الفصل الرابع: مواضع العلة في الحديث
مدخل
…
الفصل الرابع: مواضع العلة في الحديث
والمراد بالعلة هنا: السبب الخفي القادح في صحة الحديث.
يبدو لي أن العلة تجري في الحديث في جميع شروط الحديث الصحيح التي اشترطها الأئمة في تعريف الحديث الصحيح.
وهو: ما رواه عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ. مع القول بأن العلة تدخل في أحاديث الثقات وهي خفية، فقد يكون الراوي مهملاً يوافق في اسم الثقة غير الثقة، أو من المتفق والمفترق، فيظن الناظر أن الواقع في السند غير الثقة.
وكذلك القول في تمام الضبط، فقد يكون مشتهراً بالضبط والتوثق ولكنه يكون قد أخطأ في حديث بذاته.
والضبط نوعان:
ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.
وضبط كتاب: وهو صيانة الراوي كتابه لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي أو يروي منه. وقُيد بالتام في تعريف الحديث الصحيح إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك (1) .
وفي هذا الجانب أيضاً تدخل العلة في حديث الثقة، فالبشر مهما أوتي من حفظ وضبط وذاكرة قوية فقد يأبى الله أن تكون العصمة إلا لأنبيائه الذين عصمهم من الخطأ والزلل، وتأتي أمثلة لذلك إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) نزهة النظر (ص83) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
وضبط الكتاب قد يعتوره بعض الخلل في المقابلة والتصحيح، وقد يتمكن أحدٌ من المفسدين من كتاب الشيخ فيفسد عليه كتابه، ولذلك كانوا يبخلون عن إعارة كتبهم، وعدمُ إعارتهم للكتاب كان يعد مدحاً فيهم.
قال الإمام أحمد: قال أبو قطن (عمرو بن الهيثم) - وكان ثبتاً -: "ما أعرت كتابي أحداً قط" (1) .
وقال علي بن قادم: سمعت سفيان يقول: "لا تُعِرْ أحداً كتاباً". وقال الربيع بن سليمان: كتب إليّ البويطي: "احفظ كتبك، فإنه إن ذهب لك كتاب لم تجد مثله" (2) .
وكأن هذا -والله أعلم- خوفاً من ضياع الكتب، وكذلك من التغيير والتبديل.
وكان بعض ضعاف النفوس يُدخل في كتب الناس أحاديث ليست من أحاديثهم، منهم حبيب بن أبي حبيب أبو محمد المصري وقيل المدني كاتب مالك، قال ابن حبان: كان يورّق بالمدينة على الشيوخ، ويروي عن الثقات الموضوعات، كان يدخل عليهم ما ليس من حديثهم، وسماع ابن بكير وقتيبة كان بعَرْض ابن حبيب، ذكره الذهبي في "الميزان" (3) .
وقال ابن حبان في مقدمة كتابه "المجروحين": "وجماعة من أهل المدينة امتحنوا حبيب بن أبي حبيب الورّاق، كان يُدْخل عليهم الحديث، فمن سمع بقراءته عليهم فسماعه لا شيء. كذلك كان عبد الله بن ربيعة القدامي--------------------------------------------
(1) العلل ومعرفة الرجال (1/335) ، رقم النص: 678.
(2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/241) .
(3) ميزان الاعتدال (1/452) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
بالمصيصة، كان له ابن سوء يُدخل عليه الحديث عن مالك وإبراهيم بن سعد وذويهم، وكان منهم سفيان بن وكيع بن الجرّاح – وكان له وراق يقال له: (قرطمة) ، يدخل عليه الحديث في جماعة مثل هؤلاء، ويكثر عددهم.
أخبرني محمد بن عبد السلام ببيروت، حدثنا جعفر بن أبان الحافظ، قال: سألتُ ابن نمير عن قيس بن الربيع، فقال: كان له ابنٌ هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كُتبه فأنكروا حديثه، وظنوا أن ابنه قد غيّرها" (1) .
وشرط الاتصال تدخل العلة فيه في أحاديث الثقات المعروفين حتى في رواياتهم عن مشايخهم الذين لازموهم، ورافقوهم في الحل والترحال، فقد تفوت روايات عنهم لم يتمكنوا من سماعهم لها.
ومادام هذا الفوت قد حصل للصحابة الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وربما لازموه، وقد تأتي أسباب للغياب يغيب أحدهم عن بعض المجالس، فيروي الرواية عن الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم وسميت مراسيل الصحابة، ولها حكم خاص عند أهل الحديث، فما دام هذا يحصل في الصحابة ففي غيرهم من باب أولى.
وقد يخفى عدم السماع خفاءً شديداً في صورة المرسل الخفي والتدليس.
وشرط عدم الشذوذ واضح في صحة الخبر، وإنما قلنا: إن الشذوذ علة من العلل، لأنه يكون خفياً ولا يظهر إلا بعد جمع الروايات والطرق الكثيرة حتى تثبت مخالفته لمن هو أوثق منه.
فقد يجد الناظر حديثاً قد شذ فيه وخالف فردٌ عدة رواة، ولكنه لم يجمع الطرق فقد يخفى الأمر عليه، ويحكم على الحديث بالصحة.--------------------------------------------
(1) المجروحين (1/77-78) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
فمع وجود الشروط الأخرى قد يفقد الحديث شرط عدم الشذوذ فتعلّ الرواية بالضعف، وقد لا تظهر العلة والشذوذ إلا بعد النظر الشديد ومضي الزمن البعيد.
قال علي بن المديني: ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة (1) .
روى ابن حبان في كتاب "المجروحين" قال: "حدثنا عبد الله بن قحطبة بفم الصلح قال: حدثنا أحمد بن زكريا الواسطي قال: سمعت أبا الحارث الورّاق يقول: جلسنا على باب شعبة نتذاكر السنة فقلت: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فأحسن الوضوء دخل من أي أبواب الجنة شاء"، فخرج شعبة بن الحجاج، وأنا أحدِّث بهذا الحديث فصفعني ثم قال: يا مجنون: سمعت أبا إسحاق يحدث عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر فقلت: يا أبا إسحاق سمعتَ عبد الله بن عطاء يحدث عن عقبة بن عامر؟ فقال: اسكت، فقلت (2) : لا أسكت، فالتفت إلى مِسْعر بن كدام فقال: يا شعبة عبد الله بن عطاء حَيّ بمكة فخرجت إلى مكة، فلقيت عبد الله بن عطاء، فقلت: حديث الوضوء؟ فقال: عقبة بن عامر، فقلت: يرحمك الله سمعتَ منه؟ قال: لا، حدثني سعد ابن إبراهيم، فمضيت فلقيت سعد بن إبراهيم، فقلتُ: حديث الوضوء؟ فقال: من عندكم خرج، حدثني زياد بن مِخْراق، فانحدرت إلى البصرة، فلقيت زياد ابن مخراق -وأنا شَحِب اللون وسخ الثياب كثير الشعر- فقال:--------------------------------------------
(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/257) .
(2) القائل هو شعبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
فحدثته الحديث، فقال: ليس هو من حاجتك، قلت: فما بُدٌّ، قال: لا حتى تذهب وتدخل الحمام، وتغسل ثيابك، ثم تجيء فأحدثك به، قال: فدخلت الحمام وغسَّلْتُ ثيابي ثم أتيته فقال: حدثني شهر ابن حوشب، قلت: شهر بن حوشب عمّن؟ قال: عن أبي ريحانة، قلت: هذا حديث صَعِد ثم نزل دمّروا عليه، ليس له أصل" (1) .
فهذا الحديث لم تظهر لشعبة علته إلا بعد فترة وبعد كدّ وسفرات ورحلات.
وينبغي أن يذكر أن أسباب ردّ الحديث كما ذكر ابن حجر اثنان:
1- السقط في الإسناد.
2- الطعن في الراوي.
ثم السقط: إما أن يكون ظاهراً أو خفياً، فالسقط الظاهر يشمل المعلق والمرسل والمعضل والمنقطع.
والسقط الخفي يشمل المدلَّس، الذي يرد بصيغة من صيغ الأداء، والرواية تحتمل وقوع اللقي بين المدلِّس، ومن أسند عنه، كعن وقال، وكذلك يشمل السقط الخفي المرسل الخفي، إذا صدر من معاصر لم يلق من حدث عنه بل بينه وبينه واسطة.
والفرق بين المدلَّس والمرسل الخفي: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي.--------------------------------------------
(1) المجروحين (1/28) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
ثم الطعن في الراوي: إما أن يكون في عدالته أو في ضبطه، والطعن في العدالة يشمل:
1- كذب الراوي في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
2- كونه متهماً بالكذب بأن يكون معروفاً بالكذب في كلامه، لا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
أو روى حديثاً مخالفاً للقواعد المعلومة، ولا يروى هذا الحديث إلا من جهته.
3- الفسق بارتكاب الكبائر قولاً أو فعلاً.
4- البدعة: وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم بنوع شبهة لا بمعاندة.
5- الجهالة: بأن لا يعرف في الراوي تعديل ولا تجريح معين.
وأما الطعن في ضبط الراوي فيشمل:
1- فحش غلطه أي غلبة خطئه على صوابه.
2- غفلته عن الإتقان.
3- وهمه بأن يروي على سبيل التوهم.
4- مخالفته للرواة الآخرين.
والمخالفة تشمل أنواعاً:
1- أن يخالف الراوي في تغيير سياق الإسناد أو المتن فيسمى: المدرج.
2- أن يخالف الراوي بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم في الإسناد أو المتن، فيسمى: مقلوباً.
3- أن يزيد راوياً في الإسناد ما لم يزده الآخرون فيسمى: المزيد في متصل الأسانيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
4- أن يخالف الرواة بإبدال راوٍ براوٍ أو برواة في إسناد واحد، وكذلك إبدال شيء في متن الحديث الواحد مرة بلفظ ومرة بلفظ آخر، فيسمى: مضطرباً.
5- كذلك يخطئ في الكلمة فيغير سياقها فيسمى: المصحف والمحرف (1) .
وفي هذه الأقسام المردودة من الأحاديث يدخل في باب علل الحديث كل ما فيه خفاء وعدم ظهور، وسيكون الكلام فيما ظهر الخفاء فيه فقط.--------------------------------------------
(1) ينظر نزهة النظر (ص108، وما بعدها) ففيه خلاصة لما جاء في الكتب المطولة في المصطلح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
أسباب العلة في الحديث:
إن أهم أسباب العلة القادحة في الحديث:
1- الخطأ والنسيان الذي لا يسلم منه أي بشر مع كونه موصوفاً بالضبط التامّ.
ومثل هذا الخطأ يكون نادراً من الثقة، ومع ذلك ليس من المعقول ولا من المشروع أن يصحح خطأهُ، ويستر عليه ولا يُبين، فالمنهج السليم أن يُعيَّن ويُبيَّن للناس حتى لا يتتابعوا في الخطأ.
قال ابن معين: "من لم يخطئ فهو كذاب".
وقال ابن المبارك: "من يسلم من الوهم؟ ".
وقد وهّمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم، وقد جمع الزركشي جزءاً في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
ووهّم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله: "تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم" (1) .
وهذا شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام رحمه الله قال فيه عبد الرحمن بن مهدي: "كان سفيان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث".
وقال الشافعي: "لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق، كان يجيء إلى الرجل فيقول: لا تحدث، وإلا استعديت عليك السلطان"، وقال أحمد أيضاً: "شعبة أعلم بحديث الحكم، ولولا شعبة ذهب حديث الحكم ولم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثاً منه، كان قُسِمَ له من هذا حظ" (2) .
وقال أحمد أيضاً: "كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن (يعني في الرجال) وبصره في الحديث وتثبته وتنقيته للرجال" (3) ، ولكن مع ذلك قد ضبط الأئمة أخطاءً عليه، وسجلوها في أقوالهم ومصنفاتهم.
ومعلوم أنه من أشد الناس على التدليس والمدلسين، ومع ذلك روى عن شيوخ ولم يسمع منهم.
قال الإمام أحمد: "أخطأ شعبة في اسم خالد بن علقمة فقال: مالك بن عُرفُطة، وأخطأ أيضاً في سلَم بن عبد الرحمن، فقال: عبد الله بن يزيد في حديث الشكال في الخيل (4) قلب اسمه.--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب (1/ 159 – 160) .
(2) تقدمة الجرح والتعديل (ص/12) وما بعده مع أقوال طيبة كثيرة.
(3) العلل ومعرفة الرجال (2 / 539) النص [3557] .
(4) أما طريق شعبة عن عبد الله بن يزيد فأخرجه النسائي في باب الخيل (6 / 219) وأحمد في مسنده (2/ 205) والمزي في تهذيب الكمال (2 / 756) وأشار إليه الترمذي في الجهاد (3 / 204) وانظر مسائل ابن هاني (2 / 246) ، ونحوه قول ابن معين في تاريخه النص [3136] وطريق سلم بن
عبد الرحمن أخرجه مسلم في الإمارة (3 / 494) وأحمد (2 / 250 – 467) وأبوداود في الجهاد
(3 / 23) والترمذي في الجهاد (3 / 204) والنسائي في الخيل (6 / 219) كلهم من طريق سفيان عن سلم بن عبد الرحمن عن أبي زرعة عن أبي هريرة كان النبي صلى الله عليه وسلم......، وعند بعضهم زيادة: والشكال أن يكون التحجيل في الفرس في رجله اليمنى وفي يده اليسرى أوفي يده اليمنى ورجله اليسرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وأخطأ شعبة: في اسم أبي الثورين فقال: أبو السوَّار، وإنما هو أبو الثورين.
قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي من هذا أبو الثورين؟ فقال: رجل من أهل مكة مشهور، اسمه محمد بن عبد الرحمن من قُريْش، قلت لأبي: إن عبد الرحمن ابن مهدي زعم أن شعبة لم يخطئ في كنيته فقال: هو أبو السوار.
قال أبي: عبد الرحمن لا يدري أو كلمه نحوها" (1) .
وقال أحمد أيضاً: "أخطأ شعبة في حديث علي بن زيد عن يوسف بن مهران فقال: يوسف بن ماهك وهو خطأ إنما هو ابن مهران" (2) ، ولذلك كانت الرواية من الكتب أصح وأقوى من الرواية بالحفظ قال الخطيب: الاحتياط للمحدث، والأولى به أن يروي من كتابه ليَسْلَم من الوهم والغلط، ويكون جديراً بالبُعد من الزلل.
ثم ذكر بإسناده عن أبي زرعة قال: سمعت أبا نعيم، وذكر عنده حماد بن زيد، وابن عُلية، وأن حماداً أحفظ عن أيوب وابن عُلية كَتَبَ، فقال: ضَمِنتُ لك أن كل من لا يرجع إلى الكتاب لا يؤمن عليه الزلل ثم ذكر بإسناده عن--------------------------------------------
(1) العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (1 /516) النص [1210] وينظر تعليق المحقق جزاه الله خيراً.
(2) العلل ومعرفة الرجال (2/157) النص [1859] وينظر أيضاً في خطئه في النصوص رقم [1903-1932-1935-2284-5490-5695] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
أحمد بن حنبل: ما كان أحدٌ أقل سقطاً من ابن المبارك: كان رجُلاً يحدث من كتاب، ومن حدَّث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كبير شيء (1) .
2- من أسباب وقوع العلل في الحديث: خفة ضبط الراوي.
ونعني بالخفة في الضبط ما يعبّر عن صاحبها بالصدوق أو بـ"لا بأس به" أو "ليس به بأس" أو نحوهما.
وهو الراوي الذي جعل الأئمة حديثه حسناً لذاته، وهو الذي قال ابن حجر في حديثه: فإن خف الضبط أي قلَّ فهو الحسن لذاته (2) .
وما مقدار خفة الضبط؟ لا نجد له ضابطاً في كلام الأئمة إلا ما يذكره الأئمة في ترجمة الراوي بعد سبر مروياته، له أحاديث أنكرت عليه، مثل ما قال ابن عدي في ترجمة إبراهيم بن بشار أبي إسحاق الرمادي.
وإبراهيم بن بشار هذا، لا أعلم أنكر عليه إلا هذا الحديث الذي ذكره البخاري، وباقي حديثه عن ابن عيينة وأبي معاوية وغيرهما من الثقات، وهو مستقيم في غير ذلك عندنا من أهل الصدق (3) .
وقال في ترجمة أزور بن غالب بن تميم البصري بعد ما ذكر له حديثاً: "وهذا الحديث وإن كان موقوفاً على أنس فهو منكر؛ لأنه لا يعرف للصحابة الخوض في القرآن.
والحديثان الآخران اللذان أمْلَيْتُهُمَا قبل هذا لم يروهما عن الأزور غير يحيى ابن سُليَمْ، وهو من حديث سليمان التيمي لا يروى إلا من هذا الطريق،--------------------------------------------
(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/10) ، مع أقوال أخرى في المسألة.
(2) نزهة النظر ص (91) .
(3) الكامل (1 / 265 – 266) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
والأزور بن غالب غير ما ذكرت من رواية يحيى بن سليم عنه أحاديث معدودة يسيرة: غير محفوظة، وأرجو أن لا بأس به" (1) .
فإذا كان الراوي يروي مائة حديث، وأخطأ في حديثين أو ثلاثة؛ لا نطرح باقي مروياته إذا تعينت تلك الروايات التي أخطأ فيها فقد أمِنّا حفظه وضبطه للروايات الأخرى فتكون صحيحة أو حسنة.
ولكن يجب على المحدث أن يضبط تلك الروايات التي حكم الأئمة عليها بالخطأ حتى لا يُصحّح حديثاً خطأ. وهذا لا يحصل لعامة المشتغلين في الحديث، فقد يصحح حديثاً خطأً للراوي لأنه خفي عليه خطؤه.
3- من أهم أسباب العلة في الحديث: اختلاط الراوي أو تغيره بآخرته، وهذا السبب متعلق بالضبط أيضاً.
والاختلاط:
قال ابن منظور اختلط فلان: أي فَسَدَ عقله، ورجلٌ خَلط بَيّن الخلاطة، أحمق مخالط العقل.
ويقال: خولط الرجل فهو مخالط، واختلط عقله فهو مختلط إذا تغيّر عقله (2) .
والاختلاط في اصطلاح أهل الحديث: هو كون الراوي ثقة حافظاً، ثم يطرأ سوء الحفظ عليه لسبب من الأسباب.--------------------------------------------
(1) الكامل (1 / 265 – 266) .
(2) لسان العرب (7/294 – 295) ، انظر نحوه في القاموس (2 / 92) ، ومثله في تاج العروس (5/134) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
قال ابن حجر: "ثم سوء الحفظ إن كان لازماً فهو الشاذ على رأي بعض أهل الحديث.
أو كان سوء الحفظ طارئاً على الراوي: إما لكبره أو لذهاب بصره أو لاحتراق كتبه أو عدمها بأن كان يعتمدها، فرجع إلى حفظه، فساء فهذا هو المختلط" (1) .
والاختلاط في الإنسان أمر كوني قدري لا يلام عليه، ولكن الكلام على روايته، فالمُضْعِفُ لرواية الشيخ: أن يروي شيئاً حين اختلاطه، ولم يتميز من روى عنه قبل الاختلاط ممن روى عنه بعد الاختلاط.
وللاختلاط أسباب وعوارض كما أشار إليه ابن حجر، ولكن لمعرفة وقت الاختلاط ومراحل اختلاط الراوي، طرق مختلفة، وجهود مباركة لأئمتنا، حتى نجد أحدهم يصف بعض المختلطين بأنه بدأ يختلط قليلاً، ولم يختلط، واختلط حتى لا يفهم شيئاً.
فالاختلاط حالة نفسية تطرأ على الإنسان لأسباب وعوارض تؤثر في عقله وحفظه وينظر تفاصيل هذا الفن في الكتب المخصصة له.
فالمختلط له أحوال:
1- أن يكون الراوي عنه سمع منه قبل الاختلاط، ولم يسمع منه بعد الاختلاط فهذا روايته عنه صحيحة.
قال أحمد بن حنبل: "سمع وكيع من المسعودي بالكوفة قديماً وأبي نعيم أيضاً، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعُهُ جيد" (2) .--------------------------------------------
(1) نزهة النظر (ص 139) .
(2) العلل ومعرفة الرجال (1 / 325) النص [575] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
وأورده ابن الكيال، وقال: "وعلى هذا تُقبل روايةُ كل من سمع منه بالكوفة والبصرة وقبل أن يقدم بغداد، كأميّة بن خالد، وبشر بن المفضل، وجعفر بن عون، وخالد بن الحارث، وسفيان الثوري، وأبي قتيبة سلم بن قتيبة، وطَلْق بن غنام، وعبد الله بن رجاء، وعثمان بن عُمر بن فارس: وعمرو ابن مرزوق، وعمرو بن الهيثم، والقاسم بن معن بن عبد الرحمن ومعاذ بن معاذ العنبري، والنضر بن شميل، ويزيد بن زُرَيْع" (1) .
وكذلك أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم القرشي أبو عُبيد الله المصري ابن أخي عبد الله بن وهب المصري، روى عنه مسلم رحمه الله (2) . وذكر الحاكم: أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر (3) .
وكذلك إذا ثبت لدينا أن الراوي عن المختلط روى عنه، ومات قبل اختلاط شيخه المختلط.
وهذا سعيد بن عبد العزيز التنوخي كان فقيهاً مفتي دمشق وعالمها بعد الأوزاعي.
مات سنة (167هـ) ولم يذكر ابن الكيال من سمع منه قبل الاختلاط ومن سمع منه بعد الاختلاط.
قال الدكتور عبد القيوم في تعليقه على الكواكب النيرات: "لم يذكر المؤلف رحمه الله من سمع منه قبل الاختلاط وبعده، وقد بحثت كثيراً فما--------------------------------------------
(1) الكواكب النيرات (293 – 295) .
(2) تقريب التهذيب (ص 94) .
(3) ينظر مقدمة شرح صحيح مسلم (1 / 25) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وجَدْتُ من أئمة هذا الشأن نصّاً في المطلوب، إلا أن المزي رحمه الله تعالى ذكر شعبة وسفيان الثوري من جملة تلامذته وهما قد تُوفِّيا قبل سعيد بن عبد العزيز لسنواتٍ؛ لأن شعبة توفي في سنة (160هـ) والثوري في سنة (161هـ) وبذلك نستطيع أن نقول: إنهما رَوَيا عنه قبل اختلاطه" (1) .
قلت: هذا استنباط جيد مقبول في محله، ولا يقال: لعل اختلاط سعيد التنوخي استمر أكثر من سبع سنواتٍ أو ست سنوات، لأنه لو كان الأمر كذلك لاشتهر عند الأئمة، ولَنَصُّوا عليه فالظاهر أن سماع شعبة والثوري في حال صحته.
2- أن يكون الراوي عن المخلط سمع منه بعد اختلاطه.
فهذا تُرد روايته وتضعف بانفراده كسائر مَنْ عُرِفَتْ رواياتهم عن المخلطين حال الاختلاط.
فمنهم سعيد بن أبي عروبة أبو النضر (2) البصري فقد نص الأئمة على من سمع منه قبل الاختلاط ومن سمع منه بعد الاختلاط.
3- أن يكون الراوي عن المختلط سمع منه قبل الاختلاط وبعده.
فلم تتميز روايته كرواية أبي عوانة: وضاح بن عبد الله اليشكري، قال ابن معين: كان عطاء بن السائب قد اختلط، قال: سَمِعْتُ من عَبيدة ثلاثين حديثاً، فقلت: (عباس الدوري) ليحيى: فما سمع منه جرير وذووه ليس هو صحيح؟ قال: لا. ماروى هو وخالد الطحان -كأنه يُضَعِّفُهم- إلا من سمع منه قديماً.--------------------------------------------
(1) الكواكب النيرات والتعليق عليه، ترجمة سعيد بن عبد العزيز التنوخي.
(2) الكواكب النيرات (ص 190) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
قال يحيى: وقد سمع أبو عوانة منه في الصحة وفي الاختلاط جميعاً (1) .
ونُقل عن ابن معين: قوله: لم يسمع عطاء من يعلى بن مُرَّةَ، واختلط وما سمع منه جرير ليس من صحيح حديثه، وسمع منه أبو عوانة في الصحة والاختلاط، فلا يحتج بحديثه (2) .
4- أن يكون روى الراوي عن المختلط قبل الاختلاط وبعده، ولكنه تميّزت أحاديثه فما ميز من رواياته قبل الاختلاط فهو صحيح، وما لا فهو ضعيف.
5- أن يكون الراوي عن المختلط سمع منه بعد الاختلاط لكن لم يرو رواياته التي سمع منه في الاختلاط، فهذا كأنه لم يرو عنه مطلقاً.
قال أبو داود: “إسحاق بن راهويه تغير قبل أن يموت بخمسة أشهر وسمعت منه تلك الأيام ورميت به” (3) (4) .
6- أن يكون الراوي المختلط لم يحدث حال اختلاطه فهذا جميع رواياته مقبولة صحيحة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: “جرير بن حازم (أبو النضر العتكي الأزدي) اختلط، وكان له أولاد أصحاب حديث، فلما خشوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع منه أحد في اختلاطه شيئاً” (5) . وكإبراهيم بن أبي العباس السامري.--------------------------------------------
(1) تاريخ ابن معين برواية الدوري رقم (1577) (2 / 403) تحقيق وترتيب د / أحمد نور سيف.
(2) الكواكب النيرات (ص 323) .
(3) تاريخ بغداد (6 / 355) .
(4) كذلك عبدة بن سُليمان قال: إنه سمع سعيد بن أبي عروبة في الاختلاط إلا أنه لم يحدث بما سمع منه في الاختلاط. الكواكب النيرات (ص 196) .
(5) الجرح والتعديل (2/ 505) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
قال ابن سعد: “اختلط في آخر عمره فحجبه أهله في منزله حتى مات” (1) .
وأورده الذهبي في الميزان ثم قال: “فما ضره الاختلاط، وعامة من يموت يختلط قبل موته، وإنما المضعف للشيخ أن يروي شيئاً زمن اختلاطه” (2) .
7- أن يكون الراوي المختلط لم يحدث إلا من كتابه فهذا لا يتطرق إليه الضعف مثل عبد الرزاق فقد روى عن مصنفه حال اختلاطه.
قال البخاري: “ما حدث عنه عبد الرزاق من كتابه فهو أصح” (3) .
وقال السخاوي: “وقال الحاكم: قلت للدارقطني أيدخل في الصحيح (يعني حديث عبد الرزاق الصنعاني) قال: إي والله وكأنهم لم يبالوا بتغير عبد الرزاق لكونه إنما حدثه من كتبه لا من حفظه قاله المصنف” (4) .
وهناك قصة طريفة في مسائل البرذعي لأبي زرعة:
قال البرذعي: قلت لأبي زرعة: قرة بن حبيب تغيّر؟ فقال: نعم، كنا أنكرناه بآخره غير أنه كان لا يحدث إلا من كتاب به ولا يحدث حتى يحضر ابنه، ثم تبسم، فقلت: لم تبسمتَ؟ قال: أتيته ذات يوم وأبو حاتم فقرعنا عليه الباب، واستأذنا عليه، فدنا من الباب ليفتح لنا، فإذا ابنته قد خفّت، وقالت له: يا أبت، إن هؤلاء أصحاب الحديث، ولا آمن أن يُغلِّطوك أو يدخلوا عليك ما ليس من حديثك، فلا تخرج إليهم حتى يجيء أخي يعني علي بن قرة--------------------------------------------
(1) طبقات ابن سعد (7/346) .
(2) ميزان الاعتدال (1/39) .
(3) ميزان الاعتدال (2/610) .
(4) فتح المغيث (3/341) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
– فقال لها: أنا أحفظ فلا أمكنهم ذاك، فقالت: لست أدعك تخرج فإني لا آمنهم عليك، فما زال قرة يجتهد ويحتج عليها في الخروج وهي تمنعه وتحتج عليه في ترك الخروج إلى أن يجيء علي بن قرة، حتى غلبت عليه ولم تدعه، قال أبو زرعة: فانصرفنا وقعدنا حتى وافى ابنه علي، قال أبو زرعة: فجعلت أعجب من صرامتها وصيانتها أباها (1) .
حكم رواية المختلط:
قال ابن حجر: “والحكم فيه أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميّز، قُبل، وإذا لم يتميز تُوقف فيه، وكذا من اشتبه الأمر فيه، وإنما يعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه” (2) .
يعني: إذا عرف عن طريق تلامذته أن هذا الحديث بعينه أخذ عنه التلميذ قبل الاختلاط يكون مقبولاً صحيحاً.
وإذا عرف أن التلميذ أخذ عنه بعد الاختلاط، توقف فيه ولم يعمل به، وإذا لم يعمل به، صار في حيّز المردود.
وكذلك إذا لم يعرف، هل أخذ منه التلميذ هذا الحديث بعينه قبل الاختلاط أو بعده، توقف فيه حتى يوجد له متابعات وشواهد توافقه، فتقويه وتصححه، وإلا يبقَ متوقفاً فيه غير معمول به.
وهذا هو مقصود من قال: ترد روايته، أو تسقط روايته.
قال ابن الصلاح: “والحكم فيهم (أي المختلطين) ، أن يقبل حديث من--------------------------------------------
(1) أجوبة أبي زرعة على أسئلة البرذعي (ص575-576) ، تحقيق الدكتور: سعدي الهاشمي.
(2) نزهة النظر (ص139) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يعرف هل أُخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده” (1) .
وقال السخاوي: “فما روى المتصف بذلك في حال اختلاطه، أو أبهم الأمر فيه وأشكل بحيث لم يعلم أروايته صدرت في حال اتصافه به أو قبله؟ سقط حديثه في الصورتين، بخلاف ما رواه قبل الاختلاط لثقته، هكذا أطلقوه” (2) . وقال نحوه في "فتح الباقي" (3) .
فليس قصدهم رَدَّ رواية المختلط الذي روى عنه تلميذه بعد الاختلاط، أو أشكل أمره هل سمع قبل أو بعد؟ وإنما المقصود: أن حديث المختلط من هذا النوع لا يقبل بانفراده، ويبقى متوقفاً فيه للاعتبار، ليس مردوداً مطلقاً، ولا ساقطاً.
4- ومن أسباب العلة في الحديث: الاضطراب، وهو داخل في عدم تمام الضبط
وهذه العلة أيضاً من الأسباب الخفية المضعّفة لحديث الراوي، لأنها لا تظهر إلا بجمع الطرق والأسانيد وألفاظ المتون.
والاضطراب: افتعال من ضرب، فأصل الكلمة اضْتَرَب، فأُبدلت التاء طاءً، فصار اضطرب فهو مضطرب.
والاضطراب يأتي بمعنى الاختلاف، يقال: اضطرب الحبل بين القوم إذا اختلفت كلمتهم، واضطرب أمره اختلّ واضطرب تحرك وماج (4) .--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (ص352) .
(2) فتح المغيث (3/323-333) .
(3) فتح الباقي المطبوع بحاشية التبصرة والتذكرة (3/264) .
(4) تهذيب اللغة (12/20) ، ومختار الصحاح (ص379) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وأما تعريف المضطرب اصطلاحاً:
فقد قال ابن الصلاح: “المضطرب من الحديث، هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له.
وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان” (1) .
والاضطراب قد يكون في السند، وقد يكون في المتن، وتارة فيهما.
قال ابن الصلاح: “يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يكون على شخص واحد، وقد يكون على أكثر من ذلك” (2) .
وحكمه: أنه سبب مُضَعَّفٌ للحديث.
قال ابن الصلاح: “والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط” (3) . وتأتي أمثلته في الباب الثاني إن شاء الله.
5- ومن أسباب العلة: ما يتعلق بشرط الاتصال: وهو الانقطاع.
فإن كان ظاهراً لا يدخل في تعريف العلة، ولكن إذا كان الانقطاع خفياً وهو: الذي يسمى مرسلاً خفياً فيدخل في صميم تعريف العلة وهو ما إذا كان الانقطاع بين طالب وشيخه الذي سمع منه الكثير، ولازمه، فإذا كان مثل هذا التلميذ روى عن شيخه بواسطة، ثم حذف الواسطة، دخلت العلة هنا، فلا ينتبه لها إلا من له درك وجُهد في جمع الطرق الكثيرة. هذا إذا لم يكن التلميذ معروفاً بالتدليس.
وكذلك إذا كان الراوي أو التلميذ معاصراً، لكنه لم يلق الشيخ وهو في--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح (ص84) .
(2) علوم الحديث (ص85) .
(3) علوم الحديث (ص85) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)