أو يكون وسيلة وذريعة إلى ذلك وإن لم يكن في نفسه شركا.--------------------------------------------
1 الآية 5 من سورة ص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
أولا: النهي عن الغلو والإطراء
الغلو أصل كل شر وبلاء في الدين، فهو أصل الشرك والانحراف الذي صار طريق كل هالك وسبيل كل ضال، والإطراء باب من أبوابه ووسيلة من أعظم وسائله، فالغلو هو الذي كان سببا في وقوع الشرك في الأرض بعد أن لم يكن، ثم صار بعد أساس كل شرك يقع في كل زمان ومكان،
فهو سبب كفر النصارى، وشركهم الذين قال الله عنهم: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} 1.
ولهذا حذر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من ذلك، ومن كل وسيلة قد توصل إليه خوفا على أمته وحماية لجناب التوحيد، فنهاهم عن الغلو في الدين وحذرهم منه، وعن إطرائه أو تجاوز الحد في مدحه والثناء عليه، لئلا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم، فكان سبب هلاكهم، فذم التنطع وحذر منه وهو أول سهم من سهام الغلو، فقال صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون" 2 قالها ثلاثا.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يحب المتعمقين، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: "وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين".--------------------------------------------
1 الآية 171 من سورة النساء.
2 صحيح مسلم بشرح النووي 16/220.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال أقبل بهم يوما ثم يوما، ثم أراد الهلاك، فقال: "لو تأخر لزدتكم"، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا"1.
وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا، اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} 2.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا واعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"3.
وقال أنس رضي الله عنه:"كنا عند عمر رضي الله عنه فسمعته يقول: نهينا عن التكلف".
وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفهما، من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا"4.--------------------------------------------
1 صحيح البخاري مع الفتح 4/206.
2 الآية 86 من سورة ص.
3 ابن قيم الجوزية مدارج السالكين 3/436.
4 الآجري – الشريعة 1/48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
وقال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب كان يقول:"سُنتْ لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتُرِكتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا"1.
وقال صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" 2.
فأخبر أن الغالين يحرفون ما جاء به، والمبطلين، ينتحلون بباطلهم غير ما كان غير ما كان عليه، والجاهلون يتأولونه على غير تأويله، وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاثة، فلولا أن الله تعالى يقيم لدينه من ينفي عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان الأبياء مثله من هؤلاء3.
وحذر عليه الصلاة والسلام من الغلو فقال: "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" 4، وسد الذرائع الموصلة إليه، فنهى عن الإطراء وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" 5.--------------------------------------------
1 انظر إغاثة اللهفان 1/159.
2 الكامل لابن عدي 1/152،153، من طرق كثيرة ضعيفة كما ذكر ذلك الدارقطني وأبو نعيم، ويمكن أن يتقوى بتعدد الطرق.
3 ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان 1/159.
4 مسند الإمام أحمد 1/215، وغيره، حديث صحيح.
5 تقدم تخريجه ص 289.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
فقد كان الإطراء والغلو سببا لكفر النصارى وقولهم في عيسى عليه السلام غير الحق.
وأخبر عن هلاك المتنطعين فقال: "هلك المتنطعون" 1.
وأنكر على أصحابه المبالغة في المدح والثناء عليه خوفا عليهم من مجاوزة الحد إلى النهي عنه، وحماية لعقيدة التوحيد من أن يمسها دنس واحتياطا في الحفاظ عليها حتى من الأمور التي قد لا تكون في الواقع شركا أو بدعة، روى عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله تبارك وتعالى"، قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" 2.
وروى أنس رضي الله عنه: أن أناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل" 3.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يمدح صيانة لهذا المقام، وأرشد أمته إلى ترك ذلك نصحا لهم وحماية لمقام التوحيد أن يدخله ما يفسده، أو يضعفه من الشرك ووسائله4.--------------------------------------------
1 صحيح مسلم بشرح النووي 334/2055.
2 مسند الإمام أحمد 4/24، 25، حديث صحيح.
3 مسند الإمام أحمد 3/153، حديث صحيح.
4 سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تيسير العزيز الحميد ص 732، 733.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
والنهي عن الغلو عام في كل أمر من أمور الدين وأول ذلك أمر العقيدة التي هي أساس الدين وأصله.
والنهي عن الإطراء ومجاوزة الحد في شخصه عليه الصلاة والسلام، وغيره من باب أولى أيا كان ذلك الغير ملكا أو نبيا أو صالحا أو غير ذلك، وما أكثر من استزلهم الشيطان فوقعوا فيما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، وأضلهم عن الهدى بدعوى المحبة والوسيلة، والتقرب إلى الله تعالى، حتى صدق على كثير منهم قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} 1.
وقوله: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} 2.
وقوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} 3.--------------------------------------------
1 الآيات من 103-105 من سورة الكهف.
2 من الآية 30 من سورة الأعراف.
3 الآية 37 من سورة الزخرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
وإنما المحبة الصحيحة والوسيلة الصالحة في اقتفاء أثر رسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين لهم بإحسان والسير على طريقهم الذي هو صراط الله المستقيم كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1.
وكما قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} 2.
وقال بعد ذكر عدد من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} 3.--------------------------------------------
1 الآية 31 من سورة آل عمران.
2 الآية 21 من سورة الأحزاب.
3 الآية 90 من سورة الأنعام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
ثانيا: زيارة القبور والنهي عن اتخاذها مساجد:
وهذا الموضوع له أهمية عظيمة نظرا لما له من الأثر المباشر في عقيدة التوحيد قديما وحديثا، وما حصل بسببه من الفتن التي أدت بكثير من أهلها إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى، ولهذا فقد كان له أهميته العظيمة، ومن أهم ما اهتم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيّن الهدى فيه وأمر به، وحذر من الانحراف عنه وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة وفتن عظيمة.
والكلام عن هذا الموضوع الهام يتلخص في عدة أمور:
الأمر الأول: الحكمة من زيارة القبور
لقد بيّن عليه الصلاة والسلام الحكمة التي من أجلها شرعت زيارة القبور وهي أمران:
أحدهما: تذكر الآخرة، والاعتبار بحال أهل القبور وما سينتهي إليه كل إنسان كما قال صلى الله عليه وسلم: "فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت" 1.
فقد بيّن عليه الصلاة والسلام الغاية من زيارة القبور وأنها تذكر بالآخرة، وما ينبغي للزائر أن يكون قصده من زيارته للقبور، وهذه حكمة عظيمة تبعث في نفس المؤمن الاستعداد للموت والدار الآخرة، وتحذر من الغفلة والاغترار بالدنيا، وهذه حكمة عظيمة لو عقلها المسلمون.--------------------------------------------
1 صحيح مسلم بشرح النووي 7/46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
ثانيهما: من الحكمة في زيارة القبور: الدعاء للميت والاستغفار له والترحم عليه، وهذه حكمة أخرى من زيارة القبور، وهي حق للميت على الحي، إذ الميت قد انقطع عمله، وهو في أمس الحاجة وأشدها إلى من يدعو الله له بالمغفرة والرحمة.
فالزائر للقبور على الوجه المشروع تتحقق له هذه الحكمة، ويجمع بين خيرين له وللميت، فله بتذكر الآخرة والاستعداد لها، ونيل ثواب الزيارة وأجرها، وللميت بما حصل له من الاستغفار والدعاء.
هذا هو الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور والحكمة منها.
ولكن المشركين عكسوا ذلك فجعلوا الزيارة لدعاء الميت والتوسل به وليس للدعاء له فيعود الزائر مأزورا لا مأجورا، فيجمع بين شرين، ويحرم الميت من حصول الدعاء له بسبب مخالفة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته1.
الأمر الثاني: الزيارة الشرعية
بين رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية الزيارة الشرعية للقبور بقوله وعمله، وعلمها أصحابه وعملوا بها كما علمهم عليه الصلاة والسلام، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم"، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم--------------------------------------------
1 انظر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية 1/198-199.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
لاحقون" 1.
وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل البقيع الغرقد" 2.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن زيارة القبور أول الأمر سدا للذريعة، ثم أذن فيها حين تمكن التوحيد في القلوب، وبين الزيارة المشروعة وأمر بها، ونهى عن كل ما يخالفها وحذر منه أشد التحذير.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت" 3.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزورها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" 4.
وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا" 5.--------------------------------------------
1 صحيح مسلم بشرح النووي 7/44.
2 صحيح مسلم بشرح النووي 7/40، 41.
3 صحيح مسلم بشرح النووي 7/46.
4 تقدم تخريجه ص316.
5 مسند الإمام أحمد 1/452، 5/361. وقد أخرج الشافعي في الأم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا" وإسناده صحيح. انظر الأم 1/278.
والهجر: هو الفحش، يقال: أهجر في منطقة يهجر اهجارا إذا أفحش. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 5/245.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
فقد بين صلى الله عليه وسلم الزيارة الشرعية قولاً وعملاً أتم بيان، وأتبعه على ذلك أصحابه رضي الله عنهم في حياته وبعد مماته.
فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلى صلاة الجنازة، فهذه الزيارة الشرعية1.
فالحي محتاج إلى اتباع السنة، والحصول على الأجر والثواب، وتذكر الآخرة، والميت محتاج أمس الحاجة إلى من يدعو له ويستغفر أو يترحم عليه، وتحقيق هاتين المصلحتين كانت هدف الشارع من مشروعية زيارة القبور، وما خرج عن ذلك فهو ابتداع لا اتباع وشرك أو ذريعة له.
فهذه الزيارة الشرعية المستفادة من الأحاديث النبوية، وعليها درج الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، إنما فيها التذكر بالقبور والاعتبار بأهلها والدعاء لهم والترحم عليهم، وسؤال الله العفو عنهم، فمن ادعى فيها غير هذا طولب بالبرهان، وأنى له ذلك، ومن أين يطلبه، بل كذب--------------------------------------------
1 ابن تيمية – الفتاوى 1/236.
انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 5/245.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
وافترى، وقفا ما ليس له به علم، بل إن العلوم الشرعية دالة على ضلاله وجهله.
الأمر الثالث: الزيارة غير الشرعية
وهي إما شركية كزيارة المشركين للقبور لدعاء الموتى وسؤالهم الحوائج من دون الله عز وجل، واعتقاد أنهم يقدرون على ذلك.
وأما بدعية مفضية إلى الشرك كتحري الدعاء عند القبور واعتقاد أنه افضل منه في مكان آخر، أو أن التوسل بهم إلى الله تبارك وتعالى يقتضي الإجابة.
وكلا الزيارتين باطلتان مخالفتان لما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور، وما سار عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم، كما تقدم من الأحاديث الصريحة الصحيحة.
إذ الناس في هذا الباب – أعني زيارة القبور – ثلاثة أقسام: قوم يزورون1 الموتى فيدعون لهم، وهذه هي الزيارة الشرعية، وقوم يزورونهم يدعون بهم وهؤلاء المشركون في الألوهية والمحبة، وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" 2، وهؤلاء المشركون في الربوبية3.--------------------------------------------
1 حافظ بن أحمد حكمي – معارج القبول 1/479.
2 مسند الإمام أحمد 2/246. وهو حديث صحيح.
3 تقي الدين المقريزي – تجريد التوحيد المفيد ص 19-20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
وهذه الزيارة هي التي فتحت أبواب الشرك والبدع على المسلمين، إذ جعل أهلها القبور مقصدا لمن أراد الدعاء وطلب الحاجات وتفريج الكربات، وعظموها أشد من تعظيم بيوت الله تعالى فيعطونها من التعظيم والاحترام والخشوع والخضوع ما لا يفعلون بعضه في المساجد التي هي مكان العبادة والصلاة وذكر الله وسؤاله، فبذلك سعوا إلى عمارة القبور والمشاهد والبناء عليها واسراجها والدعوة إليها، وخراب المساجد وهجرها، وتقليل مكانتها وعظمتها في نفوس المسلمين.
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام، فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده، من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره1.
والذين هذا حالهم في زيارتهم للقبور قد تنكبوا الصواب، وغفلوا عن الرشد، وكان أولى لهم من زيارة قبور من يعتقدون صلاحهم للتوسل كان أولى لهم أن يقتدوا بهم في أعمالهم ويتبعوا سبيلهم، يخافون من الله كما يخافون، ويرجون رحمته كما كانوا يرجون. قال الله جل شأنه:--------------------------------------------
1 ابن قيم الجوزية – إغاثة اللهفان 1/197.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} 1.
وقبلها قوله سبحانه وتعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً} 2.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهؤلاء الفضلاء من الأئمة إنما ينبغي محبتهم واتباعهم، وإحياء ما أحيوه من الدين، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونحو ذلك.
وأما اتخاذ قبورهم أعيادا، فهو مما حرمه الله ورسوله، واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين، أو الاجتماع العام عندها في وقت معين، وهو اتخاذها عيدا –كما تقدم – ولا أعلم بين المسلمين، أهل العلم في ذلك خلافا، ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين، الذي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه كائن في هذه الأمة.
وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها، وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد بالقلوب انمحي ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حراماً، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا لباب الشرك، وإغلاقا لباب الإيمان"3.--------------------------------------------
1 الآية 57 من سورة الإسراء.
2 الآية 56 من سورة الإسراء.
3 ابن تيمية – اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 732 تحقيق د. ناصر العقل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
ولقد كان حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شديدا، فبين المشروع من ذلك بياناً واضحاً جلياً وأمر به وحث عليه، وحذر مما يخالفه أو يكون وسيلة وذريعة إليه أشد التحذير، إذ هو سبب كل شر، وأصل كل شرك في الأرض منذ ظهر الشرك أول ما ظهر في قوم نوح عليه السلام.
الرابع: بعض ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحذير والنهي عن ذلك:
فمن ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأم حبيبة رضي الله عنها ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجد، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" 1 متفق عليه.
ولهما أيضا عنها رضي الله عنها قالت: "لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم كشفها فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا2.
وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن--------------------------------------------
1 البخاري مع الفتح 1/531، ومسلم بشرح النووي 1/375.
2 البخاري مع الفتح 1/532، ومسلم بشرح النووي 1/377.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" 1.
واتخاذ القبور مساجد يشمل ثلاثة معاني:
الأول: السجود إليها واستقبالها عند الصلاة والدعاء
فقد كانوا يسجدون لها تعظيما، ويتوجهون إليها في صلاتهم، فلذلك لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهى أمته عن مشابهتهم بعمل مثل هذه الأعمال كما جاء في الأحاديث السابقة وكما في حديث أبي مرثد الفنوي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" 2.
الثاني: بناء المساجد على القبور وقصد الصلاة فيها
وهذا يشمل بناء المساجد على القبور أو إدخال القبور في المساجد، فالعلة الموجودة للنهي قائمة على كلا المعنيين، وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى ذلك في بابين:
أحدهما: باب ما يكره من اتخاذ القبور، وأورد تحته حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم، والذي فيه لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود والنصارى، وأثرا عما حدث لامرأة الحسن بن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما ونصه: "لما مات الحسن بن الحسن بن عليّ رضي الله عنهم ضربت امرأته--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه ص 289.
2 صحيح مسلم بشرح النووي 3/62.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
قبة على قبره سنة، ثم رُفعت، فسمعوا صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا".
والآخر: باب بناء المسجد على القبر، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها فيما رأته أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما في أرض الحبشة، وقد تقدم نصه.
وفي شرح حديث عائشة رضي الله عنها في الباب الأول أورد الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قول الكرماني: "مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدا، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومهما متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم"1.
الثالث: من معاني اتخاذ القبور مساجد: الصلاة على القبور والسجود عليها: كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلي عليها" 2.
والأحاديث الواردة في النهي عن ذلك تشمل هذه المعاني الثلاثة لأنها جميعا مما ورد النهي عنه، وهي إما شرك أو ذريعة إليه.
وتخصيص قبور الأنبياء في كثير من الأحاديث، لأن اتخاذها مساجد وقصد الصلاة والدعاء عندها أكثر من غيره، وتعلق الناس بها أعظم. ومن الأحاديث في التحذير من ذلك إضافة إلى ما سبق:--------------------------------------------
1 فتح الباري شرح صحيح البخاري 3/200، 201، 208.
2 مسند أبي يعلى 2/66، وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 1. وقد استجاب الله دعاء رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحمى قبره من أن يتخذ عيدا أو وثنا، فما هذه الحماية التي يسخر الله لها من شاء إلا استجابة له عليه الصلاة والسلام، قال ابن القيم الجوزية في النونية:
فأجاب رب العالمين دعاءه … وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه … في عزة وحماية وصيان
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" 2. فقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" معناه: بعدم الصلاة وقراءة القرآن والدعاء فيها، وهذا حث منه صلى الله عليه وسلم على إعطاء البيوت قسطا من نوافل العبادات لما في ذلك من الحكم والمنافع العظيمة، ومفهوم هذا القول منه صلى الله عليه وسلم أن القبور يجب أن تكون خالية من هذه الأمور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه ص 321.
2 مسند الإمام أحمد 2/367 وهو حديث صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)