كلهم من طرق عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا لكن بلفظ: "رأيت ربي عز وجل جعدا أمرد عليه حلة خضراء" أو نحو ذلك.
قال ابن الجوزي في العلل المتناهية 1/23: "هذا الحديث لا يثبت وطرقه كلها على حماد بن سلمة قال ابن عدي: قد قيل: أن ابن أبي العوجاء كان ربيب حماد فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث".
وقد ذكر هذه الحكاية ابن عدي في الكامل لكن من طريق محمد بن شجاع الثلجي وابن الثلجي هذا له ترجمة مظلمة انظرها في ميزان الاعتدال 3/577-579، وابن عدي نفسه قال في الكامل: "إنه كان يضع الحديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك". وانظر التنكيل 1/243-244.
وقال الذهبي في السير 10/113-114: "وهو خبر منكر نسأل الله السلامة في الدين، فلا هو على شرط البخاري، ولا مسلم ورواته، وإن كانوا غير متهمين فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان فأول الخبر قال "رأيت ربي" وما قيده بالنوم وبعض من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج يحتج بظاهر الحديث".
ونقل السيوطي في اللالئ المصنوعة 1/31 عن ابن أبي داود قوله بعد الحديث: "فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت".
فإن كان الحمل في هذا الحديث على حماد بن سلمة فقد قال ابن عدي في الكامل: "إن الأحاديث التي رويت عن حماد بن سلمة في الرؤية قد رواها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
غير حماد بن سلمة".
وقد رد الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في التنكيل 1/244 على الكوثري الذي زعم أن حماد بن سلمة روى أحاديث طامات من بينها هذا فقال: "والجواب: أن لهذا الحديث طرقا معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف".
وقد أطال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات في الكلام على طرق
الحديث وذكر من صححه من أهل العلم وبخاصة كلام الإمام أحمد بما ملخصه أن الحديث صحيح والله أعلم انظر: إبطال التأويلات 1/139-145.
3- الحديث الثالث:
عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب رضي الله عنهما قالت: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه عز وجل في المنام في صورة شاب موفر في خضر على فراش من ذهب، في رجليه نعلان من ذهب".
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 1/205 رقم 471. والطبراني في المعجم الكبير 25/143 رقم 346. والبيهقي في الأسماء والصفات 2/367-369 رقم 942. والدارقطني في الرؤية ص 190 رقم 316. والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/141. والخطيب في تاريخ بغداد 13/311. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/15 وفي الموضوعات 1/181 من طريق الخطيب. والهيثمي في مجمع الزوائد 7/179. والسيوطي في اللالئ المصنوعة 1/30. وابن عراق في تنزيه الشريعة 1/145. والشوكاني في الفوائد المجموعة ص 447-448. والمتقي الهندي في كنز العمال 1/228 رقم 1153
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وقال ابن حبان في الثقات 5/245: "عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ربي" حديثا منكرا لم يسمع عمارة من أم الطفيل وإنما ذكرته لكي لا يغتر الناظر فيه، فيحتج به من حديث أهل مصر".
وقال البخاري في التاريخ الكبير 6/3111: "لا يعرف سماع عمارة من أم الطفيل" وقال في التاريخ الأوسط 1/435 "ولايعرف عمارة ولا سماعه من أم الطفيل".
وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وقال: "أما نعيم فقد وثقه قوم، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث، وكان يحيى بن معين يهجنه في رواية حديث أم الطفيل، وكان يقول ما كان ينبغي به أن يحدث بمثل هذا الحديث" وانظر: تاريخ بغداد 13/311.
ثم قال: "وأما مروان فقال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتى يصدق على الله عز وجل. قال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث، فحوّل وجهه عني، وقال: هذا حديث منكر، هذا رجل مجهول: يعني مروان" اهـ. انظر إبطال التأويلات 1/140.ثم قال: "ولا يعرف – أيضا - عمارة".
وتبعه في ذلك الشوكاني كما في الفوائد المجموعة ص 447، 448 وقال: "موضوع، وفي إسناده وضاع وكذاب ومجهول".
لكن تعقبه المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله بقوله: "يريد بالأول نعيم بن حماد بناء على قول ابن الجوزي، قال ابن عدي: يضع الحديث. وهذا وهم قبيح من ابن الجوزي، وإنما حكى ابن عدي، عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
الدولابي، عن بعضهم لا يدرى من هو ورده ابن عدي، وحمل على الدولابي". راجع ترجمة نعيم في تهذيب التهذيب ومقدمة الفتح.
ويريد بالكذاب مروان بن عثمان بناء على ما روى عن النسائي أنه قال: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله، وهذا لا يعطي أنه كذاب، وعدم التصديق لا يستلزم التكذيب، فإنه يحتمل التوقف، ويحتمل قوله على أنه أخطأ.
ويدل على هذا أن النسائي أخرج لمروان هذا في سننه.
ويريد بالمجهول عمارة بن عامر بن حزم، ويقال: عمارة بن عمير، وذكره البخاري في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر هذا الحديث وقال: منكر لم يسمعه عمارة من أم الطفيل، وله شواهد ذكرها في اللآلئ، وحاصله رؤيا المنام تجيء - غالبا - على وجه التمثيل المفتقر إلى التأويل، والله أعلم.
وقال الألباني في تخريج السنة 1/205 رقم 471: "حديث صحيح بما قبله وإسناده ضعيف مظلم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
المطلب الثاني: القول في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المنام.
أثبت العلماء رؤية النبي صلى الله عليه وسلم المنامية لربه عز وجل، واعتمدوا في ذلك على الأحاديث الواردة بهذا الشأن، والتي تقدم ذكرها في المطلب الأول، وهذه الرؤيا ليست محل خلاف، وقد وقعت بالمدينة النبوية، وهناك فرق بينها وبين الرؤية التي وقعت ليلة الإسراء بمكة، والتي دار الخلاف عليها حسب ما تقدم ذكره في المبحث الأول، وهذه الرؤيا التي وقعت في المنام داخلة في عموم أن رؤيا الأنبياء وحي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي تبارك وتعالى" ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد"1.
وقال أيضًا: "وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: "رأيت ربي في صورة كذا وكذا"، يروى من طريق ابن عباس، ومن طريق أم الطفيل، وغيرهما وفيه "أنه وضع يده بين كتفيَّ حتى وجدت برد أنامله على صدري"، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة. وفي الحديث: أن النبي نام عن صلاة الصبح، ثم خرج إليهم، وقال: "رأيت كذا وكذا" وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها،--------------------------------------------
1 زاد المعاد 3/37
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم، وبنص القرآن والسنة المتواترة، كما قال الله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء 1] .
فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة، كما جاء مفسرًا في كثير من طرقه أنه كان رؤيا منام، مع أن رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج"1.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 3/387 - 388
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
المطلب الثالث: أقوال أهل العلم في الرؤية المنامية عمومًا
ذكر غير واحد من أهل العلم أن رؤية الله في المنام جائزة، وهذه الرؤية شأنها شأن سائر الرؤى المنامية تعبر، فإن النائم لا يرى الله حقيقة، فرؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير، وتأويل؛ لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق، وإليك بعض أقوال العلماء في هذه المسألة.
قال الإمام الدارمي: "وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة"1.
قال الإمام البغوي: "رؤية الله في المنام جائزة، قال معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إني نعست فرأيت ربي" وتكون رؤيته - جلّت قدرته - ظهور العدل، والفرج، والخصب، والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق ووعده صدق. وإن رآه ينظر إليه، فهو رحمته، وإن رآه معرضا عنه فهو تحذير من الذنوب، لقوله سبحانه وتعالى {أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمران 77] وإن أعطاه شيئا من متاع الدنيا فأخذه فهو بلاء ومحن، وأسقام تصيب بدنه، يعظم بها أجره، لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة"2.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحا لم ير إلا صورة حسنة،--------------------------------------------
1 الرد على المريسي (ضمن عقائد السلف) ص (523)
2 شرح السنة للبغوي 12/227-228.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وإذا كان في إيمانه، نقص رأى ما يشبه إيمانه ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق"1.
وقال رحمه الله في بيان تلبيس الجهمية: "فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه. فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام، فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلاً، ولكن لابد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة، ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس.
قال بعض المشايخ: "إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجاباً بينه وبين الله. وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلاً ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه، إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين.
وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام، فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل، مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم، وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به سبحانه وتعالى، وإنما ذلك بحسب حال الرائي،--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 3/390.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه، وقول من يقول: ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه ونحو ذلك [بياض بمقدار أربع كلمات] إذا حمل على مثل هذا كان محملاً صحيحًا، فلا نعتقد ما يتخيله الإنسان في منامه أويقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف مايتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابهًا لها، فالله -تعالى- أجل وأعظم"1.--------------------------------------------
1نقض تأسيس الجهمية (1/73-74)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
المبحث الثالث: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عيانا
المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عيانا في الدنيا
…
المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عيانًا في الدنيا.
ينبغي - هنا - التفريق، وعدم الخلط بين مسألتين، المسألة الأولى: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، وهذه هي التي حصل الكلام فيها بين أهل السنة، وقد تقدم بسط ذلك في المبحث الأول؛ والمسألة الثانية: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عيانًا وهذه لم يختلف فيها قول أهل السنة، فهم مجمعون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه في الدنيا عياناً، وأن ما ذكر من أحاديث في هذه المسألة فهو في عداد الموضوعات التي لا يصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينه في الأرض، وأن الله ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم قط حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: "أن الله يدنو عشية عرفة" 1--------------------------------------------
1 أخرجه البزار كما في كشف الأستار (2/28) من طريق أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر.
وابن حبان في صحيحه (248) - موارد -. وأخرجه أبو يعلى في المسند (4/69-70) ، كلاهما من طريق هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر.
وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح (4/263) . والبغوي في شرح السنة (7/159) .
واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/439 برقم751-752) .
وابن عبد البر في التمهيد (1/120) . جميعهم من طريق مرزوق الباهلي، عن أبي الزبير عن جابر. ولفظه "إذا كان يوم عرفة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا … " الحديث.
وقال الألباني: "إسناده ضعيف لضعف أبي الزبير"، انظر صحيح ابن خزيمة (4/263) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وفي رواية "إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ " 1"2.--------------------------------------------
1 أخرجه الإمام مالك في الموطأ (1/214) . والإمام أحمد في المسند (2/264) .
ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر (1/521، ح758) . وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب أي الليل أفضل (2/76 ح135) . والترمذي في سننه، كتاب الدعوات (5/526 ح3498) عن أبي هريرة.
والحديث متواتر عن أكثر من عشرين صحابيا.
2 مجموع الفتاوى 3/386-388
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
المطلب الثاني: الأحاديث الموضوعة في المسألة.
علم في المطلب السابق أنه لم يصح حديث في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عياناً، وقد ذكر العلماء أن ما يروى في هذا الشأن فهو كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وليس له أصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكل حديث فيه "أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه في الأرض"، فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم.
وقال أيضًا: "وبالجملة أن كل حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينيه في الأرض، وفيه أنه نزل له إلى الأرض، وفيه أن رياض الجنة خطوات الحق، وفيه أنه وطئ على صخرة بيت المقدس، كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين، من أهل الحديث وغيرهم"1.
ومن الأحاديث الموضوعة في هذا الشأن ما يلي:
1- الحديث الأول.
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها مرفوعا: "رأيت ربي عز وجل على جمل أحمر عليه إزاران وهو يقول: قد سمحت قد غفرت إلا المظالم، فإذا كان ليلة المزدلفة، ثم يصعد إلى السماء، وينصرف الناس إلى منى".
أورده ابن الجوزي في الموضوعات (1/180) وقال عنه: "هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع، محال".--------------------------------------------
1مجموع الفتاوى 3/389.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
والسيوطي في اللآلي المصنوعة 1/27.
وابن عراق في تنزيه الشريعة 1/139 رقم 17 وقال: "أخرجه الأهوازي في الصفات من حديث أسماء فقبح الله واضعه".
2- الحديث الثاني.
عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه مرفوعا: "رأيت ربي بمنى يوم النفر، على جمل أورق عليه جبة صوف أمام الناس".
أورده الذهبي في ميزان الاعتدال 1/513 وفي السير 18/16-17.
والقاضي الفتني في تذكرة الموضوعات ص 12-13.
والقاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص 102.
واتفقوا على أنه موضوع باطل، وأن المتهم به هو أبوعلي الأهوازي، كما قال ابن عساكر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
المبحث الرابع: رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا.
لعل من المناسب بعد ذكر ما يتعلق بمسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وما يتصل بها من مسائل، الإشارة إلى مسألة رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا، وذلك لما بين المسألتين من ترابط من جهة وجود نوع علاقة بين المسألتين، باعتبار أن من زعم جواز حصول الرؤية للبشر استند في زعمه على ما ذكر من أحاديث مكذوبة في وقوع الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا، ومعلوم أن بضاعة المتصوفة الذين جوزوا حصول ذلك لأوليائهم هي الأحاديث المكذوبة من مثل ما تقدم ذكره في المطلب الثاني من المبحث الثالث، وعلى هذا الاعتبار بنى أولئك المتصوفة مزاعمهم، بأن ذلك يجوز حصوله لمن وصل إلى مرحلة معينة في الولاية التي قد يعتبرها البعض منهم فوق منزلة النبوة، وبهذه النظرة ما المانع أن يحصل مثل ذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما من قال بامتناع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عياناً، فلا شك أنه يقول بامتناعها على غيره من باب أولى، فإذا كانت الرؤية لم تحصل للنبي صلى الله عليه وسلم -مع ما له من مكانة وشرف ومنزلة عظيمة عند الله - فكيف تحصل لمن هو دونه في المنزلة والمكانة، على أن مستند من نفى رؤية البشر لله في الدنيا هو نص السنة، كما سيأتي ذكره.
ومسألة رؤية البشر لله عمومًا يتنازعها ثلاث طوائف:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
الطائفة الأولى: من نفى الرؤية بإطلاق فلم يثبتها في الدنيا، ولا في الآخرة على حد سواء، بل نفى حتى الرؤيا المنامية.
وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة المعطلة الذين ليس عندهم فوق العرش إلا العدم المحض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم"1.
وقال أيضًا: "وإنما يكذب بها أو يحرفها - أي: أحاديث الرؤية في الآخرة - الجهمية، ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم، من الذين يكذبون بصفات الله تعالى، وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة.
ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وبين تصديق الغالية، بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل"2.--------------------------------------------
1 نقض تأسيس الجهمية (1/73-74)
2 مجموع الفتاوى 3/391-392.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
الطائفة الثانية: من يثبت الرؤية بإطلاق فيزعم أن الله يرى في الدنيا عياناً، كما يرى في الآخرة عياناً. وهذا يقول به بعض المتصوفة من الاتحادية والحلولية.
فأما الاتحادية أهل وحدة الوجود فهم الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام، وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قول في الوجود كلامه … سواء علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون … فمنه إليه بدؤه وختامه1
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات 24] {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص 28] وبين القول الذي يسمعه موسى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه 14] ، بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله"2.
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والعفيف التلمساني.
وأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوى الآخر، ويفتقر إليه، وفي هذا يقول ابن عربي:
فيعبدني وأعبده … ويحمدني وأحمده3
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
ويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد؛ إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد والكمال فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون: لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم – أيضا - وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضي"1.
وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام، والإثبات العام، فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون: يرى هو في الأشياء، وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
عين ما ترى ذات لا ترى … وذات لا ترى عين ما ترى
وهم مضطربون؛ لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود--------------------------------------------
1 بغية المرتاد (ص 408) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود1.
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً … وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً
وإن قلت بالأمرين كنت مسددًا … وكنت إمامًا في المعارف سيدًا
فمن قال بالإشفاع كان مشركًا … ومن قال بالإفراد كان موحدًا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا … وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيدًا 2
وأما الفرق بين الاتحاد والحلول، فإن الاتحاد كاتحاد الماء باللبن3، وأما الحلول فكحلول الماء في الإناء4.
والقسمة بين الحلولية والاتحادية رباعية، فإن كل واحد من الحلول والاتحاد: إما معين في شخص، وإما مطلق5.
قال شيخ الإسلام: "وذلك أن القسمة رباعية؛ لأن من جعل الرب هو العبد حقيقة، فإما أن يقول بحلوله فيه، أو اتحاده به، وعلى التقدرين: فإما أن يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق كالمسيح، أو يجعله عاما لجميع الخلق، فهذه أربعة أقسام:--------------------------------------------
1 المصدر السابق (ص 473) .
2 بغية المرتاد (ص473)
3 مجموع الفتاوى 2/465
4 مجموع الفتاوى 2/171
5 مجموع الفتاوى 2/465
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
الأول: هو الحلول الخاص: وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به، كحلول الماء في الإناء، وهؤلاء حققوا كفر النصارى؛ بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان في زمن المأمون؛ وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية الرافضة الذين يقولون: إنه حلَّ بعلي بن أبي طالب، وأئمة أهل بيته، وغالية النُسَّاك الذين يقولون بالحلول في الأولياء، ومن يعتقدون فيه الولاية أو في بعضهم، كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء.
والثاني: هو الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى، وهم أخبث قولاً، وهم السودان والقبط، يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا
كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام.
والثالث: هو الحلول العام: وهو قول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول غالب متعبدة الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام 3] وقوله {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد 4] والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة، وأهل المعرفة وعلماء الحديث.
الرابع: الاتحاد العام: وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين:
من جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين، وهؤلاء يقولون: مازال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
والثاني من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظَّموه كالمسيح، وهؤلاء جعلوا ذلك ساريا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله - تعالى - قد قال {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} الآية، فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار، والمنافقون، والصبيان، والمجانين، والأنجاس، والأنتان، وكل شيء؟! "1.
وأما عن الحلولية، فقد قال الأشعري: "وفي الأمة قوم ينتحلون النسك، يزعمون أنه جائز على الله - تعالى - الحلول في الأجسام، وإذا رأوا شيئا يستحسنونه قالوا: لا ندري، لعله، ربنا.
ومنهم من يقول: إنه يرى الله في الدنيا على قدر الأعمال، فمن كان عمله أحسن رأى معبوده أحسن.
ومنهم من يجوِّز على الله - تعالى - المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا، وجوّزوا مع ذلك على الله - تعالى الله عن قولهم - أن نلمسه.
ومنهم من يزعم أن الله - سبحانه - ذو أعضاء وجوارح وأبعاض: لحم ودم على صورة الإنسان له ما للإنسان من الجوارح - تعالى ربنا عن قولهم علوا كبيرا.
وكان في الصوفية رجل يُعرف بأبي شعيب يزعم أن الله يسر ويفرح بطاعة أوليائه، ويغتم ويحزن إذا عَصَوْهُ.
وفي النسَّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم - من الزنا وغيره - مباحات لهم. وفيهم--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 2/171-173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)