Arabic source text

📘 ইনায়াতুল মুসলিমীন বিল লুগাতিল আরাবিয়্যাহ খিদমাতান লিল কুরআনিল কারীম - আহমাদ মুহাম্মাদ আল-খাররাত (আহমাদ আল-খাররাত)

📘 عناية المسلمين باللغة العربية خدمة للقرآن الكريم - أحمد محمد الخراط (أحمد الخراط)

📘 ইনায়াতুল মুসলিমীন বিল লুগাতিল আরাবিয়্যাহ খিদমাতান লিল কুরআনিল কারীম - আহমাদ মুহাম্মাদ আল-খাররাত (আহমাদ আল-খাররাত)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الخطاب رضي الله عنه فقال: مَنْ يُقرئني ممَّا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقرأه رجلٌ ((براءة)) ، فقرأ {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} (التوبة: 3) بجرِّ ((رسوله)) . فقال الأعرابي: أوقد بَرِئ الله من رسوله؟ فإن يكن الله بَرئ من رسوله فأنا أبرأُ منه. فبلغ عمر مقالة الأعرابي فقدعاه فقال: يا أعرابيُّ، أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني قدمْتُ المدينة، ولا علم لي بالقرآن فسألت: مَنْ يقرئني؟ فأقرأني هذا سورة براءة فقال: ((أنَّ الله بريء من المشركين ورسولِه)) فقلت: أوقد بَرِئ الله من رسوله؟ إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي. قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ((ورسولُه)) . فقال الأعرابي: وأنا أبرأ ممَّن برئ الله ورسولُه منه، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألَاّ يُقرئَ الناسَ إلا عالمٌ باللغة، وأمر أبا الأسود فوضع النحو.
ومع مرور الأيام تفشو ظاهرة اللحن في القرآن الكريم، إلى أن أصبحت بلاءً عاماً لا يخلو منه لسان كثير من الفصحاء، حتى الذين تربَّوا في البادية، فقد روى يونس بن حبيب أن الحجَّاج قال ليحيى بن يعمر: أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال يحيى: الأمير أفصح من ذلك، فألحَّ عليه فقال: حرفاً. قال الحجَّاج: أياً؟ قال: في القرآن. قال الحجَّاج: ذلك أشنع له، فما هو؟ قال: تقول: ((قل إنْ كان آباؤكم وأبناؤكم …إلى قوله {أَحَبَّ} (التوبة: 24) ، فتقرؤها ((أحبُّ)) بالرفع، والوجه أن تُقرأ بالنصب على خبر كان (1) .--------------------------------------------
(1) طبقات النحويين 28.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

ويذكر أن الحجَّاج قرأ ((إنا من المجرمون منتقمون)) (1) وكان كثير من أبناء العرب وُلِدوا لأمهات غير عربيات، فنشأ جيل من هؤلاء الأبناء لديه استعداد لكي يلحن في القرآن وغيره، ممَّا جعل الحاجَة تمسُّ للبدء في وضع ضوابط يُعْرف بها الصواب من الخطأ (2) .
ويمكن أن نضيف إلى هذه العوامل ما شاع في الوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه الأمة الإسلامية، إذ كان فيه مجموعة من اللغات المتداولة إلى جانب العربية، منها الفارسية والسريانية، وهذا الوسط الاجتماعي سوف يشهد تزاوجاً طبيعياً بين عناصره من اللغات المختلفة، ممَّا أدى إلى اتساع الفوارق بين اللغة الفصيحة واللغة المحكيَّة (3) ، ومثل هذه الفوارق تُقلق أصحاب الغَيْرة على لغة القرآن، وبذلك ترتبط نشأة النحو بجذور الحياة الإسلامية في ذلك الزمن.
وتختلف الروايات وتتضارب في تحديد أول مَنْ شرع يُسَجِّل بعض الظواهر النحوية، أو يبني شيئاً من الضوابط الأولية في فهم العلاقات بين عناصر التركيب اللغوي. يقول الزبيدي (4) : ((فكان أولَ مَنْ أصَّل ذلك، وأعمل فكره فيه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هُرْمز، فوضعوا للنحو أبواباً وأصَّلوا له أصولاً، فذكروا عوامل--------------------------------------------
(1) الآية (22) من سورة السجدة، وانظر: البيان والتبيين 2 / 218.
(2) المدارس النحوية 12.
(3) المفصل في تاريخ النحو 31.
(4) طبقات النحويين 11.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

الرفع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف، وكان لأبي الأسود في ذلك فضل السبق وشرف التقدم، ثم وصل ما أصَّلوه من ذلك التالون لهم والآخذون عنهم، فكان لكل واحد منهم مِن الفضل بحسبِ ما بَسَط من القول ومَدَّ من القياس وفَتَقَ من المعاني وأوضح من الدلائل، وبيَّن من العلل)) .
ومر بنا قبل قليل رواية تُرجع الأمر إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ أمر أبا الأسود بوضع النحو، كما روي عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري، ليوجِّه مَنْ يختاره لتعليم العربية؛ فإنها تدلُّ على صواب الكلام (1) . وذكر صاحب ((مراتب النحويين)) (2) أن أبا الأسود أخذ النحو عن علي رضي الله عنه لأنه سمع لحناً، فقال لأبي الأسود: اجعل للناس حروفاً، وأشار إلى الرفع والنصب والجر. وذكر صاحب ((نزهة الألباء)) أن عليّاً سمع أعرابياً يقرأ ((لا يأكله إلا الخاطئين)) (3) فوضع النحو.
ويقول الدكتور محمد خير الحلواني: ((ترجع قيمة أبي الأسود الدؤلي في تاريخ النحو إلى أنه هو أولُ مَنْ اتجه بالدراسة اللغوية إلى الاستقراء والاستنباط، وكانت قبله تقوم على محاكاة الأعراب والاختلاط بهم، وحِفْظ الشعر والأنساب، فتحوَّل بها إلى وضع الضوابط الدقيقة، ورَصْد الظواهر--------------------------------------------
(1) إيضاح الوقف والابتداء 1 / 31.
(2) مراتب النحويين 24.
(3) نزهة الألباء 8، والآية (37) من سورة الحاقة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

المتبدِّلة في تراكيب العربية)) (1) .
ارتبطت المعالم النحوية التي تركها أبو الأسود بواقع الحياة اللغوية البسيطة في عصره، وقد عُني في معالمه هذه بدَفع اللحن عن قراءة القرآن، حيث استخرج ضوابط الإعراب بحسب ما توفرَّ لديه من قدرات ووسائل (2) .
وينفي الدكتور شوقي ضيف (3) أن يكون لعصر أبي الأسود علاقة بالشروع في بناء الظواهر النحوية. ولسنا في مقام تحقيق هذه النسبة، بيد أنه يهمنا أن نشير إلى إجماع المؤرخين قديماً وحديثاً إلى أنَّ الدافع الرئيس لهذه النشأة إنما هو قراءة القرآن على نحوٍ صحيح، وتَفَشِّي اللحن لدى عامة المسلمين وخاصَّتهم. وقد تحدث ابن خلدون في ((مقدمته)) (4) عن فساد السليقة العربية ممَّا أدَّى إلى وقوع اللحن في القرآن، وشروع العلماء في حِفْظ اللسان، ولكنه لم يُحَدِّد مَن الذي بدأ هذه الجهود، يقول: ((لمَّا فسدت مَلكة اللسان العربي في الحركات المسمَّاة عند أهل النحو بالإعراب، واستُنْبطت القوانين لحفظها. فاسْتُعْمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم، مَيْلاً مع هِجْنة المستعربين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية، فاحتيج إلى حِفْظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين خشية الدروس، وما ينشأ عن الجهل بالقرآن والحديث، فَشَمَّر كثير من أئمة اللغة--------------------------------------------
(1) المفصل في تاريخ النحو العربي 101.
(2) انظر: الإيضاح للزجاجي 89، وفيات الأعيان 2 / 535، نزهة الألباء 6.
(3) المدارس النحوية 18.
(4) المقدمة 548.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

واللسان لذلك وأَمْلَوا فيه الدواوين)) . فابن خلدون يُنَوِّه بهمَّة علماء اللغة في تدوين ما توصَّلوا إليه من نظرات؛ بُغْيَةَ تيسير تلاوة القرآن وفَهْمه.
وفي موضع آخر من ((مقدمته)) ينصُّ على الدافع الرئيس من وراء هذه الحركة العلمية، فيقول (1) : ((وخشي أهل العلوم منهم أن تَفْسُدَ تلك المَلَكة رأساً ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا مِنْ مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطَّردة شبهَ الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام وبذلك تكون الخطوة الأولى في صَرْح تأسسيس علم النحو بمنزلة ردٍّ مباشر لتسرب اللحن إلى اللسان العربي بعامة، وإلى القرآن بخاصة، ولابد أن يكون قد صاحَبَ ذلك جهود تمثَّلَتْ في تأمُّل اللغة والنظر في مفرداتها وتراكيبها وشواهدها، فنجم عن تلك الجهود النواة الأولى لعلم النحو والإعراب، وكان الشروع في ضوابط العربية مِنْ قِبَل أصحاب النظر في اللغة. وازدهرت لإنجاز هذه المهمة حركة علمية واسعة، وهذا يدلُّ على شعور بالحاجة اللغوية وبروز التناقض بين المثال المتجسِّد في لغة القرآن والواقع الذي صارت إليه اللغة على ألسنة الناس (2) .
والحقيقة أنَّ كلَّ الروايات التي يسردها المؤرخون مفادُها تعثُّر قَرَأة كتاب الله مِن عامة الناس وخاصتهم، وهي تفسيرٌ لمشاعر الخوف الذي لابس المسلمين مِنْ جرَّاء شيوع اللحن.--------------------------------------------
(1) المقدمة 546.
(2) المفصل في تاريخ النحو العربي 73.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

ويضاف إلى العوامل السابقة في نشأة النحو الحاجة إلى فهم مناحي التركيب اللغوي ليصار إلى التعامل مع القرآن والاستنباط من أحكامه، وقد عدَّ العلماء الإحاطة بعلوم اللغة والنحو والتصريف من العلوم الرئيسة التي يحتاج إليها المفسِّر لكتاب الله (1) ، ومن هنا نشأ لدى السلف كراهية شديدة تجاه ظاهرة اللحن، وحَضٌّ على اكتساب العربية والتفقه في مواردها، فالخليفة الراشد عمر يقول: ((تَفَقَّهوا في العربية؛ فإنها تُشَبِّب العقل وتزيد في المروءة)) (2) . وقال أُبَيُّ بن كعب: ((تعلموا العربية كما تتعلَّمون حِفْظ القرآن)) (3) . وهذا قتادة يقول: ((لا أسأل عن عقل رجل لم يدلَّه عقله على أن يتعلَّم من العربية ما يُصْلح به لسانه)) (4) ، أما الأصمعيُّ فيخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوَّأ مقعدَه من النار" لأنه لم يكن يلحن، فمهما رَوَيْتَ عنه ولَحَنْتَ فقد كَذَبْتَ عليه)) (5) .
وهكذا جَدَّ علماء العربية من السلف، واجتهدوا إلى أن أقاموا صرح علمٍ من العلوم الإسلامية التي لا يَسْتغني عنها أحد من طلبة العلم، وأصبحت العربية من الدين نفسه، وأصبح تعلمها لفهم مقاصد الكتاب والسنة قربة إلى--------------------------------------------
(1) الإتقان 1 / 146،180، 2 / 174.
(2) طبقات النحويين 13.
(3) تنبيه الألباب 76.
(4) المصدر نفسه 71.
(5) معجم الأدباء 1 / 90، والحديث رواه البخاري في كتاب العلم (فتح الباري 1 / 242) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

الله، وعد كثير من العلماء تعلُّمها واجباً على المرء. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (1) : ((واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بَيِّناً، ويؤثِّر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق. وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجب؛ فإنَّ فَهْمَ الكتاب والسنة فرض، ولا يُفْهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب)) . وكان أبو عمرو بن العلاء يَعُدُّ العربية من الدين لا تنفصل عنه ولا ينفصل عنها، فبلغ ذلك عبد الله بن المبارك فقال: صدق (2) .
وبذلك تتضح لنا الصورة بجلاء، فعلوم النحو والصرف والإعراب مرتبطة من حيث نشأتها ونشاط أعلامها، بالحرص على لغة القرآن لكيلا يعروَها لحن، والحرص على فهم معاني كتاب الله وتدبُّر آياته.--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم 207.
(2) معجم الأدباء 1 / 53.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

‌‌المبحث الثالث: عناية المسلمين بالبلاغة خدمةً للقرآن الكريم
علم البلاغة غصن باسق من دوحة علوم العربية، وقد لقي هذا العلم من عناية السلف وجهودهم ما جعله عِلْماً قائماً برأسه؛ ليخدم بيان الوحي المعجز، وتفوُّقه على الأساليب البيانية الأخرى.
ويشير واقع العرب في أوائل عصر نزول القرآن الكريم إلى أن السليقة التي نشؤوا عليها في التذوق الفطري الأصيل وَفَّرَتْ عليهم تحليل مقومات روعة الكتاب العزيز، ثم إنهم لم تكن لديهم الوسائل التي تكفي بلوغ هذا التحليل، على نحو ما تيسَّر للأجيال التالية (1) .
ومع مرور الأيام برزت عوامل جديدة أدَّت إلى إضعاف أثر السليقة في التعامل مع النصوص الأدبية؛ فقد اختلط العرب الفصحاء بغيرهم، ووصلَتْ دعوة الإسلام إلى أقوام مختلفين، كما أثيرت شكوك ومطاعن في بلاغة القرآن وإعجازه، ممَّا جعل الكثيرين لا يكتفون بهذا التفوُّق الذي تُحِسُّه نفوسهم إزاء البيان القرآني، فمضَوا يحاولون استنباط ما يستطيعون استنباطه من وجوه البلاغة فيه، وأصبحت دراستُهم تقوم على الدليل العقلي والحجة وتسويغ مواطن الجمال التعبيري (2) .
ويُعَدُّ القرآن الكريم هو العامل الرئيس الذي ساعد على الشروع في--------------------------------------------
(1) انظر: التفكير البلاغي عند العرب 35، الموجز في تاريخ البلاغة 33.
(2) انظر: التفكير البلاغي عند العرب 36، البيان العربي للدكتور بدوي طبانة 43.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

الدراسات البلاغية بمختلف اتجاهاتها، وكان هذا العامل أهمَّ البواعث في إثارة الهمم للبحث الجادِّ عن ترتيب وجوه الكلام، والتمييز بين الأساليب ومعرفة الجوانب الجمالية في نسيج تركيب الجملة العربية (1) . ويُجْمع العلماء على أنه بفضل الكتاب العزيز نشأت علوم البلاغة التي أمدَّها النص القرآني بفيض من الأمثلة البديعة في محاسن الكلام وبديع النظم (2) .
والواقع أن القرآن الكريم أثار منذ اللحظات الأولى لنزوله حركة فكرية عند مُتَلَقِّيه، ممَّا جعلهم يلتفتون إلى ما جاء به في أساليب التعبير والبيان، ويُنَقِّبون عن كنوزها، ويوازنون بين صنوف الكلام المختلفة (3) . يقول الدكتور حمادي صمود (4) : ((غدا القرآن القطبَ الذي تدور حوله مختلف المجهودات الفكرية والعقائدية للمسلمين)) .
ولو تساءلنا عن أسباب نشأة علوم البلاغة التي هي المعاني والبيان والبديع، لَتَبَيَّن لنا أنها نشأت للدفاع عن القرآن، والردِّ على الذين أنكروا إعجازه. وقد عُرِفَ العرب بسليقتهم اللغوية أن عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن نابع منه؛ بما يتميَّز به من خصائص أسلوبية وبيانية، ولكن مع التأثُّر الجارف بالفلسفات الوافدة ذهب بعض المسلمين إلى ما عُرِفَ بنظرية--------------------------------------------
(1) البيان العربي 24.
(2) أثر القرآن على اللغة العربية للدكتور علي جميل 135.
(3) أثر القرآن في تطور النقد العربي 29.
(4) التفكير البلاغي عند العرب 34.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

الصِّرْفة (1) التي تأثرت بما يقوله الهنود عن كتابهم المقدس ((الفيدا)) ، إذ اعتقد البراهمة أنهم يعجزون عن الإتيان بمثله؛ لأن براهما صرفهم عن ذلك، وفي مقدور الخاصة محاكاته، ولكنهم ممنوعون احتراماً. وذهب إبراهيم النظَّام المعتزلي هذا المذهب، فكان يعتقد أن القرآن ليس في درجة من البلاغة والفصاحة تمنع من الإتيان بمثله، فبلاغته لاتزيد على بلاغة سائر الناس، وهو من جنس كلام البشر. ومثل هذا الرأي دفع علماء المسلمين إلى الخوض في مسائل البلاغة التي تدرس خصائص النص القرآني، ممَّا سيكون له أثر كبير في إغناء المباحث البلاغية، فقد أثمرت أهمَّ نظرية في تراثنا البلاغي وهي نظرية النظم (2) ، ومن هنا كان الردُّ على النظَّام ونظريته في الصِّرْفة باعثاً مهماً ومنطلقاً لعلماء البلاغة أن يُثْبِتوا تَفَوُّق الأسلوب القرآني على الأساليب البشرية وتميُّزه بصنوف البيان البديع، وهذا الدافع جعلهم يَبُثُّون بذور علم البلاغة وفروعها المختلفة، مما كان أساساً لاكتمال صورتها في مصنفات القرون التالية.
وإذا كان الدافع للاهتمام ببيان القرآن في أول الأمر هو الدفاع عن الكتاب العزيز أمام نزعات الشك وردِّ المطاعن، فإنَّ دراسات جادَّة شرعت في بناء منظومة واسعة، غرضها شرح أوجه إعجاز القرآن ودراسة أسلوبه.
وهذه الدراسات زَوَّدت مسيرة علم البلاغة بفيض من الأصول والأمثلة--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن للدكتور مصطفى مسلم 59.
(2) التفكير البلاغي عند العرب 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

التي اعتمدَتْها مصنفات علوم البلاغة فيما بعد القرون الأولى (1) ، وكان اختلاف وجهات النظر في مواطن إعجازه مادةً ثرَّة، رفدت هذه العلوم بروافد تأصيلية في البحث البلاغي والنقد الأدبي (2) ، وبذلك يتبيَّن لنا أن أهمَّ جانب ساعد على ظهور التفكير البلاغي هو الجانب المتصل بإعجاز القرآن، كما يتبيَّن لنا أن اتساع الدراسات البلاغية وازدهارها إنما كان لخدمة القرآن الكريم.
وتفرع على النظر في أسلوب القرآن واتخاذه المقياسَ البلاغي الأمثل النظرُ في الأساليب الأدبية نثرها وشعرها، والموازنة فيما بينها (3) . وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى مِن أوائل مَنْ أَلَّفَ فيها، وكان غرضه توضيح الأساليب القرآنية.
ويذكر ياقوت في ((معجم الأدباء)) (4) رواية عنه يقول فيها: ((قال أبو عبيدة: أرسل إليَّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومئة، فقدمتُ إلى بغداد، واستأذنْتُ عليه، فأَذِن لي فدخلتُ عليه … ثم دخل رجلٌ له هيئة، فأجلسه إلى جانبي، وقال له: هذا أبو عبيدة عَلَاّمة أهل البصرة، أَقْدَمْناه لنستفيد من علمه وقال لي: إني كنت إليك مشتاقاً، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرِّفك إياها؟ فقلت: هات. قال: قال الله--------------------------------------------
(1) أثر القرآن في تطور النقد العربي 208.
(2) الموجز في تاريخ البلاغة 47.
(3) الموجز في تاريخ البلاغة 45.
(4) معجم الأدباء 19 / 158.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

عز وجل {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} (الصافات: 65) ، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عُرِف مثله، وهذا لم يُعرف. فقلت: إنما كلَّم الله تعالى العرب على قَدْر كلامهم، أما سمعتَ قول امرئ القيس:
أيقتُلني والمَشْرَفيُّ مُضاجِعي … ومَسْنونةٌ زُرْقٌ كأنياب أَغْوال
وهم لم يَرَوا الغول قط، ولكنهم لما كان أمرُ الغول يَهولهم أُوعِدوا به، فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل، وعَزَمْتُ من ذلك اليوم أن أضع كتاباً في القرآن في مثل هذا وأشباهه، وما يُحتاج إليه مِنْ عِلْمه، فلمَّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سَمَّيْتُه المجاز)) .
ولم تقتصر علاقة القرآن بمنهج البحث البلاغي على الدفاع عنه والتماس وجه إعجازه، بل إن ثمة علاقةً أخرى، وهي الضرورة التي يُحِسُّها المسلم من جهة فَهْم معانيه (1) ، ولا يتمُّ هذا الفهم إلا بالإحاطة بأساليبه، وما يمكن أن ينطويَ وراء تعبيراته من المعاني والمقاصد، على قَدْر طاقة المشتغلين فيه. ومن هنا جال علماء البيان بضروب الأسلوب القرآني، وكان هذا من الحوافز التي وجَّهَتْ أنظارهم إلى الفنون المختلفة للتعبير الفني في الشعر والنثر، فوضعوا مصنفات كثير في هذه الحقول (2) ، وكانت هذه المصنفات صدىً لبيان خصائص النظم القرآني.
وكان من جملة أغراض البحث البلاغي عندهم إثبات أنَّ ما عُرِف في--------------------------------------------
(1) البيان العربي 25.
(2) أثر القرآن في تطور النقد العربي 208.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

أدب العرب من فنون جمالية عالية في التعبير، وقع مثله في القرآن على صورة أجملَ وآنَق، وقد فتحت المصنفات التي تركوها باب البحث البلاغي على مِصْراعَيْه، ووصلَتْ بالذوق البياني إلى كثير من الأصول التي تأسَّسَتْ عليها علوم المعاني والبيان والبديع (1) . يقول الدكتور بدوي طبانة (2) : ((من النادر أن نجد أثراً من الآثار التي عرضت للبيان العربي خلا من الإشارة إلى القرآن ونظمه، وهذا يؤكِّد بُعْدَ أثر الدراسات القرآنية في نُمُوِّ الدراسات البيانية وتنوُّعها، وعدم انقطاع هذا التأثر في سائر العصور)) .
وعندما ازدهر التصنيف في علوم البلاغة كانت خدمة القرآن الكريم ماثلةً أمام العلماء الذين كانوا يَعُدُّون جهودهم مُنْصَبَّةً في هذا المجال، حتى إننا لا نكاد نجد كتاباً في البلاغة مقصوراً على مباحثها النظرية، وبعيداً عن خدمة القرآن (3) ، فعبد الله بن المعتز مثلاً عندما شرع في البحث عن صنوف ((البديع)) وفنونه أشار إلى كثير من آيات القرآن، وكان يجعل الشاهد القرآني في مقدمة شواهده، وحين تكلَّم على ما سَمَّاه الجاحظ المذهب الكلامي قال (4) : ((وهذا بابٌ ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئاً، وهو يُنْسَبُ إلى التكلُّف)) .
وتُرْجِعُ معظم كتب البلاغة سبب تأليفها إلى إطْلاع الناس على مواطن أسرار البيان في القرآن، فالرمَّاني مثلاً يحصر البلاغة في أقسام عشرة هي:--------------------------------------------
(1) البيان العربي 44.
(2) المصدر نفسه 75.
(3) أثر القرآن في تطور النقد العربي 225.
(4) البديع 53.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

الإيجاز والتشببيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان. ثم يمضي لتفسير كل قسم في ضوء الآيات القرآنية وبيان أسرار الجمال فيها، وذلك في كتابه ((النُّكَت)) (1) الذي يُعَدُّ حلقة مهمة من حلقات التأليف في البلاغة العربية.
وقد بلغ التصنيف في علوم البلاغة غاية بعيدة من النضج والإحكام على يد الإمام عبد القاهر الجرجاني الذي وضع كتابَيْه ((أسرار البلاغة)) و ((دلائل الإعجاز)) ، وكان لهما منزلة عالية من نظج التفكير البلاغي، ويتضح فيهما توجيه علوم البلاغة توجيهاً خالصاً لخدمة القرآن الكريم.
وهذا هو صاحب ((الصناعتين)) يقول في مقدمة كتابه: ((قد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علمَ البلاغة، وأَخَلَّ بمعرفة الفصاحة، لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خَصَّه الله به مِنْ حسن التأليف وبراعة التركيب)) (2) ، بل إن العسكري في كتابه يرى أن أحقَّ العلوم بالتعلُّم وأَوْلاها بالتحفظ بعد المعرفة بالله، علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي يُعرف إعجاز كتاب الله تعالى الناطق بالحكمة (3) .
وهذا هو يحيى بن حمزة العلوي يؤلف كتابه ويسميه ((الطراز المتضمِّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز)) ويتحدث في المطلب الخامس من--------------------------------------------
(1) النكت في إعجاز القرآن 76.
(2) الصناعتين 7.
(3) الصناعتين 7.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

كتابه عن بيان غرضه فيقول (1) : ((واعلم أنه يراد لمقصدَيْن: المقصد الأول مقصد ديني، وهو الاطلاع على معرفة إعجاز كتاب الله ومعرفة معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا يمكن الوقوف على ذلك إلا بإحراز علم البيان والاطلاع على أسرار البلاغة والفصاحة في غير القرآن في منثور كلام العرب ومنظومه.
ويذكر القزويني في مقدمة كتابه ((التلخيص)) أن موضوع إعجاز القرآن كان السبب في وَضْع الكتاب، ويشير في مقدمته (2) إلى أن علم البلاغة وما يتبعه مِنْ أجَلِّ العلوم قَدْراً، وأدقِّها سراً؛ إذ به تعرف دقائق العربية وأسرارها، وتُكشف عن وجوه الإعجاز في نظم القرآن أستارها)) .
ومن هنا فإن الدارسين المحدثين لمحوا علاقة علم البلاغة بكتاب الله. يقول الدكتور مازن المبارك (3) : ((وهكذا نشأت البلاغة وترعرعت تحت راية القرآن والبحث في إعجازه، وهذا البحث هو الذي وصل بها إلى أن تصبح علماً مستقلاً يُخَصُّ بالتأليف، بل لقد ظلَّت البلاغة بعد نضجها واستقلالها أيضاً عالقة بفكرة إعجاز القرآن والدفاع عنها)) .
ويشارك القرآن الكريم في تربية الذوق البياني لدى الفرد، ويُنَمِّي لديه حاسَّة النقد والملكة الأدبية في الكشف عن مواطن الجمال (4) ، وقد وضع--------------------------------------------
(1) الطراز 32.
(2) التلخيص 22.
(3) الموجز في تاريخ البلاغة 48.
(4) أثر القرآن في تطور النقد العربي 334.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

البطليوسي (1) في شرحه لخطبة ((أدب الكاتب)) غرضَين لطلب الأدب والاهتمام بمدارسته، أحدهما: يقال له الغرض الأدبي، والثاني الغرض الأعلى، فالغرض الأدبي يَحْصُل للمتأدِّب بالنظر في الأدب والشعر، والغرض الأعلى يَحْصُل للمتأدِّب به قوة على فهم كتاب الله وكلام رسوله)) . ولذلك فإن معشر البلغاء والكُتَّاب كانوا حريصين على التزود من مَعين كتاب الله، كما كانوا يُوصون المتأدِّبين بالعكوف على أسلوبه وبيانه؛ ليفيدوا منه في صقل أساليبهم، وترقية بيانهم. يقول عبد الحميد الكاتب (2) : ((تنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب وتفقهوا في الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله عز وجل ثم العربية، فإنها ثِقاف ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط فإنه حِلْية كتبكم، وارْووا الأشعار، واعرِفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها؛ فإن ذلك مُعين لكم على ما تسمو إليه هممكم)) .
وهكذا نخلص إلى أن البلاغة العربية في نشأتها وتطورها وثمارها لاتنفكُّ عن القرآن؛ إذ سَعَتْ في خدمة بيانه، وساهمت في شرح إعجازه وبديع نظمه.--------------------------------------------
(1) الاقتضاب للبطليوسي 14.
(2) تاريخ الأدب العربي، د. عمر فروخ 1 / 730.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

‌‌المبحث الرابع: عناية المسلمين بالشعر خدمة للقرآن الكريم
للشعر منزلة كبيرة في علوم العربية؛ لأنَّه هيَّأ لها مادة واسعة في سبيل تأصيل مفردات اللغة، وبيان نسيج تركيبها وأوجه استعمالاتها. وقد عني به علماء العربية خدمة للقرآن الكريم؛ لأنه ديوان العرب، وكان له قبل الإسلام منزلة سامية لدى القبائل العربية، كما كان للشعراء مرتبة رفيعة، بَيْدَ أن بيان القرآن المعجز لم يستطع الشعر مغالبته، وصارت الألسنة تلهج بتلاوة النص القرآني الفريد.
ومع أن الناس كانوا يُجْمعون على تفوُّق بيانه لم يهجروا الشعر، بل عَدُّوه عوناً لهم على فَهْم مُعْضِلات القرآن، والوصول إلى معانيه (1) ، ومن هنا صار الشعر وسلية ذات شأن، أصبحت تساهم مساهمة فاعلة في تفسير القرآن، وخدمة جوانبه المتعددة.
والواقع أن العناية بلغة الشعر والاستشهاد بها على غريب القرآن ومفرداته وبيانه، ليست مسألة طارئة على الحياة العلمية في عصر التابعين، وإنما كانت هذه العناية مألوفة عند الصحابة رضوان الله عليهم؛ فقد أورد الزمخشري (2) رواية عن الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، حيث سأل وهو على المنبر--------------------------------------------
(1) أثر القرآن في تطور النقد العربي 194.
(2) الكشاف 2 / 411، وانظر: الدر المصون 7 / 225.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

عن قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} (النحل: 47) . فقام إليه شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا، التخوُّف التنقُّص. فسأله عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم. قال الشاعر:
تَخَوَّف الرَّحْلُ منا تامِكاً قَرِداً … كما تخوَّفَ عودَ النَّبْعَة السَّفِنُ (1)
فقال عمر: أيها الناس، عليكم بديوانكم لا يضلُّ. فقالوا: وما ديواننا؟
قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.
وقام حَبْرُ الأمة ابن عباس رضي الله عنه في ميدان الاستشهاد بالشعر على غريب القرآن بجهد متميز، وكان له مجالس واسعة تعقد لهذا الغرض، ويَفِدُ إليه الناس من كل حدب وصوب، وكان يقول (2) : ((إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب)) .
وقال عمرو بن دينار (3) : ((ما رأيت مجلساً قط أَجْمَعَ لكل خير من مجلس ابن عباس للحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر)) . وتحتفظ مصنفات علوم القرآن بحوار علمي مطولٍ جرى بين أحد زعماء الخوارج وهو نافع بن الأزرق وابن عباس، فقد قال نافع لصاحبه نجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن والفتيا بما لا عِلْمَ له به. فقاما إليه فقالا: نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله عز وجل فتفسِّره لنا، وتاتينا بمصداقه من--------------------------------------------
(1) التامك: السنام. القرد: الذي تراكم لحمه من السِّمن. والنبعة: ضرب من الشجر الصلب. والسفن: المبرد.
(2) طبقات القراء 1 / 426.
(3) طبقات القراء 1 / 426.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

كلام العرب، فإن الله عز وجل إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين. قال ابن عباس: سَلاني عمَّا بدا لكما تجدا علمه عندي حاضراً إن شاء الله. فقالا: يابن عباس أخبرنا عن قول الله عز وجل: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} (المعارج: 37) قال: عزين: حلق الرفاق. قال: وهل تعرب العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول:
فجاؤوا يُهْرَعون إليه حتى … يكونوا حول مِنْبره عزينا
قال نافع: يابن عباس أخبرني عن قول الله عز وجل {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} (المائدة: 35) قال: الوسيلة: الحاجة. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عنترة العبسي وهو يقول:
إنَّ الرجالَ لهم إليك وسيلةٌ … إن يأخذوك تكحَّلي وتَخَضَّبي
ويمضي نافع يسأل، وابن عباس يُفَسِّر ويستشهد على تفسيره ببيت من الشعر في مئتين وخمسين موضعاً من القرآن (1) ، وقد حقَّق هذه المسائل الدكتور إبراهيم السامرائي بعنوان ((سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس)) . يقول الدكتور رمضان عبد التواب (2) : وبذلك يمكننا أن نَعُدَّ تفسير ابن عباس للقرآن على هذا النحو نواةً للمعاجم العربية، فقد بدأت الدراسة في هذا الميدان من ميادين اللغة بالبحث عن معاني الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم)) . وكان ابن عباس يقول: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها، فالتمَسْنا--------------------------------------------
(1) إيضاح الوقف والابتداء 1 / 76-98، الإتقان 1 / 121.
(2) فصول في فقه اللغة 110.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

معرفة ذلك منه)) (1) ، وبذلك تكون دراسة القرآن الكريم والرغبة في تفسير غريبه وفهم مقاصده سبباً رئيساً من أسباب العناية بالشعر العربي. ومع مرور الأيام تزايدت الحاجة إلى هذا الاتجاه، وتابع هذا المنحى علماء العربية والتفسير، ولا غرابة أن تحفل كتب إعراب القرآن وتفسيرة بمادة غزيرة من الشعر العربي الفصيح، فقد تجاوزت الشواهد الشعرية في كل من البحر والمحيط وجامع القرطبي والدر المصون مثلاً أكثر من خمسة آلاف بيت.
ونجم عن العناية برواية الشعر الكشف عن أسرار الأسلوب القرآني وإعجازه، وتفوُّقه على أعلى مراتب الشعر البليغ الذي كانت العرب تحتفل به أيَّما احتفال، وهي الخبيرة بمواقع النظم الرفيع، وللجرجاني في كتابَيْه ((الدلائل)) و ((الأسرار)) ، وللباقلاني في ((إعجاز القرآن)) ، جولات واسعة في هذا الحقل، حيث وازن هؤلاء الأئمة بين أسلوبَيْ القرآن والشعر، وعرضوا أمثلة وافية؛ وذلك لأنَّ الشعر ديوان العرب نظم فيه أصحابه عصارة بيانهم وصفوة بلاغتهم. ويرى عبد القاهر (2) أنه لمَّا كان الشعر ديوان العرب كان محالاً أن يَعْرف القرآنَ معجزاً مِنْ جهة فصاحته إلا مَن عرف الشعر. ونودُّ أن نضرب مثالاً من كتاب ((إعجاز القرآن)) للباقلاني يوضِّح من خلاله تَفَوُّق الأسلوب القرآني على أعلى أساليب العرب في الشعر من حيث البلاغة والبيان يقول (3) : ((ونظم القرآن جنس متميز، وأسلوب متخصص،--------------------------------------------
(1) الإتقان 1 / 121.
(2) دلائل الإعجاز 7.
(3) إعجاز القرآن 160.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)